islamaumaroc

الهجرة المحمدية

  دعوة الحق

126 العدد

  احتفل العالم الإسلامي احتفالا رائعا في مختلف أقطاره بمناسبة ذكرى الهجرة النبوية التي كانت بداية انتصار رائع للإسلام، وتأسيسا لكيان أمة سادها التخاذل، وضعف الشوكة، وتحصينا للدعوة المحمدية ضد العقائد الفاسدة والعادات الهزيلة الواغلة ...
وقد مرت مهرجانات دينية في بلادنا بهذه المناسبة الخالدة حيث وجهت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية عدة وعاظ ومرشدين في أنحاء البلاد للتذكير بهذه الذكرى الخالدة وتمجيدها ...
وفي المساجد كانت خطب الأئمة في يوم الجمعة 27 ذي الحجة 1389 تدور حول الهجرة المحمدية وعلى صاحبها أفضل الصلاة والسلام.
وقد اخترنا خطبة نموذجية ألقيت بجامع السنة الأعظم بالرباط لفضيلة الخطيب المصقع الأستاذ الشيخ محمد المكي الناصري.
 
الحمد لله الذي جعل «الهجرة المحمدية» إيذانا بالفتح المبين والنصر المكين للإسلام والمسلمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم الأنبياء وإمام المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين، صلاة وسلاما تامين دائمين إلى يوم الدين.
أما بعد – أيها الناس:
في الأيام القليلة القادمة نودع عاما، ونستقبل عاما، من تاريخنا الإسلامي المجيد، نودع العام التاسع والثمانين ونستقبل العام التسعين بعد ثلاثمائة وألف، وهذا التاريخ يرتبط بذكرى حادثة عظيمة لها أعمق الأثر في حياة الإسلام والمسلمين خاصة، وحياة الإنسانية عامة، ألا وهي حادثة الهجرة من مكة إلى المدينة، التي كانت نقطة الانطلاق لانتشار الإسلام وامتداد نفوذه عبر الآفاق، وقد مهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذه الهجرة بدعوة الحجاج الوافدين من الأوس والخزرج خلال موسم الحج إلى الإسلام، فأسلم فريق منهم أولا، ثم بايعه فريق أكثر عددا في العام التالي، وأخيرا بايعه بالنيابة عن مسلمي المدينة ثلاثة وسبعون رجلا وامرأتان في العام الذي يليه، وذلك بعد فراغهم من الحج، واختاروا من بينهم اثنى عشر نقيبا كفلاء عنهم، تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس، وأثناء هذه الاتصالات بعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير، وأمره أن يقرئهم القرآن ويعلمهم الإسلام ويفققهم في الدين، فكان مصعب يعرف في المدينة باسم «المقرئ»، وهو أول من أطلق عليه هذا الإسلام في الإسلام، وفشا الإسلام في المدينة حتى لم تبق دار من دورها إلا وفيها ذكر لرسول الله. وبعد بيعة «العقبة» الثانية أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من معه من المسلمين بمكة أن يخرجوا منها إلى المدينة ويلحقوا بإخوانهم فيها قائلا لهم: «إن الله قد جعل لكم إخوانا ودارا تأمنون بها»، فخرجوا زرافات ووحدانا، مشاة
وركبانا، واستمرت هجرة الصحابة من مكة إلى المدينة خلال شهر المحرم وشهر صفر، ولم يتخلف مع رسول الله بمكة إلا من حبس أو فتن، بالإضافة إلى علي بن أبي طالب وأبي بكر الصديق، وكان أبو بكر كثيرا ما يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة فيقول له: «لا تعجل، لعل الله يجعل لك صاحبا» فيطمع أبو بكر أن يكونه. وفي شهر ربيع الأول أذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى المدينة، ليكون على رأس صحابته من المهاجرين والأنصار، فوصلها رفقة صاحبه أبي بكر الصديق يوم الاثنين، لثنتي عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول، وهو ابن ثلاث وخمسين سنة، بعدما قضى بمكة ثلاث عشرة سنة منذ البعثة، وكان وصوله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بداية تاريخ الإسلام، الحافل بعظائم الأعمال والأحداث الجسام، وهكذا لم تكن الهجرة حدثا طارئا ولا مفاجئا، بل كانت نزولا على حلف طاهر كريم أخذت فيه مواثيق الصدق والوفاء، على بذل الأرواح والفداء، تنفيذا لخطة مرسومة بوحي الله، وضمانا لإعلاء كلمة الله؛ قال تعالى: ?وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيراً وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا? (النساء: 100)
                                                      * * *
  إذا ذكرنا الهجرة من مكة إلى المدينة ذكرنا تأسيس أول «مدينة إسلامية» نموذجية في الوجود، تحققت بواستطها «المدينة الفاضلة» التي ظلت حلما لذيذا يراود خيال الحكماء دون أن يصلوا إليه، أو يعثروا عليه. وإذا ذكرنا الهجرة من مكة إلى المدينة ذكرنا تنظيم أول «مجتمع إسلامي» مثالي في الوجود، تحقق بواسطة المجتمع الإنساني الكامل، المجتمع المتعاطف المتكامل، مجتمع العدل والرفق والإحسان، الذي يضمن كافة حقوق الإنسان. وإذا ذكرنا الهجرة من مكة إلى المدينة ذكرنا ظهور أول «دولة إسلامية» برزت في العالم قائمة على شريعة الله، فطبقت في الحياة منهج الله، وامتد ظلها في كل اتجاه، وإذا ذكرنا الهجرة من مكة إلى المدينة ذكرنا «الوجود الإسلامي» البارز، الذي يفرض نفسه على العالمين، وذكرنا «الكيان الإسلامي» الممتاز، الذي لا يرضى أن يفنى أو يندمج في الآخرين، فبالهجرة تميزت «دار الإسلام» عن غيرها من الديار، وبالهجرة أصبحت للإسلام دولة ذات سيادة مصونة الجانب، لا يستطيع أن يعتدي عليها الأغيار. ومن أجل حماية «دار الإسلام» والدفاع عن سيادته اشتبك المسلمون مع مشركي قريش في عدة سرايا وغزوات، انتهت أخيرا بالفتح المبين، والنصر المؤزر للإسلام ورسوله الصادق الأمين. وعندما فتح الله مكة لرسوله طاف عليه السلام بالبيت الحرام، ثم وقف على باب الكعبة فقال: «لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، يا معشر قريش: إن الله أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء. الناس من آدم، وآدم من تراب»، ثم ارتحل عليه السلام راجعا إلى المدينة، فلما رآها قال: «الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. ءائبون تائبون، عابدون ساجدون، لربنا حامدون، صدق الله وحده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده».
                                                      * * *
  في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه الخليفة الثاني لرسول الله صلى الله عليه وسلم اجتمع الناس بأمره للمشورة في أمر التاريخ الإسلامي، وتساءلوا فيما بينهم: ما هو الحدث الذي يستحق أن يكون مبدأ لتاريخنا المجيد: فقال له بعضهم: «أرخ لمبعث رسول الله» وقال له بعضهم: «أرخ لمهاجرة رسول الله»، واختار عمر الرأي الثاني فقال: «بل نؤرخ لمهاجرة رسول الله، فإن مهاجره فرق بين الحق والباطل»، فوافقه المسلمون على ذلك، وأصبح من المقرر أن يكون العام الذي هاجر فيه رسول الله إلى المدينة هو العام رقم واحد في التقويم الإسلامي، وبقيت مسألة تحديد أول شهر لهذا العام، فوقع الاختيار على أن يكون شهر المحرم هو بداية العام الهجري، وقال عمر في ذلك قولته المشهورة: «نبدأ بالمحرم، فهو منصرف الناس من حجهم، وهو شهر حرام».
ومما يؤيد هذا القرار الحاسم والرأي السليم أن بيعة «العقبة» الثانية التي بايع فيها الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتي قرر على إثرها هجرته مع أصحابه إلى المدينة كانت في أواسط ذي الحجة، وفي الشهر الذي تلاها وهو المحرم بدأ ؟

أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة يهاجرون فعلا إلى المدينة بأمره، فكانت بداية تنفيذ الهجرة وتطبيق ميثاقها في شهر محرم، وإنما بقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة إلى ربيع الأول ليشرف على هجرة أصحابه منها، حتى إذا لم يبق بها إلا من حبس أو فتن فارقها رسول الله صلى الله عليه وسلم والتحق بأصحابه من المهاجرين والأنصار، وبذلك كان شهر محرم هو بداية العام الهجري، لأنه أول شهر بدأت فيه الهجرة إلى المدينة قولا وعملا.
                                                       * * *
  ما أسد نظر سلفنا الصالح عندما اختاروا الهجرة لتكون فاتحة تاريخ الإسلام، فذكرى الهجرة تعيد إلى ذهن كل مسلم ومسلمة صمود المسلمين أمام أعدائهم، وثباتهم على عقيدتهم، والدفاع المستميت عن كيانهم، وبذل جميع التضحيات في سبيل عزتهم وعزة دينهم، والعمل بكل الوسائل على فرض وجودهم، فهي ذكرى الكفاح والنضال، الذي يجب أن يستمر باستمرار العصور والأجيال، قال تعالى: ?إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ? (التوبة: 40)
نفعني الله وإياكم بكتابه المبين، وبحديث سيد المرسلين، وختم لي ولكم بالخاتمة الحسنى ولجميع المسلمين آمين والحمد لله رب العالمين.


 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here