islamaumaroc

ما هو الدور الفعال الذي يجب أن يقوم به الطلبة في تكوين العالم الإسلامي

  دعوة الحق

126 العدد

 قبل أن أدخل في صلب الموضوع الذي أريد أن أتحدث إليكم عنه أود أن أعرب عن السرور الذي يساور قلبي عما أشاهد في جميع الجامعات والكليات في العالم الإسلامي بل في العالم غير الإسلامي، إلى حدما، من وجود مجموعة طيبة من الشباب الذين استنارت قلوبهم بنور العقيدة. والذين يقدرون مسؤولياتهم في الدنيا كمسلمين. ويبذلون قصارى جهدهم في بعث الروح الإسلامية في المعاهد التعليمية. وهذه الظاهرة لا يتمالك كل من في قلبه حب وإخلاص للعالم الإسلامي إلا أن يقدرها وينظر إليها بنظرة الرضا والإعجاب والاستحسان. كما أن هذه الظاهرة ليست مما ينطوي على نوع من الخطر، بل من عين فضل الله على هذه الأمة البائسة أن يوجد في المعاهد التعليمية وفي الحقول التربوية شباب يعرفون واجبهم ويؤدونه بنشاط ووعي، رغم ما يسود النظام التعليمي والتربوي في كافة البلاد الإسلامية من أفكار وتقاليد غربيتين.
أما الموضوع الذي أريد أن أحدثكم فيه فهو : ما هو الدور الذي يجب أن يقوم به الشباب ولاسيما الطلبة منهم في بناء مستقبل العالم الإسلامي؟

أوضاع متجانسة ومشكلة واحدة :
يجب أن تثبتوا في قرارة أذهانكم، قبل كل شيء، أن كلمتي هذه موجهة إلى الطلبة في جميع البلاد الإسلامية التي بعد بقائها لمدة من الزمن تحت الاستعمار الغربي المباشر، وانهزامها أمام الأمم الغربية في كافة مجالات الحياة، استسلمت في النهاية للفكر الغربي والحضارة الغربية، وعادت كل شعبة من شعب حياتها، بما فيها شعبة من شعب حياتها، بما فيها شعبة التعليم والتربية، تمثل النظريات والمناهج التي تلقتها من الغرب. أن الظروف والأوضاع التي يعيش فيها العالم الإسلامي بأسره اليوم هي ظروف وأوضاع متمائلة متجانسة، كما أن الطلبة في العالم الإسلامي جميعه يواجهون مشكلة واحدة.

الأمة الإسلامية لا البلاد الإسلامية :
والأمر الثاني الذي يجب أن لا يغيب عن بالكم كذلك هو أن ليس مرادي بالبلاد الإسلامية حدودها الإقليمية، أو جبالها الشامخة، أو أنهارها الساحرة، أو شلالاتها الهادرة بل هي عبارة عن أشخاص يعيشون في حدودها. ومن المعلوم أن الإنسان دائما عرضة للفناء، ولكل منهم أجل مسمى. إذن فإننا إذا أردنا أن تخلد في هذه البلاد حضارتنا وثقافتنا، وتدوم فيها مدينتنا ومنهاج حياتنا فلن يتحقق هذا إلا أن تنقل بأمانة ونزاهة وصدق ما توارثناه عن أسلافنا من ميراث إلى أجيالنا القادمة. لا هذا فحسب، بل نجعل أجيالنا القادمة كذلك تصلح لحمل هذه الأمانة بكل كفاءة وشعور لتتمكن هي كذلك بدورها من نقل هذه الأمانة إلى ما يعقبها من الأجيال.

حقيقة فناء الأمم وبقاؤها :
أن الأمم التي بادت واندثرت في الدنيا حيث لم يبق لها أثر. ما بادت واندثرت بمعنى انقطاع جنسها. بل إنها بادت بمعنى أن يكانها القومي انهار وزال عن الوجود. ونحن إذا قلنا- مثلا- أن الأمة البابلية هلكت أو أن الأمة الفرعونية انعدمت، نريد بذلك : أن الحضارة التي كان أهل بابل والفراعنة يرفعون لواءها انمحت خصائصها، وذهبت سماتها المميزة هباء منثورا. أما الجيل البابلي فهو لا يزال يتناسل ويتوالد إلا أن شخصيته القومية اندثرت، وكذلك جنس المصريين القدامى لا يزال على وجه الأرض يتناسل ويتوالد، ولكن الحضارة التي عرفت بالحضارة الفرعونية فلا ترى لها أثرا. لأن أجيالهم التي توالت فقدت الكفاءة التي تستطيع بها نقل ما توارثته عن أسلافها إلى أخلافها. وقد ثبت من ذلك أن أجيال شعب من الشعوب إذا فقدت شخصيتها القومية وانصهرت في بوثقة شخصية أخرى فهذا يعني أنها قد اندثرت وفنيت. ومما يشهد عليه التاريخ إن غابت اثنتا عشرة قبيلة من بني إسرائيل عن الوجود ولم يعثر لها التاريخ حتى هذه الساعة على أثر. فلا يفسر ذلك بأنها قتلت عن ءاخرها أو اقتلعت جذورها من الأرض إلى الأبد، بل المراد من ذلك أنها قد مات فيها الوعي الإسرائيلي، ولم ينتقل هذا الوعي إلى أجيالها المتعاقبة. ثم لما اندثرت فيها الخصائص الإسرائيلية والحضارة والمدنية الإسرائيلية التي كانت تميزها عن غيرها ذابت في الشعوب الأخرى في الدنيا. حتى لا يعلم أبناؤها اليوم بأنهم إسرائيليون. ومن ثم فالذي تتوقف عليه حياة شعب من الشعوب ويرجع إليه بقاءه واستمراره على المعمورة هو عنايته بإعداد جيل قادم  على مستوى  يجعله كفؤا للمحافظة على شخصيته القومية. وبما أن هذا الموضوع من الأهمية بمكان أريد أن أشرحه لكم بشيء من التفصيل.

واجب تحويل التراث الحضاري إلى الأجيال القادمة :
إن هذه الأرض التي تعيشون عليها كان قد فتحها أسلافنا لتتمثل فيها الحضارة الإسلامية، ويطبق فيها نظام الحياة الذي كانوا يؤمنون به، وتحكمها القوانين التي كانوا رأوها صحيحة، ومناهج العمل التي اعتبروها صالحة وأن استمرار الأجيال الإسلامية يعتمد كليا على سعي الجيل الحاضر لنقل التمدن والحضارة الإسلامية في منهجها الرباني الراشد الذي توارثناه عن أسلافنا الكرام وتميزنا به عن أمم العالم أجمع نقله إلى الجيل الناشئ.
لا يمكن أن يدوم الأفراد المسلمون، ولكنه من الممكن أن تدوم الأمة الإسلامية طوال القرون، بشرط أن تتوفر فيها الكفاءة اللازمة في كل دور من أدوارها لنقل التراث الحضاري إلى الأجيال القادمة، وأن تستمر عملية نقل التراث هذه على مر الأجيال. وأما إذا لم نقدر على إبقاء الخصائص الحضارية المميزة لأمتنا وأضحت أجيالنا الناشئة تصطبغ بالحضارة الأمريكية مثلا، وتفتتن بها، وتنصاغ في قالبها بدلا من الحضارة الإسلامية، فإن هذه الأرض لن تبقى أرضا إسلامية، وإنما تتحول أرضا أمريكية آجلا أو عاجلا. نعم ستوجد أجيالنا على وجهها ولكن متمثلة في قالب أمريكي. ولا يعني ذلك بقاء الحضارة الإسلامية التي لأجلها أخذت هذه الأرض، بل يعني ذلك بقاء الحضارة الأخرى، التي تقضي على شخصيتنا القومية أو بالأحرى على شخصيتنا الإسلامية. ولكم أن تتبينوا من ذلك طبيعة مسألة التي يواجهها الطلبة وتدركوا أهميتها ودورها في التاريخ. إن هذه المسألة ليست مسألة التعليم فقط بل هي مسألة لها علاقة مباشرة بكيان الشخصية الإسلامية وبقائها واستمرارها. ونحن لا نستطيع أن نبقى كأمة إسلامية إلا أن يبقى النشئ الجديد الذي يجتاز اليوم دور التكوين والإعداد في المعاهد التعليمية والتربوية .. يبقى هذا النشيء متمسكا بالحضارة الإسلامية وحاملا لواءها وداعيا إليها.

طريقتان لعملية نقل التراث الحضاري :
ولا تتحقق هذه الغاية إلا بطريقتين : الطريقة الأولى : أن ينهض الطلبة أنفسهم لتحقيقها. والطريقة الأخرى : أن تضع الحكومة نظاما للتعليم والتربية يحقق هذه الغاية. وألقي الأضواء بإيجاز على هاتين الطريقتين فيما يلي :
طريقة تخص بالطلبة :
أن الطلبة الذين يدرسون في الجامعات والكليات يبلغون سد الرشد، ويتمتعون بالنضج
والوعي، ويستطيعون أن يميزوا الخبيث من الطيب والخير من الشر. وأن التعليم الذي يتحصلونه بإمكانه كذلك أن يجعلهم يعرفون شخصياتهم إن أرادوا، ويشقون الطريق إلى الأمام أن نهضوا. ومن ثم فإن كل الثقل في هذا الشأن لا يكون على عاتق الحكومة وحدها، بل على عاتق الطلبة أنفسهم كذلك. ويجب أن يكون الطلبة الشباب على شعور تام بأنهم مسلمون وأنهم مدعوون لأن يعيشوا على هذه الأرض حياة إسلامية ويحتم ذلك أن تلتهب في نفوسهم جذوة الشوق إلى معرفة ما هو المنهاج الذي يضمن لهم البقاء، وما هي الخصائص البارزة المميزة للأمة الإسلامية أي الخصائص التي إذا تخلوا عنها، وفقدوها بنهار كيان شخصية الأمة الإسلامية وتصبح خاوية على عروشها.

مبادئ الإسلام الأساسية :
إن جوهر الإسلام وأساس بنائه عقيدة التوحيد، وعقيدة الرسالة، وعقيدة البعث. ويجب أن يكون كل رجل من المسلمين على معرفة بهذه العقائد أو الدعائم الثلاثة. ويجب أن يكون كذلك على معرفة بأن هذه العقائد إذا تسرب إليها الشك، أو تغلغل إليها الضعف، لا يمكن أن يعيش بعد ذلك في الدنيا في ظلال الحضارة الإسلامية. أن أي كل شيء يدخل الشك أو الوهن على هذه العقائد والأسس الجوهرية يستأصل الحضارة الإسلامية من جذورها. أن هذه الأرض لن تبقى كأرض إسلامية إن لم تبق فيها الحضارة الإسلامية كما أن الحضارة الإسلامية في الدنيا لن تبقى أبدا إذا لم تدعمها المبادئ الثلاثة : مبدأ التوحيد، ومبدأ الرسالة، ومبدأ البعث بعد الموت.

ضرورة تركيز الجهود على المحافظة على هذه المبادئ :
والذي يجب العناية إليه أكثر من غيره هو أن ينهض الطلبة الذين يتمتعون بالشعور الإسلامي لمقاومة كل حركة أو دعوة تدعو إلى الإلحاد والمادية. وتعمل للتشكيك في العقائد الإسلامية وتوهن الإيمان بها. فلا يدعوا حركة من شأنها القضاء على هذه العقائد أن ترفع رأسها وتزدهر وتشق طريقها إلى الإسلامية في الأرض، والرجل الذي يبث في أذهان الإمام بينهم، يجب أن يقاوموها متخذين أية وسيلة من الوسائل الممكنة حرصا على بقاء الشخصية الإسلامية في الأرض. والرجل الذي يبث في أذهان الناس شبهات حول هذه العقائد في الأرض الإسلامية فإنه لا يقترف جريمة الكفر فقط، ويقترف جريمة الإرتداد فقط، بل هو يرتكب الخيانة الكبرى في حق الأرض الإسلامية، ويقصد استئصال شافتها. هذه حقيقة يجب أن تسجلوها على لوح قلوبكم، وأن فرط أحد منكم في هذا الأمر فليحذره في المستقبل. ومن هنا فلا يترك للأفكار الهدامة والمبادئ الإلحادية أن تنبت، وتترعرع، وتستوي على سوقها في معهد من المعاهد، أو في كلية من الكليات، أو في جامعة من الجامعات، أو في مدرسة من المدارس في البلاد الإسلامية، ولا يتاح لفلسفة من الفلسفات التي تهدم دعائم الإسلام الأساسية، وتدخل الشك على مبادئ الإسلام الأصيلة، أن تتأصل أصولها، وتثمر ثمارها الخبيثة، وتنتج نتائجها المرة.

ضرورة الاستمساك بالأخلاق الإسلامية والحضارة الإسلامية :
والأمر الثاني الهام الذي يجب أن يلتفت إليه إخواننا الطلبة الشباب هو أن يعلموا : أن بقاءنا كما يتوقف على عقيدة الإسلام، كذلك يتوقف على الأخلاق والقيم الإسلامية. فهناك علاقة عميقة وثيقة بين العقيدة والأخلاق. ووجود أحدهما يستلزم وجود الآخر. وأن العقيدة الإسلامية هي التي تطلب منا الأخلاق والقيم المخصوصة. ومما شوهد منذ فترة طويلة أن معاهدنا التعليمية في الطلبة. بل مما زاد الطين بلة الاعتناء بزرع بذور الثقافة التي تعارض جميع التصورات الإسلامية، وتناوئ سائر المبادئ الإسلامية للأخلاق فيها. ولنكن على ذكر : أن الأخلاق والقيم التي تستطيع أن تنهض على أساسها أمة من الأمم الغربية لا نستطيع نحن أن ننهض عليها، بل نحن لا نقدر على النهوض والتقدم والرفعة والسيادة في العالم إلا بالمبادئ الخلقية التي جاءنا بها الإسلام وهدانا الله ورسوله إليها. ويمكن لرجل من الغرب أن يضحي بنفسه ونفيسه دفاعا عن وطنه وهو يعيش راقصا طربا ومدمنا للخمر وممارسا لجميع المنكرات والفواحش الأخلاقية. وذلك لأن الفلسفة التي تقوم 
على أساسها أخلاقه المادية لا تعارض هذه المنكرات والفواحش. إلا أن المسلم الذي يعلم كل العلم أن هذه الأشياء قد حرمها الله ورسوله، لا يمكن أن ينبع هذا النوع من الحياة ويختار هذا الطراز من الثقافة إلا إذا أعرض عن التعاليم الإسلامية الأساسية، ونبذها وراء ظهره. أن الرجل الغربي إذا اقترف هذه الموبقات فهو لا يتعارض مع ما لديه من المبادئ الخلقية والقيم الحضارية، غير أننا باقترافنا هذه الموبقات نجد أننا قد نقضنا جميع المبادئ التي تتأسس عليها أخلاقنا وقيمنا. أن المسلم إن تناول الخمر فموقفه يختلف تماما عما إذا تناوله الغربي. أن الأضرار التي يولدها الخمر في جسد الإنسان ونفسيته يتساوى فيها سائر الناس، وهو لا يفرق في ذلك بين المسلم والكافر، وبما أن الخمر ليس بحرام في ديانة الكافر فلأنه إذا ما تعاطاها لا يغير لا جسده ونفسيته ولكنه ما داس عقيدته وديانته. وعلى عكس من ذلك أن المسلم لا يرتكب هذا السوء والحرام إلا بعد أن ينشأ في ضميره دافع التمرد على الله ورسلوه، وعدم الإكثراث باليوم الذي يحاسب فيه عن مثقال ذرة من خير أو شر. ثم إنه لا يقف بعد ذلك عند حد انتهاك حرمة واحدة، بل يتجاوز ذلك، ويمضي في انتهاك جميع الحرمات ونقض جميع القيود والالتزامات الخلقية، حتى يأتي يوم لا يبقى في نظره أمر من أمور الإسلام يستحق التقديس والتكريم ويتحرج من تمريغه في الوحل ودسه في التراب.

مدى أضرار الحضارة غير الإسلامية في المجتمع الإسلامي :
 ولكم أن تقدروا من ذلك : أن الحضارة غير الإسلامية إذا راجت في الأمة الإسلامية فإن أضرارها وويلاتها ستكون أكثر منها مما يمكن أن تتولد من رواجها في أمة غير مسلمة. وذلك لأن الأثرات السيئة التي تتولد منها في الأمم غير الإسلامية هي من نوع الأثرات التي تتولد في فرد من الأفراد من شرب الخمر أو من اقتراف فعل سييء مثلا. أما نحن المسلمين إذا أخذنا بالحضارة الفاجرة واتبناها فإنها تعود على عقيدتنا ومبادئنا الإيمانية أيضا بالأضرار، وتزلزل دعائمها، وتضعف أصولها في قلوبها، وتثير في قلوبنا أسباب التمرد على الله ورسوله، وتبعثنا على الخروج عن دينه. ولا يمكن بعد نشوء هذه الأسباب أن نثبت على إطاعة نظام من النظم وعلى ولائه في الدنيا، لأن المرجع الذي كان أحق أن نطيعه ونستسلم له قد تمردنا عليه عنه. ولأجل هذا السبب نفسه أن المسلم إذا بدأ في مخالفة الأحكام الإسلامية فلا يقف عن حد مخالفة أو مخافتين بل ينزلق في المخالفات تلو المخالفات حتى لا يبقى في ضميره أي شيء من قبيل الشعور بالمسؤولية، ولا يبقى في نظره لقانون من القوانين أي احترام، ولا يقف انهياره الخلقي عند حد من الحدود. ولكم أن تتبينوا كذلك أن الرجل المسلم الذي رغم إيمانه بالله ربا وبمحمد رسولا وبالقرآن كتابا، يأتي بالعمل الذي يعلم أن الله قد نهاه عنه، وأن رسوله قد ذمه، وأن القرآن عده من المحرمات، ووعد مرتكبه بعذاب يوم القيامة فأي شيء بعد هذا فذاك يستطيع أن يدفعه على تقديس أي من القيم الخلقية واحترامه لها؟ وما له أن يلتزم بقانون شرعته هيئة تشريعية وهو لا يؤمن بإلوهيتها وربوبيتها؟ وإلى له أن يضحي بنفسه ومصالحه الذاتية في سبيل شعب أو وطن لا يعتبره معبودا يعبد؟ وبما أنه يكون قد تعود على انتهاك حرمة أقدس شيء وهو شريعة الله، وأصابه الداء العضال لمخالفة القانون، والتمرد على أسمى قانون باعتبار عقيدته، تصبح مخالفة القانون عادة من عاداته ولا يرجى منه بعد ذلك الالتزام بقانون من القوانين في ناحية من نواحي الحياة. والرجل مثله لا يصلح أن يكون عضوا في أي مجتمع متحضر، فضلا أن يكون عضوا في مجتمع إسلامي.

جريمة الذين ينشرون الثقافات العاهرة في الشباب الإسلامي :
أن الإنسان إذا فهم هذه الحقيقة الناصعة، وأدرك إبعادها تمام الإدراك فلابد له من أن يستشعر بفداحة الجريمة التي يقترفها الناس الذين يجعلون من شبابنا في المعاهد قوما مترفين، وينفخون في روعهم الولوع بالرقص والطرب والمجون والاستهتار بالقيم، ويزينون لهم الثقافة العاهرة، ويجعلونهم صرعى الغواني، ويولدون فيهم مرض تحطيم قيود الأخلاق الإسلامية، فما أعظم جريمة هؤلاء الناس في حق البلاد الإسلامية. وما أفدح خيانتهم لها! إذن يجب على شبابنا الطلبة أن يشعروا بنتائج هذه الأعمال. وإذا وقع من بيدهم أزمة الأمور في هذا الخطأ عن جهلهم وغباوتهم وحمقهم يجب على الطلبة أن يجتنبوه ويصونوا أنفسهم من التدنس ما أمكنهم ذلك، وعليهم أن يخلقوا في محيطهم الطلابي رأيا
عاما ووعيا شاملا يجنبهم الوقوع فريسة للحضارة الفاسدة الفاجرة السائدة، ويضيق الخناق عليها. ونتساءل : لو كان نشأ في الطلبة أنفسهم من شعور يدفعهم إلى معارضة هذه الثقافة العاهرة فأي قوة بعد ذلك تقدر أن تنفذ الحضارة الإلحادية والثقافة الماجنة في المعاهد بوسائل القسر والإرغام ؟ ومما لا جدال فيه أيضا أنكم إذا لم تحبوا الرقص مثلا فليس لسلطة من السلطات أن تقهركم عليه. وإنما هناك تشويق وتدجيل من الشيطان يغري الناس على ما يغري من المنكرات. ويفسد عليهم عاداتهم وأذواقهم وميولهم. ولكن الطلبة إذا انتبهوا بأنفسهم إلى أن هذه الثقافة العاهرة إنما هي داء وبيل يدخل في نفوسهم من الخارج، بإمكانهم أن يحذروه، ويتقوه، ويقاوموا محاولات بثه في المعاهد. وأورد أن يبذل الجهد في خلق الوعي المقاوم لهذه المنكرات في المحيط الطلابي.
هذان أمران من الأمور التي تتعلق بالطلبة أنفسهم. وهم أن أخذوا بهما يستطيعون أن يقضوا على المنكرات التي تنتشر في معاهدنا التعليمية وتسبب ما تسبب من الأضرار في الأفكار والأخلاق.
هذا، والآن أبحث بإيجاز فيما يعود على الحكومة من الواجبات والمسؤوليات في هذا المجال.

مدى خطورة انتشار الخيانة في المجتمع :
إن أول شيء يجب على الحكومة أن تتفكر فيه وتسبر غوره هو : ما هو السبب في تفاقم أمر ما يسمى بالإنكليزية (Corruption ) ويعبر عنه في اللغة العربية : بالفساد والخيانة والتلف والرشوة. وما هي البواعث التي تعمل وراءها، وتجعل كل جهد للقضاء عليها واقتلاع جذورها يذهب سدى. هذه ظاهرة تعم الأمة الإسلامية هذا العصر، وتجعل كل نظام من نظم التشريع شيئا لا يجدي، لأن كل قانون يوضع لإصلاح الفساد يجعله فساد الهيئات التنفيذية نفسها ملغى المفعول. بل إن كل التزام صادر من المشرعين يفتح بابا جديدا من الرشوة. ولا يقف الأمر عند هذا الحد. بل بفضل هذه الرشوة يهرب المهربون أغلى أشياء إلى الخارج، ويبيعونها للأعداء، بل يهربون الأشياء التي تكون البلاد إليها أحوج ما يكون، كأن الرشوة تربي أعداءنا عل نفقاتنا. ولكم أن تتقدموا خطوة أخرى فتفكروا : أن الرجل الذي يعاطي الرشوة والغش مع أبناء وطنه مقابل مائة روبية مثلا هل يتحرج من بيع أسرار الدولة للأعداء إذا كوفيء على ذلك بعشرة آلاف روبية مثلا، فحينما ينتشر في البلاد وباء الخيانة وبيع الذمم ويصاب به الآلاف من أفراد البلاد الذين يستعدون لأن يضحوا يدينهم وعقيدتهم وأمانتهم ووطنهم في سبيل المصالح الشخصية يستطيع الفاسدون المفسدون من أبناء بلادنا أن يستخدموه في تحقيق مآربهم، كما يستطيع الأعداء كذلك أن يستخدموهم ويتخذوهم أداة طيعة لتدمير كيان الأمة.

مصدر انتشار الخيانة :
تفكروا قليلا، أي شيء يعمل عمله وراء هذه الظاهرة المؤلمة؟ من الواضح البين أن الذين يمارسون هذه الظاهرة المؤلمة من الخيانة والرشوة والغش وما شابهها هم ليسوا إلا جماعة المثقفين من بلادنا ومن إخواننا. وهم الذين بيدهم أزمة تسيير دفة الحكم لا بيد القرويين الأميين. وهؤلاء كذلك تخرجوا من معاهدنا الحاضرة. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على وجود نقص في نظامنا للتعليم يخرج هذا العدد الهائل من الأفراد المصابين بداء الخيانة والرشوة. وإذا تأملنا في هذا النظام علمنا أن من النقائص الأساسية في هذا النظام أن الدعائم التي تقوم عليها عقائدنا وحضارتنا وأخلاقنا أن هذا النظام بدل أن يحكمها ويشبتها يوهنها وينخر فيها: يثير حولها الشبهات، ويدفع بعض الأفراد حتى إلى الإنكار بهذه العقائد. وقليل ما هم يخرجون من هذا النظام بصحة وسلامة بدون أن يتزعزع بناء العقيدة في قلوبهم. والذين يدعونا إلى التفكير، والأمر كما قلت، هو أنه إذا صارت عقائد الأغلبية المثقفة واهية مهلهلة فأي شيء نملكه بعد ذلك لنجعلهم قائمين على المبادئ والقيم الخلقية بتطعيمه إياهم؟ والذي لا يخاف الله ولا يتقي عذاب يوم القيامة فأي شيء يستطيع أن يردعه من أن يتحول خائنا كاذبا متهاونا في المسؤولية ؟ أن الذي أصبح لا يدين بالولاء لما هو فوق نفسه أو خارج مصلحته كيف لكم أن تقنعوه بالتضحية بمصالحه الشخصية في سبيل فضيلة من الفضائل؟ إذ لابد للاقتناع بالتضحية بالنفس والمال من الولاء لسلطة عليا وليس للمسلم من الولاء الأساسي إلا ولاءه لله ورسوله والملة الإسلامية. فإذا أضعفنا هذا الولاء في قلوب الناس وجعلناه أوهن من بيت
العنكبوت فلابد أن تنشأ فيهم الأثرة والأنانية ويصبحوا لا يتحرجون من التضحية بأغلى شيء وأثمنه وأقدسه في سبيل مصالحهم الشخصية.

قوة المبادئ الإسلامية في إصلاح الأمة :
وبمجرد تثبيت هذا الولاء في ضمائرهم يمكنهم أن تنشئوا فيهم ما يجعلهم قائمين بالعدل والقسط وثابتين على الحق والصدق، ويجعلهم يتخلون عن تحقيق كل المكاسب غير المشروعة في الدنيا بدافع من خشية الله وشعور بالمسؤولية أمام الله يوم القيامة، ويجعلهم يتحملون كل تضحية مهما كبدتهم الخسائر في الدنيا بكل ارتياح مدفوعين بدافع الولاء لله ورسوله ودينه. وللناس الآخرين من غير المسلمين قيم أخرى ومراجع للولاء أخرى يبنون عليها أخلاقهم. فإذا أردتم أن تنشئوا في أمتكم حب مصادر الولاء الأخرى لابد لكم من مدة خمسين سنة لهذه العملية التحويلية أي لجعل أمتكم أمة غير مسلمة. ولابد لكم من خمسين سنة أخرى كذلك لجعلها أمة إفرنجية كاملة الوجوه مثلا. وقبل هذه المدة لا تستطيعون أن تنشئوا فيها نفس الأخلاق القومية التي ترونها في الأمم الغربية، وتفتتنون بها، أما إذا أردتم بناء هذه الأمة على الأخلاق الإسلامية فيمكنكم أن تبدؤوا بالعمل لأجله من الساعة، وتقطفوا ثماره في ظروف عدة سنوات. لأن العقائد الإسلامية المتمثلة في التوحيد والرسالة والإيمان بالآخرة إنما توارثها شبابنا المسلمون عن آبائهم، كما أنها تجري مجرى الدم في بيئة المجتمع المسلم وفي تقاليد المسلمين القومية. وأن هذه الجذور التي تتأصل في الأرض الإسلامية منذ ذي قبل إذا سقيتموها ولو بقليل من الماء، ربت، وأنبتت، وأخذت زخرفها، وأثمرت ثمارها. إن الاستعمار ما كان يعتني بحضارتنا وبأخلاقنا بل إنه كان يعتبر كوننا مسلمين خالصين في الإسلام متحلين بالأخلاق الإسلامية خطرا عليه. لذلك إنه طبق في البلاد الإسلامية التي احتلها نظاما للتعليم والتربية يمتاز بزلزلة قواعد الإيمان في قلوبنا، ويمتاز بإثارة الشبهات حول عقائدنا الإسلامية، ويمتاز بالاستخفاف بحضارتنا وتهوينها بل تحقيرها في عيوننا. وكانت مطامع الاستعمار السياسية هي التي تفرض عليه أن ينحرف بنا عن الإسلام جهد طاقته. ولكننا بعد أن تخلصنا من نير عبوديته وتولينا أمرنا بأنفسنا، إذا أخذنا بالنظام الاستعماري للتعليم والتربية فمعناه أننا عازمون على الانتحار!

الأساتذة المشبوهون خطر كبير على الإسلام :
وفي معاهدنا التعليمية جماعة من الأساتذة يبذرون في قلوب الطلبة بذور الشبهات حول الإسلام، ويواصلون جهدهم في إقناعهم بأن الإسلام دين ليست له حضارة وليست له مدنية، وليست له مبادئ سياسية، وليس له نظام اقتصدي. وإذا كان، فلا يلائم مقتضيات العصر الحاضر، والقوانين الإسلامية أكل عليها الدهر وشرب وأصبحت لا تصلح للعصر الحاضر المتحضر، ولم يحقق المسلمون عبر تاريخهم عملا بطوليا، وكل الأبطال الذين نسمع عنهم هم كانوا غير المسلمين، وكل أئمة أنواع العلوم وألوان الفنون والآداب وأصحاب الاختراعات هم كانوا غير المسلمين- وأقول بصراحة : أن الأساتذة الذين يدرسون شبابنا هذا النوع من الدروس، ويعبئون أذهانهم بهذا اللون من الأفكار هم خونة، وبل هم أشد الناس خيانة وعداوة للبلاد الإسلامية، لأنهم يقضون على الحضارة الإسلامية وبالتالي يعملون على تدمير هذه البلاد، وما أسوأ طالع الشعب الذي تنشأ أجياله على أيدي مثل هؤلاء الخونة. ومما يزيد الأمر خطورة أن هناك أقساما عديدة في المعاهد في بعض البلاد الإسلامية يتولاها الأساتذة الأمريكيون والمستشرقون ولاسيما أقسام التربية وعلم الاجتماع وهم لا يدخرون جهدهم في إفساد أفكار جيلنا الحديث فيما يتعلق بالتعليم والاجتماع. أليس هذا انتحارا؟

نقائض المناهج التعليمية :
وكذلك يجب على حكومتنا أن تتفكر : كيف نزيل النقائض التي توجد في نظامنا للتعليم والتربية؟! أما العلوم والفنون التي تدرس في البلاد الإسلامية هي ليست ناقصة في حد ذاتها والفساد كل الفساد يكمن في أن الذين دونوها هم لا يؤمنون بالله ورسوله. ولذلك هم يدونوها بطريقة ينشأ بها تلقائيا في أذهان الطلبة تصور الحادي عن الكون وما فيه. حيث هم يصورون الكون بأنه تكون بدون إرادة مدبرة، ويسير بدون أن يسيره أحد، وليس هناك من إله خلقه ودبر أمره ونظم سيره. وكذلك أن التصور
الذي وضعت هذه العلوم وأقيم عليه بناؤها هو : أن الإنسان سيد نفسه وموجه نفسه، ولا يفتقر إلى إله يهديه بل لا الهداية من إله. وهذان التصوران يقتلعان أصل الحضارة الإسلامية. وعلينا أن نبذل هذا الاتجاه في تدوين هذه العلوم وبيانها باتجاه جديد يقوم على أساس الإيمان بالله. ومما لا يختلف فيه اثنان إننا مدعوون إلى أن ندرس جميع المعارف من العلم والفلسفة والاجتماع، ومدعوون إلى أن ندرس كل فرع من فروعها ونستفيد من المعلومات التي وصل إليها الإنسان في أدوار التاريخ. ولكننا إذا أردنا أن نحيا ونبقى مسلمين يجب أن لا ندرس هذه العلوم إلا بعد أن نجعلها (إسلامية) ولاشك في أن هذه العلوم في إطارها الراهن تجعلها (غير مسلمين) في النهاية شئنا أم أبينا. هذه هي المسألة الأساسية لنظام تعليمنا الحاضر. وكلما نبادر إلى إدراك أهميتها ومعالجتها كلما تقترب من الخير والسعادة.
وكثير من الناس تساورهم الحيرة والقلق إذا سمعوا هذه الفكرة، ويقولون : هل للعلوم التجريبية علاقة بالإسلام. يقولون هذا مع أنهم يشاهدون بأم أعينهم ما جرى في روسيا التي تدعو إلى الفكرة السوفيتية للعلوم التجريبية. فقولوا لي بالله : إذا لم تكن للعلوم التجريبية علاقة بالإسلام فهل لها علاقة بالماركسية؟ ا يحب شيوعي أن يدرس أي فرد من أفراد مجتمعه العلوم البورجوازية، والفلسفة البورجوازية والتاريخ البورجوازي، والاقتصاد البورجوازي، بل إنه يدرس جميع هذه العلوم والآداب مصبغة بالماركسية حتى يتوف في مجتمعه علماء اشتراكيون وأخصائيون اشتراكيون. لن يبقى المجتمع الاشتراكي على قواعده لو سمح فيه تدريس العلوم التي دونت من وجهة نظر البورجوازية. بل من الطبيعي أن كل رجل يملك حضارة مخصوصة ويملك منهجا خاصا للحياة لا يرضى أن يعلم نشأه الجديد علوما وفنونا دونها رجال يعارضون حضارته ومنهجه للحياة لأن معناه القضاء على شخصيته والذوبان في قوالب غيره.

العلوم التجريبية لها ناحيتان :
أما القول بأن العلوم التجريبية علوم عالمية لا تنحاز لدين من الأديان فهذه غلطة كبيرة وجهل فاحش. أن العلوم التجريبية لها ناحيتان : ناحية عبارة عن الحقائق وقوانين الطبيعة التي تعرف عليها الإنسان بعد أن اجتاز مراحل عديدة من التجربة والاجتياز والمشاهدة. وهذه الناحية لا يشك أحد في كونها عالمية. والناحية الثانية تتمثل في العقلية التي تدون هذه الحقائق والمعلومات، وتضع على أساسها النظريات كما تتمثل الناحية الثانية في اللغة التي تختارها هذه العقلية كأداة للتعبير عن هذه النظريات. فهذه الناحية هي ليست بشيء عالمي. بل لكل داع من دعاة الحضارات المنوعة في العالم أسلوب يخصه وينفرد به. وهذا أمر طبيعي. ونحن إذا دعونا إلى التغيير في العلوم التجريبية لا نريد الناحية الأولى، وإنما نريد الناحية الثانية فقط.
وأضرب لكم مثلا : من الحقائق العلمية : أن كل شيء في العالم لما يبرد يتقلص ما عدا الماء. فإنه لما يأخذ في التجمد يمتد. ولما يتجول إلى ثلج يخف وزنا. ولهذا السبب نفسه يطفو الثلج على سطح الماء. هذا أمر يدل عليه الواقع العلمي أو التجريبي (Scientific exprimen) وهناك شخصان يعلل أحدهما : بأن الماء له هذه الخاصية وهذا واقعه. والثاني يقول في تعليله : أن الله تعالى أودع في الماء هذه الخاصية بحكمته البالغة وربوبيته الشاملة لكي يستطيع ما في الأحواض والأنهار والبحار من مخلوق أن يعيش ويحيا. وأنه لو لم يعط الماء هذه الخاصية لكان الماء كلما تجمد رسب إلى الأسفل وانتهى به الأمر إلى تحول الأحواض والأنهار والبحار بأسرها صخورا من الثلوج المتراكمة، وما استطاع لكائن حي أن يعيش فيها. تفكروا : واقع بعينه يعبر عنه شخصان بأسلوبين يترك في ذهن القارئ أو الطالب أثرين مختلفين : أسلوب يعبر عن الواقع ويثبت في الوقت نفسه في ذهن الطالب عقيدة وحدانية الله وحكمته وربوبيته. وأسلوب كذلك يعبر عن الواقع، وهو كما يعبر عنه اليوم في تدريس العلوم التجريبية، إلا أنه لا يستمد منه ذهن أي فرد من الأفراد تصور الإله، بل على الرغم من ذلك يصور هذا الأسلوب في عينه فكرة قائلة : أن الذي يجري في هذا الكون يجري بنفسه، لا يد فيه لحكمة الصانع الحكيم ولربوبية الرب القدير. ولكم أن تعرفوا من ذلك : كيف أن إحدى الطريقتين لتدريس العلوم التجريبية تعد العلماء المسلمين بتدريس نفس العلوم.
ومن الواقع أن ليس قسم من أقسام العلوم التجريبية إلا وفي إمكانه أن يرسخ في قلوب الناس
الإيمان بالله رسوخا عميقا. خذوا من هذه الأقسام مثلا الفيزياء، والكيمياء، وعلم وظائف الأعضاء، وعلم التشريح، وعلم أسباب الحياة وأحوالها، وعلم الفلك، تجدونها تكشف عن الحقائق المدهشة التي فيها الكفاية لأن يكون الإنسان مؤمنا بالله صادق الإيمان. وليس من شيء أدعى إلى الإيمان بالله من حقائق العلم. وهذه هي الآيات البينات التي يكرر القرآن الإشارة إليها بين حين وآخر. وبما أن العلماء الكافرين دونوا هذه الحقائق من وجهة نظرهم انقلب الأمر ظهرا للبطن. فيدل أن يرجع منها الطالب بعقيدة التوحيد يصير ماديا لوجود الله تعالى، ويضحك على تصور قائل بوجود الإله، ويسخر منه.
وأريد من الحكومات المسلمة أن تكون على بينة ما بين هاتين الناحيتين من الفرق وتحاول بلوغ سر القضية. لا نستطيع أن نعد رجالا يؤمنون بالله ورسوله ومعاهدنا تدرس العلم الذي ينكر الله، والفلسفة التي ترفض الاعتراف بوجود الإله، والعلوم الاجتماعية التي تكفر بالخالق. وإذا أردنا لأنفسنا حياة إسلامية فعلينا أن نبادر إلى إنشاء مؤسسة بدون ما تأخير تقوم بتبديل الترتيب التأليفي الحاضر للعلوم والفنون، وتضع كتبا منهجية جديدة تدون فيها العلوم والآداب حسب الفكرة الإسلامية. وما دام لا يتحقق هذا العمل نحن مهددون في ديننا وعقيدتنا ومهددون في بلادنا كبلاد إسلامية.

واجب الحكومات في التربية الخلقية :
الأمر الثاني الذي أرى من الواجب لفت نظر الحكومة إليه هو ضرورة العناية بالتربية الخلقية. أن هذه التربية وأن تفتقر إليه كل مؤسسة من المؤسسات التعليمية إلا أن المؤسسات التي تقوم بإعداد الموظفين الحكوميين هي أحوج إليها من غيرها. سواء أكانت هذه المؤسسات تختص بالتدريب العسكري، أو تدريب البوليس، أو تدريب الموظفين المدنيين. يجب أن تدرس في هذه المؤسسات الأخلاق الإسلامية والثقافة الإسلامية كمادة إجبارية، وأن ترسخ في أذهان المتدربين العقائد الإسلامية وأن يربوا على الالتزام بالأحكام الإسلامية، وأن تسد جميع منافذ تسرب الفسق والاستهتار إلى هذه المؤسسات. هذا هو الشيء الذي يدعم البلاد ويحكم كيانها. أما ما نحن عليه الآن فهو إننا- مثلا- ندرب شرطيا ونظن في جانبنا أنه ما دام يسمى (بعبد الله) أو (عبد الرحمن) يلزم أن يكون مسلما. فلا ندربه إلا على ناحية يحتاج إليها لأداء الوظيفة البوليسية. ولا تأخذ بنا الحاجة إلى أن نعمل على جعله (شرطيا مسلما صادق الإيمان). أي نظامنا للتدريب البوليسي لا يختلف عما في الدنيا من النظم لتدريب البوليس بل هو يحذو حذوها بحذافيره. ومن نتائج هذا النظام لما يتخرج الشرطي من معهد التدريب لا يكون متحليا بالأخلاق الإسلامية. بقدر ما هو يصلح للقيام بمهام البوليس إلا أن يكون هو ممن قد رحم ربي. وإذا يكون فيه على رغم تهاوننا في شأنه، من آثار للأخلاق الإسلامية فلا يرجع فضلها إلى تدريبنا، بل هو كان متزودا بها من قبل ومن مصدر آخر. فلا تشكوا بعد ذلك إذا كان بوليسينا مصابا بداء الرشوة، وتنتشر الجرائم والفضائح تحت إشرافه، ويزدهر التهريب في ظله لأنكم ما دبرتم شيئا يحلي البوليس بمكارم الأخلاق والفضائل الإسلامية.

ضرورة التربية العسكرية على مبادئ الإسلام :
أما ما يتعلق بالتربية العسكرية في البلاد الإسلامية فإنكم إذا شاهدتم في بعض المعارك من بعض الجنود والضباط العسكريين إعمالا بطولية، ولمستم فيهم عاطفة عارمة للجهاد المقدس وشوقا متدفقا للاستشهاد في سبيل الله، واستعداد مدهشا للاستماتة فهل مصدر هذا النوع من التربية والتدريب هو معاهد التربية والتدريب؟ كلا! إنما مصدر هذا النوع من التربية هو حسن الأمهات المسلمات اللوائي ألقين في روع هؤلاء المجاهدين البواسل اسم الله ورسوله في نعومة أظفارهم، أو مصدرها المجتمع الإسلامي الذي رسمت البقية الباقية من تقاليده، في قلوب هؤلاء البواسل تصور الإله، وتصور الجهاد المقدس، وتصور الشهادة في سبيل الله، وبذرت في أذهانهم بذور الإسلام، الأمر الذي  يخلو منه نظامنا للتدريب. إلا أننا إذا واصلنا جهودنا في إفساد المجتمع الإسلامي فالأم تبقى هذه التصورات الإسلامية وآثارها المعجبة؟ ومن المحتوم أن ينقص نصيب الأجيال القادمة من ذلك، لأن الفتيات اللائي يتخرجن من معاهدنا التعليمية في الوقت الحاضر لا نأمل أن يكون الجيل الذي سيتربى في أحضانهن متحليا بهذه التصورات
والآثار إلا في النادر، لأن هذه التصورات والآثار لا ينطبع عليها إلا من شاهد أمة تصلي وتصوم وتتلو القرآن، ومن سمع منها ذكر الله ورسوله. أما هؤلاء أمهات المستقبل فلا يجري على لسانهن إلا أسماء الممثلات السينمائيات والراقصات والغانيات والتعليق على الأفلام الجديدة، والحديث عن الملاهي والألعاب، ويندر أن يرطب لسان إحداهن بذكر الله ورسوله، فهل إن الذين يترعرعون في أحضانهن ترجون منهم أن يناضلوا باسم الله ورسوله، ويستميتوا في سبيلها، ويحتضنون نفس عواطف الجهاد والاستشهاد التي يحتضنها بعض شبابنا اليوم والتي تدفعهم بين حين وآخر إلى البطولات النادرة والتضحيات الرائعة. ونحن بحق إذا نريد أن نعد شبابا يسترخصون النفس والنفيس في سبيل الإسلام ويقارعون الموت، ويرحبون به في الدفاع عن البلاد الإسلامية وعن نظام الحياة الإسلامية فلا مناص لنا من أن نتفكر في تربيتهم الإسلامية على أعلى صعيد، بجانب تربيتهم العسكرية ذات المستوى العال، التي تعمق جذور الإيمان في قلوبهم، وتنشيء فيهم العقائد والأخلاق التي تؤهلهم للإقدام على أكبر تضحية يتصورها المسلم في سبيل الله. وهذا هو الدرع الوحيد الذي يمكن أن يحمينا من عدونا الذي هو أكبر منا قوة بإضعاف مضاعفة، وهو الحصن الحصين الذي يحرسنا ويمكننا من الحياة الكريمة في الدنيا المليئة بأعدئنا الذين يخططون لإبادتنا ومحونا من الوجود. ولا سمح الله.

                                   

                                                                       

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here