islamaumaroc

بضعة مفاهيم عن الطبيعة الإنسانية

  دعوة الحق

126 العدد

  ليس من الميسور الحديث عن الطبيعة البشرية وكأنها موضوع محدد الأطراف لا يحتاج إلا الوصف للإحاطة به، فالطبيعة البشرية هي كل من طبع البشر أن يفعله، والطبع البشري مليء بالتناقضات، ولهذا فهو يفلت من التعيين والتحديد، فمن طبيعة البشر الصدق، ولكن من طبيعة البشر الكذب كذلك .. فالحديث عن الطبيعة البشرية قد يكون متعسفا لو أننا تناولنا اللفظ في إطلاقه، ولكن الأمر قد يختلف لو أننا بحثنا عن ما هو «أساسي» في الطبيعة البشرية.
  واللفظ «أساسي»، مثل أغلب إشاراتنا للموضوعات العقلية والروحية، مأخوذ من العلاقات المكانية، فهو يشير إلى الخلاف بين قاعدة البناء الضرورية غير المتحركة نسبيا وبين مختلف الإمكانيات التي يسمح بها الأساس لتأسيس الأجزاء الأخرى للبناية عليه، وتشبيها بهذه الصورة، فإن «القلق الأساسي» يمكن أن يعني القلق الذي هو جذر وبطانة كل أنواع القلق الأخرى، والطبيعة الأساسية لفرد أو مجموعة من الناس عموما يمكن أن تعني البنية التي يستند عليها كل طرف في التعبير عن الذات. فاللفظ «أساسي» بهذا المعنى ينطبق على مزاج الفرد الخاص، ولهذا فمحاولة اكتشاف الطاقات الأساسية، والحدود والانحرافات والتوقعات لفرد ما تتم عن طريق الدراسات الإنسانية بجميع أنواعها، فلا يمكن فهم شخص ما إلا بتكوين صورة أساسية عن هذه البنية التي لوجوده.
وعلى الرغم من كل شيء يجب التنبيه إلى أن الفهم الكامل غير ممكن بهذه الطريقة، لأن الفرد يعبر عن ذاته بطرق أكثر شمولا مما هو أساسي في الطبيعة البشرية.
  إن علم الاجتماع عندما يتحدث عما هو أساسي في مجتمع ما إنما يشير إلى المميزات التي لبنية ذلك المجتمع سواء فيما يخص تركيبه الاجتماعي أو فيما يخص طرقه الثقافية للتعبير عن نفسه، ومن هنا نتجه نحو معنى ثالث «للطبيعة الأساسية للإنسان»، وهو المعنى الأنطولوجي «الخاص بمبحث الوجود»، ورغم أن لفظ «أنطولوجيا» يثير قلق كثير من الناس، فإننا نعطي التعريف الأنطولوجي للطبيعة البشرية في أبسط صوره، فالسؤال الأنطولوجي هو السؤال الذي يقول: «ما الذي يجعل الإنسان إنسانا ويميزه عن بقية الكائنات الأخرى؟ أو ما هو نوع الوجود الذي يميز الإنسان عن كافة الموجودات الأخرى؟ إن كل طفل يملك جوابا عن هذا السؤال غير مصوغ عندما يعامل كلبه أو قطته بشكل مخالف عن معاملته لصديقه، أما الفلاسفة فقد نسوا ما كانوا عليه عندما كانوا أطفالا وصاغوا السؤال عن الطبيعة البشرية بشكل أكثر تعقيدا.
  إن بعض الفلاسفة يقدمون حججا ضد قيام أساس للطبيعة البشرية تتلخص في أنه لا يوجد في الواقع إلا الأفراد، وإن اجتماع فردانية الأفراد وخصوصياتهم يجعل قيام مفهوم عام للطبيعة البشرية مستحيلا، كما يقدمون الحجة التاريخية
القائلة بأن الطبيعة الإنسانية تتغير في التاريخ، وأنه في بعض الأوضاع الخاصة كالشيوعية أو الرأسمالية تتشوه الطبيعة الإنسانية إلى حد لا يمكن الحكم عليها حكما سليما ما دامت تلك الأوضاع سائدة، أما ثالث الحجج فهي الحجة الوجودية والقائلة بأن الإنسان حر في أن يخلق نفسه ويوجهها الوجهة التي يختار، الشيء الذي لا يمكن معه إقامة طبيعة بشرية واحدة، سارتر يقول إن ماهية الإنسان وجوهره تنبعان من وجوده.
  والواقع أن هذه الحجج المقدمة ليست هي ذاتها إلا برهانا على وجود طبيعة بشرية، ولكنها كذلك تحذير عن إقامة نظرية سهلة وعامة عن الإنسان. ولو أننا قمنا بملاحظة ذات خصائص علمية، ملاحظة تحاول فهم السلوك الإنساني، وتحاول تأويله ثم بناء مفهوم عن الإنسان، لوصلنا إلى اكتشاف عنصر بنيوي في أساس الطبيعة البشرية، ذلك هو حريته المحدودة، فهذه صفة تلحق بالإنسان باعتباره إنسانا، وهي ليست متغيرة ما دام الإنسان لم يتأخر نحو وضع سابق على مستوى الإنسان، غير أن هذه البنية غير المتغيرة تسمح بقيام كل تلك التغيرات التي تحدث في السلوك الإنساني.
  والحرية الإنسانية تتأسس على عنصرين هما الفردانية والدينامية، فهي تتحقق بشكل متفرد وتظهر من خلالها الذات الإنسانية في شكل لا يضاهي، ثم هي تخرج بالذات من محيطها المغلق نحو أبعاد ومنطلقات جديدة، وعندما لا تكون الحرية الإنسانية دينامية فهي تفقد أهم خصائصها. فالاتجاه نحو معطيات جديدة والتعبير عن الذات بشكل فردي صفتان تتكتلان لتشكلا بنية للطبيعة البشرية، لأن الحياة الإنسانية لا تغتني إلا بالحرية الطموحة وبتجاوز الاحتياجات المعطاة للرغبة فيما يحتاج إلى الجهد العقلي والعملي لنواله. ورغم أن الحرية الإنسانية محدودة، لأن مصير الإنسان يضعه في مكان وزمان وظروف محدودة، فإنه عن طريقها وحدها يحقق امتيازه، إنه يتجاوز محدوديته عن طريقها وحدها يحقق امتيازه، إنه يتجاوز محدوديته عن طريقها إلى آفاق اللامحدودية. لهذا يمكن القول بأن الحرية المحدودة هي أكثر الأوصاف احتضانا لأساس الطبيعة البشرية، وفيها يوجد ومنها ينبع مختلف أنواع الخلق في التعبير عن الذات وإمكانية اغتراب الإنسان عن ذاته، ورغم أن مجاوزة الذات والاغتراب عنها واقع إنساني، فإنه لا صلة له بالطبيعة  البشرية، إنه واقع لا يمكن تجنبه، ولكنه ليس ضرورة بنيوية لأنه يمكن معالجته بواسطة القيم الروحية. وحيث أن القيم  الروحية اليوم هي محط امتحان عسير من طرف الإنسان الذي يحاول لا اجتياز العوائق التي تعترض وجوده فحسب، ولكنه يحاول اجتياز وجوده نفسه، وكان وجوده مرض تجب معالجته، فإن القلق الإنساني متمركز في الذات إلى الحد الذي يستوجب أن نطرح عنه السؤال: بأي معنى يمكن نسبة القلق إلى الطبيعة البشرية؟ إنه ينسب إليها بقدر ما يكون الإنسان الذي يجسم الحرية المحدودة هدما لقلق أساسي لأنه مرتبط بالضرورة بحرية محدودة. إن القلق هو الإدراك لعنصر اللاوجود، أي أن القلق هو إدراك لنفي ما هو عليه المرء، إدراك لعنصر المحدودية، حضور من لا شيء وذهاب نحو لا شيء، هذا بالطبع إذا غضضنا النظر عن التفسير الديني للمصير الإنساني الذي يحل هذه الأشكال حلا دينيا، يلحق بالإنسان قيمة ويؤهله لغاية عليا.
  إن القلق أساسي بقدر ما التناهي أساسي، والقلق لا يمكن إخفاؤه ولا تجاهله في المدى البعيد على الأقل، خاصة لدى مواجهة الموت. إن القلق تعبير محايد عن كل ما هو محدود تعترض مصيره الآلام ثم الموت، وليس هناك أي منهج في العلاج النفسي يستطيع القضاء على هذا القلق، لأنه من أساس الطبيعة البشرية باعتبارها حرية محدودة، إنما يستطيع العلاج النفسي أن يفعله هو تحويل القلق المرضي وتنقيصه إلى مستوى القلق الأصيل الذي يجب قبوله كجزء منا والسيطرة عليه بقبوله. إنه ليس تشويها، ولكن الطبيعة الإنسانية في أساسها قلقة أو بتعبير آخر: مدركة ومتنبهة لتناهيها.
  ففي القلق الإنساني، على عكس قلق كل الكائنات الحية الأخرى، يوجد دائما عنصر تكثيف هو الشعور بالذنب، ففي دعواتنا وصلواتنا نحن دائما «نطلب الله أن يغفر لنا خطايانا» وأن يتولانا برحمته. ومن ضمن معاني الموت هناك معنى الحساب الذي سنواجهه في زمان لاحق. وفي هذا المجال يطرح السؤال عن ما إذا كان قلق الشعور بالذنب متأصلا أم مرضيا عصابيا؟ وهل يمكن القضاء عليه عن طريق العلاج النفسي أم يجب قبوله ثم السيطرة عليه عن طريق طلب الرحمة والغفران؟ لقد قررت نظرية الطبيعة البشرية أن الشعور بالذنب ذو ميزة وخاصية غير عصابية ولكنها تقبل إمكانية تحويل الشعور
بالذنب عن طريق العلاج النفسي، أي إرجاع القلق إلى أدنى مستوى له.
 إن الطبيعة الأساسية للإنسان في وصفها المقترح تعطي أجوبة على أكبر المشكلات التي واجهت قرننا، كعدم الاعتقاد في معنى للحياة، وكتجربة الفراغ واليأس والعبث، فالحياة تكون مقبولة إذا كان المعنى مقبولا في صميم اللامعنى. إن تجربة اللامعنى والفراغ واليأس ليست عصابية ولكنها واقعية، لأن الحياة تحتضن كل هذه العناصر، فالتجربة لا تصبح عصابية أو ذهانية ( اضطراب عقلي يتسم باختلال الصلة بالواقع إن انقطاعها) إلا عندما تتلاشى القدرة على تأكيد الحياة عن طريق التحدي، أي عندما لا تصر الحياة على تماسكها «على الرغم من» كل ما يواجهها من صعاب. أما العناصر السلبية فيمكن أن تكون عواقب لطبيعة الإنسان الأساسية ولحريته المحدودة، إنها واقعية ولكنها ليست ضرورية بنيويا، لهذا يمكن السيطرة عليها عن طريق حضور قوة معاجلة.
  والآن نطرح سؤالا له علاقة بكل جوانب الوجود الإنساني، فما معنى المرض؟ وما معنى الموت على ضوء الوصف الذي قدمناه لطبيعة الإنسان الأساسية؟ إن الجواب بالطبع هو أن الموت الجزئي، مثل الموت الكلي، ينسب إلى طبيعة الإنسان الأساسية باعتباره حرية متناهية ومحدودة، فكلاهما طبيعي، وكلاهما ليس مدعاة ليأس مشروع، ولكن كليهما، من ناحية أخرى، لا يمكن للإنسان أن يرغب فيه كجزء من طبيعته، فالهروب إلى المرض غريب عن الطبيعة البشرية مثل الالتجاء إلى الموت والرغبة فيها. فإرادة المرض وغريزة الموت كلاهما تعبير عن اغتراب الإنسان عن طبيعته الحق، إنهما حالة متصلة بالوجود الإنساني لا يمكن تفاديها ولا تجاهلها ولكنهما ليسا جزءا من الطبيعة الإنسانية، إن المرض والموت تلحقان بالطبع المتصف جوهريا بالتناهي، ولكن تأكيدهما والهروب إليهما ما هو إلا تشويه لأساس الطبيعة البشرية، وما دامت هذه سائدة، فإن إثبات الإنسان لذاته يقبل المرض والموت.
  فمن أين تأتي للإنسان الشجاعة على ذلك؟ إن القيم الروحية والدينية تزود الإنسان بطاقة لا تنفد من الصبر والرضى، ولكن عندما تمرض هذه القيم، وقد مرضت في عصرنا أشد المرض، فإنه يتزعزع في الإنسان ركن من أهم أركان وجوده، ولكن يبقى له الشعور ببعد التعالي الذي يرتفع بالإنسان إلى أكثر من مجرد آلة سيكولوجية معقدة، ففي هذا البعد يبحث الإنسان عن الجواب لسؤاله عن الطبيعة الإنسانية في عظمتها وانحطاطها، إن الإنسان أكبر من أن نقصره على الإدراك السيكولوجي المحدود. إن محاولة فهم الطبيعة الإنسانية وتعمقها لاستطلاع خباياها وتعقيدها هو نفسه جزء من الطبيعة الإنسانية.
  إن الحضور الإنساني في العالم حضور حي واع ومدرك، وهو حضور إيجابي لا يتقبل فقط ويأخذ، ولكنه يؤثر ويعطي، إنه مشارك في خلق الوجود، والإنسان عندما يدرك ضرورة مشاركته هاته يخفف بعض الشيء من قلق اللامعنى الذي يعتصره.
فمن أساس الطبيعة الإنسانية الفعل والحركة، والفعل أساس عملية بناء، وعندما يستغل الإنسان قدرته على الحركة والفعل استغلالا إيجابيا فإنه يبرئ نفسه من كثير من نقائص الوجود، ويمهد نفسه للاكتمال، وإن كان ينتهي بالموت، فإنه يتصف بالرضى، فماذا يبغي الإنسان أكثر من أن يقبل وجوده، وأن يستقر وضعه ويسعد به؟!

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here