islamaumaroc

الشخص والحضارة المعاصرة .-2- نحو حضارة أساسها العمل

  دعوة الحق

126 العدد

  ينثقف الإنسان لأنه يفكر، وهو يفكر لأنه يعمل، أو «أنه يفكر لأن له يدا»، كما قال (أنا كساغور). وبما أنه لا يمكن الكائن البشري أن يعيش دون أن يتحرك وينظم حركاته ويجعلها هادفة (وهذا هو «الشغل») كان ضروريا أن يرتبط «العمل» ارتباطا جذريا بحاجياتنا الحيوية. نتج عن ذلك أن كل واحد منا يشارك في أثراء مصادر طاقة التقدم : أنا أعيش، إذن، أنا أشتغل وبالتالي أتقدم، وفي نفس الوقت أعمل على تقدم بيئتي.
  رغم أن جسدي ليس إلا مصدرا لبعض الدوافع، فهو،بكليته، يكون حقلا للتحريض يمكنني من أن أبرز ما لحياتي من قيمة وأن أقيسها بقيم أخرى» ولكن جسدي يظل المصدر الأساسي للدوافع، والكاشف عن طبقة جوهرية من القيم : القيم الحياتية»، كما يقول (بول ريكور(1)). فحاجياتنا هي التي تحددنا. يقبل (ريكور) أن تكون الحاجة، في معناها الدقيق، مرتبطة بنشاط الإرضاء الغذائي أو الجنسي أنها أساس الشهية، والشهية افتقار ملحاح، إنها منبع لتحريضات وانفعالات لا تحصى.
إن العمل، في واقعه، ليس إلا جهاز العلاقات البشرية، أي الانجذاب والتناثر. فالكائن البشري مدفوع، عضويا، إلى تملك الأشياء أو الكائنات التي يحاول، عن طريق العمل، أن يغيرها أو يسوغها، إنها تكمل وجوده (كالغذاء، والسوائل، والجنس الآخر). فالإنسان من أجل المحافظة على كيانه، يجهد نفسه للسيطرة على جميع الأشياء والكائنات التي هي من فصيلته، ويتجنب كل ما يهدد وجوده، لذلك، بما أن العمل مباطن لحياتنا، فالحياة تحوك سج صيروتها بمجهود مستمر علها تتكيف مع العالم الجغرافي والبشري الذي يكتنفها. وما الثقافة إلا تاريخ لهذا المجهود الحيوي من أجل التكيف المتوارث اللا منقطع الذي نحياه كأفراد، وكمعاشر، وكأجيال، وكطبقات مجتمعية.
  إن حصيلة إسهامات أفراد بيئة ما في التقدم يختلف عن حصيلة بيئة أخرى، حسب الإيقاع الذي يسير عليه تطورها (سرعة وبطأ)، وحسب التواثر ونوعية الأشغال التي يقوم بها أولئك الأفراد، مع مراعاة كيفية تنظيم هذه الأشغال، وتوزيعها، والأدوات المستعملة لتحقيقها، كل هذه عوامل مستقلة، كامل الإستقلال، عن العرق ولون البشرة .. يكفي، مثلا، أن يكتشف مجتمع منجما معدنيا، نغير هذا الاكتشاف كل شيء في حياة البيئة : أساليب الحياة، والإيقاع الذي تسير عليه الأعمال، كما يتغير كيف وكم هذه الأعمال.
 
القضية إذن قضية «حظ» و «فرص»، إلى حد ما، لا دخل للعنصر فيها، وطبعا إنها قضية وسائل نظرية وتطبيقية تكسب الخبرة والتجارب التي تخول القبض على ضفائر الفرصة والركوب على ظهر الحظ، للسفر البعيد نحو التقدم.
 إن مهمة حضارة العمل هي، قبل كل شيء، أن تعم وسائل الاكتشافات وتتيح لجميع الناس، بالتساوي، أن يستثمروا إمكانياتهم كيما يحقق كل واحد ذاته على أكمل وجه، فيفسح له المجال، ويجني أكبر الأرباح، ماديا ومعنويا، من التقدم الحالي. وتحقيق كل هذا لن يتيسر إلا عندما تصبح الثقافة في متناول الجميع، لأنه، كما قال الفيلسوف الإنجليزي، (طوماس مور) : «من الشروط الأساسية لتحقيق السعادة العامة، توفير ساعات للفراغ، ليستطيع كل فرد أن يفكر وأن يهذب نفسه ويزينها بنور المعرفة».
 ورغبة في هذه «السعادة العامة»، نادى (طوماس مور)، في تأليفه الخالد «الايثوبيا» بوضع دستور يهدف إلى الصالح المجتمعي، في ميدان الصناعة والثقافة، وفي الميدان الروحي، لمجموع الناس ولصالح الطبقة الكادحة، بصفة خاصة. بمقتضى هذا التشريع، سيشتغل الجميع، ولكن باعتدال. ويقترح (مور) أن يقسم اليوم كما يلي: عشر ساعات للراحة والتثقيف الذاتي، ثمان ساعات للنوم، وست ساعات فحسب للعمل.
 لا نعتقد أن هذه الأهداف ممتنعة التحقيق، أو خيالية لأنها صدرت عن مؤلف الايثوبيا.حقا، إن الأوضاع قد تغيرت كثيرا عما كانت عليه في عهد (توماس مور)، ولكن المشكل الموضوع دائما، هو : كيف يمكن أن تستغل الطاقات الحضارية، في نموها الحالي، واستقبالا؟ .. فإما أن توجه لفائدة النوع الإنساني أو ضده، مع الاقتناع بإمكانية توجيه مجرى التاريخ.
منذ تأليف «الايثوبيا»، سنة 1516، قامت الثورة الصناعية الكبرى حاملة في موكبها كل أنواع المخترعات، متدرجة من القاطرات والطائرات التفاثة، إلى علوم الفضاء والإنسان الآلي. فهل سنبقى في ثلاثة أرباع أعمالنا، لأننا نظل سلبيين، تاركين المجال للآلة تكيفا حسب هواها؟
قد طغت الآلات على حياتنا وأخضعتنا لمشيئتها، لذا نتساءل فيما إذا كان الجزء الصميمي من شخصيتنا، المكون الحق لذواتنا سيتحول، في نهاية الأمر، ليصبح بدوره آليا.
 ومشكل ثان مرتبط بالتقدم : ما السبيل إلى إزاحة الحدود المنيعة التي تضعها أقليات محظوظة في وجه أكثريات أصيبت باستيلاب مرير؟ متى تصبح الحضارة ملكا للمجموع الإنساني، فلا يبقى ممتازون يستغلون مكتسبات الإنسانية، رامين بإخوان لهم في أحضان الحرمان؟
 ليس معنى هذا أننا ندعو إلى مقاومة (أبروميثوس)(2) ووضع الأكبال على رجليه ليقف عن السير الزاحف بالعلوم إلى الأمام. كل ما نريد هو أن نتذكر أن العلم والصناعة والتقدم تشبه اللسان، كما مثله الحكيم (ايزوب)، إنها أداة للخير وللشر معا. فالقضية قضية الاستعمال وتوجيه. ذلك أن أساس المشكل هو البلبلة، إذ انحرفنا عن المرمى، وإن كنا جميعا نعرف ما هي الأهداف التي يجب أن نسخر العلم لخدمتها، فليس الخطر آتيا من الآلة، بل من ضعف، وفردانية، وقوة الإنسان الذي يستغلها.
 إن الشخصانية، إذا أرادت الانسجام مع نفسها ومع الواقع، انقادت لا إلى التشاؤم، بل إلى إيمان وطيد متفائل في قدرة الإنسان، ما دمنا نؤمن بأن الإنسانية تتوفر على إمكانيات كفيلة بدرء الخطر، وإنها ستتوصل إلى استغلال تقدم الآلة لصالحها. ويكفي لتحقيق هذه الاستفادة، وهذا التجاوز، أن نقوم بتطبيق التربية بمعناها الواسع، وأن نؤنسن التقنيات، وذلك بأنسنة علاقاتنا فيما بيننا ومع العالم، بفضل الاتجاه نحو حضارة أساسها العمل.
 1-     P. Ricouer. Philosophie de le valantè p.82(Paris.Aubier. 1948)
 2- انظر الحديث السابق (دعوة الحق، شعبان 1389) ص 85                                                                                   

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here