islamaumaroc

شبهات وأخطاء شائعة في الفكر الإسلامي

  دعوة الحق

126 العدد

    إن قضيتنا ونحن على أبواب العقد الأخير من القرن الرابع عشر وعلى أبواب الخامس عشر، هي تلك التحديات التي تواجه الإسلام والفكر الإسلامي والتاريخ واللغة العربية في محاولة إخراجها عن مقومات فكرنا، فعلى المفكرين أن يواجهوا هذه الشبهات بالتصحيح والتحرير والدحض وإذاعة الحقائق وسنجعل هذا عملنا بإذن الله.

1- هل كان الإسلام مصدر تأخر المسلمين.
الواقع أن المسلمين في هذه الفترة التي احتل فيها الغرب عالم الإسلام لم يكونوا يمثلون الإسلام حق التمثيل، فقد كان الإسلام محجوبا بالمسلمين، ولا شك أن فترة ضعف العالم الإسلامي لا يمكن أن تكون صالحة لمناقشة جوهر هذا الفكر في مجال التطبيق بعد أن أصيب بالجمود والضعف، وغلبت عليه نزعة «التقليد» فقد كان الفكر الإسلامي في جوهره وتجربته الأولى مضيئا ايجابيا مؤثرا متفاعلا. ولو أن العالم الإسلامي ظل مرتبطا بجذور هذا الفكر ومقوماته الأساسية لم ينحرف عنها كما وقع في «أزمة التخلف» ولو ظل دائبا في حركته الأصيلة، ولم تقف في وجهه الحوائل الضخمة، من غزو خارجي، ومؤامرات الخصوم في الداخل، لوصل إلى مكانه الإنساني الأسمى ولظل مؤثرا في مجرى الفكر العالمي.
إن القول بأن تأخر المسلمين والعرب كان مصدره الإسلام فهو قول مردود بتجربة التاريخ، فقد أقام الفكر الإسلامي حضارة باذخة في ظل العقيدة، وعلى أساس امتزاج المادة بالروح، حيث لم يتعارض العلم قط مع الدين.
والذين ينسبون تأخير المسلمين إلى الإسلام، إنما يحاولون أن يرددوا ما يقوله خصوم الإسلام دون وعي، أو يقيسون الإسلام إلى الأديان والنهضة تماثلا بينه وبين موقف الإسلام من الحضارة والعلم والتقدم، مع الفارق البعيد بينهما.
 لقد طرأت المسيحية على الحضارة الرومانية بعد اكتهالها لوم يتقيد الغرب بأصولها الربانية المنزلة، فقد كان الدين في الغرب إطارا من المسيحية، في داخله مضمون من الوثنية اليونانية في العقائد، والقانون الروماني في الشريعة والأخلاق، فلم يستطع هذا التركيب المختلط أن يواجه النهضة مواجهة صحيحة. وليس كذلك موقف الإسلام الذي صنع مجتمعه وحضارته وأقام لقيمها وفق مفاهيمه وقيمه أساسا.
وعندنا أن كل ما يقال في الغرب عن الدين لا ينطبق على الإسلام، فالإسلام ليس دينا لاهوتيا خالصا، وهو لم يقف أمام النهضة والعلم، بل هو دين العلم، ومصدر المنهج العلمي الحديث، وقد ظل تاريخه وظلت حضارته ربعة عشر قرنا تشير إلى أنه لم يجمد ولم يتوقف عن الحركة، وظل قادرا على التجاوب مع النهضات والحضارات في آفاق العلم والبحث والابتكار.
ويتصل بهذا ما يردده خصوم الإسلام والعرب والمسلمين من قولهم :
« لابد لكي ينهض العرب والمسلمون، من الانفصال عن الماضي».
 وهي دعوة غريبة كل الغرابة ذلك، لأن هؤلاء الدين يدعوننا إلى ذلك، لم ينفصلوا هم عن ماضيهم، فقد قامت الحضارة الغربية أساسا على التراث اليوناني والروماني، واستمدت منه أبرز قيمه ودعائمه، هذا بالرغم من أن الإغريق انتهوا وانفصلوا عن أوربا ألف عام تقريبا، فكيف يعود الغربيون إلى تراث انفصلوا عنه ألف عام، بينما يطلب إلى العرب والمسلمين أن ينفصلوا عن تراثهم الذي لم ينفصلوا عنه عاما واحدا، بل ولا يوما واحدا، ومل يزل حاضرهم امتدادا لماضيهم.
وإذا وصف الفكر اليوناني بأنه تراث، فلا يوصف الفكر الإسلامي بذلك، ذلك أن التراث هو ما تجمد وانفصل، أما الفكر الإسلامي فما زال حيا متفاعلا في مجتمع العرب والمسلمين، بالرغم من تمزق دوله واحتلال الغرب لها، بل لقد تأكدت استحالة هذا الانفصال بتقدير المستشرقين أنفسهم، ويقول في هذا هامتون جيب :
« ليس في وسع العرب أن يتجردوا من ماضيهم الحافل وسيظل الإسلام أهم صفحة في هذا السجل الحافل»
لذلك كان دعوى الانقطاع عن الجذور إنما هي دعوة تغريبية، وهي حين لا تدعو صراحة إلى هذا الانفصال تحاول أن تصور هذا الماضي الباذخ بصورة تبعث على السخرية به.
والنظرة إلى الماضي ليست منكورة في الفكر الغربي ولا محرمة، وهذا رجل من أقطاب الفكر الغربي هو (أو برتو بيز تبانو) الأستاذ بجامعة باليرمو في صقلية يقول :
«أن النظر إلى الأمام لا يمكن أن يتم دون التزود من الماضي، والبحث عما هي العناصر التي تكون جوهر هذا الماضي حتى يمكن بناء الحاضر والمستقبل من الماضي نفسه، ولا يمكن للمسلمين والعرب أن يكونوا كأمريكا التي يبدأ تاريخها في القرن السادس عشر بينما للعرب تراث ثلاثة عشر قرنا».

2- هل الإسلام دين لاهوتي
تقول شبهات التغريب أن الإسلام يستطيع أن يعطي العالم حاجته الروحية فحسب، وهذا قول باطل ظاهر البطلان، فحيث الغرب ينصهر في الفكر المادي الصرف، الذي يقوم على أساس الذرونية والعلم التجريبي والتفسير المادي للتاريخ، ونظرية فرويد في مادية الأخلاق وإعلاء جانب الغريزة في الإنسان بالإضافة إلى نظرية الذرائع التي تعلى من شأن المصحة في مقابل كل عمل.
وحيث الشرق ينصهر في الفكر الروحي الصرف حيث البوذية والكنفوشيوسية ونظريات البرهمية التي تعلى من شن الروحية والفناء الصوفي.
نرى الفكر الإسلامي يقوم على ازدواج الروح والمادة ازدواجا متفاعلا، مسبوكا فيه الدنيا مع الآخرة، والعقل مع القلب، قوامة التوحيد. وسيادة الإنسان للكون تحت حكم الله، مع الايجابية والتفتح والعصرية والتقدمية.
 والفكر الإسلامي لم يغلق نوافذه أمام الفكر العالمي والإنساني قط، فهو فكر مفتوح قادر على التلقي لكل نزعات التطور والتغيير، محتفظا بذاتيته وقيمه ومقوماته، يأخذ ويعطي، دون أن يفقد طابع شخصيته أو ملامحه الأصيلة.
 وقد اتصل الفكر الإسلامي بالفكر الروماني والإغريقي، الهندي والفارسي، وكان قادرا على أن يأخذ ويصهر ما يأخذ في بوتقته، أخذ دون أن تضغط عليه أي قوة ذات نفوذ، أما اليوم فإنه قد تعرض للاقتباس تحت ظل نفوذ أجنبي ضاغط، ومع ذلك فقد جاهد في سبيل المحافظة على مقوماته، وهو اليوم في هذه المرحلة من حياته : « مرحلة الرشد الفكري» قد أصبح قادرا على أن يرد عنه كل ما من شأنه أن يفسد مقوماته.
 لقد جمع الإسلام بين العقيدة والشريعة، وبين العلم والعمل، وبين الجسم والروح، وبين الدنيا والآخرة، وجمع الفكر الإسلامي بين المعقول والمنقول، والشريعة والفلسفة، والحضارة والدين، وبين الفردية والجماعية، وبين السياسة والأخلاق، وبين العلم والدين.
والإسلام هو التراث الحضاري بين العرب والمسلمين. وبين المسلمين والمسيحيين، وللإسلام ذاتيته الخاصة ومقاييسه الخاصة.
هذا الفهم الإسلامي للإسلام، هو أيضا فهم الباحثين الذين تعمقوا الإسلام من غير المسلمين، يقول نعيمه عطية من أساتذة الجامعة الأمريكية في بيرون :
 « أن الإسلام في جوهره أكثر من مجرد إيمان ديني، إنه نظام حياة يشمل جميع المؤسسات الاجتماعية والدينية منها والزمنية، كما يجد الإنسان في الإسلام ما يتسع توقع الروحي عن طريق الإيمان بالله، والتعبير له بالصوم والصلاة والزكاة والحج، كذلك يجد فيه نظاما من القيم الأخلاقية والشرائع المدنية التي تعطيه أجوبة مفصلة لما يعترضه من مشكلات الحياة اليومية، تلتقي فيه الحياة الروحية بالحياة الدنيوية، فالإسلام نظام روحي ونظام زمني كلاهما متصل بالآخر وانعكاس له فلا محل للفصل بينهما، فالشريعة هي القاعدة التي يجب أن تتم على أساسها المعاملات بين المسلمين وتبني عليها حياتهم المدنية بكاملها، كما أن الجمع بين الحياة الروحية والحياة السياسية واجب ديني، لأن وحدة الأمة روحيا منوطة بوحدتها سياسيا ولذلك فالأمة في الإسلام لن تكتمل ما لم تتجسد في دولة تتيح للمسلمين ن يعيشوا بحسب فرائض دينهم» أ. هـ.
 وفارق بين نظرة الإسلام إلى الإنسان ونظرة الأديان الأخرى، وقد جاءت اليهودية فانحرفت إلى الفردية الطاغية، ثم جاءت المسيحية فانحرفت إلى الروحية الخالصة، وإلى النظرة من هذه الدنيا- على حد تعبير العلامة صلاح الدين السلجوقي- فجاء الإسلام وسطا جعل الفرد متفاعلا مع المجتمع، وجعل المجتمع متفاعلا مع الفرد تحت اسم « التوازن» ووسطية الإسلام نسيت فقط في تقريب الفرد من المجتمع ولا المجتمع من الفرد، وإنما الإفراط في السلوك الخلقي لأن الوسط بين التفريط وبين الإفراط هو فضيلة وهو خلق، وليس في الحق ن خلاف بين الإسلام والمسيحية : كما يحاول النفوذ الاستعماري، وفي هذا يقول المؤرخ ارنولد تويني: «أن الإسلام لم يدخل في معركة مع رسالة عيسى ولكن مع الكنيسة المسيحية التي استولت على عقول الروم واستسلمت إلى ما دعت إليه الوثنية الإغريقية من الشرك وعبادة الأصنام، فقد استنكر الإسلام هذا الشرك واسترد عبادة الإله الواحد، الذي دعا إبراهيم إلى عبادته من قبل، وهكذا حمل الإسلام شعلة التوحيد بين المسيحيين المشركين، من جهة، والهندوس المشركين من ناحية أخرى .. أن عقيدة التوحيد التي جاء بها الإسلام من أروع الأمثلة على فكرة توحيد العالم، وأن في بقاء الإسلام أملا للعامل كله، وشعيرة الحج تعد عاملا قويا في تطبيق مبدأ توحيد العالم، ليس المهم منها ما يؤدي من مناسك بل هي رمز للإخاء الذي يربط المسلمين بعضهم ببعض دون تفرقة لونية أو عنصرية ».
ولم يقف أثر الإسلام عند هذا الحد الذي وضعه (تويني) بل إنه تعداه إلى آفاق أخرى، وصفها (بارتلمي سانهير) حين قال :
 « إن الإسلام قد أحدث رقيا عظيما جدا في تدرج العاطفة الدينية، فقد أطلق العقل الإنساني من قيوده التي كانت تأسره حول المعابد وبين أيدي الكهنة من ذوي الأديان المختلفة، فارتفع إلى مستوى الاعتقاد بحياة وراء هذه الحياة، ثم أن محمدا بتحريمه الصور في المساجد وكل ما يمثل (الله) قد خلص الفكر الإسلامي من وثنية القرون الأولى، واضطر العالم إلى أن يرجع إلى نفسه وأن يبحث عن الله خالقه في صميم روحه».
 والإسلام واسع الأرجاء لتلقي العلم الحديث (على حد عبارة دكتور بول دي ركلا) هذا العلم الذي أنتجته الأجيال الطويلة، وليس كما يزعم البعض بمحدود الأطراف لأن التعاليم الرفيعة وضعت لكرور الدهور، وستبقى خالدة وضاءة الأنوار تكشف كل مدنية تتمخض عنها العصور».
وليس الإسلام جامدا لا يتحرك، وهي دعوى لا دليل عليها، كما يقول افيلكس فالي، ويضيف : «كان الإسلام في كل عصوره مثارا للحركة الفكرية في التاريخ» بل وسيبقى الإسلام قابلا للتطور، وهذه عبارة الجنرال يوصور حتى في ظل الدولة الحديثة : «فقد عرفت قدرة المسلمين على التوفيق بين العلم الحديث واستمساكهم بالقواعد التي رسمها الدين».
 ولا تقف العقيدة الإسلامية في سبيل الفرد- كما يقول العلامة أثيان دينيه-: « وقد يكون المرء صحيح الإسلام وفي الوقت نفسه حر الفكر، وكما أن الإسلام قد صلح منذ نشأته لجميع الشعوب والأجناس فهو صالح كذلك لكل أنواع العقليات وجميع درجات المدنيات».
 
وما من دين استطاع أن يوحي إلى المتدينين شعورا بالعزة (وتلك عبارة والفرد كانتول سميت) كالشعور الذي يخامر المسلم من غير تكلف ولا اصطناع، وعنده أن الغربي لا يفهم الإسلام حق الفهم، إلا إذا أدرك أنه أسلوب حياة تصطبغ به معيشة المسلم ظاهرا وباطنا، وليس مجرد أنظار وعقائد يناقشها بتفكيره».
  وليس شك أن هذه الصنوف كلها وهي من كتاب غربيين، تدحض شبهة القول بأن الإسلام يستطيع أن يعطي العالم حاجته الروحية فحسب، ويكشف عن أن الإسلام دين ومدنية، وأنه قادر على الإعطاء في مجال النهضة والتقدم، وأن نظرته إلى الإنسان تختلف عن نظرة الأديان الأخرى وأن له ذاتيته الخاصة وطابعه وشخصيته.
  وهو مع هذا التكامل الواضح، والوسيطة الصريحة، والحركة القادرة، ليس مغلقا ولا جامدا بل هو أميل إلى التسامح في القدرة على التلقي، والانفتاح على الثقافات الحية، ويرجع ذلك في اعتقادنا إلى إيمانه الذي لا يتزعزع بالقيم الأساسية والمبادئ الأصيلة وفي مقدمتها التوحيد، فنحن نؤمن دوما بأن لنا شخصية ولنا قيم ولنا رسالة في العالمين وأن الإسلام هو التراث الحضاري للعرب والمسلمين جميعا.

                                         
                                                             
 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here