islamaumaroc

ليس وليت ولات

  دعوة الحق

126 العدد

 ليس، وليت، ولات(1)

 وهذا موضوع يختلف عن سابقه، حيث أن ذاك، كان المقصود منه الناحية العلمية، وإصلاح الوضع فيه بينما هذا، الهدف منه الناحية الوصفية الصرف. وبذلك فإننا في هذا الأخير نريد أن تنظر في هذه الألفاظ نظرة فقهية بحثة، فليس بحثنا فيه مما يغير خط سيرها، ولكنه بحث الدارس الجيولوجي في طيقاته والأثري في عادياته ...
  هذه ملحوظة لابد منها، وهناك ملحوظة أخرى وهي أن القارئ لابد أن يكون واسع الأفق في نظره، فسيح الصدر في تقبله، وإلا فإنه سيضيق ذرعا ولا يستطيع لما يتلقاه هضما، فليس مثل هذا البحث مما تكفي فيه النظرة العابرة. وأن صاحبه كان فيه ولا يزال بمثابة من يتطلب حلقة مفقودة في عالم النشوء والارتقاء (كما يقال). وكذا اللغة ما هي إلا كائن حي يجري عليه ما يجري على غيره من الكائنات الحية، ولأمر ما أحاطوا النطق بالإنسان، وجعلوه جزءا منه لا يتجزأ فالمناطقة الأقدمون لا يريدوا في (فصلهم) المنطقي إلا المنطق والتفكير جد وثيقة. والمهم ألا تتسلط علينا الشجاعة في الرد أو القبول لأن الشجاعة محمود إلا في العلم فما أقبحها، إن لم يمهد لها ؟؟
ولنتصل بالموضوع فنجد ليس : من أخوات كان- كما هو المعروف في النحو- ولكن وجود هذا الفعل في العربية غريب جدا : غريب في صيغته، وغريب في زمنه، وغريب في مادته. ولقد تنبه القدماء إلى صيغته فقالوا : أن أصله ليس بكسر الياء ولكن الياء سكنت استثقالا، كما سكنت كيف، وخولف بها قواعد التصريف لأنها خالفت تصريف الأفعال ...
 
وأما زمنه فقالوا أنه استعمل بلفظ الماضي للحال (وهذا غريب سنعلم وجهه)
وأما مادته فلم يعرفوا عنها شيئا، أو عرفوا عنها كل شيء، فقد ألمعوا إلى أن مكون من «لا» و «أيس»، طرحت الهمزة وألصقت اللام بالياء. ودللوا على ذلك بقول العرب إتنى من حيث أيس وليس، وجلني به من حيث أيس وليس، أي من حيث هوو «لا هو»، أو معناه «لا وجد» أو «أيس» أي موجود ولا موجود(3) وهي ملاحظة لها خطرها. هذا ما قاله في «ليس» وهو منتهى ما يمكن أن يقوله الناظر الفاحص في لغة بمفردها. أما نحن فنريد أن نوسع أفق هذه النظرة ونشرئب إلى آفاق أخرى علها تطلعنا على أسرار الحقيقة في هذه المعضلة ...
عندما يقارن الإنسان بين اللغات قديمها وحديثها فإنه يخرج من هذه المقارنة بأن «ليس» ما هي إلا رابطة تدل على كون مطلق منفي فهي مكونه- كما قال الأقدمون- من «لا» و «أيس». فلا هذه معروفة وهي هنا نافية للجنس، أما «أيس» فهي رابطة تدل على كون مطلق كما أشار إليه الأقدمون أيضا ...
بعضد هذا- كما قلت- مقارنة بين اللغات خصوصا القديمة منها، ففي العبرية (يش) والعربية تنطق السين شيئا كما هو معروف حتى الآن). وفي الفارسية (أست)، وفي اللاتينية est وفي السريانية (أيت). وهكذا في اللغات التي تفرعت من اللاتينية أو لها علاقة بها، ففي الفرنسية est وفي الاسبانية esta وفي الألمانية ast وفي الإنجليزية is
أما ما يختص بليس من الأزمنة فهو بالضبط ما تدل عليه المادة في اللغات المذكورة أعني ما قال الأقدمون وهو (الحال)، بالرغم من أن الصيغة للماضي كما قيل هذه المادة اختصت في أغلب اللغات بشخص معين عند الربط، أما في اللغة العربية واللغة الفارسية واللغة الاسبانية فلا تختص بشخص دون آخر. في العربية والاسبانية الأمر واضح، وفي الفارسية هكذا : استم، أستي، أست، أستيم، أستيد، استند،. ولكن في الأفرنسية والألمانية والانجليزية فليس لها هذا التصرف المطلق فهي قد اختصت بأشخاص دون غيرهم واعتيض عنها في بروابط من أفعال أخرى نرجو أن نوفق في دراستها (4).
إذن فقد كانت في العربية رابطة للزمن الحالي ولكنها اندثرت ولم ماثلة إلا في النفي ...
وهنا يسأل : لم اندثرت في الإيجاب وبقيت مائلة في النعي ؟
والجواب على هذا السؤال في منتهى البساطة، فإن اللغة العربية لغة تخاطب، ولم تدون إلا حديثا وحديثا جدا، دونت حينما كانت في مرحلة متأخرة من نموها واستكمالها. وكانت هذه الرابطة قد استغنى عنها موجبة في التخاطب لأنها ليست فيه بذات أهمية ولكنها لها أهمية عظيمة في النفي، لهذا لم يستعن عنها : وهذا بالضبط ما يحصل الآن عندما تخاطب بعض متكلمي هذه اللغات التي ما زالت محتفظة بروابطها، فإنك إذا ما حادثك غير المثقف منهم بالخصوص فإنه يستغنى عنهت في الإيجاب ولا يستغنى عنها في النفي، ذلك لأن الجملة في ايجابها قوية. أما في نفيها فإنها تكون ضعيفة ولهذا فإننا نجد بعض اللغات تضطر في تقويتها إلى أفعال مساعدة للأفعال الرئيسية ...
هذا ما يتصل بليس، إما :
لات :
فهي مركبة من «لا» العربية و «أيت» السربالية، تؤدي بالضبط ما تؤديه ليس، وقد لمح النحويون فيها هذا، فجعلوها من المشبهات بليس، إلا أنها ليس لها من الحرية ما لليس في تصرفها، مع جميع أسمائها، أو فواعلها، على قول من جعل خبرها حالا، كابن جني في الخصائص والكوفيين بل إن عمل لات قاصر على الحين ونحوه، كما قال ابن مالك، فلها في العمل شرطان، كون معموليها اسمي زمان، وأن أحدهما محذوف، نحو ولات حين مناص، بالنصب والرفع في الحين، وقد سمع عملها في غير أسماء الزمان، كقوله :
                          لهفـي عليـك للهعـة من خـائف
                                             يببي جـوارك حيـن لات مجير
  وقد اختلف النحاة في أصلها، كما اختلفوا في ليس، فهل هي فعل ماض، كلمة واحدة، أم أن
أصلها ليس بكسر الياء، فقلبت الياء ألفا وأبدلت السين تاء، أو أنها مؤلفة من لا وتاء التأنيث، كما في تمت، وهذا اجتهاد منهم. ويقول الأخفش : أنهم شبهوها بليس وأضمروا فيها اسم الفاعل (يقصد «كائن» أو «مستقر» مرفوعا على أنه اسمها) لأن الإضمار كما قال سيبويه لا يتحمله إلا الأفعال ...
ولم يلاحظ فيها ما لوحظ في ليس من أنها خالفت تصرف الأفعال.
وأما ليت فالمعروف فيها أنها حرف تحن وبعض العرب يجريها مجرى الأفعال، وهي كليس غريبة في بابها إلا أنها تتصل بلات وهي صيغة واضحة في الأفعال، الذي نخرج به من هذا أن هناك صلة قرابة بين ليس وليت ولات، الصلة بين ليس أدركها النحويون سواء في الاشتقاق أو في العمل، ولكن الصلة بين ليت ولات هي التي ما زالت في طي الغموض والذي نرجحه أن نبت ما هي إلا لا النافية للجنس زائدة عليها «أيت» السريانية السابقة :
  فعل بهما ما فعل بلا أيس فكانت تدل على كون مطلق ثم صارت تدل على التمني في اللغة العربية، وهنا سؤال وجيه، وهو كيف صارت ليت تدل على التمني بعد أن كانت رابطة منفية ؟
والجواب أن النحويين يعرفون ليت بقولهم حرف تمن يتعلق بالمستحيل غالبا أو يقولون في تعريف التمني هو طلب ما لا طمع فيه أو ما فيه عسر ... إذن فالمتمني على كل حال مفقود والمتمني يائي لأنه يطلب مستحيلا أو ضعيف الأمل لأنه يطلب عسيرا .. وإذا درسنا العقلية العربية الأولى المشهورة بالبت وعدم التشبث بالواهي من الآمال- لأن حياة الصحراء لم تكن تسمح لهم بذلك- فلا نستغرب أن يستعمل العربي أولا هذه الرابطة التي كانت تدل على كون مطلق منفي مكان التمني، خصوصا إذا كان قد استعمل هذه الرابطة في مرحلة مبكرة من حياته العقلية، لأن التمني بمعناه الدقيق لا يدرك إلا في مرحلة متأخرة من نمو الفكر الإنساني فبالأحرى أن يعبر عنه- في هذه المرحلة- كان يستعمل أولا هذه الرابطة التي كانت تدل على كون مطلق منفي وربما كان طلبه بها المستحيل أو العسير طلبا ضمنيا، أدرك من قرائن الأحوال في التخاطب، ولكنه أخيرا صار صريحا لكثرة الاستعمال في باب التمني ...
ولا نسأل لم اختصت هذه الرابطة بالتمني دون غيرها، فهذا شأن لا طاقة به ولا لغيرها به طاقة. وكل ما يمكن أن يقال : أنهم استعملوها لكونهم ربما لاحظوا فيها رقة تناسب أنتمي، كما نجد ذلك في بعض اللغات، أو لان الصيغة اختصت بالتمني عفوا- كما يبدو لنا- وهذا ليس بغريب على من يمارس دراسة اللغات ويقارن فيما بينها، فالفارسية والتركية مثلا كلتاهما استعارت من العربية ألفاظا ألبستها حلة غير التي كانت تتحلى بها في العربية، وكذلك يقال في كثير من المعربات التي دخلت اللغة العربية من لغات مختلفة، فإنها قد اتخذت دلالات خاصة بها، في الغالب ما تكون لها علاقة بالدلالات الأولى. ومن هذه «أيت» السريانية، وهكذا غير هذه اللغات، وهذه الإسبانية استعملت (ojala) للتمني وقد تحولت عن معناها الأصلي العربي «إن شاء الله» إلى معناها الراهن.
ولو أن العلاقة واضحة بين كليهما. ولاتصال التمني بالنفي اتصالا وثيقا نجد أن الفرس- لاختلاف ما بينهم وبين العرب في العقلية ونظام الحياة بحكم البيئة الطبيعية- يستعملون عندما يجيبون كلمة خير في مطلق الإجابة بالنفي لأنهم- وهم الذين لهم من بين الأفعال صيغة خاصة يسمونها « التمنائي»- أرادوا بذلك أول ما أرادوا أنه سيكون خير فيما بعد، أما الآن فلما يحدث ما تسأل عنه. وبعضهم يرى أن كلمة خير فارسية الأصل، ولكن نرجح أنها عربية الأصل والمدلول، فكان هذا المدلول ملحوظا عندهم أولا كما يحصل الآن، حينما يتلطف المجيب بنفي المرغوب فيه. ولكن فيما بعد، صار هؤلاء الفرس يستعملون كلمة «خير» في مطلق الإجابة بالنفي-كما سبق- حتى لو كان المسؤول عنه غير مرغوب فيه، ومما يستأنس فيه في كون «ليت» أصلها ما قلنا، أننا نجدهم حينما يتكلمون على اتصال «ما» بالحروف النواسخ وإبطالها لعمل تلك الحروف- حيث أنها تدخل حتى على الأفعال- يستثنون من ذلك «ليث»، فإن «ما» الداخلة عليها لا تجعلها تدخل على الأفعال، بل يظل اختصاصها بالأسماء، كما كانت من ذي قبل، كما أن «ما» هذه، تكون داخلة عليها، ولا تبطل عملها في المبتدأ التي هي مختصة به اختصاص «ليس» تماما. وإن كانت ليس تمكنت
أو كادت من الفعلية، حتى سمع عندهم استعمالها تامة، في نحو قول الشاعر :
                           يا صاح بلغ ذوي الزوجات كلهم
                                            أن ليس وصـل إذا انحلت عـرى الذنب
وقول النابغة :
                          إذا ذهب العتاب فليـس حـسب
                                             ويبقى الحــب مــا ذهــب العتـاب (5)
 والمهم أن التمني والنفي شديدا الاتصال وثيقا القرابة، والعربي استعمل في تمنيه هذه الرابطة حيث لم تكن لديه كلمة يتمنى بها لأن حياته الأولى في الصحراء القاسية لم تكن فيها نسخة لهذا التمني. فبالأحرى أن تكون لصاحبها قدرة على التعبير عنه تعبيرا واضحا.
   

1 ) نشرت جزءا من هذا البحث في مجلتي « الرسالة» 24 مارس و «الثقافة» 25 مارس بالقاهرة سنة 1947.
2) لعلهم أخذوا ذلك من كلمة : (Logos) اليونانية التي تطلق ويراد بها الكلمة كما يراد بها العقل، أنظر «الرسالة العذراء» و«سر الفصاحة» و «نقد النثر» ولعل كلمة «لغة» معربة عن Logos  لأننا لا نجدها مستعملة في الجاهلية وأول الإسلام، بل نجد بدلها «اللسان» أو «الحرف»، كما في الحديث أنزل القرآن على سبعة أحرف، ولا علاقة لكلمة اللغة بالغو، وأن حاول ذلك علماء اللغة والاشتقاق فيما بعد، وعلى رأسهم ابن جني، في كتابه «الخصائص».
3 ) انظر المعاجم العربية الكبرى، كما وردت العبارة في بعض كتب الأدب، كالبيان والتبيين، حينما يتعرض لاستعمال المناطق، وكالعقد الفريد، وهو يأتي بالأمثال، فيجعل هذه من أمثال العامة.
4) وهذه الرابطة نفسها موجودة في السنسكريتية واليونانية كما نص على ذلك علماء اللغات.


 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here