islamaumaroc

أدب القصة في سوريا

  دعوة الحق

126 العدد


  يقول الكاتب والناقد الأمريكي المعروف (رأى. ب. وست)
«إن مولد أي عمل فني لا يختلف عن مولد الإنسان بأمر واحد هام .. إذ أنهما يولدان في كامل النضج والعنفوان، وكلاهما يشق طريقه من تلقاء نفسه إلى العالم ليتبوأ المكانة اللائقة التي يستحقها».
وعلى هذا المبدأ، مبدأ مولد العمل الفني .. أو مولد الإنسان الفنان سنأخذ في البحث عن تاريخ ومولد القصة السورية :
لن ندخل، منذ البداية، في متاهات البحث التاريخي أو الفلسفي لمولد القصة السورية، إذ أن مولدها على السطح وليس عميق الجذور .. وتاريخها كشكل من أشكال الفنون الأدبية، تاريخ قصير.
فالقصة كما ائتلفت وعرفت به اليوم، لم تكن معروفة بالأمس ..
لكن القصة بوجه عام، وكفن قائم بذاته، وكعالم مثير وعجيب وغامض أحيانا .. استهويا الكاتب السوري، وأثارا في نفسه مختلف المشاعر وأقصى الحماس، فراح يضرب في بطون الكتب، ويبحث فيما يستورد من ثقافات متعددة الاتجاه واللون عن هذا الفن ..
وتساءل الكاتب السوري، منذ أن خيم عليه ظل العثمانيين الثقيل :
- ما هي القصة ... ؟
هل القصة هي ذلك اللون الاستهلاكي الذي كان محببا عند الناس بغية التفكه والتسلية ..؟ أم أن القصة إحدى الظواهر الأدبية في العالم، وعلى الكاتب السوري أن يجد التقليد دون دراية بمذهب أو أصول؟
 أم أن القصة- كمفهوم عام وبدائي- هي سرد حوادث التاريخ والأدب والفكاهة ..؟
الحقيقة أن القصو السورية- فيما مضى- كانت كل هذا في وقت واحد .. فهي إملاء الصحف والمجلات والسلاسل بما كانت تحتاجه السوق، وبما يعود على الناس بالتسلية والتفكه والرياضة النفسية، مع تطرق لحوادث الناس، وتاريخهم، وأعمالهم ..
ونظرة واحدة لأسماء بعض الصحف التي كانت تصدر في دمشق أو حمص وحماة وحلب واللاذقية، تنبئ عن مضامين ما كان ينشر في هذه الصحف من قصص وأحداث :
(حط بالخرج- ضاعت الطاسة- جراب الكردي- ظهرك بالك- اسمع وسطح- انخلي يا هلاله- المكنسة ما صنع الحداد- الخ ...)
 والحقيقة الأخرى تلزمنا بالاعتراف، بأن هذا اللون الطاغي من الصحافة والأدب الهزلي الفكه، إنما
كان وليد العصر وأسلوب الأوان .. فالبيئة السورية-كانت يومئذ- بيئة مهددة بالثورات وبالتدخل الأجنبي .. وبالانتفاضات الداخلية، فشجعت كلها هذا اللون الصحفي والأدبي كرد فعل للصراع النفسي والتمزق الذي كان يشعر به الفرد السوري من جراء الحكم العثماني على البلاد.
غير أن الرأي العام، بمرور الزمن والتفاعل العلمي والثقافي، راح يطالب بما هو إحدى وأعم فائدة، ولكن الجعبة خالية والنفس مندفعة .. فلم يكن أمام الأدباء السوريين الأوائل سوى باب (الترجمة) .. باب واسع عريض أطلوا منه على العالم مباشرة، وأشرفوا من خلاله على ثقافات الأمم وفنونها في القصة على وجه الخصوص.
فإذا كان عام 1886 صدرت في دمشق أول نشرة أدبية قصصية روائية، لصاحبيها (سليم وحنا عنحوري).
 وكانت بداية حال الأدباء السوريين في الترجمة ككل بداية .. لا تخلو من ركاكة في الأسلوب ونعرض المترجم لرايه هذه الترجمات من كثير من التعابير العامية المفرطة، إلى لجوء جزئي حينا وكلي أحيانا إلى ترجمة النص نظما وشعرا وزجلا.
وظهرت في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين بعض القصص الطويلة المؤلفة والموضوعة، وكان أول المهتمين بها (فرنسيس مراش) الذي أصدر قصته (غابة الحق) عام 1862، في حين طبع قصته الأخرى (در الصدف في غرائب الصدف) عام 1872 في بيروت.
كذلك نشر (نعمات القساطلي) قصة (مرشد وفتنة) و (الفتاة الأمينة وأمها) و (أنيس وأنيسة) في مجلة (الجنان) التي كانت تصدر في بيروت خلال الأعوام 1880- 1882.
ويمكننا- على هذا- أن نسمي مرحلة (فرنسيس مراش، ونعمان القساطلي) بالمرحلة الأولى لأدب القصة في سورية.
في حين تميزت المرحلة الثانية- بداية مع مطلع القرن العشرين- تحمل خصائص وسمات تطور القصة الأولى في سورية، وكان ذلك على يدي (شكري العسلي) الذي كتب لأول مرة (نتائج الإهمال)، بالإضافة إلى روايته (فجائع البائسين) التي صدرت عام 1907 في مجلة (المقتبس) السورية.
أما (ميخائيل صقال) فقد نشر في عام 1907 قصة. لطائف السمر في سكان الزهرة والقمر).
 أما على مجال الترجمة، فقد طالع الناس عددا كبيرا من الترجمات لقصص وروايات عالمية قام بترجمتها نخبة من الأدباء أمثال (رزق الله حسون- ومحمد كرد علي) وغيرهما.

القصة السورية في فترة ما بين الحربين :
إن بزوغ فجر القصة في سورية في فترة ما بين الحربين يرجع إلى ثلاثة أمور :
أولا : الصحافة، فقد تنوعت الصحافة وتعددت بحيث أخذت تغري الأدباء بالنشر.
ثانيا : الاحتكاك الثقافي، حيث أن سورية أنجبت عددا كبيرا من الشباب المتطلع إلى الثقافة العالمية، أما نتيجة حتمية للتطور، وإما بعيد بعثات الدراسة، هذا إضافة إلى اتصال سورية مباشرة بالثقافة الفرنسية بعد الانتداب الفرنسي لسورية.
ثالثا : هو أن سورية كانت على صلة وثيقة جدا بالدول العربية الأخرى وخاصة مصر التي قطعت أشواطا بعيدة في التجديد الأدبي وكافة فنون الكتابة الأخرى .. وبرزت في مصر في تلك الآونة ثمرات القصة الناضجة التي وقفت على قدميها ثابتة عند (الدكتور محمد حسين هيكل) في قصة (زينب) عام 1914، وفي أعمال (محمد تيمور، ومحمود تيمور، وتوفيق الحكيم) وغيرهم ...
ولا شك أن هؤلاء الرواد من الأدباء والقصصيين المصريين واللبنانيين أيضا أمثال (سليم البستاني، وفرح أنطوان، ونقولا حداد، ويعقوب صؤوف، وجبران خليل جبران) وغيرهم .. قد أثاروا بشكل مباشر وغير مباشر في انبثاق القصة في سورية وباقي الأقطار الأخرى.
لكننا عندما نريد الوقوف أمام القصة القصيرة السورية على مجال التكامل والنضج الفني الأولي، لابد لنا من أن نعترف بفضل الرواد السوريين الأوائل أمثال (علي خلقي) صاحب المجموعة القصصية المسماة (ربيع وخريف) الصادرة عام 1931، و(محمد النجار) صاحب (في قصور مشق) و (نسيب الاختيار) الذي نشر أول قصصه عام 1930، وكانت 
بعنوان (عودة المسيح) وفؤاد الشايب صاحب المجموعة القصصية الوحيدة (تاريخ جرج) التي صدرت عن دار المكشوف ببيروت عام 1944.
  أما على مجال الرواية، فقد برز (معروف الأرناؤوط) كأول كاتب للرواية، فأصدر مجموعة من رواياته التاريخية الشهيرة مثل (سيد قريش 1929) في ثلاثة أجزاء، و(عمر بن الخطاب 1936) في جزئين، و (طارق بن زياد 1941)، و(فاطمة الباتول 1942) كذلك برز اسم (الدكتور شكيب الجابري) الذي أصدر على التوالي أربع روايات أدبية هي : (لهم 1937)-(قدر يلهو 1939) – (قوس فزح 1946) – (وداعا يا آفاميا 1961).
لم يكن أمر كتابة القصة القصيرة السورية بالأمر السهل أو اليسير، ذلك أنه فن مستحدث وجديد والدخول إلى عالم القصة القصيرة كالدخول في المتاهة الغامضة، لذلك فقد نردد العديد من الكتاب السوريين تجاه القصة القصيرة، حتى أن فؤاد الشايب كتب يقول في مقدمة مجموعته (تاريخ جرج) :
«لا أود أن أزج نفسي في إنشاء أدب- القصة القصيرة- مدشنا عهد النشر بالنوع القصير النفس، الصغير الحجم، خوفا من أن يجري ذلك على عادة، لا أجد بالتالي منها مفلتا، فأذعن لها صاغرا».
هذا وتعتبر مجموعة (تاريخ جرح) المجموعة القصصية المتكاملة الأولى في أدب القصة السورية، وقصص المجموعة كتبت ما بين عام 1930- 1940، مثل (الشرق شرق- أحلام يولاند- قبل المدفع- جنازة الآلة- وغيرها ..)
وتمتاز هذه القصص بالمعالجة الاجتماعية في ظل ملامح إنسانية عامة، وذلك في أسلوب رشيق ورصين، وعبارة قوية ولغة سليمة .. ولقد أثرت ثقافة (الشايب) العالمية في إنتاجه القصصي ولولت عالمه الفني بألوان مسرة جذابة.
تلك كانت اللمحة الخاطفة التي درسنا فيها تشكل أدب القصة في سورية، وقد انتهينا بفترة ما بين الحربين.
على أنه ظهر كذلك في هذه الفترة عددا آخر من كتاب القصة، لمعت أسماؤهم واحتلت الصدارة، منهم : خليل الهنداوي- ومظفر سلطان- وحسيب كيالي- وغيرهم ...) حتى إذا كان عام 1950 نجد أن القصة في سورية قد أخذت تحتل المكانة اللائقة بها بفضل مجموعة كبيرة من الكتاب السوريين- القدماء الذين استمروا في الإنتاج والعطاء وجيل الشباب المتفتح على الثقافة الحديثة-.
ولو استعرضنا- على سبيل التذكر- أسماء الكتاب الذي برزوا خلال فترة 1950- 1960 لوجداناهم يفوقون في العدد كثيرا من الاقطار  العربية والأوربية أحيانا، فهناك مثلا :
(ياسين دركزلي، سعيد كامل كوسا، منور فوال، خير الدين الأيوبي، ميلاد نجمة صميم الشريف، أحمد الغفري، ليان ديراني، صلاح دهني، شوقي بغدادي، مواهب كيالي، عفيف بهني، غازي الخالدي، خالد الشريفي، فاتح المدروي، علي بدور، عبد الرحمن البيك، أديب كلاس، أنطوان حمصي، يسرة البزره، محمد حيدر، محمد الراشد، هالة ميداني، هيام نويلاني، ليلى اليافي، أميرة الحسني، عماد تكريتي، هشام نحاس، أحمد مراد، وغيرهم.)
بالإضافة إلى مجموعة أخرى من كتاب القصة التي ما تزال تنتج وفي عطاء متفاوت فيما بينهم أمثال :
(الدكتور عبد السلام العجيلي، وداد سكاكيني، ألفه الأدلبي، سلمى الحفار الكزبري، فاضل السباعي، مراد السباعي، حسيب كيالي، حنا مينه، غادة السمان، كوليت خوري، قمر كيلاني، رينه عبودي، جان الكسان، اسكند لوقا، ياسين رفاعية، زكريا تامر، عدنان الداعوق، وغيرهم ...)
والسؤال الآن هو :
ـ أين اختفت تلك الأسماء العديدة من كتاب القصة السورية ... ؟
في الإجابة على هذا السؤال، يمكننا أن نبحث الأمر من وجهتين من النظر :
أولا : ظهور طبقة الأدباء استهوتهم القصة وأغرتهم، فجربوا حظهم في مجالها فلم يفلحوا، وككل تجربة فجة غير ناضجة سقطوا واختفت أسماؤهم.
ثانيا : هو تشكل روابط وجمعيات أدبية ذات صبغة سياسية، وذلك بفضل صحف ومجلات كان يحررها من ينتمي إلى هذه الروابط والجمعيات .. وما أن تنحل هذه الروابط والجمعيات الأدبية ذات 
الصبغة السياسية، حتى تسقط هوية هؤلاء الكتاب القصصيين، كما حدث في (رابطة الكتاب العرب التي ضمت إليها في يوم من الأيام أكثر من أربعين قصاصا سوريا) عندما انحلت الرابطة، انفرط عقد هؤلاء، وبالتالي أعرضوا عن كتابة القصة، وكثير منهم من لم يكتب قصة واحدة منذ ذلك اليوم.
وهناك سبب ثالث لا يقل أهمية عن السببين السابقين، وهو أن عددا كبيرا من كتاب القصة أغرتهم المناصب، وصرقتهم الوظيفة، ووجدوا الإذاعة أو الصحافة أو التلفزيون مجالا أكثر إغراء من مجال القصة ماديا ومعنويا.
ونحن إذا أردنا تصنيف القصة في سورية، لا نجد غير مذهبين أدبين ينتمي إليهما الأدباء المنتجون :

1- المذهب الواقعي :
ويضم (الدكتور عبد السلام العجيلي، حسيب كيالي، ألفه الأدلبي، قمر كيلاني، وداد سكاكيني، فاضل السباعي، مراد السباعي، وغيرهم ...)

2- المذهب التحليلي :
ويتفرع عن هذا المذهب، (المذهب الوجودي، والرمزي، وأدب اللامعقول).
وتضم هذه المذاهب، (اسكندر لوقا، جان الكسان كولست خوري، وليد إخلاصي، زكريا تامر، عادل أبو شنب، غادة السمان، وعدنان الداعوق، وغيرهم).
نستطيع هنا، وقد قسمنا كتاب القصة إلى هذين المذهبين الأدبيين، أن نتناول بالبحث بعض كتاب القصة المرموقين :

1- الدكتور عبد السلام العجيلي :
لا أزال أذكر مرة كنت أتحدث فيها عن أدب القصة عند العجيلي إن قلت :
(إذا كان للشعر أمير، فللقصة أميرها وهو الدكتور عبد السلام العجيلي).
ولم يكن قولي هذا ناتجا عن حكم سريع أو انفعالي أو ذاتي، حتى على الجيلي هذا اللقب، لكنني في تتبعي الدائم والمستمر لعطاء هذا الأديب الكبير، أجده خير كاتب للقصة على مختلف وجوهها ومذاهبها أيضا.
ولقد أعجبنا بالعجيلي بدءا من قصته القصيرة-إلى قصته الطويلة- إلى الرواية.
وخطأ عبد السلام العجيلي في درب القصة خطواته الأولى عام 1948 عندما نشر مجموعته القصصية (بنت الساحرة)، وكان درب القصة ما يزال بكرا لأن من مشى فيه تخلى وتقاعس، فجاء (العجيلي) بثقافته العالية العلمية (كطبيب) والفنية ( كشاعر وأديب)، ووضع أول أسس النهضة القصصية في سورية .. وعرفت القصة على يديه- لأول مرة- التحليل العلمي الدقيق، والترابط الذهني مع واقع الحياة، والسرد الحسي الانتقادي، والاتجاه القومي، والتعاطف مع المحلية دون اسفاف، والالتصاق بالشعب والريف والبادية والمدينة وعواصم العالم أجمع.
وما أظن أن تلخيصا ما لما كتب (العجيلي) إلا إساءة لقصصه في موضوعاتها وقسمتها الفنية والأدبية.
وقدم (العجيلي) للمكتبة العربية حتى الآن :
(بنت الساحرة 1948، ساعة الملازم، 1951، قناديل اشبيلية 1959، الحب والنفس 1959، الخائن 1960، الخيل والنساء 1965، باسمة بين الدموع- وهي رواية طويلة- 1958، رصيف العذراء السوداء- وهي قصة طويلة- 1960).
بالإضافة إلى كتب أخرى عن السفر والرحلات (حكايات من الرحلات 1954، دعوة إلى السفر 1963، المقامات 1963، أحاديث العشيات 1965، أشياء شخصية 1968).
كما للعجيلي أيضا ديوان شعر بعنوان (الليالي والنجوم) الصادر عام 1951.
ومما لا شك فيه إطلاقا أن (العجيلي) هو الكاتب القصصي الأول في سورية الذي جمع بين الكم والكيف دون باقي الكتاب الآخرين.

2- حسيب كيالي :
وجه آخر من وجوه القصة في سورية، وابن بار للواقع السوري .. ويمتاز (حسيب كيالي) بأسلوب خاص قد تميزه على غيره من الكتاب الآخرين، إذ هو يعرف كيف يستعير أشخاص وملامح الناس الذين نلمحهم في الشوارع والحارات، ويجعلهم ينطقون كلاما هو خليط بين الفصحى العريقة والعامية المفرطة .. وأشخاصه يتحركون على السطح (كما يقول الأستاذ صلاح الذهني). دون أن نلمح لهم رصيدا نفسيا يربطهم بالجذور والأعماق.
و (حسيب كيالي) يراقب الناس جيدا. ولكن من الخارج، وهو قلما يتوقف عندهم ليدخل إلى صميم حياتهم.
كذلك فإن طابع السخرية اللاذعة تبدو غاية في الوضوح عنده، يضاف إلى هذا أنه يجيد الشتائم في قصصه إلى حد عجيب، وغالبا ما تكون من نوع بذئ .. فهل هي واقعية أم نقل عما يجري في الشارع والحارة والخمارة والحقل وغيرها من الأماكن ... ؟

3- ألفــه الأدلبـي :
إذا أردت أن تقرأ عن الحكايات القديمة، والناس الذين كانوا يعيشون في دمشق العتيقة منذ عشرات السنين، وعن التقاليد والعادات الدمشقية القديمة، وعن التصوير الفني المزخرف لبيوت دمشق المندثرة، وعن حكايات النساء أيام زمان .. عن الطلاق والزواج والحب عند المرأة الشامية في سالف العصر والأوان ... لابد لك من أن تقرأ (ألفة الأدلبي).
إن الفن القصصي والإبداع التكتيكي للقصة مفقودان عند (ألفة الأدلبي) كذلك الأمر بالنسبة (للحادثة) –كأول أداة من أدوات فن القصة الكلاسيكية- فتكاد تكون أغلب قصصها بلا حادثة بلا زمان ولا مكان، لكنها تعوض عن ذلك بالزخرفة والنمنمة وتأنق اللفظ والتهالك على اللغة دون جدوى.
و (ألفة الأدلبي) رغم ما قدمت من (قصص شامية 1954، وداعا يا دمشق 1963، المنوليا في دمشق، وقصص أخرى 1964) تظل بعيدة كل البعد عن مفهوم القصة الحديثة السورية كما أنها تظل في آخر صف (المذهب الواقعي)، وتعتبر امتدادا للقصة السورية ما قبل فترة ما بين الحربين.

4- فاضـل السبـاعي :
تميز هذا الكاتب بانتاجه الغزير، فقد صدر له (الشوق واللقاء 1958، ضيف من الشرق 1959، مواطن أمام القضاء 1959، الليلة الأخيرة 1961، نجوم لا تحصى 1963، ثريا 1963، ثم أزهر الحزن 1963، الظمأ والينبوع 1964، حياة جديدة 1964، رياح كانون 1968).
فإن كانت (ألفة الأدلبي) ابنة البيئة وقصاصة الناس ورواية حكاياتهم، فإن (فاضل السباعي) ابن البيئة ولصيق المجتمع، ولكن أي مجتمع وأية بيئة.؟
المجتمع الحلبي والبيئة الحلبية .. ويقف كل من (فاضل السباعي- وألفة الأدلبي) على طرفي مجتمع، أحدهما في الشمال، وثانيهما في الجنوب .. إذ لابد لكل ما للمجتمع الحلبي من عادات وتقاليد وموروثات بالية قديمة من قصاص يكتب عنه، وقد جاء فاضل السباعي ليسد هذا الفراغ، وقصصه ورواياته كلها تمتاز بالافتعال، فتعال (الحدث) الذي يشبب بالتالي افتعال المعالجة، ولغته غاية في الافتعال أيضا، والسمة الواضحة التي يمكنك أن تسم بها أعمال هذا الكاتب : السطحية الرائعة، والبساطة المتناهية، والبعد عن أفكار الناس، وعلى الرغم من التصاقه بحوادث الناس.
ليس هؤلاء وحدهم هم كتاب القصة الذين ينتمون إلى المذهب (الواقعي) في أدب القصة السورية .. بل هناك عدد آخر، منهم من انقطع عن الإنتاج والكتابة نهائيا ومنهم ما يزال يكتب وإنما يشكل مقل وعادي.

المــذهـب التحليلي :
إن الظاهرة الأولى لكتاب هذا المذهب، إنهم آمنوا بوجوب تطوير فن القصة تمشيا مع تطور الفكر في الوطن العربي وفي العالم .. ولا شك أن مرد هذا التطور يعود بالدرجة الأولى لتمازج الثقافة العربية بالثقافة الغربية، ومن هؤلاء :

1- اسكنـدر لـوقــا :
الذي أصدر سبع مجموعات قصصية هي (حب في كنيسة 1952، في ليلة قمراء 1953، العامل
المجهول 1954، أنصاف مخلوقات 1955، نافذة على الحياة 1958، رأس سمكة 1960، النفق والأرقام 1964).
 و (اسكندر لوقا) كاتب مجتهد، استطاع فيما قدم من قصص أن يدرس المجتمع ويدرس الناس، وينزل إلى الطبقة الفقيرة، ويغوص في أعماقها ويكتب عنها .. يكتب عن : الشحادين، الفقراء الخدم، الغسالات، وحفاري القبور، وسائقي السيارات ...
هؤلاء هم أبطال (اسكندر لوقا) على الغالب، ولكنه لا يكتفي بأن يسرد لنا حياتهم من إطارها الخارجي، بل هو يغوص عميقا ليكشف خبايا النفوس، ويتحرى ما وراء الذات البشرية، لكنه مع ذلك يرهق نفسه في البحث تأثيرها- على عكس كافة كتاب هذا المذهب-، ولهذا يمكننا أن نعتبر (اسكندر لوقا) منتميا إلى المذهب الواقعي المتطور ..

2- عدنـــان الداعــوق :
من العبر على أحد أن يكتب عن نفسه، عن موقفه، عن تطوره، عن فنه، والكتابة عن الذات لا تخلو من عقدة (الأنا)، لذلك اكتفى- وقد صنفني النقاد مع الكتاب التحليليين- أن أنقل بعض أقوال النقاد في فني القصصي.
لقد صدر لي حتى الآن (ذات الخال 1958، وحدة الحب (وهي رواية طويلة) 1959، ستشرق الشمس زرقاء 1961، السمكة والبحار الزرق 1964، مدية العبيد (وهي قصة طويلة مترجمة للإسبانية نشرت في مدريد 1967) أبطال وأمجاد 1968، أزهار البرتقال 1969، واشتركت مع عدد من الكتاب السوريين والعرب في (15 قصة سورية 1957، 12 قصة من حلب 1964، من روائع القصص العربي الحديث (وهو بالإسبانية نشر في مدريد 1967)- نظير زيتون الإنسان 1968).
كتب الناقد الأستاذ (عدنان بن ذويل) عني في كتابه الضخم (أدب القصة في سورية) يقول :
(لقد بدأ عدنان الداعوق في قصص – ذات الخال- بالتحليل العادي، أي مجرد التقرير النفسي، والوصف للحالات الشعورية لإبطاله، في معرض سرد عادي- كما عند كافة التحليليين الواقعيين عندنا-، يبتدئ من المجتمع والتجارب والحياة).
وفي هذا قال الناقد والأديب العصري المعروف الأستاذ (ماهر نسيم) في دراسته المنشورة في مجموعتي (ستشرق الشمس زرقاء) :
(وعدنان الداعوق، متفرج يعرف كيف يتفرج على الناس، ومصور يعرف كيف يرسم صورهم ويقدمهم للناس، ومتأمل يعرف كيف يختزن الوقائع والأحداث والصور في ذاكرته، وهو إنسان يعرف كيف ينفعل مع الناس ويتجاوب معهم، وهو فنان يعرف حسن التقاط الصور الحية المتدفقة، وهو ممثل يعرف كيف يتقمص شخصيات أبطاله كما لو كان قد جمع كل هذه الشخصيات معا، ولكن دون أن يفقد ذاته ).
غير أن (الدكتور محمد منور- رحمه الله) قال مخلصا كل هذه الأقوال في عبارة واحدة.
(إن في قصص عدنان الداعوق نعومة الشعر، وليس فيها شراسة القصص).
غير أن (الدكتور عبد السلام العجيلي) يدل في كل هذه الآراء، بعد أن أصدرت مجموعتي القصصية (السمكة والبحار الزرق)، ذلك أنني بدأت (كلاسيكيا) ثم تطورت إلى كتابة (القصة الحديثة)، وتساءل في دراسته المطولة المنشورة في مقدمة هذه المجموعة (أهي إرادة من الكاتب شاء فيها أن يكون من أنصار اللون الجديد، الشاب، المتفتح، من ألوان القصة، أم هو التطور الذي ساقته إليه ظروف عصرنا الأدبية .؟)
وقبل أن أجيب على تساؤل الدكتور عبد السلام العجيلي قال الأستاذ عدنان بن ذريل في دراسته لتطور فني القصصي :
(سرعان ما افترقت قصة اليوم عن قصة الأمس عند الداعوق، بحيث أنك تحس إلى المطلق، المطلق الذي يقارب الحس الوجودي للجذور، ولكن بشاعرية رهيفة تظل تنتقي الأجواء والأساليب، بحيث صيغت قصصه الأخيرة بمسحة من منطق العبث وفن اللامعقول).
وإن كانت لي كلمة، فلا أقول سوى : أن القصة اليوم في نظري- جو- قبل أن تكون- حادثة- وهي- إحساس- قبل أن تكون- تصويرا-.

3- عـادل أبـو شـنب :
أصدر (عالم ولكنه صغير 1956، زهرة استوائية في القطب 1961، الثوار مروا ببيتنا 1962).
وعلى الرغم من أن عادل أبو شنب من كتاب القصة القلائل الذين اهتموا (بالمتولوج الداخلي) و (فكرة التداعي) في القصة، إلا أنه وللأسف الشديد انتهى ككاتب قصة منذ عام 1963، فقد جذبته أضواء أكثر إغراء وفتنة من عالم القصة الرحب.
وأسلوب عادل أبو شنب يكاد يكون أسلوبا فريدا بين جيل الشباب، ولكن أناقته في اختيار اللفظة والبحث عنها، غالبا ما تأتي في غير سياقها .. ولو استمر هذا الكاتب في عالم القصة لكان شيئا مهما حقا. لقد استخدم الأدباء التحليليون أبرز ما استخدموه في قصصهم (الرمز)، وجاء الرمز في القصة الحديثة تعبيرا فكريا معينا، أو تفسيرا لمنطلق من المنطلقات الحسية أو الوجدانية أو الفلسفية أو السياسية ... حتى غدا (الرمز) عند بعض القصاصين المحور الأول والأخير، ونجد هذا واضحا عند :
غادة السمان : في مجموعتها (لا بحر في بيروت) و (عيناك قدرى) وأعنف ما يكون الرمز عندها في مجموعتها الأخيرة (ليل الغرباء)، وكان الرمز عند غادة السمان في البداية ملجأ وجدانيا وحسيا أصيلا .. لكنه تمرد عندها وانطلق، وراحت هي تلحق به بعد أن كانت تستخدمه، وهنا شردت أفكارها وضاع منها أكثر ما تريد أن تعبر عنه في قصصها الأخيرة ... كذلك الأمر عند :

زكريـا تـامــر :
أصدر (صهيل الجواد الأبيض 1960، ربيع في الرماد 1963).

وليـد  أخــلاصي :
الذي أصدر (قصص 1963، العالم من قبل ومن بعد 1965، شتاء البحر اليابس 1965، أحضان السيدة الجميلة 1969).
والظاهرة الغالبة عند هؤلاء استخدامهم (الرمز) كلوحات نفسية، هي أغلب ما تكون إلى البحث عن (التكوين) .. والعودة إلى أي شيء .. انطلاقا من لا شيء.
والذي يبدو لنا واضحا أن أغلب جيل الشباب من كتاب القصة ينتمون إلى المذهب التحليل، ولعل أبرزهم :
(كوليت خوري، جان الكسان، جورجيت حنوش، رينيه عبودي، هاني الراهب، جورج سالم، أديب النحوي، وليد مدفعي، صدقي إسماعيل، ممدوح السكاف، عبد الله الشيتي، عبد العزيز هلال ... وغيرهم)
والآن، بعد أن طفنا في عالم القصة السورية منذ نشأتها حتى الآن، هذا الطواف السريع، لابد لنا أن نذكر أن القصة التي كانت في عالم المجهول، برزت على أيدي روادها الأوائل، وجاء جيل الشباب من بعد، لبني في صرح القصة الشامخ .. حتى إذا كانت أوائل الخمسينات، وجدنا عدد كتاب القصة في سورية يبلغون عددا هائلا، ظل في تدرج نحو الأقل حتى أصبح عددهم اليوم في قلة ترهب وتخيف من اندثار هذا الفن العظيم إذ ظل غل إقلال أو هرب إلى عوالم أخرى، كعالم الصحافة والإذاعة والتلفزيون ...
ومهما يكن من أمر، فلا أجمل عودتي إلى بداية حديثي، في قول الكاتب والناقد الأمريكي المعروف (رأى. ب. وست) :
(إن مولد أي عمل فني .. لا يختلف عن مولد الإنسان).

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here