islamaumaroc

لحظات مع ابن مالك في ألفيته -2-

  دعوة الحق

126 العدد


  نأخذ أثرين خالدين لابن مالك، أحدهما في الشعر، وثانيهما في النثر. فندرسهما نموذجا حيا على علم الرجل ومذهبه في النحو، وطريقته في جمعه وتصنيفه وتدوينه، لتستكمل بذلك فكرتنا حول علم الرجل ومذهبه في النحو العربي. هذان الأثران اللذان سنتولاهما بالملاحظة والتعقيب على التوالي هما : أرجوزته النحوية المشهورة «بالألفية»، وكتابه النثري المسمى «تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد»، ويدعى أحيانا بالتسهيل فقط.

أ- الألـفـيــة :
تعريفهــــا :
 الألفية أرجوزة في النحو من ألف بيت وبيتين، نظمها ابن مالك عندما كان بحماه للشيخ شرف الدين البارزي الحموي، ولم تكن الألفية أول أثر في النحو يكتبه ابن مالك في الشعر فلقد نظم قبلها أرجوزة «الكافية»، وأطال فيها، ثم بدا له وهو في حماه أن يخلصها في ألف بيت ففعل ذلك
ودعاها «الخلاصة» وهو اسم آخر تعرف به الألفية، فابن مالك حينما كتب أرجوزته هذه كان قد تمرس بأسلوب النظم في النحو وبرع فيه، فجاءت خلاصته هذه نموذجا مقبولا للشعر التعليمي/ ذاع صيتها وتقفها العلماء والطلاب يحفظونها، ويشرحونها، ويعلقون عليها، ويعربون أبياتها، ويفهمون مشكلها، ويتخذونها حجة في القواعد النحوية التي استخلصها ابن مالك من كتب المتقدمين والمتأخرين من خبرة النحاة العرب.
 كان عمل ابن مالك في الألفية عملا تعليميا تبسيطيا للنحو بين أيدي الطلاب والعلماء منهم على السواء، فكان إقبالهم عليها عظيما في المشرق وفي المغرب لما امتازت به من تبويب لفصول النحو وتنظيم لأبوابه، وتلخيص لأحكامه في أبيات منظومة مرتبة، سهلة الحفظ والفهم، على أن ابن مالك في عمله هذا لم يكن أول من فتح باب الشعر التعليمي في النحو خاصة، وإنما سبقه إلى ذلك علماء من قبل عصره ومن جيله، و إنما سلكوا بالنحو هذا السبيل، غير أن (ألفياتهم) لم يكتب لها هذا الخلود وهذا الانتشار والاشتهار الذي كتب لألفية ابن مالك، بل لقد كان عمل (الألفيات) شائعا في ذلك العصر : فالمصنف في مقدمة ألفيته يذكر ذلك متواضعا: ولا ينكر فضل الشبق على أصحابه كعادة العلماء حيث يقول :
                             «وتقتضي رضـى بغير سخط
                                                فائقـة ألفيــة ابـــن معـــــط
                             وهو بسبـق حـائـــز تفضيـــلا
                                                 مستـوجب ثنـائي الجميـلا»
وابن معط هذا من أصل مغربي رحل إلى دمشق وتوفى بالقاهرة في أوائل القرن السابع الهجري (628هـ) فهو من المعاصرين لابن مالك إلا أنه متقدم عليه.

أقســامهــا :
تقع الألفية في واحد وسبعين بابا تحت بعض هذه الأبواب فصول صغيرة تتصل بها من قريب أو بعيد، أولها : باب الكلام وما يتألف منه، وآخرها باب الإدغام.
وللألفية مقدمة من سبعة أبيات يقول فيها بعد الحمد والصلاة :
                              وأستعـيـن الله فـــي ألفيــــة
                                              مقـاصـد النحـو بهـــا محويــة
                              تقـرب الأقصـى بلفـظ موجز
                                              وتبسـط البـذل بوعـــد منجــــز
  إلا أنه لا يذكر في هذه المقدمة إنه لخص ألفيته هذه من أرجوزة أخرى له تسمى بالكافية، على أن الذي أطلع بالكافية يكاد يجد ترتيب أبواب ألفيته هذه واحدا في الأرجوزتين معا، إلا أن أحكاما مطولة واختلافات للنحاة استغنى عنها هنا في هذه الخلاصة، والذي يقرأ الألفية يجد أن ابن مالك قد تبع في ترتيب أبوابها طريقة سهلة فأتبع كل باب بما يعتقد أنه أقرب أبحاث النحو إليه، حتى أتى على آخرها. ولا بأس هاهنا من ذكر بعض هذه الأبواب على التوالي لتتضح طريقة الرجل في ترتيب أبحاثه النحوية التي اتبعها هاهنا في النظم كما اتبعها هناك في كتاب التسهيل في النثر : فهو يتكلم عن المعرب والمبني في الباب الثاني ويتبعه بالنكرة والمعرفة ثم العلم، واسم الموصول والمعرف بأداة التعريف، والإبتداء، وعندما يبحث في تعدي الفعل ولزومه يتبعه بأبواب التنازع في العمل والمنصوبات- المفعول المطلق- المفعول له (أي لأجله)-المفعول فيه- المفعول معه- الاستثناء- الحال والتمييز. فإذا تحدث عن النداء اتبعه بأبواب الاستغاثة الندبة، الترخيم، الاختصاص، النير والإغراء. ويختم ألفيته بباب التصريف وبعض الأبواب المتعلقة به ويلاحظ أن هذا الترتيب هو المتبع في دراساتنا النحوية إلى أيامنا هذه. وابن مالك نفسه متبع فيه لا مبتدع ولا مبتكر، إنما كان له فضل حسن الإتباع وحسن الاختيار.

أسلوب ابن مالك فيها :
  إذا تحدثنا عن أسلوب ابن مالك في ألفيته هذه فإنما نتحدث عن طريقة تقريره للقواعد النحوية، وإننا بذلك نحتاج إلى أمثلة وشواهد من ألفيته تكون لنا في الوقت نفسه مقتطفات تعرفنا على أسلوب الرجل وطريقته في تقعيد قواعد النحو. فحديثنا عن أسلوبه في هذه الألفية إنما هو مقتطفات من ألفيته بالدرجة الأولى، وملاحظات حول أسلوب الرجل وطريقته. إن أسلوبه في الألفية واضح في أغلب الأحيان، سليم من الأخطاء اللغوية، إلا أنه قد يغمض في بعض الأحيان عندما يريد أن يحمل النظم من القواعد أكثر مما يطبق.
غالبا ما يصادفه التوفيق في صوغ القاعدة صياغة محكمة :
                           ومعرب الأسمــاء ما قـد سلما
                                               منـه شبـه الحرف كـأرض وسما
                           وفعـل أمـر ومصـــي بنيـــــا
                                               وأعـربـوا مـضارعــا إن عريــــا
                            من نـون تـوكيـد مباشـر ومن
                                                نـون إنــاث كيرعـن مــن فتــــن
 فهو يبدأ القاعدة في شطر من بيت ليتممها في شطر بيت آخر، فإذا فرغ من القاعدة أكمل النظم بمثال موضح للقاعدة كما ف البيت الثالث هاهنا.
ويحرص في بعض الأبيات حين ينظمها على أن يثبت سعة إطلاعه على القواعد النحوية وعلى شواهدها :
                            وقبل يـا النفس مع الفعل التــزم
                                                  نـــون وقـاية وليســي قد نظـــم

مشيـرا بذلك إلى قـول الشاعر :
                            عــددت قومـي كعـــديد الطيــس
                                                  إذ ذهب القـوم الكــرام ليســــي
وقد يعتقد ابن مالك بنظرية خلافا لجماعة من النحويين، فلا يساعده واثبات مخالفته لهم فيها فيكتفي بإيراد الحكم مطلقا :
                           ورفعـــوا مبتـــدأ بالإبتـــــدا
                                                  كـذاك رفــع خبــــر بالمبتـــــدأ

فهو ها هنا قد خالف الكوفيين الذين يجعلون المبتدأ والخبر مترافعين، بل قرر الرأي الذي يفضله هو، ومضى دونما إشارة إلى رأي مخالفيه.
ونلاحظ تأثره ببعض الأساليب الفقهية حينما يقرر بعض قواعد كلية في أسلوب فقهي مشرق كما في قوله :
                            ولا يجـوز الإبتـدا بالنكرة
                                                    مـا لـم تفـد كعنـــد زيد نمــرة

وقـولـه :
                           والأصـل في الأخبـار أن تـؤخرا
                                                  وجـوزوا التقـديم إذ لا ضــررا

فالطابع الفقهي واضح في قوله «لا يجوز، وجوزوا، وفي ما لم»
وهو عندما ينظم القاعدة يكون مستحضرا  لها ولشواهدها في ذهنه ولما قد يجري حولها من مناقشات :
                           وبعد، لولا، غالبا حذف الخبر
                                                  حتـم، وفي نص يمين، ذا استقــر

  احترز بقوله غالبا من أن تأتيه بشواهد من مثل قوله عليه السلام «لولا قومك حديثو عهد بالإسلام لهدمت الكعبة» فالخبر هاهنا لم يحذف، وقد كان ابن مالك حينما قرر القاعدة ولم يتركها على إطلاقها، يعني جيدا ما يقول، بل لعله كان يشير بذلك إلى هذا الحديث وأمثاله من الشواهد التي لم يحذف فيها الخير بعد لولا.
ونجد له بعض أبيات بلغت حد الروعة في النظم والاختصار والوضوح والإبانة، قال يتحدث عن أن، المخففة :
                          وخففـــت أن فقـــل العمـــل
                                                وتلــزم الـــلام إذا مـــا تهمـــل

 إشارة إلى اللام الفارقة التي تميز أن المخففة من النافية عندما تهمل أن المخففة، ويستغنى عن اسمها وخبرها .. وأغلب قواعده يقررها مبسطة، موجها الخطاب لقارئه بفعل الأمر أحيانا أو بالمضارع المبني للمجهول أو الماضي كان يقول : أنصب بكذا-أجزم بكذا- يحذف- ورفعوا ..
                           بعض وبين وابتديء في الأمكنــة
                                                 عن وقــد تـأتي لبـدء الأزمنـــة
                           وزيـد في نفـي وشبهـــه فجــــر
                                                  نكــرة كمــا لبــاغ مـــن مـفــر

فقد  أورد أكثر معني حرف الجر (من) في بيت واحد غابة في البساطة والايجاز.
واستمع إليه يحدثك عن معاني اللام من أحرف الجر أيضا :
                          واللام للملـك وشبـهـه وفـي
                                                  تعـدية أيضــا وتعلـيــل خفــي

وانظر إليه كم حشر من المعاني للباء في بيت واحد فقط
بالبا :                    استعـن، عد، وعوض، ألصق،
                                                  ومثـل مع ومن وعن بهـا أنطـق

إن ابن مالك كما رأينا عالم جماعة ليس له في القواعد إلا فضل الإلمام بالأقوال المختلفة في القاعدة الواحدة ذلك الإلمام الذي كون لديه ملكة ترجيح الأقوال بعضها على بعض وقوة التوفيق بينها إن وجد إلى ذلك سبيلا، ولكنه لا يتقيد برأي أو مذهب، فاستمع إليه يقرر هذين القاعدتين في عذوبة ولين :
                           ـ ونعتوا بمصــدر كثيـرا
                                                 فالتزمـوا فيمــن دعــا سعــادا

فإن كان هنالك من غموض في بعض قواعده، فإنما سببه الإفراط في الإيجاز والاختصار. وطبيعة النظم التي يقيدها الوزن، وتحكمها القافية.
وما أكثر ما نجد حروف العطف في أرجوزته هذه، وإن كانت كثرتها غير مذمومة في الأسلوب العربي، فهو لا يستغني عن هذه الواو حتى عندما يأتي على نهاية ألفينه قال :
                              وما يجمعـه عنيت قد كمـل
                                                نظمـا على جـل المهمات اشتمل

قـيـمـتـهـا :
لقد ذاع صيت الألفية شرقا وغربا عند علماء هذه الأمة وطلابها، وإلى عهد غير بعيد كان الطلاب يحفظونها، ويتعلمون شرحها، وقد اعتنى بها العلماء العرب فتولوها بالشرح المستفيض، والتعليق والإعراب، والتلخيص، والاختصار، وتحويلها إلى نشر .. وقد كثرت شروح الألفية بالشواهد الكثيرة من القرآن الكريم ومن الحديث ومن أشعار العرب، فمن هذه الشروح شرح المرادي ومنها أيضا شرح العلامة ابن عقيل الذي يستشهد عليها بكلام العرب ومنها شرح العلامة المكودي الفاسي من علماء القرن التاسع، وقد استوفى في شرحه المعنى والإعراب، وهذه الشروح كلها طويلة مستفيضة غنة بالشواهد غنى مفرطا في الطول والاستفاضة. عل أن أحسن هذه الشروح، وأحصرها وأقربها إلى الشرح العلمي ذلك المنسوب لابن المؤلف بدر الدين والمعروف بشرح ابن الناظم.
وزاد اهتمام الناس بالألفية في العصر الحاضر عندما أقبل عليها المستشرقون يترجمونها إلى لغات حية معاصرة، بل إن من هؤلاء المستشرقين من كان يحفظ الألفية كلها حفظا، وقد ترجمت بأجمعها إلى اللغة الفرنسية واللغة الايطالية.
تلك هي الألفية في ماضيها وفي حاضرها ديوانا من دواوين النحو العربي استطاعت أن تجمع شارده، وتقربه إلى الحفظ والإفهام.

ب- تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد
تـعـريفــه :
هذا الكتاب في النحو ألفه ابن مالك في دمشق بعد أن تم نضجه وإطلاعه على آراء مختلف المذاهب النحوية في المشرق وفي المغرب، ولعله آخر كتاب ألفه، إذ أنه تولاه بالشرح إلى ما يقرب من نصفه، ثم عالجته المنية ولم يتمه بالشرح والتعليق .. ويقال أن هذا الكتاب تلخيص لكتاب آخر له بعنوان «الفوائد» وقد أتيح لهذا الكتاب أن يطبع مرتين أولاهما بالمطبعة الميرية بمكة سنة تسع عشرة وثلاثمائة وألف 1319 والثانية بفاس بعد هذا التاريخ بأربع سنوات، والطبعتان قديمتان لم يراع في نشرهما التحقيق العلمي ولا الفهارس حتى ولا الفواصل.

أقـسـامـه :
كتاب التسهيل قريب من ثمانية وسبعين بابا في النحو، وفي التعريف، أولها «باب شرح الكلام، وما يتعلق به» وآخرها «باب الهجاء»، ويكاد المؤلف يتبع فيه الترتيب نفسه الذي مضى عليه في ألفيته، إلا أنه ها هنا قد أضاف بعض الأبواب لأهميتها، ولأن الكتاب مؤلف في النثر، فهو يستطيع أن يتسع فيه ما يشاء .. ويكاد يكون تحت كل باب فصل أو أكثر من فصل يتحدث فيه المؤلف عن فروع ذلك الباب، وإذن فلا حاجة بنا إلى إعادة ما قلناه في تقسيم الألفية لأن منهج الرجل في الكتابين يكاد يكون واحدا من حيث الترتيب والتبويب والتنظيم، إلا أن الفارق الوحيد بين المؤلفين أن أحدهما كتب نظما والآخر كتب نثرا .. وهناك فارق آخر فكري يتعلق ببعض آراء ابن مالك في النحو كان يراها في الألفية، فإذا هو يرى 
غيرها، ويخالف نفسه في مؤلفه الجديد، وإن كان ذلك يدل على شيء، فهو أن الرجل باحث في النحو ومعلم فيه، يبحث عن القاعدة وشواهدها ودلائلها، ثم لا يتردد في قبول القاعدة متى توفرت لديه شروط قبولها.

أسلوبه فيه :
لقد كان ابن مالك بحق في هذا الكتاب معلما في النحو، فمع أنه ألفه في النثر فلقد كان يراعي فيه الجزالة مع الإيجاز، ليسهل حفظه على الذين يريدون أن يحفظوه، لذلك كانت صفحات الكتاب لا تتجاوز المائة مع أنه عالج فيه سائر قضايا النحو العربي .. لقد كان يعقد القواعد ويقررها واثقا منها غير متردد فيها، ولا محتاج إلى دليل يورده عليها (إلا في النادر) لأن الأدلة كانت تتراءى له أو تجري على لسانه وهو يؤلف هذه القواعد وينظمها، كانت شواهده وأدلته حاضرة أمام عينيه من القرآن أو من الحديث أو من أشعار العرب، فلا يدونها ليلا يطيل.
وابن مالك هان في التسهيل كما هو في الألفية جماعة واع لا يتقيد بمدرسة أو بمذهب، فقد كان يعلن ذلك صراحة في عبارات من أمثال قوله «خلافا لمن زعم ذلك» «خلافا للكوفيين» ووفاقا للفراء أو سيبويه إلى غير ذلك من التعابير المفيدة اعتزازه بنفسه وثقته بسعة استيعابه وجمعه، وحري بمن كان واسع الاستيعاب والاطلاع إلى هذا الحد أن يفخر ويعتز ويثق بنفسه.
ولقد كانت التعابير الفقهية مسيطرة على كتابه هذا، لأنه كان يتوخى فيه الإيجاز والتلخيص فكان المعنى أحيانا يدق ويغمض ويخفى حتى لكأنك تقرأ طلاسم أو رموزا، ومن أراد أمثلة على ذلك فليقرأ «باب الأفعال الداخلة على المبتدأ والخبر الداخل عليهما كان» فسيجد أحكاما قصيرة متبوعة بتعليلات كثيرة متتالية متلاحقة متداخلة يضيع معها الإنسان.
وقد كان ابن مالك يحاول في كل باب أن يضبط تعاريفه ويدققا حتى يخرج من التعريف كل ما ليس من المعرف، ومن هنا كانت التعاريف التي يسوقها في بعض الأحيان صعبة ومعقدة، على أن التوفيق كان يحالفه في بعضها الآخر.
وأحب هنا أن أسوق بعض  أمثلة من التسهيل تؤيد هذه الملاحظات، وتبين عن بعض الظواهر الأسلوبية التي تميز بها كتاب التسهيل، فاستمع إليه يقرر قاعدة جمع المذكر السالم، في ثقة تامة : فصل، يجمع بالألف والتاء قياسا ذو تاء التأنيث مطلقا، وعلم المؤنث مطلقا، وصفة المذكر الذي لا يعقل ومصغره، واسم الجنس المؤنث بالألف إن لم يكن فعلى فعلان أو فعلاء أفعل، غير منقولين إلى الاسمية حقيقة أو حكما، وما سوى ذلك مقصور على السماع».
ثم نلمح أثر التعابير الفقهية في مثل قوله : «فصل الموصول والصلة كجزئي اسم، فلهما ما لهما من ترتيب، ومنع فصل بأجنبي إلا ما شذ، فلا يتبع الموصول، ولا يخبر عنه، ولا يستثنى منه قبل تمام الصلة أو تقدير تمامها.»
هذا ونلاحظ ندرة الشواهد في الكتاب، إلا إذا قرر قاعدة فيها شبهه، فيورد الشاهد مختصرا كما في قوله يتحدث عن (أن) المخففة : «ولا يليها غالبا من الأفعال إلا ماض ناسخ للابتداء، ويقاس على نحو «إن قتلت لمسلما» خلافا للكوفيين وللأخفش ولا تعمل عندهم، ولا تؤكد بل تفيد النقي، واللام الإيجاب».
واستمع إليه وهو يجتهد في صوغ تعريف جامع مانع للمفعول معه : «وهو الاسم التالي وأوا تجعله نفسها في المعنى كمجرور مع، وفي اللفظ كمنصوب معدى بالهمزة، وانتصابه بما عمل في السابق من فعل أو عامل عمله، لا بمضمر بعد الواو خلافا للزجاج، ولا بها خلافا للجرجاني، ولا بالخلاف خلافا للكوفيين، وقد تقع هذه الواو قبل ما لا يصلح عطفه خلافا لابن جني، ولا يتقدم المفعول معه على عامل الماصحب باتفاق، ولا عليه خلافا لابن جني ..» فهو لا هم له إلا أن يثبت باعه ومخالفته لابن جني ولغير ابن جني، ثم لا عليه بعد ذلك أن ركز العبارة وحسن الأسلوب أو لا ؟..
وعندما تحدث عن اللام من أحرف الجر ذكر بعض شواهد عليه مما يجعلنا نحار كيف نعلل ذكر هذه الشواهد هاهنا من دون سائر الكتاب قال : «وتزاد (أي اللام) مع مفعول ذي الواحد قياسا في نحو قوله «للرؤيا تعبرون» و «إن ربك فعال لما
يريد» وسماعا في نحو قوله : «ردف لكم» فكأنه ساوره في هذه القاعدة شك، فهو يثبت لها شواهدها أو كأني به انفراد فيها برأي.
ولا ينسى أن ينبه على ملازمة (وحده) للإضافة : فيجعله : «لازم النصب والتذكير وإيلاء ضمير : فجعله منصوبا على الإضافة، وقد كان سيبويه ينصبه على الحال.
ولا يكتفي بتقرير القاعدة بل يدحض ما خالفها زيادة في الإعتزاز بعلمه : «برفع المضارع لتعريه من المناصب والجازم لا لوقوعه موقع الاسم خلافا للبصريين».
وإذا ذكر الحكم في مناسبة وجاءته مناسبة أخرى لا يأنف من تقريره وإعادته كما فعل في قاعدة اجتماع شرط وقسم (إذا الجواب للمتقدم)، فنجد لها ذكرا في باب القسم وعند الكلام على أدوات الشرط الجازمة.
هذا وأخطاؤه في اللغة قليلة منها إدخاله لا النافية قد والفعل المضارع مع أنه هو نفسه يقرر هذه القاعدة في الصفحة 66 من كتابه بقوله «ولا يفصل من أحدهما بغير قسم» فإذا هو يفصل بينهما بلا النافية مرات ثلاثة في الصفحات 61،64، 80 إذ يقول فيها على التوالي : «وقد لا يصرف» «وقد لا يجزم بها» «وقد لا يستغنى» وهي أخطاء بسيطة ما كنا لنواخذه بها لولا أنه أشار إلى القاعدة نفسها في موضعها من كتابه، إذ كان أولى به إلا يخرج عنها».

قـيـمـتـه :
لم يقل اهتمام العلماء بكتاب التسهيل عن اهتمامهم بالألفية، إلا أن الألفية كانت نظما وفي متناول الطلاب، وقد حاول ابن مالك أن يجعل كتابه مبسطا سهل الحفظ إلا أنه أطال فيه وأفاض في ذكر الخلافات في المسألة الواحدة مما جعل فائدة الكتاب محصورة في المتخصصين والعلماء المهتمين بذلك، وقد شرحه المؤلف نفسه فلم يتمه فأكمله ابنه بدر الدين ثم شرحه العلامة أثير الدين محمد بن يوسف المعروف بأبي حيان الأندلسي، وقد علمنا أنه كان من المنكرين على صاحبنا طريقته في الاستشهاد بالحديث الشريف.
 أن قيمة هذا الكتاب وأهميته ترجعان إلى استيعابه أكثر آراء النحاة منسوبة إلى أصحابها بدقة وعلى وجه التفصيل .. ومن ثم فالكتاب يطالعنا على طريقة ابن مالك الخاصة ومذهبه في النحو هذه الطريقة الفريدة وذلك المذهب الذي اعتمد على إطلاع واسع وعلم وافر، ولم يتقيد بمذهب من مذاهب البصرة أو الكوفة، ولا بنظرية للمتقدمين أو المحدثين.
ذلك ابن مالك معلما في النحو، وتلك طريقته وذلك مذهبة بين النحاة، فكر نقي، ونبوغ فريد، وعبقرية عربية خالدة، نمت بذورها في المغرب، وأينعت ثمراتها في المشرق.

*) أشير في الجزء الأول من هذا البحث المنشور في العدد الثاني من مجلة دعوة الحق الغراء «رمضان- شوال 1381» إلى أنه من جملة الآثار العظيمة لابن مالك التي لا زالت مخطوطة : الكافية الشافية في النحو«أرجوزة في ثلاثة آلاف بيت». وكان الإعتماد في ذلك على ما هو نظري إلى أن المؤلف المذكور هو من جملة الآثار المطبوعة المعروفة لابن مالك التي تحتوي عليها مكتبته الخاصة كان قد اقتناه من مكة المكرمة سنة خمسين وثلاثمائة وألف هجرية 1350.
فالأثر المذكور هو إذا من جملة آثار ابن مالك المطبوعة تحت هذا العنوان « متن الكافية الشافية في علم العربية» سنة اثنين وثلاثمائة وألف هجرية (الموافق 1914) على نفقة شركة الإسلام، في مطبعة الهلال بالفجالة مصر. وتقع هذه المنظومة في نحو من سبعة وأربعين ومائة صفحة من الحجم المتوسط ويشير المؤلف في نهايتها إلى أنها تحتوي على ألفين وسبعمائة ونيف وخمسين بيتا.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here