islamaumaroc

المولى محمد بن عبد الله بين شعراء عصره

  دعوة الحق

125 العدد

شخصية المولى محمد بن عبد الله من الشخصيات السياسية والعلمية المهمة في تاريخ الإسلام عامة وتاريخ المغرب خاصة، واسمه دوما يقترن بالأعمال الجليلة التي اضطلع بها في الميدانين السياسي والعلمي.
أبصر المولى محمد بن عبد الله نور الحياة بمدينة مكناس عام 1134هـ ودرج في بيت جده المولى إسماعيل محاطا بالرعاية والعناية، وتربى تربية علمية سامية، وقصد الديار المقدسة مع جدته خناثة بنت بكار وهو لا يزال في سنته التاسعة، وعندما رجع إلى بلاده أكب على التحصيل والدراسة فتلمذ علي أبي محمد بن عبد الله بن إدريس المنجرة والشرادي، واظهر نبوغا فائقا وعبقرية نادرة، ورغم انشغاله بتدبير الحكم- وهذا أمر عظيم لا يظفر بالنجاح فيه إلا من كان ذا مقدرة- لم يغفل المشاركة بنصيبه في الميدان العلمي، فصنف الكتب في الفقه والحديث أثنى عليها كثير من العلماء، من بينها : « مواهب المنان بما يتأكد على المعلمين تعليمه للصبيان» و« الجامع الصحيح الأسانيد المستخرج من ستة مسانيد » والفتوحات الإلهية الكبرى».
وتولى المولى محمد بن عبد الله الخلافة بمراكش فسار في مهمته الجديدة سيرة حسنة، إذا استطاع القيام بإدارة الحكم قياما جعله يوفر للرعية كل أسباب الاطمئنان، وصمم العزم على نشر العلم فاستدعى العلماء من فاس وكلفهم بإلقاء الدروس المختلفة في المساجد، وهكذا سار المولى محمد بن عبد الله يعتني بكل ما يعود على الرعية بالخير العميم حتى اجتمعت على محبته القلوب، وأحبه الناس وطار ذكره كل مطار، وما أن توفي أبوه المولى عبد الله حتى بويع ملكا على المغرب بعد أن صادق علماء الأمة على بيعته، من بينهم أبو القاسم العمري والشيخ التاودي وأبو مدين الفاسي الذي كتب بنفسه البيعة يوم الاثتين 25 صفر 1171 هـ.
ولما تم له الأمر وجه عنايته لإصلاح الجيش وتزويده بالعتاد الجيد وقام بفرض ضريبة مالية – بعد استفتائه علماء العصر- حتى يتسنى له تنظيم شؤون البلاد كما يجب أن تنظم، والحقيقة أن هذه السياسة المالية كانت من أهم الموارد التي ساعدت على تقدم البلاد في عهده، كما أنه وجه عنايته لإصلاح التعليم لجامعة القرويين، فأصدر مرسوما في هذا الشأن.
ومن أهم العوامل التي أعانته على تسيير دفة الحكم محاربته البؤس والحض على الإحسان والتحلي بالأخلاق الإسلامية السامية(1)، الأمر الذي جعله يؤسس إدارة خاصة بالشرفاء وإدارة للأرامل والأيتام والمساكين.
ومعروف لدى كل دارس لتاريخ هذه الشخصية الفذة أنه كان شغوفا بمجالسة العلماء وكبار رجال الفكر في عصره، يعقد معهم مسامرات علمية تتخللها مناقشات وفي قضايا العلم والثقافة، ومن بين هؤلاء المفكرين أبو عبد الله محمد بن أحمد الغربي الرباطي وعبد الرحمن بوخريــــــص(2)، وأضف إلى هذه المناقب جوده وكره الذي كان يدفعه إلى صرف الأموال فيما يراه يعود على الأمة بالرخاء، ورفقه بكل من يتشبث به سائلا عطفه وشفقته من العلماء والأشراف وغيرهم(3).
وأما آثاره العمرانية فكثيرة منها تأسيسه الصويرة والجديدة وفضالة،وتشييد  الحصون والمساجد والحمامات.
هذه الأعمال الجليلة التي غمرت ربوع المملكة كان لها أثر ظاهر في الحركة الفكرية في المغرب تتمثل في أقطاب الثقافة وما أنتجوا من أعمال فكرية وأدبية، كالشيخ التاودي وأبي حفص عمر  الفاسي وأبي القاسم الزياني وأبي مدين الفاسي وأبي عبد الله محمد بن المير السلوي وأبي عبد الله محمد الكامل الراشدي، وكالشاعر أبي العباس أحمد بن عثمان وأبي عبد الله بن  الطيب  السكيرج وأبي العباس أحمد بن المهدي الغزال وابن الونان، أولئك الشعراء الذين أداروا كلماتهم الشعرية الرقيقة العذبة في شخصية المولى محمد بن عبد الله، وأبرزوا ما فيها من مميزات نادرة، وبطولات شيقة، واستقامة في الدين، وولع بالعلم متزايد وبرجاله، وبكل من ينتسب إليه من قريب أو بعيد.
وغني عن البيان أن العلوم والفنون لا تنفتح أكمامها، وتورق غصونها فتعطي أحلى الثمرات إلا إذا وجدت تربة طيبة صالحة تعدها الأيدي بالري المستمر والعناية الكافية اللازمة، وفي عهد الدولة العلوية الشريفة شاهدنا هذا بالفعل، وكان من جملة هذه الفنون التي ازدهرت، الشعر، هذا الفن من القول الذي وجد تشجيعا من طرف ملوك هذه الدولة أمثال مولاي محمد بن عبد الله الذي أثاب ابن الونان الشاعر على قصيدته « الشمقمقية» والمولى سليمان الذي وصل شاعره حمدون ابن الحاج بصلات متعددة.
والحركة الأدبية والشعرية في العصر العلوي يمثلها الوزير اليحمدي وعلي مصباح وابن زاكور وابن الطيب العلمي وابن الونان المذكور والوزير ابن إدريس وأكنسوس باستثناء الشعراء الآخرين ممن يختلون درجة ثانية بعد أولئك الإعلام.
وبجانب هذا يجدر أن نشير إلى أن الزاوية الدلائية كان لها أياد بيضاء على النهضة الأدبية في هذا العصر، وقد ظهر هذه المدرسة متبلورا في شعر اليوسي، ومن بعده في شعر ابن زاكور تلميذه.
والحركة الشعرية في العصر العلوي أو قبله لم تطرأ عليها تيارات جديدة تجعلها متميزة ذات شخصية مستقلة عن الشخصية الشعرية المشرقية، ذلك أن الشعر المغربي ظل يستمد قوته من معين الشعر المشرقي، وبرهان هذا أن الشعراء المغاربة ما تركوا غرضا من الأغراض الشعرية المعروفة إلا وعالجوه مترسمين خطة المشرقي في المعاني وطرق التعبير وسحرية الأسلوب، والهيكل الهندسي العام للقصيدة العربية، وفي بعض أعمالهم الشعرية ما نهجوا فيه طريقة الأندلسيين، ومنه ما ألبسوه لباسهم كعروض البلد، بيد أن هذا الفن يدخل في الاتجاه الشعبي، وليس من الفصيح القح في العير ولا في النفير.
وأن موضوع المدح في الأدب المغربي عموما لا يكاد يختلف عن ضده الشرقي بحال، وآية ذلك أن الأماديح المغربية نهجت الطريقة المدحية الشرقية التي تحتفل بالغزل في صدور القصائد، أو ترتبط بوصف الخمرة أو الطبيعة، وقد عمل على نشأة هذا الفن الغنائي بعض العوامل التي أعانت على ظهوره في الشرق كالفتوحات والأحزاب ومناقب الملوك والقواد.
وليس من ريب في أن المدح قسمان: قسم يرمي إلى التكسب والاستجداء والتزلف، وطرق الأبواب سائلا مستعطفا رحمة الممدوح، وذاك هو المتكلف الذي يخلو العاطفة المشبوبة الصادقة المعبرة عن الرعشة الداخلية للإنسان، وقسم ثان يتميز بالصدق العاطفي والخفقة الوجدانية الفوارة، وذاك يقع بالفعل أن استهوت خصال الممدوح المادح، وأسرته طيبة أخلاقه ودماثة سيرته، ورقة جانبه، كما نلمسه واضحا في شعر الشعراء الذين نوهوا بالملك الصالح المولى محمد بن عبد الله، ومعبرا عن مكنون أنفسهم التي شغفت بصفاته المثالية وإصلاحاته المتعددة التي باركها التمسك بالسنة والتشبث بمبادئ الحنفية السمحاء.
فلا بدع إذن أن ينطلق الشعر يسجل ما قام به هذا السلطان، ويرسم بطولته في شتى الميادين، ولا بدع ثانية أن ينطلق هذا الفن من القول يشيد- القوية القارة على التعبير عن أمجاد الحياة وما تزخر به من جميل رائع- لأنه دوما يكون السابق إلى تسجيل المكرمات، وتاريخ الأدب العربي والأجنبي طافحان بالذين خلدوا ممدوحيهم، لما عاينوا فيهم من محامد تدق عن الوصف، ولكنها لا تدق عن الفن الشعري الذي يمتلكونه، والذي يشفي ما في نفوسهم من انفعال وتأثر واختلاج.
وأول شاعر نلتقي به هو أبو العباس أحمد بن المهدي بن محمد الغزال(4) ( ت سنة 1191)، عاش هذا الشاعر على مقربة من السلطان، واحتك به فلمس فيه من شفافية الخلق وميول للصدق، وشغف بالعلم، وتعلق بالإصلاح ما جعله يترجم كل ذلك إلى أعماله الشعرية، فقال مفتتحا قصيدته على الطريقة التقليدية في المدح من ذكر الطبيعة وما حوت من بديع الزهر، ثم تشبيهه أخلاق الممدوح بما في الروض من نضير الأدواح، وما يجمع بين جوانبه من روائع البهاء، وما يهب فيه من روائح طيبة، وذلك عندما يصوغ الشعر فيه ويشييد بذكره:
سلابانة الجرعاء جادها قطر
      وهل أمرغت أجزاع ساحتها الغر
وهل نسجت أيدي الحياء بروضها
      برودا لها من كف راقمها نشر
فيالك روضا من بكاء غمامه
      تبسم من أثغار أكمامه الزهر
كان بها ورق الحمائم سجعا
      قيان لها في صوغ ألحانها جهر
كأن ثغور الأقحوان مباسم
      تسلسل من ظلم الرضاب بها خمر
كأن الشفاه اللعس منها شقائق
      تناسق فيها تحت قانئها در
كأن احمرار الورد في ريق الحيا
      خدود غواني الغيد لاح بها بشر
كان ذبول النرجس الغض عادة
      لواحظ من أهواه ماج بها سحر
كان غصون البان والرندميسا
      خرائد دب في معاطفها سكر
كأن شذا الأزهار ينفحها الصبا
      فيملأ أرجاء المتان لها نشر
خلال أمير المؤمنين محمد
      إذا صيغ فيه المدح أو نظم الشعر
وبتمل غير طويل نلاحظ أن الشاعر قفز قفزة لطيفة من حديثة عن الطبيعة إلى الحديث عن أمير المؤمنين، وهو تخلص بديع، وانتقالة لطيفة عذبة تبدأ بالبيت المذكور:
خلال أمير المؤمنين محمد
      إذا صيغ فيه المدح أو نظم الشعر
ثم يعدد الشاعر صفات امير المؤمنين وعلو مرتبته ونباهة شأنه وهيبته التي تهابها الأسود في عرائنها والسيوف في قربها، وهذه المكانة والهيبة جعلت أهل الشرك يذعنون ويستسلمون صاغرين. وأمير المؤمنين بالإضافة إلى هذا حالفه الظفر في فتوحاته، من بين ذلك أنه أجلى البرتغال عن ثعر البريجة وهدمها وأمر بتسميتها بـ« المهدومة» ثم عمرها بسكان دكالة المجاورين لها:
أمام له في بادخ العز رتبة
      تقاصر عنها الوهم والوصف والحصر
تسامى على سامي السماك مكانها
      وصار إلى عليائها يخضع الدهر
وما دلها شم الشوامخ هيبة
       يراها فوق هامته البدر
تدل لها الآساد في اجماتها
      وترتاع في أغمادها القضب البتر
تزلزل أهل الشرك منها وأذعنوا
      وعم على ءافاق اجناسهم قهر
وصاروا عبيدا من مهابه بأسها
      ولم ينجهم في الأرض بر ولا بحر
يؤدون بالإذلال والهون جزية
      يقون بها الأنفاس فهي الهم لهم عمير
ومن لم يرم إعطاءها متكبرا
      يحيق به في الحين من بأسه مكر
كما حاق « بالمهدومة» الخير جهرة
      وحل بها من سوء أفعالها خسر
تصدى لها فخر الملوك بغزوة
      تزعزع منها الجو والبر والبحر
وصب عليها من بوارق بطنه
      صواعق حتف لا يطاق لها أسر
فأفسدها قهرا وخرب دورها
      وشرد أهل الكفر عنها لهم ذعر
ومن ذا يلاقي صولة هاشمية
      إذا انتهضت للأمر يسبقها النصر
فيا لك من عز تكامل سعده
      ويا لك من فتح به سمح الدهر
تقاصر عن إدراكه شأو سابق
      وحاول أن يلقاه فانعكس الأمر
فأخره الرحمن للعادل الرضى
      ليعظم في الأعمال منه له الأجر
بك اختتم الإحسان والعدل والندا
      كما ختم الأشفاع في فضلها الوتر
ولا ينسى الشاعر أن يذكرنا بأن تفوق الملك على الناس في السماحة والمجد ليس أمرا عجبا فهو سليل المصطف عليه الصلاة والسلام، وعنه ورث ارفع السجايا، لذا أصبح حصنا حصينا للدعوة الإسلامية الخالدة وحاميا بيضتها، وموردا خيرا لمن انتجع كرمه وعطفه، فما من كريم أصيل في الجود يحاكيه أو يقاربه، والأيام بعد أن كانت قد خرفت وشابت، به أصبحت عروسا مشرقة بهية يقدر الناس قدرها، ومن أعمال أمير المؤمنين أنه شجع على العلم فأمست رياضة عبقة الشذا تصدح في غصون أدواحها الشحارير، كما أنه مهد للآداب السبل، وبذل مجهوده لنشرها، وإعلاء مكانتها حتى غدا أهلها مكرمين معززين ينعمون بالحياة اللينة الطيبة:
وكيف تدانيك الملوك سماحة
      وعزا وفخرا أو يكون لها خطر
ولم(5) لا تفوق الناس مجدا وسؤددا 
      وتعنو إلى أوصافك الأنجم الزهر
وأنت سليل المصطفى سيد الورى
      ومن نداه الجم يغترف البحر
ورثت نداه والسجايا وعدله
      وسيرته في الخلق فاكتمل الفخر
فأصبحت للإسلام طود حماية
      وغيثا لأهل الأرض أن نالهم فقر
تورد البحور الزاخرات لو أنها
      يكون لها من وجود راحتك العشر
تناسى الرشيد والأمين وصنوه
      وجعفر والمهدي والواثق الصدر
نسخت حديث القوم في الجود والندى
      فأصبح وهو اليوم ليس له ذكر
أتتنا بك الأيام عند مشيبها
      فعادت عروسا بالبهاء لها قدر
وعادت رياض العلم عابقة الشذا
      تغرد في أفنان أدواحها الطير
وشدت ذرى الآداب فاعتز أهله(6)
      وصار لهم في كل شاسعة فخر
وهكذا ينهي قصيدته الرائية بالثناء عليه والفخر بشعره الذي جنده لإبراز ما ينطوي عليه نفس أمير المؤمنين من محاسن:
فخذها من العبد المحب القلادة
      تناسق من غالي المديح بها در
يرد جرير والفرزدق حقها
      وتخجل من ألفاظها الأنجم الزهر
تطرز عذب النظم منها يمجدكم
      ونادى جهارا هكذا ينظم الشعر
فقابل ثناها بالقبول فإنه
      عرائس مدح والقبول لها مهر
وجزمي كل الجزم إنك فاعل
      وإني بها لا شك ينصحني البحر
وإن قصرت في حضر مجدك أنها
 ستنشد ما قد قاله العالم الحبر:
إذا نحن أثنينا عليك بمدحة
      فيهيهات يحصى الرمل أو يحصر القصر
ولكننا نأتي بما نستطيعه
      ومن بذل المجهود حق له العذر
ويختم الشاعر القصيدة بالدعاء له قائلا:
أدام لنا الرحمن ملكك عزة
      وفخرا إلى الاسلام ما بعده فخر
وخلد رب العرش أمرك في الورى
      به تسعد الدنيا ويبتهج الدهر
ودمت قرير العين للدين والهدى
      ودام مدى الأيام يخدمك النصر
وللغزال قصائد مدحية أخرى كقوله:

رحيب البذل بادي العدل مسدي
      جزيل الفضل عن كرم وجود
فضائله العزيزة ليس (7)تحصى
      ومن يحصى الجواهر بالعقود
وكقوله:
يحمي دمار المسلمين بعدله
      وبسيف حتى كف كف المعتدي
دامت صنائعه الجميلة في الورى
      أمد المدى إمدادها لم ينفذ
ومهما يكن من حال فقد استطاع شعر الغزال أن يواكب حياة السلطان المولى محمد ويسجل ما زخرت به من أعمال، وما كان له من بطولة في شتى الميادين السياسية والعلمية والخلقية.
ونلتقي بعد الغزال بمشاعر ءاخر هو أبو العباس أحمد بن الرضى بن عثمان المكناسي(8)ليعزف على الوتر الرنان أغنية التقدير مفتتحا بالطريقة الغزلية مخالفا في ذلك الغزال الذي استهل قصيدته بالحديث عن الطبيعة، يقول وقد أسكره حب  الممدوح، واستبد به الشوق، ثم انعطف متخلصا إلى الحديث عن الملك المؤيد:
غرام لا يحيط به بيان
      وشوق ليس يشرحه لسان
وقلب لا يزايله اضطراب
      عظيم كيف يمسكه العنان
إلى أن يقول واصفا أمير المؤمنين بما حواه من مجد وعلو، وما في طاعته من رشد وهداية، وسعادة وصفاء، وكيف لا والشمس في أفقها تعنو له، وتقبل موطيء قدميه وقت إشراقها وغروبها:
ولكن لو لناظرهم تبدى
      سنا الملك المؤيد ما اتسكانوا
بطاعته مضوا لما رواها
      سبيلا فيه رشدهم استبانوا
وقبلهم رأينا الشمس تعنو
      له وبذا لعمرك ما تهان
تقبل أخمصيه لدا شروق
      وأن غربت كما شهد العيان
ويختم قصيدته بقوله وقد أبدع أيما إبداع:
ولو أهل الصليب رواه يوما
      على قدر يدين هواه دانوا
وهذا الشاعر أبو العباس أحمد المعروف بابن الونان(9)يضع أرجوزة على روي القاف أنشدها بين يدي المولى محمد بن عبد الله بعد أن اغتنم فرصة خروجه في موكبه فارتقى نشزا من الأرض ورفع صوته قائلا:
يا سيدي سبط النبي
      أبو الشمقمق أبي(10)
عند ذلك وأثابه عليها فعلت مكانته لديه، وأرجوزته هذه استهلها بالنسيب فذكر فيها الأحبة والإبل، وضمنها الحماسة والفخر، والحكم والأمثال، ثم تخلص لمدح الملك مشيرا إلى الكنية التي أطلقها على أبيه- وإليها نسبت الأرجوزة فاشتهرت بالشمقمقية- ثم مضى يعدد ما تتوفر عليه شخصية أمير المؤمنين من مزايا أخلاقية، كجوده الفياض الذي تغار منه سيول المطر، وحلمه وعلمه الذي بز فيهما هارون الرشيد، ثم عاد مسرة أخرى ليؤكد أن جود أمير المؤمنين فاق من اشتهر بالكرم كحاتم وغيره، بل إنه تحلى بكل صفات الكرم، لذلك شملت عطاياه الخلق قاطبة، ولا شك أن ابن الونان نظرا إلى بيت الأخطل عندما قال مادحا عبد الملك بن مروان:
بنو أمية نعماك مجللة
   تمت فلا منه فيها ولا كدر
إذن فأمير المؤمنين قد جمع من الفضائل ما لم يجتمع لدى الآخرين من العلماء والملوك:
وإن أردت أن تكون شاعرا
   فحلا فكن مثل أبي الشمقمق
ما خلت له في العصر من مثل
   غير أبي في مغرب أو مشرق-
لذاك كناه به سيدنا الـسـ
   ـلطان عز الدين تاج المفرق
« محمد» سبط الرسول خير من
   ساد بحسن خلقه والخلق
أعني أمير المؤمنين بن أميـ
   ـر المؤمنين بن الأمير المتقي
خير ملوك الغرب من أسرته
   في وقته على العموم المطلق
له محيا ضاء في أوج الدجا
   سناه مثل القمر المنسق
وراحة تغار من سيولها
   سيول ودق وركام مطبق
 ودوحة المجد التي أغصانها
   بها الأرامل ذوو تعلق
فاق الرشيد وابنه في حلمه
   وعلمه ورأيه الموفق
وساد كعبا وابن جدعان وطا
   هرا وحاتما ببذل الورق
ولم يدع معنى لمعن في الندى
   ولم يكن كمثله في الخلق
وأمير المؤمنين منذ أن كان في نعومة أظافره، وشنشنته  السماح والرأفة ولين الجانب وشب في حضن الخلافة رافلا، لذا بايعه الناس جميعا فلم يتخلف منهم أحد، وهو عندما اعتلى عرش أسلافه أقام ميزان الحق فغمر العدل ربوع المملكة كما يعمر ضوء الشمس السهول والنجود، كما أنه شيد للدين قواعده، ومد اورقتهن وحاز رضى رعيته بتقواه وصلاحه.
وأمير المؤمنين بلغ في ملكه شأوا قصر الملوك الآخرون عن اللحاق به بما حث عليه من المكارم واحيا من السنن، من أجل هذه الأعمال العملاقة اطمأن إليه السعد فرحا مستبشرا، وصاحبه اليمن جذلا راقصا.
وفى أمير المؤمنين يطيب المدح، ويستعذب الحديث، ويلذ التنويه، ولولاه ما اهتزت مشاعره لنقول، ولا تفتحت نفسه للتعبير، ولا تفتفت قريحته بالقريض. أن أمير المؤمنين هو الباعث الحقيقي لرصف هذه الكلمات المعبرة عن الإعجاب الداخلي والتقدير المتناهي، هذا الإعجاب والتقدير حملتهما هذه القوافي في طياتها منسابين رقراقين :
مذ كان طفلا والسماح دأبه
   وغير مأخذ الثنا لم يعشق
نشأ في حجر الخلافة ومذ
   شب فتى بغيرها لم يعلق
فبايعته الناس طرأ دفعة
   لم يكن فيها أحد بالأسبق
وأعطيت قوس العلا في زمانه
   منتشرا مثل انتشار الشرق
وشاد ركن الدين بالسيف وقد
   حاز بتقواه رضى الموفق
وقد رقى في ملكه معارجا
   لم يك غيره إليها يرتقي
ورد أرواح المكارم إلى
   أجسادها بعد ذهاب الرمق
والسعد قد ألقى عصا تياره
   بقصره وخصه بمعشق
 يا ملكا الوية النصر على
   نظيره بغربنا لم تخفق
طاب المديح فيكم وازدان لي
   لولاك كنت للقريض تاركا
لعدم الباعث والمشوق

ولما شق جماعة من أهل الريف عصا الطاعة، وأوقع بهم المولى محمد بن عبد الله تحركت عاطفة ابن الونان فنظم قصيدة ينوه فيها بما قام به أمير المؤمنين من الضرب على أيدي الخائنين، ويعتبر أولئك بعملهم ذاك متنكرين للأمانة والشريعة، ضالين الطريق السوي، الأمر الذي دفع الإمام إلى أن يسلط عليهم صواعقه التي طهرت منه البلاد:
سعد الذي آوى لظلك طائعا
   وسعى لخدمتك السعيدة وابتدر
لم يشق إلا خائن متمرد
   نبذ الأمانة والشريعة قد ختر
كبغاة أهل الريف لا قرت بهم
   عين ولا أسقى بلادهم المطر
شقت عصا الإسلام منهم فرقة
   سلك الغرور برأيها نهج الغرر
ضلوا عن النهج النبوي ببغيهم
   فطابهم سيف الإمام وما ائتمر
ألقى عليهم من صواعق نبله
   ما كاد يمحو العين منهم والأثر
ظنوا صباصيهم لهم وزنا وإذ
   خابت ظنونهم تنادوا لا وزر
طهرت بتقلهم البلاد من الآذى
   ولكم بهم قد كان فيها من قذر
ويقول ابن الونان على لسان الباب المقابل لقبة المولى إدريس بفاس والمحاذي لسوق « المجادليين» والذي بناه السلطان- وهو منقوش عليه- ذاكرا هذا العلم الخير:
بديع محاسني زان العيونا
   وحسن شمائلي سحر الجفونا
وموطني السعيد يفوح عطرا
   بذكر الله رب العالمينا
ومجدي ثابت لا ريب فيه
   بقطب المغرب كهف العابدينا
وردت مجادة لما كساني
   وطرزني أمير المؤمنين
محمد الإمام أخوا المزايا
   وباني المجد بنيانا مكينا
أجاد أمينه والصغار اصنعى
   وأحسن إذ تخبره أمينا
وتاريخي بشعبان جلى
   يدوم به هناء المسلمينا 
تلك كانت جولتنا مع شعراء  المولى محمد بن عبد الله، أرجو أن يكون فيها غناء وأي عناء، لا براز الإطار التفسيري للجيشان  الوجداني الذي احتضنته الأعمال الشعرية في شخصية المولى محمد بن عبد الله.
وأحب أن أذكر ما رصدناه من نماذج شعرية ليس هو كل ما قيل في هذه الشخصية، بل هناك نصوص أخرى ضربنا صفحا عن ذكرها لضيق  المجال، وأميل إلى الاعتقاد بان مثل هذه الشخصية لا بد أنها شغلت شعراء العصر –من عرفناهم ومن لم نعرف- فرسموا رسما بيانيا أبعادها السياسية والعلمية والخلقية، معبرين عن ذلك عن قيمهم التقديرية نحوها.
         

(1) انظر مرسوما في هذا الشأن في الاتحاف ج3 ص 216 لابن زيدان.
(2) انظر الإتحاف ج3 ص 184 ط الأولى.
(3) انظر ترجمة المولى محمد بن عبد الله بقلم الفقيه المحدث المدني بن الحسني بكتاب الفتوحات الإلهية للسلطان المذكور.
(4) وهو حميري أندلسي مالقي فاسي كان سفيرا لمولاي محمد بن عبد الله.
(5) لم تقرأ بالسكون ليتزن اليبت.
(6) الضمير في أهل يرجع إلى الآداب وكان من اللائق أن يكون الضمير مؤنثا والوزن لا يختل أبدا.
(7) حذفت تاء  التأنيث لضرورة الوزن.
(8) عالم مشارك بليغ ناثر محاضر، استكتبه مولاي محمد بن عبد الله، وهو من العلماء الذين نقلهم السلطان إلى مراكش للتدريس في مساجدها، من شيوخه أبو حفص الفاسي والشيخ الناودي.
(9) هو تواني الأصل، فاسي الدار، شاعر فحل ذو فكر وقاد كان والده من المجالسين لمولاي محمد ابن عبد الله، وكان أديبا ذا ملح ونوادر لقبه السلطان أبا الشمقمق تشبيها بالشاعر الكوفي أبي الشمقمق، ومن شيوخ ابن الونان محمد بن  قاسم جسوس وعمر الفاسي.
(10) انظر زهر الأفنان من حديقة ابن الونان ص 325ج 1ط فاس الناصري، ومشاهير رجال المغرب حلقة 15 ص 9 للأستاذ كنون- ط – تطوان.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here