islamaumaroc

فلسفة الحركة

  عبد السلام الهراس

16 العدد

لا تقوم الحركة بكثرتها، وإنما تمكن قيمتها في مدى فعاليتها ومساهمتها في الإنتاج الاجتماعي، وحظها من الإتقان والسداد والمنطق العلمي ..
والحركة لا تدل على الحياة فقط .. وإنما قد تدل أيضا على الموت: الموت الاجتماعي والفكري والخلقي.
فالحركة الحية هي التي تفرغ نفسها في تخطيطات واعية ، فتجري وفق «الفكرة» ووفق الوعي العميق، فهي إذن مأمورة، هادئة، مرتبطة بجهاز توجيه وضبط : بضبط سلوكها، ويقيد جريانها، ويوجهها نحو الغاية الموضوعة لها أول الأمر، بالوسائل المستمدة من طبيعة تلك الغاية، وقد تفشل هذه الحركة في تحقيق تلك الغاية، وإنتاج ما قد حدد لها وما قد أمرت به .. غير أن هذا الفشل لا يعني الخمود والعدم، ولا يدعو إلى اليأس والقنوط، لأنه فشل عملي، ومن طبيعة هذا الفشل أنه ينبه الجهاز إلى ضرورة التحقق من تلك الوسائل المستخدمة، وإعادة النظر في علاقاتها بالغاية .. فالفشل في منطق الحركة الحية طريق النجاح.
أما الحركة الميتة فهي تنطلق وحدها، دون أن يكون لها فائدة اجتماعية أو هدف حيوي، لأنها تفتقر إلى «الفكرة» التي هي روح الحركة، فهي لهذا عديمة الصلة بالوعي وبالدوافع الروحية، ولذلك كانت حركة عشوائية اعتباطية، تسير على غير هدى، وإلى غير غاية، وقد يخيل لبعض هذه «الحركة» إن لها غاية،ولكنها سرعان ما تتردى على ما تتوهمه أنه غاية، ولكنها سرعان ما تتردى على ما تتوهمه أنه غاية .. عندما تصل إلى الفراغ .. وتصب في «لا شيء» .. فالفشل في منطق هذه الحركة هو العدم.
وهناك حركة هي أشبه بالثانية وأن كانت أرقى منها .. حركة مصدورة .. تسير، ولكن إلى نصف غاية، لأنها مسيرة بنصف فكرة، لم يكلف نفسه عناء العمق والشمول في البحث، ومن طبيعة هذا الوعي أنه يشاهد إنهزامات حركاته المتكررة، غير أنه لا يدري الأسباب التي تؤدي بحركاته إلى الهزيمة أو إلى الإنتاج الناقص لأنه لا يملك القدرة والصبر على البحث أفقيا وعموديا لتفهم تلك الأسباب وتحديد ماهيتها .. فالفشل في منطق هذه الحركة : الحيرة والتردد، وأخيرا، الرضى بالموجود.

إذن فالحركات ثلاث:
1) الحركة الحية التي لها الأثر الفعال في رقي المجتمع، لأنها تنبثق عن «فكرة» وتسير بحرارة روحية في جو يشع بالوعي والتصميم، وشأن هذه الحركة أن تكون مبررة تشبه إلى حد كبير الحركة المسرحية حيث تدفع بالعمل المسرحي نحو الإمام .. نحو تعقيد الحوادث وتأزمها ثم حلها، فهي حركة واعية تدري وظيفتها دارية تامة، وتدرك غايتها حق الإدراك، كما أن لها اتصالا عضويا بما سبقها وبما يتبعها وبما جاورها من الحركات الأخرى.
وارتباط هذه الحركة بالفكرة الأصلية الحية الفعالة ، خلع عليها صفة المعجزة الإنسانية. «فالحركة» في الصين الشعبية لا تستمد قيمتها من أنها كثيرة أولا الوزراء وزعماء الحزب الشيوعي والتلاميذ على مختلف أعمالهم يساهمون بأعمال متخلفة في تشييد الصين الجديدة، وإنما كانت لها قيمة عظمى بسبب ارتباطها «بفكرة» وباقتناع روحي بعظمة الصين، وقدرتها على صنع مستقبل أفضل .. وذلك ما جعل لهذه «الحركة» تخطيطات واعية تسير على هداها، وغايات محددة لا تتعداها.
وبهذا نستطيع أن نفسر هذه القفزة الجبارة التي قفزتها الصين الشعبية في مدى عشر سنوات.
فحركة الفرد الصيني كإمكانيات بلاده خاضعة «للفكرة» هذه الفكرة التي خططت لها مواقع سيرها ومعالم غاياتها، وزودتها بالوسائل المنتجة المواصلة لتلك الغايات، وهي أيضا مدفوعة بحرارة عاطفية كانت تفقدها الصين قبل 1947 يوم أن كان الوكود النفسي والفوضى الاجتماعية السيمتين المميزين للصين(1)
2) الحركة التي تولد ميتة لأنها خالية من الروح: من «الفكرة»، فهي عديمة الجدوى اجتماعيان وأنها لا تقف عند لا تقف عند هذا الحد فقط بل تتعداه إلى الأضرار بالمجتمع.
فالحركة التي شاهدتها منذ أيام ـ وأشاهد مثلها كل يوم في حياتنا ـ وذلك عندما وقف شاب أمام دكان وقفة طويلة فاغرا فاه، ينظر إلينا تارة وإلى المبيعات العادية تارة أخرى، ويستمر كذلك زمنا ليس باليسير، وبين الفينة والأخرى يتنبه إلى ذبابة تشوش عليه  وقفته اللذيذة !! فإذا نحن ضممنا إليها الحركات التي نشاهدها في مقاهينا واجتماعاتنا العادية في الدور والشوارع، وقومناها التقويم الاجتماعي العلمي، لاستطعنا أن نعرف مقدرتنا في السباق الحضاري العالمي، وأن نحدد مركزنا تحديدا خاليا من الغرور ومن نشوات الخطب البليغة الرنانة، والقصائد الشعرية الطنانة !!!
فمجموع حركات هذا الشباب، وحركاتي التي قمت بها أو سوف أقوم بها، وحركات غيرنا ـ إن مجموع ذلك، هو الذي يصنع واقعنا وتاريخيا، فإن شئت أن تتعرف على نوع حركتك وحركة أفراد أمتك، فانظر تاريخك وواقعك الآن .. انظر إلى النتيجة التي لجموع تلك الحركات السابقة، وإذا أردت أيضا أن تتعرف على مستقبل أمنك فأجر عملية حسابية بسيطة للحركات التي يقوم بها أفراد أمتك .. إنك بذلك واصل إلى حقيقة ما تصنع أمتك وما تريد !!
3) الحركة الناقصة التي تتولد عن الفكر الناقص والوعي السطحي .. فطبيعة هذه الحركة إذن من طبيعة فكرتها ووعيها، فهي عاجزة عن الإنتاج الاجتماعي الشامل الذي يكفل لأمة الحياة التقدمية المتحضرة .. نعم قد تنتج بعض هذه «الحركة» ولكنه إنتاج جزئي أو حسب تعبير العلامة «جب» إنتاج «ذري» وليس من شأن هذا الإنتاج أن يقفز بالأمة نحو الإمام أو ينقذها من الحالة المرضية التي تتخبط فيها.
ولعل السبب في وجود الحركة المشلولة والحركة التصفية، ميل في نفس أصحابها إلى اليسر والسهولة فالعمل الفكري المنظم الذي يدعو إلى البحث في الأسرار والأسباب والظواهر والعلاقات، يرهق الأذهان الضعيفة التي ألفت مواجهة المشاكل بكل ميوعية وعدم مبالاة، استجابة للرغبة العميقة المخلصة في الراحة والاستكانة، وقد تحيط تلك الاستجابة بهالات من الشكليات والمظاهر الجوفاء، لتغطي بذلك العجز الذي تشعر به، ولتوهم الغير بأنها تتحرك وتعمل !! غير أن النتائج الهزيلة التي تتمخض عنها أخيرا تفضح جوهرها وتعلن عن حقيقتها، وكثير من هذا النوع من الحركة يصاب بجنون الإمعان في الضلالة حتى يصطدم مع صخرة الحقيقة، فيتكسر عليها وتتطاير أجزاؤه في القضاء.
ولهذه «الحركة» خطورتها الشديدة على الأمة وكيانها، فهي تعطل سير الأمة وتشده إلى الوراء، لأنها قوة مغناطيسية رجعية .. وإن عنادها وعدم اعترافها بالفشل أو بهزال النتائج، ليفوت الفرصة على الأمة لإعادة النظر والتفكير في إصلاح الأخطاء .. وهكذا تستمريء هذه الحركة كؤوس الفشل المترعة حتى تقضي نحبها، أما على يد العدم الصامت، وإما بحدوث تحول واع وإيجابي في النفس .. فإن الله لا يغير ما يقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
وإن الفرد «الواعي» أو الذي يشاء له غروره أو يضفي على نفسه ذلك اللقب ـ في الأمة ذات الحركة النصفية ـ وبالأولى الميتة ـ ليقوم بدور مزدوج على مسرح حياة تاريخ أمته، فهو يقوم بدور مأساة ومهزلة في نفس القوت : مأساة لأنه يعمق مشاكل أمته ويزيد في تعقيدها، ومهزلة لأنه يمثل حركات الحمقى وبعض البطولات «الدون كبشوتية».
وقد تنطبق هذه الفكرة على كثير من البلاد الإسلامية ممن لم تعط قيمة «للحركة»، ولم تحاول ربطها بفكرة أصلية عميقة وروح فعالة، كموقفها من إمكانياتها الطبيعية التي ما زالت تكون مصدرا هاما لرفاهية «العالم الحر».
وما ذلك إلا لتحلل في نفس هذا الفرد، وعدم وجود أي ارتباط روحي بينه وبين الزمن الذي يعيش فيه والتراب الذي يعيش فوقه (2)، وهذا من شأنه أن يعدم لدى هذا الفرد التقويم الصحيح للحركة أو للإمكانيات أو الأفكار.
وإنا لنلمح لدى الرسول (ص) القيمة التي كان يعطيها للحركة من قوله (ص) من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت. فالكلمة ـ التي لا تزيد عن كونها حركة صوتية تؤدي إلى معنى ـ لها قيمتها الكبيرة لدى الرسول (ص) وهي دليل على إيمان الشخص أو عدم إيمانه، فصاحبها مؤمن إن كانت بناءة فعالة وغير مؤمن إن كانت هدامة.
ولعله يجوز لنا أن نعمم هذا في إطار الإسلام فنقول : إن الإسلام يرى أن من كان يؤمن بالله واليوم الآخر يجب أن يفعل ـ أيضا ـ خيرا .. ومعنى هذا أنه يجب على المسلم أن تكون حركته صوتية كانت غير صوتية خيرة، تقدمية، بناءة تساهم في تدعيم المجتمع وتقويته والمحافظة على كيانه.

  (1)  راجع جولة في ربوع آسيا صفحة : 180 ـ 234
  (2)  لأستاذنا مالك بن نبي رأي جديد في الحضارة، فهو يرى أن الحضارة ليست سوى هذه المعادلة: الحضارة = مركب من إنسان + تراب + وقت. وسوف نكتب عن ذلك بإذن الله.
 
 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here