islamaumaroc

في ذكرى عيد العرش

  دعوة الحق

125 العدد

  كلما أشرقت هذه الذكرى الغالية على قلوبنا، وقلوب المغاربة أجمعين، رجعت بنا الذاكرة إلى أيام طافحة ببناء صروح المجد. والاستماتة في سبيل الدفاع عن حوزة الوطن. بقيادة جلالة الملك الغفور له. سيدي محمد الخامس، تغمده الله برحمته.
  كانت الأيام حيالي لينا ندري ما تفد. وكانت الظروف قاسية على الوطن والمواطنين، من لدن السلطة الاستعمارية، وكانت الحركة الوطنية النشيطة، تغلي كالمرجل، وكانت الأعناق مشرئبة إلى الهدف السامي: هدف فك الرقاب من ربقة الاستعمار، وكانت الهمم القوية تأمل استرداد ما ضاع من خيرات، وتقوية ما ماع من عزمات، وكان إخواننا علماء القرويين –الطلبة فيها بالأمس- بمقدون الجلسات السرية ، لتنظيم حفلات عيد العش، وإظهارها بالمنظر اللائق بها، بما يعدون لها من كلمات رائعة، وقصائد شيقة، وأناشيد وطنية وحماسية، وتمثيليات مستقاة من مواقف أبطال الإسلام، وغير ذلك، مما يلهب الشعور بالعزة والكرامة، ويضفي على الذكرى ما هي جديرة به من حفاوة وتقدير، فإذا أعدت العدة، و......، وذللت جميع الصعوبات اامادية والأدبية،جاء دور طلب الإذن من الحكومة، لتسمح بهذا التجمع الذي من شانه أن يعدد مناقب  الدولة العلوية، ومناقب الجالس على العرش أنذاك: جلالة سيدي محمد الخامس، فلا تكاد اللجنة المشرفة على التحضير تحصل على الإذن، إلا بعد جهد جهيد، وأخذ ورد، ومعاكسة ومشاكسة، بل وتهديد أحيانا.
وما زلت أذكر أمسية قضاها طلبة القرويين بالمتنزه العمومي، ولذ لهم أن ينشدوا بصوت عال، نشيد الأستاذ المرحوم، السيد محمد القري، الذي يقول في مطلعه: 
                                    عيد التتـويج هو العيـد       
                                                  ما مثل التـاج لنـا عيــد
  فإذا بالسلطة تهجم عليهم وتشتتهم، إمعانا منها في القضاء على شيوع فكرة التغني بالأمجاد المغربية، التي تتجسد في العرش العلوي الشريف، وتتبلور في تاجه المنيف، ولكن ذلك لم يزد المومنين إلا إيمانا بعقيدتهم الوطنية، واستماتة في ميادين الدفاع عنها، والذود عن حباطها، بما أوتوه من حيوية وعزيمة وصمود، يستمدون ذلك من أبي النهضة المغربية، الذي كانت مواقفه وتصريحاته وخطبه في كل المناسبات، مدرسة تذكي العزائم، وتذكي بالعظائم، فيتربى المغاربة، وبالخصوص ناشئة المثقفين منهم، على السير الجاد، في الطرق المؤدية إلى إعلاء كلمة الله، ولن يكون ذلك بغير استقلال البلاد.
  ولو قدر للتراث الفكري والأدبي، الذي قيل في أعياد العرش، أن يجمع في مؤلف خاص، لضم من نتائج القرائح، ما يعرب بروائعه وبدائعه، عن الاتصال المتين، في كل وقت وحين، بين العرش والشعب.
  سطرنا هذه النتف من مضايقات الماضي، لتحمد الله اليوم، على ما نحن فيه ممن نعمة الحرية والاستقلال، لذلك نرى، والمغرب يحتفل بذكرى مرور تسع سنوات، على جلوس صاحب الجلالة الحسن الثاني –حماه الله- على عرش أسلافه الميامين، أن نبرز جانبا من عبقرية جلالته وخاصة في مؤتمري القمة الإسلامي والعربي، المنعقدين بعاصمة مملكته، تحت قيادته المحكمة، وحنكته الطائرة الصيت، فقد افتتح جلالته كلا منهما بخطاب ارتجالي نتر فيه دوره الغالبة على المستمعين والنظارة – وحتمه كذلك بخطاب ارتجالي، فكان في خطابيه معا، مثال العالم المسلم- والسياسي الخبير، المتمكن من ناصية البلاغة، والمدرك بعمق
لعناصر الموضوع، والقابض بقوة، على أزمة الأداة، التي يصرف بها معانيه، في شجاعة جنان، وفصاحة لسان، وسلامة بيان، وأبطأ بذلك بين مجد غابر ومجد حاضر، ومجد منتظر، وحاملا مشعل التوعية والتوجيه في الداخل، ومشعل الاتحاد والتآزر في الخارج، أمام رجال الفكر والسياسة، من الملوك والرؤساء المشبعين روح الإسلام، والبعيدين عن كل تعصب ديني، أو مذهبي، أو إقليمي، والساعين بغير عنصرية، في رد الحق إلى نصابه، بعودة الفلسطينيين المظلومين إلى أراضيهم المغصوبة، وأماكنهم السليبة، وبهذا الموقف التاريخي العظيم، الذي سمع دويه في أنحاء المعمور، فتح بابا جديدا لمجد، لم يسبق إليه، تجاوز به النطاق المحدود، إلى عالم خارجي ممتد الأطراف. وما ظنك بعاهل تربى في حضن والده الحكيم سيدي محمد الخامس، وعاشره في منفاه، فنشأ مدافعا عن الوطن، وسعى في تحقيق ما آمن به، واتخذه هدفا له في الحياة، وضحى من أجله، وهام بإدراك فلسفته، التي تغلغل بذهنه الوقاد في أعماقها، فعاد ظافرا بمكنونها، وعاملا على إشاعتها، بما ألقى ممن بيانات، معززة بما يضفي عليها  طابع الجدة العصرية، ويغمرها في الوقت ذاته بحرارة الإيمان، وصفاء العقيدة، وعدم المبالات بالصعوبات، التي يجعلها دائما دبر أذنه، ويمضي ناهضا بأعباء المملكة، منتقلا بها من حسن على أحسن، وما يتمتع به جلالته من أسلوب جذاب في الحديث ، ولغة متينة في تصوير الأفكار، وإيمان بالنصر في كل موقف، كل ذلك يجعل المسافة بينه وبين تحقيق آماله –التي هي آمال الأمة- قاب قوسين أو أدنى. فمن فلسفة المليون هكتار وفلسفة التعليم والعدل وإقامة السدود إلى فلسفة شؤون التصنيع وتكوين الإطارات والازدهار الاقتصادي والفلاحي والإنعاش الوطني وبناء المساجد وإصلاحها – وطبع المصحف وفتح الكتاتيب إلى غير ذلك من الميزات والعظائم التي تسجل لجلالته في جبين الزمن بأحرف من نور.
  وهكذا يأبى جلالته وهو يضع الخطط لمشاريع المستقبل، إلا أن تكون تلك الخطط محبوكة الحواشي، مدروسة الخطوات، صادرة عن حكمة وتبصر وأناة، معروفة الأهداف والغايات ، يحدوه لذلك كله، روح الإخلاص، والسعي الحثيث لبناء غد أفضل مبني على أسس من الثقة والنوعية، والتجرد ونكران اللذات، وفي ذلك يقول جلالته في نطق ملكي كريم:
«.. وإننا على يقين، من أن رعايانا يتوفرون على هذه الروح: روح الإخلاص والعمل والتجرد والثقة بالنفس، ونكران اللذات، وتلك هب القيم التي تعين على البناء والتشييد، ولو مع قلة الوسائل»
وما زال جلالته في كل مناسبة يدعو للقضاء على الشحناء والكراهية، والقطيعة بين الناس، ويؤكد أن سماحة الإسلام لا تسمح  بذلك، ويحفز الهمم إلى اعتبار المكاسب الروحية وإحلالها المحل الأرفع، من بين المكاسب التي يسعى الناس بجد للحصول عليها، ويعقد مقارنة بين قلة ما يحصل عليه الفرد والمجتمع من المكاسب المحدودة، وبين النفع العميم الذي يحصل من المكاسب التي لا يحدها زمان ولا مكان، فيدل بذلك على سعة أفق تفكيره المتجه لما يجب أن تبني عليه صروح الأعمال والإصلاحات وفي ذلك يقول جلالته في نطق ملكي كريم:
  «ففي إطار ديننا الإسلامي السمح، سنصوغ كل عمل وكل إصلاح، لأن المكاسب الدنيوية، ليست غاية في حد ذاتها، لأنها كاسب محدودة، أما المكاسب الروحية، ليست لها حدود، لأنها هي الوجود، ولأنها هي التي تمكن الفرد من حسن التصرف في مكاسبه الدنيوية، وتكيف تصرفه بالخصال الحميدة، حتى لا تكون في المجتمع شحناء ولا بغضاء ولا تفرقة».
  وما زال جلالته كذلك يصور الهدف الذي يقصد إليه، من وراء سياسته الرشيدة التي تتبلور في إسعاد الأمة، ونشر أردية العدل على جميع أفرادها، حتى يعيش الجميع في راحة بال، وهناءة ضمير – في وطن مزدهر، وخير منهمر، وقفي ذلك يقول جلالته في نطق ملكي كريم:
«هدفنا هو رفع شأن هذا الوطن، وبناء صرح نهوضه وازدهاره، وتوفير السعادة والرخاء لأبنائه، وسدل أردية العدالة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، عليهم بدون تمييز».
هذه فقرات من كلام جلالته تنم مما أكرم الله به من عبقرية أبان بها في كل مواقفه عن نضج فكري فذ، وسمو روحي ممتاز.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here