islamaumaroc

ظهائر سلطانية برعاية الربُط وحراسة الشواطئ المغربية

  دعوة الحق

125 العدد

منذ أن بدأ الإسلام يتقلص بأرض الأندلس، وحملات الصليبيين تترى على الشواطيء المغربية، وأطماعهم تزداد مع الأيام، وقد لعبت القرصنة- وهي سلاح العاجز- دورها الخطير، في كل من المحيط والأبيض والمتوسط، وكان للبرتغاليين والإسبان، مهارة كبرى في هذا الميدان، ولا يزال التاريخ يحتفظ لنا بصور بشعة، يتجلى فيها مدى الأسفاف البشري والانحطاط الخلقي(1)!
وكانت القرصنة تجارة رائجة، وبضاعة نافقة، في أسواق أوربا، لدى العصور الوسطى، وقد قام الريكي الثالث (2) بحملة مسعورة على شواطيء المغرب، فخرب مدنا عدة، وهدم كثيرا من الحصون والقرى(3). وإذا ظهر من بعض الحكومات وهن ف فترات من التاريخ، أو كان هناك من المسؤولين من تخلى عن واجبه، فإن الشعب المغربي، ظل الحارس الأمين، والوفي المخلص، في كل العصور والأزمان، يتفانى في حب وطنه، ويفديه بالمهج والأرواح، وأظهر عند الجلاد ونزول المدلهمات، بطولات نادرة المنال، وتضحيات نادرة المنال، وتضحيات قلما عرفت لشعب من الشعوب.
وقد لمس هذه الروح- السلطان المصلح مولاي محمد بن عبد الله، عند تجواله على الشواطيء المغربية، وتفقده للثغور والربط، فاتصل بالقبائل المرابطة التي حسبت نفسها للجهاد، وكرست حياتها للدفاع عن حوزة البلاد، فأطلع على أحوالها وخبر معنوياتها، فأعجب بشأنها، وأضفى عليها من تشجيعه وتقديره، وأصدر ظهائر شريفة تعطى لها الصبغة الرسمية، وتكفل لها البقاء، وتحيطها بهالة من  التقدير والاحترام.
من بين الثغور التي زارها، وأصدر مراسيم برعايتهçا واحترامها: مرسى تاركا، بقبيلة بني بوزرة من قبائل غمارة.
وقد وقفت على مجموعة ظهائر في هذا الشأن.

نص الظهير الأول منها:
الحمد لله، وصلى الله على سيدنا محمد وءاله وصحبه وسلم تسليما كثيرا أثيــــــرا، (الطابع الشريف)(4) ، حملته المجاهدون الأكرمون، القبيلة البوزاتية(5)، من قبيلة عمارة، عمرها الله، يعلم منه أننا عظمنا المرساة الكائنة بتركة (6) حرسها الله، واحترمناها، واحترمنها أهلها، فهي معظمة محترمة إلى يوم القيامة، مراعاة لثغر الجهاد المقابل لأعداء الله الكافرين جمرهم الله، ولقربهم من الولي الصالح سيدي أحمد الفيلالي(7) فزاويته محترمة، موقرة معظمة، ومن لاذ بها، او احتمى بها كائنا من كان، كان ءامنا على نفسه، ومن......(8) فلا يلومن إلا نفسه، وزكاتهم وأعشارهم(9) في ضعفائهم والمجاهدين، والواقف عليه يعمل به ولا يتعداه، في رابع ذي الحجة الحرام، عام واحد وسبعين ومائة وألف(10).

الظهير الثاني:
وقد أصدره يعفيهم فيه من الوظائف الحكومية، والكلف المخزنية، ويجدد لهم التوقير والاحترام.
نصه:
الحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وءاله وصحبه (الطابع الشريف) جددنا بحول الله وقوته، وشامل يمنه ومنته، لحملته المجاهدين الأخيار، جماعة بني بوزرة، من قبيلة غمارة على ما بأيديهم من الظهائر الموجبة لهم الاحترام التام، والتوقير الشامل العام، فقد أبقيناهم على عادتهم المعروفة، وأجريناهم على سيرتهم المألوفة، فلا يجري عليهم وضيق، لا قوى ولا ضعيف، ولا يكلفون بكلفة من الكلف، ولا القيام بالعسة في مرساة تركة، وحراستها من العدو الكافر، وما ينوبهم في جملة قبائل غمارة، من قطع العود، للمراكب(11) وغير هذا لا يكلفون به، وما يجب عليهم من زكاة وأعشار، يصرفونه في فقرائهم، ومن طاف بساحتهم، فلا يلومن إلا نفسه، ولا يضر إلا رأسه، والواقف عليه يعمل به والسلام وفي أوائل صفر الخير عام أربعة وسبعين ومائة وألف ( 1174هـ).

ونص الظهير الثالث(12)
الحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وءاله وصحبه وسلم تسليما ( الطابع الشريف)، جددنا بحول الله وقوته، وشامل يمنه وبركته، لحملته المجاهدين من جماعة بني بوزرة، من قبيلة غمارة، على ما بأيدهم من الظهائر الشريفة، الموجبة لهم التوقير والاحترام، والقيام بالعسة في الجهاد بمرسى تاركة، وحراستها من العدو الكافر، ونأمر خديمنا القائد عبد الصادق(13) أن يستوصي بهم خيرا، وأن يبقيهم على عادتهم، ولا يترك من ترامى عليهم، حسبما هو مسطر بظهيرنا، والواقف عليه يعمل به ولا يتعداه، ومن خرق عليهم عادة لا يلم إلا نفسه، والسلام، وفي أواخر ربيع النبوي عام سبعة وسبعين ومائة وألف (1177هـ).
وعندما ولى السلطان مولاي محمد بن عبد الله (14) على قبائل غمارة، القائد أحمد بن مرزوق أصدر ظهيرا ءاخر يأمر فيه القائد المذكور برعاية القبيلة المرابطة على مرسى تاركة، ويعفيها من كل الكلف سوى الرباط وحراسة الثغر، ونصه:
الحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وءاله وصحبه وسلم تسليما، ( الطابع الشريف)، جددنا بحول الله وقوته، وشامل يمنه وبركته، لحملته خدامنا المجاهدين بني بوزرارة، على حكم ما بأديهم من ظهائرنا الشريفة، فقد أبقيناهم على عستهم بمرسى تاركى، على عادتهم المعروفة، ولا كلفناهم بشيء سوى العسة، فتأمر القائد أحمد بن مرزوق (15)أن يزيد في توفيرهم واحترامهم، ولا يكلفهم بشيء غير العسة المذكورة، ويخلي سبيلهم، ومن طاف بساحتهم في قليل أو كثير، فلا يلم إلا نفيه، والواقف عليه يعمل به، ولا يتعداه، وفي أواسط جمادى الأولى عام واحد وثمانين ومائة وألف ( 1181هـ).
هذا وهناك عدة وثائق تشهد بما لهذه القبيلة من ماض في الجهاد، وسابقه في الرباط، وقدم في مناهضة العدو، ولنثبت هاتين الوثيقتين لأهميتهما:

نص الأولى:
الحمد لله يشهد من يضع اسمه عقب تاريخه بمعرفة مرسى تركة، من قبيلة بني بوزرة، من قبائل غمارة حطاها الله، ويشهد مع ذلك بأن المرسى المذكورة، وإنها من الثغور التي يجب سدها وحياطتها من العدو الكافر، خذله الله، وأن القائم بحراستها وحفظها منه ليلا نهارا، بنو بوزرة المذكورين، إذ هم قائمون بها، ومعتكفون عليها، بحيث  لا تصحبهم غرة، ولا يلحقهم تقصير ولا ممرة. وأنهم ممن يستحق وصف المجاهدين في سبيل الله، والتوقير والاحترام، والحمل على كاهل المرة والإكرام، لاعتنائهم وحزمهم، وحمايتهم هذا الثغر المذكور ببلدهم، إذ ما حام العدو في البحر حول حماه، وقام الصريخ، إلا نهضت القبيلة المذكورة للقائه ومحاربته، ومضاربته بالسيف ومناضلته. فيرجع على أعقابه مخذولا، ولم ينل مما رامه مامولا، نصرا من الله للإسلام، ودين النبي عليه الصلاة والسلام، واستمر على هذا عملهم خلفا وسلفا، وما زاولا ولا يزالون يزدادون ذلك حبا وشغفا، شد الله في ذلك أزرهم، وجمع على ما يرضيه أمرهم، وأعانهم وقواهم، ورضي الله عن المجاهدين في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، شهد به في 26 جمادى الله عام 1171هـ أشكال سبعة عدول من قريتي تغصة (16) وترغة(17).

ونص الثانية:
الحمد لله شهوده الموضوعة أسماؤهم عقب تاريخه، يعرفون مرسى تركة من قبيلة بني بوزرة، مدفن الولي الصالح، المتبرك به حيا وميتا، أبي العباس سيدي أحمد الفيلالي، نفعنا الله ببركته، وأسكنه فسيح جنته، معرفة تامة، ويشهدون مع ذلك بأن المرسى المذكورة من مراسي سواحل البحر، من قبائل غمارة، حاطها الله، ومن ثغورها التي يغشاها العدو الكافر، وأن أهل القبيلة المذكورة، هم القائمون بحفظها وحراستها منه ليلا ونهارا، سرا وجهرا، بحيث لا تصحبهم في ذلك غرة، ولا ينالهم فيه كسل ولا فترة، وما قام الصريخ من الرتاب للحراسة، إلا انتدبت القبيلة ونهضت، خفافا ونعالا، ركبانا ورجالا، فيقاتلون ويقتلون، ويغلبون بنصر الله ولا يغلبون، وفاء بوعده الكريم، في كتابه الحكيم، « فإن تكن منكم مائة صابرة يغلبون مائتين، وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله». وما يشهدون بأن المرسى المذكورة، فيها مسالك وعرة، ومخابيء يرصد العدو فيها الغرة، فلا ينال بفضل الله مما رامه نيلا، وينقلب مقصوده وبالا عليه وويلا، وأن أهل القبيلة المذكورة، لم يزالوا على ذلك مستمرين، منذ ءابائهم الأقدمين، وهلم جرا، فلا يتأخرون عن ذلك إلى وراء، ولا يرجعون عنه القهقري، فهم أحق بالاحترام والمراعاة، إذ رباطهم لله لا للمباهاة، ثبت الله أجرهم، وشد بعناية أزرهم، وأعان المجاهدين بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، وتقبل عملهم وتولاه، إنه عزيز حكيم، جواد كريم... في 26 جمادى الأولى عام 1171هـ (18)
وهكذا ظلت هذه الربط، العين الساهرة على شواطيء المغرب، تحمي الحمى، وتكف عادية العدو، وكانت كمنظمة شعبية، تستمد قواها من نفسها، وتعتمد على وسائلها الخاصة، وما لديها من إمكانيات، من زكوات وأعشار، وكان الملوك العلويون يرعونها، ويحيطونها بكل تشجيع وتقدير، فصارعت الاستعمار مآت السنين، وكان لها تاريخ حافل بالمغامرات والبطولات، استشهد فيها كثير من أبناء البادية، وإنك لتكاد تقطع مرحلة أو مرحلتين، إلا وتجد محارس ومقابر متسعة الأرجاء، تحمل اسم « المجاهدين»، إلى اليوم.
وعلى شاطيء تاركا الذي خصصنا له هذا أماكن لا تزال تحتفظ بمعالمها التاريخية إلى الآن، مثل نوالة العسة، وقصبة سيدي يحيى(19)، ومقبرة المجاهدين، وسواها.
وما أحوجنا إلى تاريخ  هذا الربط، والدور الذي لعبته في محاربة القرصنة والاستعمار الصليبي، والبحث عن ءاثارها، والوثائق المتصلة بها، وما أكثرها بالبادية !
وعما قريب ستضيع، ويمحى أثرها، فيضيع بذلك شطر كبير من تاريخنا وقوميتنا، وإننا لنهيب بالمسؤولين، للبحث عن هذا التراث، وإحصائه الإحصاء الشامل.
واقترح أن تكون هناك دار للوثائق والمستندات الوطنية، يوكل إليها بمثل هذه المهمة، وتكون خير معين للباحث والدارس، والله والموفق.

(1) وقد أورد صاحب الظل الوريف في صلحاء الريف، صورا مختلفة الأشكال والألوان، انظر ص: 13، 16، 21، 31- (مخطوط خاص)
(2)ويعرف في الرواية الإسبانية، بهنري الثالث، انظر عنان، نهاية الأندلس ص 38.
(3)من بين المدن التي خربت لهذا العهد، مدينة تطوان انظر الاستقصاء 4/89-90 ومحمد داود، تاريخ تطوان1/82-83
(4)نقش الطابع الشريف : ( محمد بن عبد الله بن إسماعيل، الله وليه ومولاه)، ونقش دائرته:
ومن تكن برسول الله نصرته  أن  تلقه الأسد في ءاجامها تجم
(5) من أبناء هذه القبيلة الذين حملوا راية الجهاد: أبو الحسن علي بن ميمون، من أهل العلم والعمل، استننفر الناس للجهاد، ولازم الثغور والربط، فاجتمع عليه عدد كبير من الغزاة، وولوه قيادتهم، منهم على أنه من كبارهم، وإنما كان يدعوهم إلى التمسك بالسنة، والتقيد بروح الدين، وله عدة مؤلفات في هذا الباب توفى بدمشق سنة ( 917هـ) . انظر الكواكب السائرة 1/271.
(6)- حصن قديم، يبعد عن تطوان بنحو 80 كلم، ذكره الإدريسي في نزهة المشتاق انظر ص 170.
(7)- هو أبو العباس أحمد بن محمد الفلالي، أحد الأفراد، من مشايخ الزهاد والعباد، من أهل العلم والعمل، وهداية الخلق والمردين، لم يتمسك من الدنيا إلا بقليل ولا بكثير، تخرج على يده كثير من أهل الفضل والعلم، استوطن قبيلة بني بوزرة، من قبائل غمارة، وبها توفى سنة ثمان وتسعين وتسعمائة ( 998هـ) ودفن في قنة جبل على أميال من شاطيء تركة، بني عليه قبة عالية ترى من بعيد، وتجتمع في زاويته أموال كثيرة من الصدقات، وهناك قيم تجمع هذه الفتوحات على يده، وتصدر الأمور عن رأيه، وقد أفتى العلماء بصرف هذا المال العريض في الجهاد وفداء الأسرى، وما إلى ذلك من سبل الخير انظر مرآة المحاسن ص 228.
(8) - هناك كلمات متآكلة لم نستطع قراءتها تشبه العبارات الآتية: ( فمن طاف بساحتهم... أو خرق عليه عادة).
(9)- وقد أورد الشريف العلمي في نوازله بعض الفتاوى بأنه لا يجوز فرض الضرائب على الصيادين لمعونة هذه الربط، وإنفاقها في الجهاد، لأنها مهنة شريفة يجب الاستعانة عليها بالحلال الطيب ( فالله طيب لا يقبل إلا طيبا).
(10)وقد زار السلطان مولاي محمد بن عبد الله قبائل غمارة، عند مقدمة لإخماد ثورة أبي الصخور الخمسي أواخر عام 1171هـ انظر الاستقصا 8/10.
(11) زار السلطان مولاي محمد بن عبد الله شواطيء المغرب سنة 1173هـ- ومر في رجوعه على سبتة، ووقف على حصانتها ومناعتها، وتحقق أن لا مطمع فيها إلا بأسطول بحري قوي، فأمر بصنع المراكب الشراعية، والسفن البحرية، وجعل دار صناعتها بتطوان، وكلف عبد الهادي أخ القائد عبد الصادق باشا طنجة، بالإشراف عليها، وطلب من حكومة السويد أن تبعث إليه بإقامة المراكب والبارود، وأمر بإصلاح قرصانه، وأن تجعل لها إقامة جديدة انظر الاستقصا 8/11-12،19.
(12) - وقد أصدره بمناسبة تعيين القائد عبد الصادق على هذه الجهات، وأوصاه بهذه الرابطة خيرا، وإن يحميه ويرعاها حتى تؤدي مهمتها خبر أداء.
(13)- وهو أبو محمد عبد الصادق بن الباشا أحمد بن علي الريفي، باشا طنجة ونائب السلطان بشمال المغرب وفي سنة 1180 نكبه السلطان المذكوو، وأودعه السجن هو وقرابته أنظ الاستقصا 8/128.
(14) زار السلطان المولى محمد بن عبد اله قبائل غمارة للمرة الثانية عام 1179، في طريقه إلى الريف وتفقد ثغورها ووقف على القوات المرابطة بها، وقد انتهى إلى كرت من بلاد الريف أنظر الاستقصا 8/101.
(15)- عائلة بني مرزوق أصلهم من تلمسان، قدموا إلى فاس في حدود القن الحادي عش ثم منها إلى تطوان وغمارة، وبيتهم بيت علم ورياسة.
(16) - تغصة: قرية على شاطيء البحر بقبيلة بني جرير على مراحل من تاركا، بها ءاثار وكانت في القديم قرية صغيرة يسكنها صيادو السمك استعمرها الرومان ثم تهدمت. انظر ليون الإفريقي.
(17)قرية على شاطيء البحر بقبيلة بني زيات، على بعد نحو 30 كلم. تاركا، وكانت مركزا رومانيا صغيرا عمره القوط، انظر المرجع السابق.
(18) - وربما كانت هذه الشهادات مما قدمه أهل الرابطة إلى السلطان لتزكية عملهم، وعلى ضوئها أصدر ظهائره الشريفة بتوقيرهم واحترامهم وإعفائهم من الكلف المخزنية.
(19) - يعرف بسيدي يحيى أعراب من الأبطال المجاهدين الذين كرسوا حياتهم للرباط على الثغور من أهل القرن الحادي عشر.

 


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here