islamaumaroc

المصدر الحقيقي لقوة المسلم

  أبو الاعلى المودودي تعريب محمد كاضم سياق

16 العدد

من حوادث مطلع القرن الثاني للهجرة أن رنبيل ملك سجسنان والرخج ،كسر الخراج، وأبي أن يدفعه لعمال بني أمية ، فأغاروا عليه الغارات ن ولكنه لم يخضع في أيام الخليفة الأموي يزيد بن عبد الملك بعث إليه وفدا من المسلمين يطالبه بالخراج ، فلما دخل عليه الوفد أقبل عليهم يسألهم :
أين القوم الذين كانوا يأتوننا من قبلكم خماص البطون من الطوى ، ينتعلون الخوص وفي وجوههم سيماء من أثر السجود ؟
قيل له : قد مضوا . فقال رتبيل: أنتم لاشك أنضر منهم وجوها ، ولكنهم كانوا أصدق وعدا وأشد منكم بأسا . ويقول المؤرخ أن رتبيل قال قوله هذا والتوى بما عليه من الخراج ، وما زال خالعا يده من طاعة الحكومة الإسلامية مدة نصف قرن أو نهزه .
ذلك في عهد كان كثير من التابعين وتابعيهم فيه على قيد الحياة ، وكان زمان الأئمة المجتهدين ، لم يمض على وفاة النبي صلى الله عليه وسلم إلا قرن واحد ، والمسلمون أمة موفورة القوة والحياة ، لا يزالون يبسطون نفوذهم على الدنيا ، وقد ملكوا فارس والورم ومصر وإفريقيا وأسبانيا ، ولا تساميهم أمة من أمم الأرض في العدة والعتاد ، والعزة والبذخ والثورة والأموال هذا الإيمان يعمر القلوب ، وأحكام الشرع تتبع أكثر مما تتبع الآن ، ونظام السمع والطاقة قائم ، والأمة ينظمها تنظيم محكم ، إلا أن خصمهم الذي كان قد صارع أسلافهم البدو السذج من رجال عهد الصحابة ، عجم عهودهم ، أحس بفرق عظيم بين هؤلاء الشاكين في السلاح ، وأولئك المعدمين العزل .
من أي شيء كان هذا الفرق يا ترى ؟
كأني بعلماء فلسفة التاريخ يجعلونه فرقا بين البداوة والحضارة ، فيقولون : أن أهل البداوة كانوا لشظفهم أصبر على المشاق ، والذين جاؤوا من بعدهم جعلتهم الثورة والتمدن يألفون الدعة والعيش الناعم ، ولكني أقول : لم يكن ذلك علة هذا الفرق ، بل كانت علته في الحقيقة هي الإيمان والإخلاص والنية والأخلاق وطاعة الله ورسوله ، فهذه كلها كانت مأتى القوة الحقيقية لمسلمين ، لم تكن قوتهم من كثرة العدد ولا من حذق العلوم والصناعات ولا من توفر لوازم الحضارة والتمدن ، وإنما كانوا نهضوا بقوة الإيمان والعمل الصالح ، وهذه هي التي جعلتهم أعزة في العالم ، وألقت في قلوب الأمم هيبتهم ، كما ملأتها ثقة بخلقهم وأمانتهم ، وهم ما داموا حائرين لهذا الذخر من القوة والعزة ، بقوا في الأرض أقوياء يجلون ويرهبون مع قلة العدد ونزر الزاد ، ولكنه لما ضاع عنهم هذا الذخر أصبحوا يضعفون على مرور الأيام وأصبحت ريحهم تفشل ، ولم تغن عنهم كثرة العدد واستفاضة الأسباب المادية .
فقد رأيت أن الذي قاله رتبيل ـ وهو عدو للإسلام والمسلمين ـ هو أوعظ من آلاف المواعظ والوصايا نسمعها من أوليائنا والناصحين ، قد بين رتبيل في الحقيقة أن القوة الحقيقية لأمة ما ليست في جيوشها الزاحفة ولا في أسلحتها اللامعة ولا في وسائلها وأسبابها الكثيرة ، بل قوتها هي الخلق الفاضل والسيرة الطيبة والمعاملة الصحيحة والأمل البعيدة ، وهذه هي تلك القوة الروحية التي تفتح قلوب الأمم بدون الوسائل المادية ،وتمكن المتربين من مساير المترقين ، ولا تملكهم البلاد والأقطار فحسب ، بل تملكهم مع ذلك النفوس والقلوب بهذه القوة يتقدم اللابسون نعال الخوص ، المهزولون المعرقون ، المغمدون سيوفهم في الاطمار، فيشعرون أهل الأرض من أنفسهم من الهيبة والرعب والسيطرة والجبروت والقدر والمنزلة والسلطة والثقة ، ما لا يتهيأ أبدا للابسي الوشي والديباج ، وإخوان البذخ والترف ، أولى الوجوه الناضرة والمنازل الرفيعة ، والمتجهزين بالمناجيق الضخمة والدبابات الفخمة .
ذلك أن وفرة القوة المعنوية تتلاقى قلة الأسباب المادية ، ولكن وفرة الأسباب المادية ما كانت لتلافي فقدان القوة المعنوية ، ولو أن غلبة تحصل بدون هذه القوة ، فإنها أحرى أن تكون عارضة مؤقتة ، لأن القلوب لا تفتح أبدا بدون هذه القوة ، إنما تتطأطأ الرقاب ، ثم تبقى لتنتهز أول فرصة للتشامخ والاستكبار.
ألم تر أن البناء لا يتحقق أحكامه بنقوشه وزخارفه وألوانه ، ولا بفنانة الرحب وروضته الغناء ، ولا بأي جمال خارجي آخر ، كما لا يزيد في قوته كثرة ساكنيه ، ولا وفرة أثاثه ولا تعدد أجوف الجدر متآكل العمد متفتت الألواح والخشب ، فإنه لا يمنعه شيء من السقوط ، وإن كان عامرا بالأهل زاخرا بالمتاع ، يسر الناظرين بزينته وتحاسينه . أنا نحصر نظرنا في المظاهر ، ولا تكاد أبصارنا تتعدى منظر عيوننا ، ولكن حدثان الدهر لا يقف فعله عند الظاهر ، بل هو ينفذ إلى الصميم ، فهو يمارس الأسس وبخير متانة الجدران ويمتحن سلامة العمد ، فإن وجد هذه كلها محكمة متراصة أرتد كالموج ترده الصخرة الصماء ، وقوي عليه البناء برصانته وأحكامه ، مع أنه عاطل من كل زينة ، وإن كانت الأخرى ، حطمته لطمأت الحدتان حتى ينهار مع كثرة سكانه وجوده نقوشه وألوانه .
هذه بعينها هي حال الحياة القومية ، فالذي يجعل أمة ما قوية غالبة بين الأمم ليس منازلها ولا ملابسها ولا مركبها ، ولا مرافق حياتها الناعمة ولا فنونها اللطيفة ، ولا مصانعها ولا كياتها ـ بل هو المبادئ التي تقوم عليها حضارتها ،ثم هو رسوخ تلك المبادئ في القلوب ، وهيمنتها على الأعمال ، هذه الأشياء الثلاثة أي سلامة المبادئ ، والإيمان القوي بها ، وهيمنتها الكاملة على الحياة العملية ، هي في حياة الأمم بمثابة الأساس المتين والجدار القوي والعماد المحكم في البناء .
فالأمة التي توفرت فيها هذه الأمور الثلاثة تامة ، فلا جرم أن تكون غالبة بين الأمم ، تعلو كلمتها في الأرض ، وينبسط نفوذها على الشرق والغرب ، وتتأصل ثقتها في القلوب ، وتخضع لأوامرها الرؤوس ، وتكون مكرمة محترمة ، وإن كانت تسكن الأكواخ وتلبس الأسمال ، وكان أفرادها ضامري البطون من إلحاح الفاقة ، ولم تكن في مدائنها كلية ، ولا ارتفعت من حاراتها مدخنة ، ولا كانت لها في العلوم والصناعات يد ، ذلك بأن كل هذه الأشياء التي تعدونها من أسباب الرقي والتقدم ، وأن هي إلا نقوش وألوان للبناء ، وليست أسسه وقواعده وأركانه ، وأنت إن كسوت الجدران المنخورة ورق الذهب فلن يمنعها من الانهيار ، وهذا هو الذي يعيده القرآن ويكرره :
فيصف مبادئ الإسلام بأنها تطابق تلك الفطرة الثابتة غير المتبدلة التي قد قطر تعالى عليها الإنسان لذلك فإن الدين الذي يقيم جميع شؤون المعاش والمعاد على الطرق الصحيحة المستقيمة : «فأقم وجهك للدين حنيفا ، فطرت الله التي فطر الناس عليها ، ولا تبديل لخلق الله ، ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعملون» (الروم) . ثم يقول بعد ذلك أن استمسكوا بهذا الدين القيم وآمنوا به واعملوا بمقتضياته ، تغلبوا في الدنيا وتورثوا الأرض وتستخلفوا فيها : «إن الأرض يرثها عبادي الصالحون» الأنبياء . «وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين» (آل عمران) . «وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفهم في الأرض» (التوبة) .
«ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا ، فإن حزب الله هم الغالبون» (المائدة) .
وبخلاف هذا ، إن الذين قد دخلوا في حظيرة الدين في ظاهر أمرهم ولكن لم تخالط بشاشته قلوبهم ولا هو قد أصبح قانون حياتهم ، فلا ريب أن ظاهرهم ورائق معجب (وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم) وأقوالهم لذة للاستماع (وان يقولوا تسمع لقولهم) ولكنهم في الحقيقة جثث هامدة لا روح فيها (كأنهم خشب مسندة) يخافون الناس أكثر مما يخافون الله (يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية) أعمالهم كسراب يتراءى كالماء ولا ماء في الحقيقة (أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا) ، وأمثال هؤلاء لا يمكن أن تتأتى لهم قوة جماعية لأن قلوبهم متنافرة ، وهم لا يستطيعون أن يتشاركوا في عمل من الأعمال بالنية الخالصة (بأسهم بينهم شديد، تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى) فلا يمكن أن يكون لهم من القوة ما يختص بالمؤمنين الصالحين (لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر) وهم لن ينالوا إمامة العالم (قال لا ينال عهدي الظالمين) ، وليس لهم من العاقبة إلا أن يذلوا ويخزوا في الدنيا ويلقوا في الآخرة عذابا وعقابا (لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم ) .
ولعلك تعجب أن كتاب الله لم يقرر الذريعة إلى رقي المسلمين وغلبتهم في الأرض إلا الإيمان والعمل الصالح ، ولم يدع المسلمين أن يؤسسوا الجامعات وينشئوا الكليات ويفتحوا المصارف ويخترعوا الآلات ، وإن يحاكوا الأمم الراقية في اللباس وطرائف الاجتماع والعادات ، ثم أنه جعل السبب الوحيد للتخلف والانحطاط وخزي الدنيا والآخرة وهو النفاق ، لا انعدام الأسباب التي تحسبها الدنيا أسباب التقدم والرقي.
ولكنك إن تفهمت روح القرآن وغصت معانيه السامية ، زال عنك هذا العجب ، فأقل ما يجب أن يفهم في هذا الصدد هو أن الشيء الذي يقال له «مسلما» لا قوام له بالإسلام ، ولا يتحقق وجوده من حيث أنه مسلم إلا بالإسلام ، فهو أن يؤمن برسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ويتبع القوانين التي أنزلت عليه بتحقيق إسلامه ، وإن كان يملك شيئا آخر ما عدا الإسلام ، وبالعكس من ذلك أن يكن متحليا بكل ما يعد من زينة الحياة الدنيا ولم يعمر قلبه الإيمان ولم تتصف حياته بإتباع قوانين الإسلام ، فإنه يمكنه أن يكون حائزا لدرجة أو طبيبا بشهادة أو مالكا لمصنع أو رئيسا لمصرف أو قائدا لجند أو أميرا للبحر ، ولكنه لا يمكن أن يكون مسلما ، لذلك لا يجوز أن يعد رقي ما رقي فرد مسلم أو أمة مسلمة ، ما لم تتحقق الحقيقة الإسلامية في ذلك الفرد أو الأمة ، وبدون هذا لن يكون ذلك الرقي رقي المسلم ، مهما كان عظيما ، وظاهر أن مثل هذا الرقي لا ينشده الإسلام ولا يطمح إليه ببصره .
ثم أنه قد يكون أن أمة ما ليست بمسلمة وقد أسس على غير الإسلام أفكارها وأخلاقا ونظامها الاجتماعي، هذه الأمة يمكنها ولا ريب أن تنهض بالمبادئ الخليقة والسياسية والاقتصادية والمدنية التي تختلف عن الإسلام ، ثم تبلغ أوج الرقي الذي تعده رقيا من وجهة نظرها ، ولكنه مما يغاير هذا ويختلف عنه البتة أن يكون أمة قد أسست أفكراها وأخلاقها ومدينتها واجتماعها وسياستها واقتصادها على الإسلام، ثم تكون ضعيفة في هذا الإسلام من ناحيتي العقيدة والعمل كليهما ، فمثل هذه الأمة هيأت لنفسها من أسباب الرقي المادي ، لا يمكنها البتة أن تنهض في الدنيا أمة قوية شديدة البأس ، غالبة على غيرها من الأمم ، وذلك بأن الذي عليه أسس  وجودها القومي وأخلاقها وحضارتها هو نفسه ضعيف واه ، وهي القاعدة والأساس هيهات أن تتلافاه الزينة والجمال الظاهر .
على أنه ليس المقصود بهذا كله أنا ننكر الأهمية الصحيحة للعلوم والفنون وأسباب الرقي المادي ، بل المقصود أن هذه كلها في الدرجة الثانية للأمة المسلمة ، يتقدمها كلها أحكام الأساس ، فإذا استحكم ، فلا حرج أن يتخذ من وسائل الرقي كل ما يلاءم هذا الأساس ، بل من الواجب أن تتخذ جميع تلك الوسائل ، ولكنه إذا كان الأصل بنفسه واهيا ، وكانت جذوره في سويداء النفوس ضعيفة ، وسيطرته على شؤون الحياة فاترة ، فلا بد من أن تنحل الأخلاق وتسوء سيرة الأفراد وتفسد المعاملات وتسترخي ضوابط النظام الاجتماعي وتتشتت القوى والكفاءات، ولا تكون نتيجة ذلك إلا أن تخور قوة الأمة وتشل كفتها في ميزان الأمم الدولية مع مضي الأيام ، فتغلب الأخرى عليها ، وفي هذه الحالة ليس يغني عنها شيء من كثرة الوسائل ووفرة الجامعيين الأفاضل والزينة والزخرفة الخارجية .
ثم هنالك ، فوق هذا كله ، أن كتاب الله يقول بكل ثقة : «أنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين» و«ألا إن حزب الله هم الغالبون» و«عد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض» فترى ماذا تستند إليه هذه الثقة ، وبناء على أي شيء ادعى القرآن أنه مهما كانت عليه أمم الأرض من الوسائل المادية ، سيغلبها المسلمون لا محالة بسلاح الإيمان والعمل الصالح وحده ؟ .
هذه العقيدة يحلها القرآن بنفسه ، فاسمعه يقول : «يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له ، إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا . وإن يسليهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ، وما قدروا الله حق قدره ، إن الله قوي عزيز» (الحج) . و«مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت» (العنكبوت) .
المقصود أن الذين يعتمدون على القوى المادية ، يعتمدون في الحقيقية على أشياء ليست لها في نفسها قوة، ومن نتيجة هذا الاعتماد على ما لا قوة له أنهم يعودون بأنفسهم لا قوة لهم ،وكل ما يبنون عند أنفسهم من حصون محكمة رصينة ، تكون واهنة كبيت العنكبوت ، وهم لا يستطيعون أبدا أن يكافحوا الذين يتقدمون باعتمادهم على الله ذي العزة والقدر الحقيقيين . «ومن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها» (البقرة).
ويتحدى القرآن أنه كلما التقى جمعان من أهل الإيمان وأهل الكفر ، كان الانتصار لأهل الإيمان لا محالة «ولو قاتلهم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا ، سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا» (الفتح) ، «سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا» (آل عمران) . وذلك بأن الذين يقاتلون عن الله تعالى يكون في عيونهم التأييد الإلهي، ومن كان معه التأييد الإلهي فلا يبدي لأحد بكفاحه «ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وإن الكافرين لا مولى لهم» (محمد) ، «وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى» (الأنفال) .
هذا من قوة المؤمن الصالح وأيده ، وبجانب ذلك إن من القانون الإلهي أن من كان نزيها محمود السيرة ، المنزل من عند الله تاركا وراء ظهره أهواءه ومآربه النفسية ، فإنه يتحبب إلى خلق الله ، فالقلوب تنجذب شوقا إليه ، والأنظار ترتفع بالتحية والاحترام،ويؤمن بصدقه أعداؤه فضلا عن أوليائه ، ويتقون بعدله وعفته ووفائه «إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمان ودا» (مريم)،"يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة"(ابراهيم)، "من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كونوا يعملون» (النحل) .
ولكن ، نتيجة أي شيء كل هذا ؟ ليس نتيجة أن يقول المرء كلمة «لا إله إلا الله» ويتسمى بأسماء المسلمين ، ويتبع بعض التقاليد المعلومة في المجتمع الإسلامي ، أو يؤدي بعض الشعائر، بل يشرط القرآن لظهور هذه النتائج الإيمان والعمل الصالح ، إنه يريد أن ترسخ حقيقة «لا إله إلا الله» في قلوبهم ونفوسهم رسوخا يجعلها غالبة على أفكاركم وتصوراتكم وأخلاقكم ومعاملاتكم ، تنطبع حياتكم بطابعها ، ولا يتسرب إلى أذهانكم معنى يختلف عن معاني هذه الكلمة ، ولا يصدر عنكم من عمل يخالف عن معاني هذه الكلمة ، ولا يصدر عنكم من عمل يخالف مقتضى هذه الكلمة .
فلتكن نتيجة التفوه بكلمة «لا إله إلا الله» أن يحصل مع ذلك انقلاب تام في حياتكم ، تسرى روح التقوى في عروقكم ، ولا تخضع رؤوسكم لأحد غير الله ولا تمتد أيديكم إلى أحد غير الله ، ولا تخشى نفوسكم ما سوى الله ، فلا يكون حبكم ولا بغضكم إلا الله وحده ، ولا ينفذ في حياتكم قانون غير قانون الله ، فتكنون مستعدين أبدا لبذل كل ما تحبون في سبيل رضا الله تعالى ، وإذا بلغكم أحكام الله ورسوله ، لم يكن عندكم بإزائهم إلا «سمعنا وأطعنا» قولا وفعلا . وإذا حصل كل ذلك فيكم ، لم تكن قوتكم قوة أنفسكم وأجسامكم وكفى ، بل كانت قوة أحكام الحاكمين الذي يسجد له ما في السماوات والأرض طوعا وكرها ، وتنور وجودكم بنور السماوات والأرض ، الذي هو المحبوب الحقيقي لجميع الخلقية .
كان هذا كله حاصلا في المسلمين على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين ، فكان من نتائجه ما قد شهد به سجل التاريخ ، كان ذاك العهد من قال فيه «لا إله إلا الله» تبدلت حياته غير الحياة ، يكون خاما فيصبح كالذهب المسبوك ، كل من يراه فكأنه رأى التقوى المجسم والصدق المتمثل ، يكون أميا فقيرا يعاني الفاقة ويلبس الخشن ويجلس على الحصير ، ولكن يكون من هيبته في القلوب ما لا يكون لذوي العظمة والأبهة من الملوك ، كأنه مصباح أينما ذهب ، اقتبس من نوره كثير من المصابيح ، ثم من نفر من هذا النور وتجرا على أن يزاحمه ويطفئه ، وجد في شعلته ما يحرقه ويفنيه .
مثل هذه القوة الإيمانية والسيرة الطيبة الصالحة ، كان يملكها المسلمون الذين انبروا للعرب كلها في ميدان الكفاح ، وهم لا يزيدون يومئذ على ثلاثمائة ونصف ، ولما بلغ عددهم بضعة ملايين ، خرجوا في الأرض يغزون الأمم ويفتحون الممالك ، وما زاحمهم في هذا الطريق قوة إلا كسروا شوكتنا وذللوها تذليلا .
فقوة المسلم الحقيقية ـ كما أسلفنا ـ هي الإيمان والسيرة الطيبة ، الناتجة عن رسوخ معاني كلمة «لا إله إلا الله» في القلب ، وإن لم تكن هذه المعاني راسخة في القلب ، بل نطق بها اللسان فحسب ، ولم ينشأ عنها انقلاب في ذهن المرء وفي أعماله وبقى الإنسان بعد نطقه بهذه الكلمة كما كان من قبل ، فلا فرق بينه وبين المنكرين لها من حيث الأخلاق والأعمال ، يطأطئ رأسه لغير الله كما يطأطئون ، ويستجدي غير الله كما يستجدون ، ويخاف ما سوى الله كما يفعلون ، ويبغي رضاه ويشغف به حبا ، ثم كان كمثلهم عبدا للهوى ، يجعل القانون الإلهي وراءه ظهريا ، ويتبع القوانين الوضعية أو يتبع أهواءه ، وتلتاث أفكاره وآماله ونباته مايلتاث به أفكار غير المؤمن بالله وآماله ، وتكون أقواله وأفعاله ومعاملاته كمثل ما يكون منها لغير المؤمن .
نقول إن كان هذا كله واقعا ، فقل لي بربك لماذا يفضل المسلم غير المسلم ؟ إنه إذا انعدمت روح الإيمان وروح التقوى ، فإن المسلم لبشر كغمر المسلم لا ميزة له عليه ، ولم تعد الموازنة بينهما إلا باعتبار القوة المادية والأسباب المادية ، والأقوى بهذا الاعتبار لا جرم أن يغلب الأضعف .
والفرق بين الحالتين واضح على صفحات التاريخ ن بحيث يدركه الناظر لأول نظرة فيها .
ففي الحالة الأولى : قامت ثلة من المسلمين ، فدكوا عروش الحكومات العظام ، ونشروا راية الإسلام على ما يمتد من شاطئ نهر (أتك) إلى سواحل الأطلانتيك .
وفي الأخرى : هاهم أولاء قد بلغوا آلاف الملايين على صفحة الأرض ، ولكنهم خاضعون لدول الكفر، ومن البلاد ما يعمره مئات الملايين منهم ، وقد مضى على وجودهم فيه قرون ، ولكن الكفر والشرك باق فيه نام بين أظهرهم .

 

 

 


 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here