islamaumaroc

الروايات التاريخية عن تأسيس سجلماسة وغانا -5- (تر.م.الحمداوي)

  دعوة الحق

124 العدد

منهج افتراضي للتاريخ القديم لسجلماسة وغانة:

 بعد أن شارك مدرار في ثورة وقعت في بعض الأماكن غير المعروفة لدينا،- (وربما كان ذلك في مملكة الكرامانتيين(1) أو في بعض الواحات الصحراوية الأخرى إلى جهة الشرق) فر إلى ناحية وادي زيز، وأصبح له تأثير على سكان هذه الناحية بسبب معرفته لاستخراج بعد معادن الخام وتحويلها إلى معادن صلبة، ثم صنع الأدوات النافعة من هذه المعادن، وبسبب إدخاله لبعض وسائل الري واستصلاح الأراضي الزراعية، ونشره لعباده الإله ذي الرأس الكبشي بين الأهالي، وهكذا تكون قد نشأت مدينة، وأصبحت مزدهرة بانتشار التجارة عبر الصحراء. وقد نستنتج من هذا أيضا أن مدرارا جلب معه شيئا من تجارب سكان أقاصي الناحية الشرقية من الصحراء اللذين اشتركوا معهم في تنظيم نقل البضائع عبر الصحراء نزلوا في الجبهة الجنوبية للعلم على تنظيم صفقات من الذهب وبعض البضائع الأخرى من هناك والرحلة بها إلى جهة الشمال، وبذلك استطاعوا أن يفرضوا زعامتهم على سكان سهول الصحراء، وبصفة تدريجية أصبح حكمهم نافذ المفعول على أراضي شاسعة من تلك النواحي، بحيث صار لهم من نفوذ السلطان، وكثرة المال ما استطاعوا أن يكونوا به مملكة تحت اسم (غانة)، ومهما يكن أصل العلاقة التي كانت تربط بين سجلماسة وغانة فإن بعد المسافة بينهما أعطى لكل منهما استقلالها الذاتي الحقيقي، ولمدة طويلة بقيت منهما استقلالها الذاتي الحقيقي، ولمدة طويلة بقيت هذه التجارة محمية بالصحراء نفسها حيث كانت هذه الصحراء الواسعة مستعصية عن أن يخترقها سكان الشمال او سكان الجنوب، وفي النهاية أصبحت غانة مغمورة بزنوج الشافانة، كما أصبحت سجلماسة مملكة بربرية. والمصادر التاريخية الأولى لكل من المدينتين تثبت أنهما كانتا معا محكومتين من الفاتحين، وهناك رواية واحدة مضطربة ومنحرفة هي التي احتفظت ببعض الإشارات إلى لحمة النسب القديمة التي كانت تربط كلا من المدينتين بالأخرى، على أن سجلماسة ربما كانت قبل كل هذه الأحداث فد مضت عليها قرون وهي تتجر مع القرطاجنيين، ثم مع تجار نواحي
إفريقيا الشمالية الرومانية، والمسيحية الدوتانوسية(2) ربما تكون قد دخلت إلى هذه النواحي في هذه الفترة، وحلت محل عبادة الإله الذي يشبه رأسه رأس الكبش، وأعيد بناء المدينة على نمط يقترب من النمط الروماني قليلا أو كثيرا، وربما استمرت تحت احتلال إحدى فرق الجيش الروماني لفترة من الزمان، وبانقطاع الإمدادات عن جيوشهم في هذه الناحية بسبب تقلص مملكتهم أصبح الرومانيون الذين كانوا قد تغلغلوا داخل هذه الأراضي مندمجين في سكانها، ورجعت دولة مدرار إلى الانكماش على نفسها، وبعد هذا بزمن توترت العلاقة إلى حين مع دولة غانا بسبب ثورة رعاياها، ولكن الدولة الجديدة أعادت العلاقة التجارية والدبلوماسية إلى سابق عهدها، وفي السنوات التي نلت هذا العهد مباشرة وصل جيش عربي إلى المغرب واحتله بأجمعه، ولم تستطع مملكة سجلماسة الصغيرة أن تقف في وجهه، وخضع سلطانها إلى موسى بن نصير وجنوده، غير أن ذلك لم يدم طويلا حيت استطاعت المملكة أن تسترجعه استقلالها في بضع سنوات، وحينئذ أعاد عيسى الذي يتحدث عنه المؤرخون من مؤرخي العرب بناء المدينة في شكل أقوى مما كانت عليه من قبل، ووصل المنتجعون من مكناسة إلى هذه النواحي حيث اقتبلوا كحلفاء ضد العرب، وبالرغم من أن هؤلاء المكناسيين قد تعهدوا بالولاء لسلطة مملكة الزنوج، فإنهم أقدموا على الإستيلاء على الحكم بمساعدة بعض البرابرة، والدين اتفقوا معهم في المذهب الديني، وقد زوج المغتصب السلطة ولده بفتاة من عائلة مدرار، و سمي ولد آخر باسم مدرار المؤسس للعائلة، ثم إن مدرارا الجديد هذا تزوج بفتاة من القبيلة، كما تزوج ببنت لملك مجاور، و كلتا الزوجتين ولدت أولادا، و وقع خصام بين أبناء الضرائر للاستيلاء على الحكم، و لكن السجلماسيين قصدوا ابن بنت قبيلتهم، و نجحوا في تنصيبه حاكما على رأس الدولة، و كان هذا في الوقت الذي أصبح فيه السكان السود منت بقايا مملكة الزنوج القديمة مبعدين عن الشؤون السياسية لسجلماسة، وبعد أن مضى جيل من الزمان على هذه الأحداث، هزم المكناسيون من قبل جماعة أخرى من برابرة زناتة، حيث تعاقبت على المدينة مرة أخرى سلسلة طويلة من حكام البرابرة المغيريين.
   وهكذا أصبح السكان الأصليون يرزحون تحت تقل هذه الغارات، وظلوا حينا من الزمان يعيشون كطبقة ثانوية أشبه بالعبيد منها بالأحرار. وقد كان لإحدى الغارات البربرية التي اكتسحت سجلماسة أثرها العميق في غانة، وتلك هي حركة المرابطين التي هاجمت غانة أولا؟ ثم رجعت جانبا واحتلت سجلماسة حيث ظلت تحت حكمها أربعة عشر سنة قبل أن تستولي على غانة، وكانت سجلماسة هي عاصمة المرابطين أولا، ولكنهم نقلوا العاصمة في الأخير إلى مدينة مراكش، وحولت التجارة من الجنوب إلى العاصمة الجديدة، وبهذا بدأت سجلماسة تتأخر تدريجيا، وبما أن المرابطين لم يكونوا قادرين على مراقبة جمع الذهب في الجنوب، فإن هذه التجارة قد رجعت إلى الأيدي التي حذفتها أحسن، وبذلك استعادت غانة نشاطها من جديد، ولكنها حلما أصبحت محكومة من قبل إحدى حكومات عبيدها ومواليها، وهي ملي، وبهذه الحكومة التي أسست نظم الحكم على أساي التعاليم الإسلامية ظهرت صورة جديدة للتاريخ السوداني.
السؤال الأخيرربما تكون قد استطعنا أن ننمي فهمنا للمسألة بهذه الطريقة، غير أن ما استطعنا أن نظهره من بعض الحقائق المضبوطة ليس إلا شيئا قليلا بالنسبة إلى المجهود المبذول، وربما كان ذلك ناتجا عن تعقد المشكلة، وأن كل المقررات التي نحصل عليها من مثل هذا النوع من مادة البحث ينبغي أن تعتبر من قبيل الفرضيات، غير أن الفرضيات هي دائما أهم وسائلنا وحوافزنا المنشطة في طريق البحث العلمي، فما هي الوسيلة التي يمكن أن تختبر بها هذه الفرضيات؟ إن الأجوبة على ما يظهر ليست في باطن الكتب، قد يكون في استطاعتنا أن نقف على مخطوطات لا تزال مجهولة لدينا، أو نجمع معلومات
جديدة من مصادر قديمة، ولكن وسائل التحقيق التي لا تقبل الشك تعوزنا مع ذلك، ذلك أن هذه لا توجد إلا في الأثريات، وإذا كانت الأثريات لا تستطيع أن تمدنا بالأجوبة على ما تضعه علينا أقل تفاصيل الروايات التاريخية، فإنها ولاشك تستطيع أن تثبت أو تنفي التأثير الروماني أو المصري، إن موقف سجلماسة معروف، ولكن  التنقيب لم تصله، وأن أحد أسباب عدم الاعتناء بالتنقيب عن الآثار في خرائب سجلماسة وهو ولا شك يكمن في الاعتقاد ليست أقدم من التاريخ الإسلامي، على أن احتمال وجودها في زمن أقدم من ذلك فإن موقع غاية غير معروف ولكن المنقبين عن الآثار يعتقدون أن قومبى صلاح هو موقع المملكة القديمة، ومع ذلك فإنهم لا زالوا لم يحرزوا على أي شيء لما قبل تاريخ الإسلام، كما أن هوية الموقع لا تزال كذلك غير معينة، وأن التنقيب المستمر سيزودنا بأحسن القواعد التي تمكننا من أن نقرر ما إذا كانت (فومبى) تشير في الواقع إلى شيء مما تحتوي عليه النصوص الغربية، ولو قدر أن اكتشفت بعض منتجات الإنسان في أقدم دولة لغانة، فإن أعمال التنقيب في سجلماسة ربما تكون حينئذ ذات فائدة، ليس فقط لفائدة سجلماسة وحدها. ولكن كذلك لتزيدنا من فهمنا للعلاقة التجارية التي كانت لها مع زميلتها التجارية في الجنوب، بل أكثر أعمية مثلك تنير السبيل لفهم العلاقة التي كذلك لسلجلماسة مع بعض شعوب البحر الأبيض المتوسط، وهي شعوب أسست قواعد كتابة تاريخها على أساس علمي ومضبوط، وأن ذلك ربما يؤكد كتابة تاريخ السودان ذات الصلة ببعض التوريخات التي لا تقبل الشك.


 

 

1 -  الكرامانيون « Caramantes » قبائل قديمة كانت تسكن إقليم قزان في  عهود الألف سنة قبل ميلاد المسيح، وقد ذكر المؤرخ اليوناني هبردوتس أخبارهم.
 2-  المسيحيون الدوناستيون « Dantists» هم أتباع دوناتوس أسقف طرجاجنة في أوائل القرن الرابع، وهو الذي دعا إلى الخروج على رجال الكنيسة الكاثوليكية حيث أتهمهم بالضعف أمام الاضطهاد الوثني الذي قام أباطرة الرومان ضد المسيحيين في ذلك الوقت.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here