islamaumaroc

الأسرار الصوفية ومواقف ابن عربي من علماء أهل الظاهر

  دعوة الحق

124 العدد


   كثيرا ما يشير ابن عربي إلى أن هناك أسرارا اختص الله بها أهل الطريق من الصوفية، وأن من واجب هؤلاء أن يكتموها عمن ليس من طائفتهم، أي عن علماء الظاهر من الفقهاء، وهم الذين يطلق عليهم ابن عربي اسم علماء الرسوم. كذلك نجده : عند حديثه عن هذا الأسرار، يفخر كلا من علماء الظاهر والفلاسفة في طريقه، وربما كان مسلكه من الفقهاء، أو علماء الرسوم، أشد عنفا منه تجاه الفلاسفة، مع أنه يصف نفسه أحيانا كثيرة، بأنه شديد الرفق بالخلق. لكنه يرى مع ذلك «إن أكثر علماء الرسوم عدموا ذلك (معرفة أسرار التجليات الإلهية) ذوقا وشربا. فأنكروا هذا من العارفين حدا من عند أنفسهم . . ومنعهم الحد أن يعلموا أن ذلك رد على كتاب الله وتحجير على رحمة الله أن تنال بعض أهل الله».
  ولا يكتفي ابن عربي بالحملة على الفقهاء وإظهار سخطه عليهم، بل يلحق بهم فريقا من العامة المقلدين لهم. وثمة أمر آخر قد تكون له دلالة خاصة، وهو فيقول أن الملوك حلفاء للفقهاء الذين ينكرون على الصوفية ما تنسبه من معرفة لدنية اختصهما الله بها. وهو يحمل الملوك مسؤولية مساندة الفقهاء في تشددهم وإنكارهم على الصوفية فيقول : «وأما الملوك فالغالب عليهم عدم الوصول لمشاهدة هذه الحقائق لشغلهم بما دفعوا إليه، فساعدوا علماء الرسوم فيما ذهبوا إليه، إلا القليل منهم» وهذا القليل من الملوك هم الذين فظنوا، في رأي ابن عربي، إلى ما عليه الفقهاء من الانكباب على جمع طعام الدنيا مع أنهم ليسوا في حاجة إليه، ومن النفاق والرغبة في تحصيل الجاه مما يدفعهم إلى ممالاة الملوك ومداهنتهم في تحقيق أعراضهم، بل يذهب ابن عربي إلى حد اتهامهم بقلة الورع ومسخ الشريعة تقريبا إلى الملوك ويستشهد لذلك بقصة رواها له الملك الظاهر بن صلاح الدين الأيوبي عن أفضل الفقهاء عنده من أنه أفتاه أنه لا يجب عليه صيام شهر رمضان بعينه، بل له أن يختار أي شهر آخر من شهور السنة.(1)
  وربما أمكن تفسير عنف ابن عربي في الحظ من شأن الفقهاء المعاصرين له إما بسبب حدة الصراع بين الفقهاء المعاصرين له أما بسبب حدة الصراع بين الفقهاء والصوفية في عصره، وأما بسبب ما لقيه هو من بعض هؤلاء عندنا نسبوه إلى الكفر والزندقة، وعندما حاول بعضهم الإيقاع به لدى أمير مصر حين مر بها في طريقه إلى المشرق. وأيا كانت حقيقة السبب في هذا العداء المتبادل بينه وبين الفقهاء، فإنه يؤكد لنا أن أهل الحقيقة، وهم الصوفية ضحية هذا التحالف بين علماء الدين الرسميين وبين بعض الملوك. وبقدر ما يحاول النيل من الفقهاء، نجده يمجد أهل الطريق إلى حد أنه يشبههم برسول «كذبه قومه وما آمن به واحد منهم . . فانظر ما يقاسيه في نفسه العالم بالله.
  فسبحان من أعمى أبصارهم . . . فالله يجعلنا ممن عرف الرجال بالحق لا الحق بالرجال».
هذا ويعتقد ابن عربي أن علماء الظاهر هم أشد خلق الله على الأولياء وعلى العارفين بالله عن طريق العلم اللدني أو عن طريق الوهب الألهي. إن هؤلاء هم الذين كشف لهم الحق عن أسراره في خلقه وهداهم إلى فهم معاني كتابه وتأويل آياته. أما أهل الظاهر فهم، عنده، أهل طغيان وهم بمنزلة الفراعنة من الرسل.
  وهو يتهمهم بأنهم لم يفطنوا إلى أن لكل آية من آيات القرآن وجهين ظاهرا وباطنا، وأنهم وقفوا عند الظاهر وأنكروا على الصوفية إلى ستر الباطن والاكتفاء بالإشارة إليه حتى لا ينفر منهم الفقيه. ثم أن الصوفية لا يصرحون بهذا الباطن على أنه تفسير الآية «وذلك اتقاء لشره (الفقيه) ودفعا لتشنيعه، ورميه أياهم بالكفر. وإنما اضطر أهل الله إلى استخدام الإشارة لعلمهم بجهل الفقهاء بمواقع خطاب الحق ؟»
  كذلك يصفهم بأنهم يعيدون عن الإنصاف. فإنهم لو نظروا إلى أنفسهم لوجدوا أنهم يتفاوتون في فهم الآية الواحدة في الوقت الذي يجدونها جميعا على ظاهرها. فهم يعترفون بهذا التفاضل فيما بينهم، لكنهم ينكرون على أهل الحق «إذا جاءوا بشيء مما يغمض عن إدراكهم، وذلك لأنهم يعتقدون أنهم ليسوا بعلماء وأن العلم لا يحصل إلا بالعلم المعتاد في العرف». وهنا نجد ابن عربي يقابل بين علمين، علم الفقهاء وعلم الصوفية. فالعلم الصحيح عنده ليس إلا فهم الصوفية أو تأويلهم للقرءان. أما العلم الآخر وهو علم الفقهاء لهو علم الورق، أي العلم الذي يأخذونه عن الأموات. في حين أن أهل الحق يأخذون علمهم، في نظر ابن عربي، وراثة عن الرسول أو عن الحق نفسه. فهو يذكر في بدء كتابه «فصوص الحكم» أن الرسول صلى الله عليه وسلم أعطاه هذا الكتاب، وكذا الأمر في «الفتوحات المكية». وعندئذ يتساءل فيقول : فمن أين لأصحاب الظاهر أن يضعوا أنفسهم في مرتبة أولياء الله؟ وتكشف عبارته هذه عن زراية بالغة بالفقهاء وعن تبرير التأويل الذي يرى الصوفية أن من واجبهم الاحتفاظ به سرا. فلا يطلعون عليه أحدا، إلا إذا كان من أهله.
  وتمتاز كتابات ابن عربي بالألغاز والتعمية إلى أكبر حد. ومهما يكن من طبيعة الدوافع التي أملت عليه هذا الكتمان الشديد فإن للمرء أن يتساءل : وما عسى أن ينتهي إليه الأمر إذا فتح باب التأويل للقرءان وللكتب السماوية الأخرى على مصراعيه بحيث يكون للتأويل تأويل وهكذا دواليك، كما يشير إليه ابن عربي في مواطن متفرقة من كتبه؟ وربما جال في خاطر المرء أن هذا التعليم الإلهي، الذي اختص به الله العارفين من عباده، قد يشعر بأن الوحي لم ينقطع بموت الرسول، بل لا يزال مستمرا، وبأن الإلهام الصوفي لا يخضع لقاعدة دقيقة من الآيات الظاهرة التي لا تحتمل تأويلا. وما يبرز هذا الخاطر أن ابن عربي يؤكد لنا أن كل آية من آيات الكتاب العزيز لها وجهان، أي أن القرءان بأسره هو موضوع للتأويل عند أهل العرفان. ثم إنه تأويل لا يصرح به، بل يرمز إليه حتى لا يتسرب إلى غير أهله. وفكرة استمرار الوحي التي أشرنا غليها ليست مجرد ظن أو خاطر يعرض، بل نجدها واضحة في نصوص كثيرة لدى محبي الدين بن عربي، فهو يقول : «إن الرسل لم يقولوا شيئا من عند أنفسهم، بل جاءت به من عند الله، كما قال تعالى : «تنزيل من حكيم حميد». . وإذا كان الأصل المتكلم فيه من عند الله، لا من فكر الإنسان ورويته، وعلماء الرسوم يعلمون بذلك، فينبغي أن يكون أهل الله العالمون به أحق بشرحه، وبيان ما أنزل الله فيه من علماء الرسوم، فيكون شرحه أيضا تنزيلا من عند الله على قلوب أهل الله كما كان الأصل» وهذا مبدأ له خطورته في نظرنا، وهو قريب الشبه بما يذهب إليه بعض طوائف المسيحية من استمرار نزول الوحي الإلهي على قلوب رؤساء الكنيسة ممن يصفون أنفسهم، ويصنفهم اتباعهم، بأنهم معصومون. هذا إلى أن فكرة العصمة أو الحفظ توجد لدى المتصوفة.
  ولا بأس في نظر ابن عربي من أن يحتفظ أهل الطريقة بأسرار العرفان لأنفسهم، ولو وجب أن يذلوا رقابهم لأهل الظاهر، تقية. فإن الله «قد جعل لهم الدولة في الحياة الدنيا . . وأعطاهم التحكم في الخلق وألحقهم بالذين يعملون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون، وهم في إنكارهم على أهل الله يحسبون أنهم يحسنون صنعا» وهذا هو السبب الذي دعا الصوفية إلى صون أنفسهم بتسمية الحقائق الإلهية إشارات. وذلك لأن علماء الظاهر لا ينكرون الإشارات وأيا كان الأمر، فإن
الصوفي أو العارف لا يبوح بما ينقدح في خاطره أو بما ينزل به الروح الأمين على قلبه، على حد تعبير مفضل لدى ابن عربي، بل يلجأ عادة إلى استخدام الإشارة والرمز إذا كان في مجلسه من ليس من اتباع الطريقة. ثم يقول ابن عربي أن الرسول عليه السلام استخدم الإشارة عندما جاءه رجل من المشركين يسمى سهيلا، فقال سهل الأمر، فكان الأمر كما قال به الرسول. ولما رأى أهل الله أن الرسول اعتبر الإشارة «استعملوها فيما بينهم، ولكنهم بينوا معناها ومحلها ووقتها، فلا يستعملونها فيما بينهم ولا في أنفسهم إلا عند مجالسة من ليس من جنسهم أو لأمر يقوم في نفوسهم» وهكذا فهم يصطلحون على ألفاظ لا يعرفها أحد سواهم، وأسلوبهم في ذلك شبيه بأسلوب العرب في استخدام الرمز والاستعارة. وإنما اصطنعوا هذه اللغة الرمزية لكي يفهم بعضهم عن بعض.
  وعجيب أن يحرص ابن عربي هذا الحرص كله على كتمان ما يفيض به الروح الأمين على قلبه من أسرار ألهية. وماذا عسى أن يكون لو أنه صرح بما ينفثه هذا الروح في روعة بلغة واضحة بعيدة عن هذا الألغاز الذي يصفه هو فيقول «ولقد ألفت كتابا في ذلك، البصير فيه أعمى فما بالك بالأعمى»؟ وأظنه يعني كتاب «التنزلات الموصلية» الذي يسمى أيضا بلطائف الأسرار. نقول : كيف يكتم هذا العلم الرباني والرسول صلى عليه وسلم لم يكتم شيئا مما نزل به عليه جبريل عليه السلام؟ وفي مواضع مختلفة يشير ابن عربي من طرف بعيد إلى إحدى حقائق الكشف عنده، ثم يتوقف خشية أن يكشف عن سره ويقول : فأفهم إن كنت من أهل الفطنة. كما أنه يقترب كل الاقتراب حتى ليظن أنه سيصرح بره، ثم يستدرك، فيقول : أن تفصيل الأمر في ذلك لا يكون إلا شفاها.
ومع أنه شديد الغيرة على كتمان أسرار «الصوفية فإنه يقطع طريق الأمل أمام أحد، إذ نجده يقول في أحد كتبه " فأنا الآن أبدي، وأعرض تارة، وإياك أعني فاسمعي يا جارة. وكيف أبوح بسر، وأبدي مكنون أمر، وأنا الموصي بها غيري في غير موضع من نظمي ونثري؟ نبه على السر ولا تفشه. فاصبر له، واكتمه حتى يصل الوقت. فمن كان ذا قلب وفطنة، شغله طلب الحكمة عن البطنة، فوقف على ما مزناه، وفك المعمى الذي الغزناه . ولولا الأمر الإلهي لشاهقنا به الوارد والصادر، وجعلناه فوت المقيم وزاد المسافر ولكن جف القلم بما سبق في القدم ...»
  بيد أن هذا السر لم يشأ أن يفصح عنه خشية أهل الظاهر، والذي عمى عنه هؤلاء ومعهم فلاسفة عصره، يكاد يكون الشفافية بعينها لدى أصحاب ابن عربي ممن هم من أهل طريقته. فإذا خلوا بأبناء طريقتهم تكلموا في هذا الأمر ونصوا عليه نصا صريحا. أما «. . إذا حضر معهم من ليس منهم تكلموا بينهم بالألفاظ التي اصطلحوا عليها، فلا يعرف الجليس الأجنبي ما هم عليه، ولا ما يقولونه».
وهو يرى أن هذه الطريقة تختص بأمر عجيب لا يوجد إلا فيها. ذلك أن الطوائف الأخرى من علماء المنطق والحساب والهندسة أو علماء الكلام والنحو والفلاسفة تختص كل طائفة منها بمجموعة من المصطلحات لا يعرفها من يريد الانتماء إليها إلا إذا علمه الأستاذ فيها مصطلحات هذا العلم وموضوعاته بالتدريج، وكشف له عن أسراره مرحلة بعد أخرى. لكن الأمر مختلف عند الصوفية. ذلك أن المريد الصادق «إذا فتح الله له عين فهمه، وأخذ عن ربه في أول ذوقه. وما يكون عنده خبر بما اصطلحوا عليه، ولم يعلم أن قوما من أهل الله اصطلحوا على ألفاظ مخصوصة، فإذا قعد معهم، وتكلموا باصطلاحهم على تلك الألفاظ التي لا يعرفها سواهم، فهم هذا المريد جميع ما يتكلمون به، حتى كأنه الواضع لذلك الاصطلاح، ويشاركهم في الكلام بها معهم، ولا يستغرب ذلك من نفسه، بل يجد علم ذلك ضروريا، لا يقدر على دفعه، وكأنه مازال يعلمه، ولا يدري كيف حصل له».
وأخيرا يخبرنا ابن عربي بأسلوب التلويح أن الصوفية ليسوا من الباطنية، على عكس ما ذهب إليه معاصره الفيلسوف أبو الوليد بن رشد. ذلك أن الصوفية في نظر ابن عربي هم هؤلاء الذين عبدوا الله ظاهرا وباطنا» ففازوا حين خسر الأكثرون، ونبغت طائفة ضلت وأضلت فأخذت الأحكام الشرعية وصرفتها في بواطنهم، وما تركت من حكم الشريعة في الظاهر شيئا، تسمى الباطنية، وهم في ذلك على مذاهب مختلفة».
  ومع ذلك فإننا نتساءل مرة أخرى، وفيم هذا الكتمان المفرط إذا كانت الرموز دليل صدق؟ إن ابن عربي يفسر لنا سر هذا الكتمان عن أهل الظاهر فيقول : 
                  إلا أن الرموز دليل صــدق 
                                     والغــاز ليـدعــى بالعـــاد 
                  ولولا اللغز كان القول كفرا 
                                     وادي العالمين إلى الفسـاد 
                  فهم بالرمز، قد حسبوا فقالوا 
                                     بإهـراق الدمــاء وبالفســاد
                  كيف بنا لـو أن الأمــر يبــدو 
                                     بلا ستر يكون له استنــادي 
                  لقــام بنــا الشقــاء هنـا يقينـا 
                                     وعند البعث في يوم التنادي 
                  ولكــن الغفــور أقــام ستــرا
                                     ليسعدنا على رغم الأعـادي

  إنه يتخذه الفقهاء من أهل الظاهر أعداء له، لكن الإمام الغزالي كان أكثر تسامحا منه مع خصومه، رغم تمجيده للتصوف، لأن الجميع أهل قبلة واحدة. ويمكن تفسير ذلك بأن الغزالي كان رفيقا بالخلق سواء أكانوا من الفقهاء، أم من العامة، أما موقف ابن عربي من الفقهاء وعلماء الكلام واتباعهم فموقف آخر.

 

 

 

  (1)- الفتوحات المكية 3/69 وكتابنا الخيال في مذهب ابن عربي. نشر معهد الدراسات العربية بالجامعة العربية 1969.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here