islamaumaroc

[كتاب] أوصاف الناس في التواريخ والصلات، للوزير لسان الدين بن الخطيب -2-

  دعوة الحق

124 العدد

ومن ذلك في وصف :
 6- أبي البركات البلفيقي(1)
واحد الفئة، وصدر صدور هذه المائة. ورجل الحقيقة وابن رجالها، وعلم هذه الطريقة وفارس مجالها. وتحفة الدهر التي يقل لها الكفاءة، وبقية السلف التي يقال عندها :« على آثار من ذهب العفاء».
ما شئت من شرف زاحم الثريا بمناكبه، ومجد خفقت بنود العلم فوق مواكبه. وحسب توارثه الكابر عن الكابر، وأصالة تأصلت أرواحها بين بطولة المحاريب وظهور المنابر ونشأة سحبت من العفاف ذيلا. وغضت الطرف حتى عن الطيف ليلا. ومعرفة لا تأجل لجها، ولا تراجع صحبها. ونغمة في تلاوة القرءان، يخر لها الناس على الأذقان.
ولما أمعن في المعارف كل الإمعان، و «منهومان- كما قال عليه السلام- لا يشبعان»، تشوف إلى الرحلة عن بلاده، وزهد في طريفه وتلادة. فأخذ الحديث عن أهله، وذهب من العلم في حزنه وسهلة. وبلغ الغاية حتى حط رحله ببجاية(2) وبها علم الدين وناصره(3)، و (74 : ب) وروض العلم الذي أخصب جانبه وخاصره، ففاز بلقائه، ونهل من سقائه، وصرف فهمه الثاقب إلى إلقائه. فحصل واستفاد، واقتنى من كنوز رحلته ما لا يخاف عليه النفاذ.
قدم على قذارة مجده، قدوم النسيم الحجازي من نجده. فأشارت إليه الأحداق، واشرأبت إلى طلوعه الأعناق. ولم تزل بدائعه تتقلدها الصدور، ومحاسنه تغار منها الشموس والبدور، والسعادة توافيه، والخطط الشرعية تتنافس فيه، وخطبته الآن خطابة قطره، وهو كفؤها وابن اكفائها، ومحيي رسومها بعد إعفائها، فتلقى رايتها بيمينه، واستحقها أسفله وعلمه ودينه.
ومن ذلك في وصف :

7- أبي جعفر ابن خميس
 فربع بيت صلاح وعبادة، ورضيع ثدى دين وسجادة. كان بالخضراء (4) بلده –رحمه الله- صدر صدورها، وواسطة شذورها، وخطيب حفلها، وأمام فرضها ونفلها، وباشر حصارها، وعانى – على العصور- إعصارها.
(75 :أ) وله دعاء مستجاب، وخواطر ليس بينها وبين الحق حجاب. وبركة تظهر عليه سيماها، وديانة لا تعرف الشبهات حماها. وبلاغة لا يشح ينبوعها.و تقفر من المعاني ربوعها. يدعو الفقر(5)  فيذعن عاصيها، وينزل عصم المعاني من صياصيها.
وقضى –رحمه الله- فتغير ذلك القطر(6) لذهابه، وأظلم ذلك الأفق لأفول شهابه.
ومن ذلك في وصف :

8- أبي زكريا ابن السراج .
حامل فنون جمة، وصاحب نفس بمعادها مهمته، شمر في زمن الشبيبة عن ساقه، واجتنى تمرة العلم من بين أوراقه، وجمع الكثير من مختلفاته على بعد شامه من عراقه. حتى أنفسح في المعرفة مجاله، وشهدت له بالإجادة شيوخه ورجاله. وهو الآن خطيب معقل الجبل(7) -حرسه الله- على طريقة غريبة، وحالة من الله قريبة؛ ملازم لظل جداره، منقبض في ركن داره، ذو همة يحسدها (75 : ب) النجم على بعد مداره، ورفعة مقداره.
لقيته والحال سقيمة، والمجلة – بظاهر جبل الفتح – مقيمة (8)، والعدو في العدوان متبصر، والردى محلق وحزب الهدى مقصر(9). فرأيت رجلا بادي السكينة والوقار، ناظرا لدينا بعين الاحتقار، زاهدا في المال والعقار، صاحب دمعة مجيبة، ومجالسة عجيبة. فكان لقاؤه فائدة الرحلة العظيمة العنا (10) وموجبا لها حسن الثنا. وله قسم من البلاغة وافر، وقسام في البيان وافر، رحمة الله عليه.
ومن ذلك في وصف :

9- أبي جعفر ابن أبي خالد. رحمه الله
سابق لا تدرك غايته، وبطل لا تحجم رايته، وبليغ تزري بالإفصاح كنايته. وطلع بذلك الأفق ونجم، وكاب عارض بيانه وسجم، وعجم من عود البلاغة ما عجم، فأطاعته القوافي والأسجاع، وأداه إلى روض الإجادة والانتجاع. ولم يزل يشحد قريحته الوقادة ويستدعيها، (76 : أ) ويسمع الحكم ويعيها، حتى  توفرت في البراعة أقسامه، وطبق مفاصل الخطاب حسامه. فطرز المهارق ووشاها، وفضح أسرار البلاغة وأفشاها، وأتى من الرسائل بالآتي السائل. إلى الدين الذي لا تغمر فناته، والخلق الذي يرضى الله حلمه وأناته.
وهذا الخطيب وابن عمه (11) فرسا رهان، ومقدمتها برهان، وعلما بيان، ورضيعا لبان. لكن النثر أغلب على لسانه، والخطابة أعرق نسب إحسانه.
ومن ذلك في وصف :

10- أبي سعيد ابن لب (12)
سابق ركض ملء عناته، وشارق طلع في أفق أوانه. أورى له زند الذكاء اقتراحا، وأجال في كل فن قداحا، فجلى في ميدان الإجادة وبرز، وطرر المجالس وطرز. فإن نقل أوضح العبارة وصقل، وأن نظر وبحث نشر رمم المعاني وإ...، وأن بين وعلم أفر له المنازع وسلم.
إلى خلق أطيب من الراح، وأصفى من الماء القراح. وله في فرضية الأدب سهم، وفي معاناة المعاني تحقيق لا يدخله وهم. (76 : ب) وتقدم للخطابة ببعض أرباض الحضرة فوفى الرتبة حقها، وسلك من الديانة طوقها.
ومن ذلك في وصف :

11- أبي يزيد خالد ابن أي خالد
أمام بادية، وضارع بذكر الله في كل رائحة وغادية، أنس بالوحدة والانقطاع، وتعلل بقليل من المتاع، وانقبض وتقشف، وقبل ثغر الحقيقة وترشف. وأكرم به من مجموع خصل، وضارب في هدفف القبول بنصل. إلى أخلاق بينة الحلاوة، ونغمة طيبة عند التلاوة، وأدب عطر الجريال، موشى الطرر والأذيال.
ومن ذلك في وصف :

12- أبي عبد الله اليتيم
مجموع أدوات حسان، من خط ونغمة ولسان، أخلاقه روض تتضوع نسماته، وبشرة صبح تتألق قسماته ولا تخفى سماته. يقرطس أغراض الدعاية ويصميها، ويفوق قصيدة هازلة، أو أبيان عن الإجادة نازلة، (77 : أ) ........(13) سمر الندمان وأضحوكة الزمان.
وهو الآن خطيب المسجد الأعلى من مالقة منحل وسكينة، حال من أهلها بمكانة مكينة؛ لسهولة جانبه، واتضاح مقاصده في الخير ومذاهبه. واستقل لأول أمره بالتعليم والتكتيب، وبلغ الغاية في الوقار والترتيب، فالشباب لم ينصل خطابه، ولا سنت للمشيب عصابه. ونفسه بالمحاسن كلفة صبة وشأنه كله هدى ومحبة.
ومن ذلك في وصف :

13- أبي عبد الله الخريرز الخياط حرفة .
أديب على السنن سالك، وبليغ لزمام القول مالك. –رحمه الله- خطيبا بثغر «وبرة»، تولى الله جبره، وأعاد إلى ملكة الإسلام أمره. على طريقة مثلى، وسيرة فضلها يتلى. أخذ في فنونه، ومحاضر من الأدب بعيونه. وكان رصاي الانتحال والحرفة، وكم بين الراح المشوبة والصرفة. ولم أظفر من نظمه – على كثرته، وتألق أسرته- إلا بأبيات، نسبها إليه بعض (77 : ب) أصحابه المعنيين ينقل آدابه.
                                                                 (يتبع)
       
(1) - هو قاضي الجماعة الشيخ محمد بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن خلف السلمي أبو البركات بن الحاج البلفيقي، والنسبة إلى « بلفيق» حصن بأحواز  مدينة المرية جنوب شرق الأندلس. يتصل نسبه بحارثة بن العباس بن مرداس، نشأ بالمرية منزويا متعبدا، عبر البحر الأبيض المتوسط إلى بجاية، حيث التقى بالعلماء من معاصريه، فأخذ عنهم، ولاسيما  أستاذ العصر أبا منصور بن أحمد بن عبد الحق المزالي، ثم تحول إلى مراكش ونواحيها، ثم أقام فترة بسبتة، وأخيرا عاد إلى الأندلس، فاشتغل بالتدريس والقضاء والخطابة بادىء الأمر بمدينة مالقة أوائل عام 735هـ (سبتمبر 1334-20 أغسطس 2335م)، ثم تولى القضاء في بلاد أخرى، حتى نقل إلى غرناطة قاضيا للجماعة في 23 شعبان عام 747هـ (6 فبراير 1347م) ثم أعيد إلى العاصمة مرة أخرى في أواخر رجب 756هـ (أغسطس 1356م)، وخلال هذه الفترة كثيرا ما انتدبه السلطان أبو الحجاج يوسف الأول سفيرا إلى معاصريه من الملوك المسلمين، ولابن الحجاج مؤلفات عديدة، ولكن معظمها غير تام أو غير منقح في مبيضات، كما روى عن نفسه، حيث جاء في « الإحاطة» قوله معلل ذلك:« وقد ذهب شرخ الشباب ونشاطه، وتقطعت أوصاله ووصل رباطه، وأصبحت النفس تنظر في هذا كله بعين الإهمال والإغفال، وقلة المبالاة التي لا يصل بها أحد إلى منازل الرجال. وهذه الأعمال لا ينشط إليها إلا المحركات التي هي مقصودة عندي» وها يمضي في سرد الدوافع المفقودة عنده لإبراز مؤلفاته إلى عالم الوجود، ولعل الأحداث التي عاصرها وما لبسه منها قد أملت عليه هذا الاتجاه في السلبية. ولابن الحاج القصائد المطولة، لضمها في أكثر من عرض، وخاصة في الوعظ والإرشاد، كما أن له باعا في النثر. وقد استقر مقام القاضي مؤخرا بمدينة المرية قاضيا بها وخطيبا، حتى وافته منيته شهر رمضان من عام 773هـ (ديسمبر 1372- يناير 1373م) حيث دفن بنفس المدينة.
راجع : «الإحاطة» ج 2 ص 102-106، و «تاريخ قضاة الأندلس» للتباهي ص 165 ثم «يوسف الأول ابن الأحمر سلطان غرناطة» للدكتور شبانه ص 79-82 نشر : لجنة البيان العربي بالقاهرة 1969م.
(2) - بجاية : بكسر الباء وتخفيف الجيم، مدينة على ساحل البحر الأبيض المتوسط بين إفريقية والمغرب اختطها الناصر بن عثمان بن حماد بن زيري بن مناد بن بلكين عام 457هـ (منتصف القرن الحادي عشر الميلادي) وتسمى الناصرية، نسبة إلى مؤسسها. كانت ميناء هاما للقوافل البحرية والتجارية وهي اليوم إحدى المدن الجزائرية الساحلية المعروفة.
راجع : «كناسة الدكان، بعد انتقال السكان» لوزير لسان الدين ابن الخطيب، تحقيق د. شبانه ص 79 هامش 2 نشر دار الكاتب العربي بالقاهرة عام 1969.
(3) - يقصد به استاذ العصر أبا علي منصور المشدالي، والمشار إليه في التعليقات السابقة.
(4) - هي «الجزيرة الخضراء» وتعرف اليوم في الإسبانية باسم
(5) - فقر : بكسر ففتح كغبر، والفرد : فقرة بفتح فسكون كعبرة.
(6) - يعني بالقطر : الأندلس .
(7) - يعني به : جبل طارق.
(8) يرمي بذلك إلى الحملة التي قادها الفونسو الحادي عشر القشتالي، حين جبل طارق الذي كان ممتنعا بحماية مغربية قوية، واشتد الحصار يوما بعد يوم، وجاء يوسف الأول ابن الأحمر سلطان غرناطة فرابط بجيشه خلف جيش النصارى، وليث الوضع الحربي تجاه الجبل على هذه الحالة، حتى انقضى عام كامل على هذا الحصار. ثم يتدخل القدر لصالح المسلمين، ذلك أن الوباء قد تفشى بني جنود النصارى، وقضى على ملك قشتالة في مقدمة من قضى عليهم من جيشه، الأمر الذي اضطر الأعداء إلى فك الحصار، فكان هذا بشارة بخلاص الجبل والمدافعين عنه من الداخل والخارج، وذلك في ليلة عاشوراء من عام 751هـ (26 مارس 1350) راجع : : مخطوط «الإحاطة» الاسكوريال 1673 ج 2 ص 382 وما بعدها.
(9) - تورية لطيفة في ثوب من تعبير به إشارات إلى بعض مناسك الحج.
(10) - يشير ابن الخطيب بهذا إلى أنه كان ضمن حاشية السلطان في ذلك الحصار.
(11) - لم يفصح المؤلف عن اسم هذا القريب، وربما ترجم له من بعد.
(12) - اسمه فرح، من أعلام الأندلسيين، ولد عام 70 هـ (1300م) وتوفي عام 782ه، (1381م) وهو من أشهر أساتذة مدرسة غرناطة أنشأها السلطان أبو الحجاج يوسف الأول، على يد حاجية أبي النعيم رضوان النصري عام 750 هـ (1349 م).
(13) - محو المخطوط المعتمد للتحقيق، وساقط من بقية النسخ.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here