islamaumaroc

حول أزمة الفكر العربي الحديث

  دعوة الحق

124 العدد

  لا سبيل إلى التحدث عن (أزمة فكر) إلا بتوافر عدة شروط منها: أن يتعرض هذا الفكر لهزة عنيفة تحمله على إعادة النظر في قيمه، وتفسيره للظواهر التي تحيط به، فلا أزمة مع الاستكانة والتقولب ضمن قوالب صلبة جامدة لا تلين ولا تنكيف مع تطور الفكر العالمي، وما جد من طرف الدراسة والبحث، ولابد أن تكون الهزة مصحوبة بالوعي بها، والغوص إلى أعماقها، وإدراك ما تنطوي عليه من حسنات وسيئات، فلا أزمة إذا كانت – أي الهزة- مجرد رد فعل غير واعي ولا متبصر، ومنها أن يوجد الفكر في مفترق الطرق، فلا يدري أية طريقة بأخذ، وما هي الطريقة التي توصله على ما ينشد من تقدم وقوة، فلا أزمة إذا عرف الفكر طريقه، وحدد أهدافه ووسائله، ولا أزمة إذا زال التردد والحيرة والقلق، وحل محلها التصميم والتركيز والثقة والاستقامة على الطريق، حتى لتتوارى الطرق الأخرى، ولا يبقى هناك إلا طريق واحد تلتقي فيه جميع الطرق الثانوية وتؤدي إلهي، وهي الطرق التي تستوعب مذاهب الرأي، واتجاهات الفكر، تتساوق وتتعاون ، لتصل أخيرا إلى ذلك الطريق الطويل العريض الذي لا يضيق بها جميعا، وإنما يتسع لها، ويمتص كل تنوعاتها، كما يتسع البحر لشتى الروافد التي تأتيه من هنا وهناك. ومنها أن تتباين اتجاهات الفكر تباينا جذريا أساسيا، بحيث يكون ما تختلف فيه أكبر ما تتفق عليه، الأمر الذي يحدث بينها هوة سخيفة يصعب زوالها أو تضييق دائرتها، أو التخفيف من عمقها وحدتها، فيكون من نتائج ذلك حدوث انشقاق خطير في الحياة الفكرية يجعل المثقفين فرقا متقاتلة، يهدم بعضها بعضا، ويسعى جاهدا لصد الناس عنه، وجلبهم إلى جانبه بجميع الوسائل الممكنة، فيحدث تمزق في العقول والنفوس، ويقع الشباب الناشيء في حيرة من أمره من جراء ذلك، فلا يدري الوجهة الصحيحة ليميزها من غيرها، ومنها أن يكون الصراع الفكري يمس صميم الأسس والقواعد، لا القشور أو الأمور الموقتة التي تتبدل بتبدل الظروف والأحوال. فلا أزمة إذا اقتصر الأمر على خلاف حول قضية من قضايا الساعة، ولا أزمة إذا وقع الخلاف حول أمر عرضي، وإنما تكون الأزمة الحقيقية فيما يمس الإيديولوجيات والمفاهيم الرئيسية، والآراء والمعتقدات التي تمس نظام الحياة، في الاجتماع والاقتصاد والسياسة والعقيدة وما إلى ذلك. ومنها أن يكون كل اتجاه من الاتجاهات الفكرية المتصارعة، يجد أمامه موانيع وعراقل يصعب تجاوزها، فإذا خلى بين كل اتجاه، والهدف الذي يسير إليه فلا أزمة، ولكي أزيد المسألة وضوحا، حتى ترتفع كل التباس، أقول: إن تنازع الاتجاهات الفكرية بسلك واحدا من طريقتين: أما أن يترك كل اتجاه الاتجاه الآخر يسير إلى غايته في حرية واختيار، ولمن يتولى تقدم وإظهار عيوبه، شأن الصراع الذي يكون عادة أفكار الناس وآرائهم في الحياة والمجتمع، وحينئذ لا أزمة، فالأمر مجرد تنافس فكري حر، قصد الوصول إلى الحقيقة. وأما أن يتصدى كل اتجاه للاتجاه الآخر، يحاول منعه من المضي في طريقه، ويعلنها حربا عوانا ضده، حتى ليجد كل منهما نفسه يسير في طريق مسدود،ة هاهنا تقع الأزمة.
  بدون تلك الشروط لا تجد أزمة (فكر). ونحن لو رحنا نعرضها- أي هذه الشروط- على واقع الفكر العربي طيلة عصور من تاريخه الطويل، لوجدناها جميعا تتوفر فيه. فهو قد انتفض انتفاضات عديدة جاءت على أدوار متعاقبة. كانت انتفاضته الأولى موقوتة بظهور الإسلام، الذي قلب العقلية العربية والحياة العربية من جميع نواحيها رأسا على عقب. وجاءت انتفاضته الثانية عندما التقى بالفكر اليوناني والهندي والفارسي، حيث أحدث ذلك اللقاء ثورة في الفكر العربي غيرت من أسلوبه في العمل والاستنتاج والبحث. ثم جاءت انتفاضته الثالثة عندما داهمته القوة الاستعمارية بكل ثقلها ومخترعاتها العلمية، فهزته هزا عنيفا، وخرجت به من الخمول الذي قضى فيه سنوات عديدة، وإن كان الحق يقتضينا الاعتراف بأن صدى هذا الغزو الفكري، لم يكن بدرجة واحدة من القوى والفاعلية، بالنسبة لجغرافية هذا الفكر. وأخيرا جائت انتفاضته الرابعة، بعد هزيمة 48 تم هزيمة 67 أمام العدو الصهيوني. ولعل هذه الانتفاضة الأخيرة أن تكون اخطر ما عرف من انتفاضات في تاريخه المعاصر.
  وأما كون الفكر العربي الحديث يقف في مفترق الطرق، فأمر لاشك فيه، فالطرق التي تكتنفه مختلفة الاتجاهات، هناك طريق الفكر الماركسي الذي يستقطب الآن مجموعة هامة من المثقفين العرب، وقد ملأوا رفوفا طويلة من المكتبة العربية بمؤلفاتهم ومترجماتهم عن الماركسية. وتجدهم يمثلون سائر ألوان الفكر الاشتراكين فمنهم من يتشبع للتطبيقات الروسية، ومن يتشبع للتطبيقات الصينية، ومن يرى الأخذ بتطبيقات أوروبا الشرقية، وهناك الطريق الآخر الذي يقف على النقيض من الطريق الأول، وهو طريق الرأسمالية التي تترك الفرد حرية العمل والكسب، وتقيم نوعا من التوازن بينه وبين المجتمع، ويوجد مثقفون عرب كثيرون يؤيدون السير في هذا الطريق، وقد ملأوا رفوفا طويلة أخرى من المكتبة العربية بمؤلفاتهم ومترجماتهم عن قادة الفكر الرأسمالي. وثمة طريق ثالث، وهو الطريق الإسلامي الذي ليس (اشتراكيا) ولا (رأسماليا) وإنما هو طريق إسلامي فقط، له أسسه ومقوماته، ويمثل فكرة السير في هذا الطريق علماء الإسلام، وقادة الإصلاح الديني في البلاد العربي، ويقف من وزانهم السواد الأعظم من الشعب العربي الكبير.
  ولحد الآن لا نستطيع الزعم بأن أي اتجاه من هذه الاتجاهات الثلاثة، هو طريق الفكر العربي المعاصر، فهو واقف في مفترق الطرق، حائزا بين الإسلام والشيوعية والرأسمالية الغربية، فإذا نحن قلنا أن اتجاهه ماركسي فقط، أو رأسمالي فقط، أو إسلامي فقط، كنا بعيدين عن الحقيقة، لأن جميع هذه الاتجاهات تتوزع الحياة العقلية العربية، وتكتنفها من كل جانب. ولا يخفى أن وجود الفكر في مفترق الطرق، بين وسائله وغاياته، يدل على أنه قطع خطوات واسعة، ودخل طور التهيؤ ليدخل أزمة اختبار.
  وهذه الاتجاهات الثلاثة التي يقع الفكر مسرحا لها، بينها تناقض كبير. ولا سبيل إلى اتحادها وزوال الموانع التي تقف دون ائتلافها. فبالرغم من ضروب التأويلات التي يلجأ إليها بعض الباحثين، لإثبات أن الإسلام (اشتراكي) أو (رأسمالي) فالإسلام هو الإسلام، وليس اشتراكيا ولا رأسماليا. والاشتراكية- وهي الشيوعية معتدلة- تقف على طرفي نقيض من الرأسمالية واتباع هذه المذاهب الثلاثة في البلاد العربية مختلفون أشد الاختلاف، وكل فريق منهم يرى الحق كل الحق في جانبه، والباطل كل الباطل في الجانب الآخر.
  والصراع بين هذه الاتجاهات الثلاثة التي تتوزع الفكر العربي المعاصر لا يمس الأساليب والأشكال والظواهر، وإنما يمس صميم البنية العقائدية والنفسية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية. ويهدف إلى صياغة شخصية الفرد والجماعة بما يتفق وقواعد كحل اتجاه، ومن ثم كان صراعا إيديولوجيا حادا، ليس من سبيل إلى إنهائه إلا بتغلب اتجاه واحد على الاتجاهات الأخرى، وهذا مطلب يلوح أنه بعيد التحقيق. وكل اتجاه من هذه الاتجاهات يرى في الاتجاه الآخر خطرا على وجوده، ومن ثم فهو يسعى جاهدا لهدمه وإقصائه نهائيا عن مركز الصدارة في الحياة الفكرية والحياة المادية أيضا.
  ولقد رأينا أن جميع شروط الأزمة الفكرية وخصائصها الأساسية تنطبق على واقع الفكر العربي المعاصر. ومن ثم كان لنا مبرر للتحدث عن أزمة الفكر العربي الحديث) ونحن واثقون من أن هناك أزمة حقيقية لها جميع مقومات الأزمة الفكرية وخصائصها الأساسية تنطبق على واقع الفكر العربي المعاصر. ومن ثم كان لنا مبرر للتحدث عن (أزمة الفكر العربي الحديث) ونحن واثقون من أن هناك أزمة حقيقية لها جميع مقومات الأزمة الفكرية.
  وعلاوة على تلك الخصائص العامة التي تنطبق على كل أزمة فكر، هناك الخصائص الخاصة بأزمة الفكر العربي، الخاضعة لواقعه وظروفه. فأزمته اليوم ليست من قبيل أزماته الماضية. إذ تختلف عنها في طبيعتها وأسبابها ودوافعها وفي مدى أثرها في الفكر العربي، وكانت الأزمات الفكرية الماضية تختلف فيما بينها كما تختلف بمجموعها عن الأزمة الحالية. فأزمة الفكر العربي إبان ظهور الإسلام كانت أزمة ضمير وأزمة قيم اجتماعية واقتصادية وسياسية تعرض لها هذا الفكر وعاش معانيها لها زمنا، إلى أن تمكن الإسلام من تصفية الوجود العربي الجاهلي، ليضع محله وجودا إسلاميا في مبادئه وروحه، عربيا في مادته التي يتكون منها. وأثناء ذلك مرت النفس العربية والفكر العربي بفترة تمزق داخلي كبير، إذ اصطدم الحق الإسلامي والمبادئ الإسلامية الواضحة بالمعتقدات والخرافات الجاهلية، احتاج الأمر إلى مرور عدة سنين قبل أن تصل الأزمة إلى نهايتها، يتم خلالها نسف الأساس الجاهلي وتنظيف النفس العربية من أدرانها وأوساخها. وهذا هو السر في وجود طبقة المنافقين والمرتدين، فهؤلاء كانوا لم يخرجوا بعد من الأزمة النفسية الحادة، ومن تمزقهم بين حياة قديمة راسخة الدعائم، وحياة إسلامية جديدة ناشئة. وإذن فأزمة الفكر العربي إبان ظهور الإسلام كانت أزمة روحية في صميمها، وكان موقتة انتهت بعد مرور فترة الصراع والتمزق الداخليين وسيطرة العقيدة الجديدة نهائيا على النفس العربية والفكر العربي، فكان من نتائج ذلك معجزة الفتوح الإسلامية. وتتميز هذه الأزمة أيضا بأنها جاءت بتأثير معجزة سماوية  لابد للبشر في صنعها، ولم يكن أمام الناس إلا الانصياع لها، لأنها أقوى من جميع ما عرفوه من معارف وآداب وصور للبيان. وهي أزمة خرجت بالمجتمع العربي والنفس العربية من الصراع حول امرأة أو قطيع من الماشية أو بئر ماء، إلى الصراع من اجل العقيدة والكرامة الإنسانية والمبادئ المثلى. وهي قد اتخذت مصيرا قدريا، لأنها تلاحم بين وجود بشري له جوانبه القوية وجوانبه الضعيفة، وبين معجزة لا قبل لأحد بردها، عن غايتها التي تمضي إليها.
  والأزمة الفكرية الثانية، هي أزمة الفكر العربي الناشئة عن اللقاء بين هذا الفكر، وبين الثقافات الأخرى، بعد الانتهاء من نقل التراث اليونانية إلى اللغة العربية. وهي ذات طبيعة أخرى، تختلف عن طبيعة الأزمة السابقة. فقد كانت الحضارتان الإسلامية واليونانية حضارتين مختلفتين تمام الاختلاف، الأولى دينية موحدة، والثانية وثنية تقول بتعدد الآلهة. إحداهما صادرة عن عقل منظم، يتناول قضايا الحياة والكون والطبيعة بدقة متناهية. وأخرى صادرة عن كتاب سماوي عظيم، وضع للحياة والعقيدة والضمير أسسا راسخة من الإيمان بالله وتوحيده والاعتقاد بكل ما جاء عنه. الحضارة الإسلامية منبعها السماء، والحضارة اليونانية منبعها الأرض. وأذن لم تكن من نتائجه شيوع الإلحاد والزندقة، واضطرار جماعة من علماء المسلمين إلى بذل جهود شاقة مضنية من أجل التوفيق بين الفلسفة والدين، والاستعانة بالمنهج الفلسفي في دراسة الإسلام، وغير خاف أن هذه العملية كانت سلاحا ذا حدين، فهي قد غذت الدراسات الإسلامية ووسعت من آفاقها، وأعطتها المناهج المنظمة في البحث والمناقشة، ولكنها من جهة أخرى باعدت بين الإسلام وبساطته وعفويته التي هي طبيعته الخالصة. فأصبح الإسلام لدى الكثيرين إسلام المنطق والبراهين العقلية، لا إسلام العقيدة السمحة، والوجدان الحي، والفطرة السليمة. هذه الأزمة كانت لها طبيعتها الخاصة، نجملها في كونها كانت أزمة صراع بين عقيدة واضحة تعتمد على نصوص واضحة من الكتاب والسنة، تأمر بعدم التزيد في الدين، والكلام عن قضايا الإسلام بناء على أسس غير إسلامية، وبين فلسفة تخرج بالدين عن مجاله الطبيعي، وتزج به في ميادين غير ميادينه، وهذا هو السر في الهوة العميقة التي كانت بين أهل السنة والمعتزلة، بل ما وجود هذه الهوة إلا مظهرا لهذه الأزمة ودليل عليها. وهذه الأزمة من خصائصها أنها كانت وليدة تحركات تاريخية لولاها لما وجدت، وذلك بخروج العرب مجاهدين في سبيل الله، ومتصدين للشعوب التي 
تقف في طريق الدعوة لإزاحتها عن سبيلها، حتى تتحقق الرسالة العالمية للإسلام. كما أن من خصائصها أنها أرغمت الفكر العربي على التفكير في قضايا ميتافيزيقية تعتبر جديدة بالنسبة إليه، ولم يكن عنده استعداد خاص للقيام بهذه العملية باستعار المنطق اليوناني والمناهج الفلسفية اليونانية كأساس للمناقشة والبحث، وهذا ما أدى إلى تغيير بنية الفكر العربي وإعادة صياغته على أسلوب جديد. ولكن تخلل هذا التغير وهذه الصياغة صراع بين قديم موروث وجديد مستحدث.
  ثم كانت الأزمة الثالثة للفكر العربي عند اصطدامه في العصر الحديث بالحضارة الغربية الجبارة. وهي في طبيعتها مختلفة عن كل من الأزمتين السابقتين. وتتجلى هذه الطبيعة في اليقظة بعد نوم عميق، ورؤية النور الوهاج بعد عشرات السنين من التأخر والجمود. حيث أخذ الفكر العربي يقارن بين ضعفه وتقدم الفكر الغربي، فوجد هوة سحيقة تفصله عن المدينة الحديثة يمكن أن تقدر بعصور من التخلف. وكانت الأزمة أقوى من أن يتحملها الفكر العربي في ضعفه الكبير، ومن ثم ظهرت الدعوات المنادية باستبدال الحروف العربية بالخروف اللاثينية، وفصل الدين عن الدولة،وأخذ الحضارة الأوربية لحذافيرها، والاقتداء التام بالأوربيين في مظاهر حضارتهم كلها، وكاد يصل الأمر إلى نبذ كل ما هو عربي، إن لم يكن قد وصله بالفعل. وهذه الدعوات ليست في صميمها إلا معبرة عن ضعف الفكر العربي يومها في مواجهة التحديات الغربية، إذ وجد الحل النهائي لأزمته في تخلصه من نفسه، عوض الصمود ومحاولة التوفيق بين معطيات الحضارة الغربية، والشخصية العربية الإسلامية. ولكن لم يقدر لتلك الدعوات النجاح في مجموعها، فغن قسما هاما منها قد نجح وتحقق، فالدعوة إلى التغريب قد نجحت إلى أبعد الحدود، والآن ننظر فنرى أن الجزء الأكبر من الثقافة العربية الحديثة روحا ومنهجا وهدفا ومحتوى، ونجد القوانين الجاري لها العمل في العالم العربي مأخوذة عن الغرب، وكذلك الشأن في طابع الحياة المادية، وفي حالة المرأة، وأنظمة التعليم والاقتصاد والاجتماع وما إلى ذلك.
 والآن ما طبيعة الأزمة الحالية التي تواجه الفكر العربي اليوم؟
أزمة اليوم أكثر حدة من جميع الأزمات الفكرية العربية الماضية. ذلك أن هذه الأخيرة ذات أبعاد أوسع وأعمق، وتجثم بكل ثقلها على الفكر العربي والشخصية العربية الإسلامية تريد كتم أنفاسها، وكل يوم يمر إلا وتزداد كتم أنفاسها، وكل يوم يمر إلا وتزداد قوة وصلابة وشراسة. وأن ما يطالعنا من ألوان الثقافة العربية بين حين وآخر، ليدل على ذلك أوضح دلالة وأقواها. إلا أن المثقفين العرب صنفان: منهم من أدرك الأزمة وأحاط علما بملابساتها، ومنهم من انغمس فيها، وإنقاذ لها، وأصبح وقودا لها دون أن يدري بالدور الذي يلعبه في تطويرها وتصعيدها. والآن نريد الانتقال من هذه العموميات لنأخذ القضية بشيء من التفصيل. فكيف نحدد هذه الأزمة؟.. إن أزمة اليوم محاطة بالظروف والملابسات التالية:
1) ارتباط أزمة الفكر بأدق فترة من تاريخ الاختبار في حياة الأمة العربية. فعليها اليوم أن تختار الاتجاه الذي تسير فيه دون تباطؤ أو تقاعس، وإلا فإن الأحداث ستسبقها وتخلفها مزقا يصعب ضمها ولم شعثها. وقضية الاختيار تخلق عدم مشاكل ليس من السهل إهمالها أو مواجهتها. فماذا نختار؟ وكيف نختار؟ وما مقاييس الاختيار؟ وكيف يمكن الاختيار دون المساس بشخصية الأمة ومقوماتها الأساسية؟ وما هي الأمور التي يتحتم التنازل عنها نتيجة لهذا الاختيار؟ مشاكل يستدعي بعضها بعضا بكيفية تلقائية.
2-التناقض الموجود بين الفكر العربي والواقع العربي المعاش، في أي إيديولوجية من الإيديولوجيات التي تتوزع هذا الفكر. فالمفكر المسلم يرى الواقع العربي غير إسلامي في شيء، فهو قد أخذ من الإسلام القشور وترك الروح الإسلامي العظيم، فهو لا إسلامي في معاملاته وعلاقات أفراده، وسائر أنواع السلوك الفردي والاجتماعي فيه. والمفكر الماركسي لا يرى في التطبيقات الاشتراكية العربية اشتراكية حقة، وإنما هي تزييف لها وافتئات عليها، داعيا إلى تقويض دعائم المجتمع القائم من الأساس، لإقامة مجتمع اشتراكي صحيح على أنقاضه. والمفكر الرأسمالي يرى أن المجتمعات الرأسمالية العربية لم تأخذ من الرأسمالية إلا أقل نواحيها شأنا، أخذت نظام رأس المال،
وأهملت المبادئ الديمقراطية، والعدالة الاجتماعية.
3) نتج عن هذا التناقض بين المفكرين العرب فيما بينهم، وفيما بينهم وبين الأوساط الاجتماعية التي يعيشون فيها، انعزالية المفكر العربي عن وسطه الاجتماعي وغربته فيه، الأمر الذي أدى به إلى المبالغة في التمسك بموقفه كرد فعل ضد الظروف المعاكسة التي تحيط به، وكلما ازداد تصلبا في موقفه، كلما بعدت المسافة بينه وبين الناس المحيطين به، فتكون النتيجة ازدياد سخط المفكر العربي وتأزمه وتوتر أعصابه، وكذا الغلو في النظرية والاستغراق فيها، مع عدم معرفة ما إذا كان من الممكن إخراجها إلى حيز التطبيق أو لا. بحيث نجد عدة دراسات إيديولوجية تتخيل مدنه فاضلة داخل البلاد العربية، دون مراعاة لظروف المجتمعات العربية، وإمكانيات التطبيق فيها. فلو أن الثلة كانت موجودة بين المفكر العربي وجماهير الشعب العربي، لكان المفكر معتدلا في نظرياته غالبا، لكونه يعرضها على الواقع ليرى ما يمكن تحقيقه فيأخذ به، وما هو محض خيال بالنسبة إلى إمكانيات الواقع فتلغيه أو برجئه. والعيب كل العيب في المفكر أن يبقى بعيدا عن العمل. كما أن العيب كل العيب في العمل، أن يبقى عن المفكر، والصواب أن يتآلفا ويتعاونا كوجهين لعملة واحدة، فإذا عمل أحدهما في غيبة الآخر، فذلك هو الضلال البعيد.
4) ونظرا لكون المفكر العربي يعيش بمعزل عن مجتمعه، فإن نظرياته لا تأتي في الغالب انعكاسا لتيارات تسري في كيان المجتمع، ولا تأتي مظهرا قويا للقضايا التي تشغل أفكار الجماهير، فيتصدى المفكر لبلورتها وصياغتها وإبرازها بذلك الشكل الذي يهبها الفاعلية، وإنما تأتي غالبا نتيجة للقراءات والدراسات النظرية البحتة وتلخيصها لها- فهو أي ذلك المفكر- من المفكرين المثاليين الذين يأتون من خارج البيئة لا من داخلها، ويفكرون وكأنهم آتون من بلاد بعيدة، وأعني بذلك أن المفكر العربي إذ يستورد مذهبا فكريا أو سياسيا او اقتصاديا أو اجتماعيا من الخارج، بدون أن يكون صادرا في تفكيره عن واقع مجتمعه، يكون غريبا عن هذا المجتمع، دخيلا عليه من حيث الفكرة والمذهب.
5) وزاد هذه الأزمة شدة كونها ترتبط بتناقض فردي بين المفكر العربي ونفسه، فهو يذهب إلى أوروبا ليدرس فما أن يعود إلى بلاده حتى يعلنها حربا عوانا ضد الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهو في الوقت نفسه يعاني من التناقض الموجود بين ثقافته العقلية المجلوبة، وبين تكوينه العقائدي والروحي الذي نشأ وتربى عليه طفلا ويافعا وشابا ورجلا. وهذا التناقض الفردي هو مصدر ما تجده أحيانا في بعض الكتابات الثائرة على الأوضاع العربية من كبت لبعض الأفكار الهدامة التي تحسبها عن الانطلاق أصول التكوين العقائدي والروحي الراسخة في النفس، وخشية إثارة غضب الجمهور الذي مازال متشبثا بمبادئه ومعتقداته. وقد تجد المفكر العربي الذي يصارح بكل ما في نفسه ويعلن على رؤوس الملأ إنكاره لكل المعتقدات الموروثة، بل ويشنع على المفكرين المعتدلين جبنهم وميلهم إلى مصالحة الجماعة وإبقاء خط الرجعة بينهم وبينها. وحتى هذا لا يمكن أن يسلم من آثار ذلك التناقض، فإن رد فعله القوي، وصراحته الرعناء، ليدلان على نفس متأزمة غاية التأزم.
6) هذه الأزمة كان لها تأثير كبير على الفكر العربي الحديث، ذلك أنها صادفته غير ذي بنية صحيحة قوية تستطيع أن تنجيه من أخطارها وآفاتها، بحيث يخرج منها سليما معافى فيشق طريقه في قوة وعزم. المر الذي جعل خطوط الدفاع الأمامية للفكر، تتضعضع تحت تأثير الأزمة،وهذا علة موجة الشك الاعتقادي والقلق الروحي الذي استولى على الكثيرين من أصحاب القلم وأرباب الفكر، ورمى بهم في مهب الرياح ومفترق السبل، لا هم تحصنوا بالمعتقدات الأصيلة، ولا هم آمنوا بشيء جديد، وإنما هو الضلال والعمى الفكري والعقائدي الخطير. عندما تحدث الأزمات الفكرية، وبكون الفكر الذي وقع مجالا لها متين البنية، سليما من العاهات، لا تستطيع الأزمة أن تتمكن منه لمدة طويلة، ولا أن تقوض الدعائم التي يعتمد عليها، بل هو يجد في تلك الأزمة مجالا للتجربة الحرة المثمرة، تزيده ثقة بنفسه، ويخرج منها أقوى عزما وصلابة، وقد عرف طريقة وحدد غاياته ووسائله. الأزمة بالنسبة إلى الفكر القوي ليست هي بالنسبة إلى الفكر الضعيف. هي في الحالة الأولى فرصة للذاتية الفكرية لتزداد بروزا وصلابة، وهي في الحالة الثانية بعثرة للرأي، ونسف للقيم، وانهيار للمبادئ.
7) هذه الأزمة تشمل جميع قطاعات الفكر العربي ومجالات نشاطه. لا فرق بين تفكير فلسفي، وتفكير ديني، وتفكير اجتماعي، وتفكير سياسي، وتفكير أدبي. كل واحد يعانيها من الزاوية التي تهمه، ويعالجها بالطريقة التي تتفق ومجاله الخاص. بيد أن الباحث لو أنه درس مجموع ألوان النشاط الثقافي لوجد بينهما قاسما مشتركا.
8) لقد اقترنت أزمات الفكر العربي الماضية بوجود قادة فكر كبار كانوا أقوى منها، وأقدر على التغلب عليها. فبددوا كثيرا من الشبهات، ومحوا عددا من الأباطيل، ورفعوا منار الهداية الفكرية والروحية عاليا، فاستنار بنوره الرأي العام العلمي والأدبي، وواصل الفكر العربي بفضلهم سيره مستقيما تارة، ومضطربا تارة أخرى، حسب ما يحيط به من ظروف وأحوال. كان محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم قائدا بارعا، وسياسيا عظيما، وزعيما روحيا، وهاديا اجتماعيا، عرف كيف يخلص أتباعه المسلمين من آفات التمزق الذي أصاب عقولهم ونفوسهم، عندما ظهر الإسلام وأخذ في نسف مقومات الحياة العقلية والاجتماعية الجاهلية، ليضع محلها عقلية إسلامية وحياة إسلامية، لها أسسها الخاصة التي لا عهد للعرب بها من قبل، فطهرهم تطهيرا من أوشاب الجاهلية، وغسل عقولهم من رجس الوثنية.
وفيما تلا ذلك من أزمات الفكر ظهر مصلحون وأئمة هداة، أوتوا من بعد النظر، ورجاحة العقل، وعظمة النفس، وقوة العقيدة، ووفرة العلم، واستقامة الخلق، ما استطاعوا به إنقاذ أجيال عربية من أخطار الأزمات الفكرية، نذكر منهم على سبيل المثال الآئمة المجتهدين في العصور الوسطى، وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضى في العصور الحديثة، وآخرهم العقاد رحمه الله، الذي وقف كالطود الشامخ أمام الخوارج والزنادقة والملاحدة، ولكن يد المنون اختطفته وأزمة الفكر العربي القائمة الآن في أمس الحاجة إليه لتجنيب الشباب العربي المثقف ويلاتها وشرورها.
أزمة الفكر العربي اليوم في أمس الحاجة إلى زعيم الرأي ليزيح الشبهات، ويصدع بالحق، ويهزم الباطل، ويفضح الخفافيش التي تعيش في الظلام، ويدل على الطريق الأقوم، ويبدد ضباب الحيرة والقلق الذي يخيم على هذا الفكر. ولكن أين هو؟ ومتى سيظهر؟ إلى أن يظهر ما السبيل إلى تجنب آفات هذه الأزمة وأخطارها على الأمة العربية بأسرها؟

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here