islamaumaroc

في الجلسة الافتتاحية لمؤتمر القمة العربي الخامس

  دعوة الحق

124 العدد

                                          بسم الله الرحمن الرحيم
أصحاب الجلالة والفخامة
السيد الأمين العام
السادة أعضاء الوفود
أحييكم من أعماق قلب مفعم بمشاعر المحبة والود والإخاء، مليء بالإيمان الذي لا يتزعزع بقدرات أمتنا العربية العظيمة، عامر بالفخر والاعتزاز بتاريخها النضالي المجيد عبر العصور، وبالثقة العميقة بحاضرها الذي يقف شامخا صامدا أمام أقسى التحديات وبالأمل الزاخر بمستقبلها المشرق الوضاء، بإذن الله وإرادة الأحرار، وأحيي عبر مجلسكم الموقر، أبناء شعبنا العربي الأبي الحر، في كل مكان، الذي يتوجه اليوم بكل مشاعره نحو هذا المكان الكريم يعلق الآمال ويرقب الأعمال، بعد أن قدم لنا من دمه الزكي مدادا للعمل وأعطانا من عرقه وطاقاته لبنات الصمود والمقاومة، ويقف اليوم مستعدا لتقديم المزيد من البذل والعطاء والتضحيات ليواصل كفاحه الصلب ومسيرته المقدسة في طريق النصر حتى يناله أو يهلك دونه.
  في هذه اللحظات المتفائلة نجتمع اليوم على هذه الأرض العظيمة التي وقفت شامخة عبر الأجيال تصارع ضروب القهر والعسف بل والمحاولات الهادفة إلى النيل من عروبة شعبها العريق.
لعلنا أيها الإخوة نستلهم من هذا التاريخ للمغرب المجيد ومن النضال الجسور الذي قاده ويقوده أبناؤها زادا لنا ووقودا وهاديا لمداولاتنا التي نبدأها اليوم بمشيئة الله وإرادة شعبنا العربي.
وإننا لنذكر بإجلال الجهود المتعددة الجوانب التي طالما بذلها العاهل العظيم المغفور له صاحب الجلالة محمد الخامس وما بذله صاحب الجلالة الحسن الثاني لإعداد هذه الأرض الطيبة المجاهدة من وطننا العربي لتكون معقلا للتجمعات العربية الهادفة من أجل ترقية وتقوية أواصر نضال الدعم العربي والإفريقي، ولا يسعني هنا إلا أن أقف باسم إخواني المؤتمرين، تحية وعرفانا وتجلة لكفاح وكرم وأصالة هذا الشعب البطل، وحكومته تحت رعاية ملكهم العظيم.
أيها الإخوة
  لقد مرت أمتنا العزيزة بتجربة قاسية مريرة، حين تكالبت عليها قوى الاستعمار والصهيونية الشريرة مستخدمة كل ما لديها من طاقات وحيل تريد أن تجهز على تيار ثورتها المتصاعدة وتبسط سيطرتها ونفوذها الاستعماري على المنطقة وتسلب أرضها وتستغل ثرواتها، وحسب الاستعمار والصهيونية، في نشوة النصر العسكري في معركة خامس يونيو، أن المؤامرة قد أثمرت وأن الهدف قد تحقق، ولكن سرعان ما تبين لهم أن السهم قد طاش عن مرماه في جسم الأمة العربية القوي، فخرج الشعب العربي بعد النكسة وهو أقوى إرادة وأكثر تصميما على الحياة، عجمت عوده مرارة التجربة وكانت تجربة المرارة له ترياقا جديدا للحياة، وحافزا على مواصلة الكفاح، ونبهته تلك الأحداث إلى مدى ما يراد به وبمصيره ?
ومنجزاته من شرور وما يحيط بمستقبل أجياله من أخطار، فما استسلم وما ألقى السلاح، بل استجمع قواه وضمد جرحه ووحد صفوفه بعناد في وجه الطغيان وسدنته.
   وفي مؤتمر القمة العربي الرابع في الخرطوم وبينما دخان المعركة ما يزال يتصاعد والعدو في قمة زهوه وأمله في أن يجني ثمار عدوانه، أرست الأمة العربية دعامة كبرى من دعامات الصمود، وأعلنت رفضها التام للرضوخ لمشيئة الغاصب المحتل، وأخذت على نفسها عهدا أن نقف دون تحقيق أهدافه في الصلح والاعتراف والمفاوضة أو التفريط في حق الشعب الفلسطيني في وطنه، وقدمت الأمة العربية دون تردد ما تطلبته المرحلة من إمكانياتها وطاقاتها الزاخرة لدعم صمودها في وجه ما تواجه من أخطار.
   واليوم، وبعد أكثر من عامين من مؤتمر الخرطوم نجد أن رصيد الأمة العربية كلها من ذلك الموقف ظل - رغم الضغوط والملابسات- حفاظا على العهد.. وثباتا على المبادئ وصمودا لا يلين، بل إن الأمة العربية منذ مؤتمر الخرطوم لم تقف عند حد الصمود، ولكنها تعدته إلى الردع والتصدي الذي ظهرت معالمه في مختلف الصور والأشكال.
    فلقد برزت على ساحة النضال العربي في هذه الفترة قوة ثورية جبارة حين مارس أبناء فلسطين الأحرار حقهم المشروع في الكفاح والقتال من أجل تحرير وطنهم المغتصب واسترداد حقوقهم وكرامتهم المهدرة، وأخذ العمل الفدائي الفلسطيني يتصاعد يوما بعد يوم يقض مضاجع العدو، ويستنزف طاقاته. لقد فرضت الثورة الفلسطينية الباسلة نفسها وزادت من ثقة الشعب العربي في نفسه وفي قدراته، وإننا إذ نحيي كفاحها الأسطوري في مواجهة عدو شرس، وفي ظل ظروف قاسية نؤكد من جديد تأييدنا المطلق للثورة الفلسطينية، كما نؤكد أن من أقدس واجباتنا جميعا أن نفتح الباب واسعا أمام العمل الفدائي وندعمه بكل طاقاتنا ونزيل كل العوائق التي تقيده، ونجعل من الأرض العربية كلها منطلقا له، حتى يتم له النصر الكامل، وتعود فلسطين الحبيبة إلى الوطن العربي دولة تقدمية حرة، والقضية في أساسها هي قضية تحرير وقضية مصير، وتأسيسا على ذلك فإننا نهيب بكل الشعوب المحبة للحرية والسلام في العالم أن تعترف بشرعية الثورة الفلسطينية وتؤيد حقها المشروع في تحرير وطنها.
ولا يفوتنا أن نقف هنا لنحيي أيضا إخواننا الأبطال داخل الأرض المحتلة الذين يواجهون في بسالة نادرة صنوفا من التنكيل وألوانا من القهر والبطش والتعذيب على يدي طغمة همجية لا تتورع عن الاستهتار بجميع القيم الأخلاقية والإنسانية وانتهاك حرمة المقدسات الدينية في سبيل الوصول إلى هدفها الخبيث للاستيلاء على أرض بدون سكانها الأصليين، لتبيد حضاراتهم وتطمس دياناتهم، ووصلت بها بشاعة الإجرام والاضطهاد والتعصب الديني في هذا السبيل إلى إشعال النار في المسجد الأقصى الشريف.
  وإننا إذ نؤكد لإخواننا في الأرض المحتلة أن قلوبنا معهم في هذه اللحظات نؤكد أيضا أننا نضع كل إمكانياتنا في سبيل دعم صمودهم وتعزيز كفاحهم وعلى الجانب الآخر من نهر الأردن يقف شعب الأردن الشقيق صامدا شجاعا يتلقى أشد الضربات من العدو، فلا تفت في عضده ولا توهن من عزيمته بل تزيده ثباتا وإصرارا على مواصلة النضال.
أيها الإخوة
  لقد حاول الاستعمار عن طريق الصهيونية - كما ذكرنا- في عدوان 1967 أن يدفع الأمة العربية إلى الاستسلام وأن يقضي على تيار الثورة العربية التي تستهدف مطامعه وغاياته في المنطقة، غير أن الأمة العربية واجهته بعكس ما تصور، فاجتاحت الوطن العربي مزيد من الانتفاضات الثورية، وهذا المد الثوري الصاعد الذي تشهده الساحة العربية اليوم والذي أخذ يضرب مصالح الاستعمار ويصفي قواعده ويزيل كل أثر للنفوذ الأجنبي، إن هو إلا نتاج طبيعي لصيحات الجماهير الثائرة التي ترفض الهزيمة وتجاوب فوري لتطلعاتها نحو تحرير الأرض والسير بركب الثورة العربية في طريق التقدم والحرية والعدالة الاجتماعية.
وعلى صعيد القدرة العسكرية، استعادت أمتنا الكثير مما فقدت ووصلت مرحلة تستطيع عندها اليوم أن تردع وأن تكيل الضربات، وإننا لنشيد بكثير من الفخر بأعمال البطولة التي تقوم بها قواتنا الباسلة التي تقف اليوم في خطوط المواجهة مع العدو.
أيها الإخوة
  نحن أمة بطبيعتها تنشد السلام، ولكننا ننشد السلام القائم على العدل، فبقدر ما سرنا في طريق التعبئة العسكرية للدفاع عن أنفسنا وعن حقوقنا، سلكنا طريق السلم، حتى بلغ منا الجهد في هذا السبيل أقصاه، وحاولنا أن نصل عن هذا الطريق إلى الحل العادل الذي لا يمس كرامتنا وشرفنا ولا يجعلنا نحيد عن مبادئنا أو نفرط في شبر من أراضينا.
  ولكن تبين لنا بعد رحلة طويلة أن نوايا الغدر بنا كانت ومازالت مبيتة، لأن إسرائيل في غمرة ما أحرزته من نصر في معركة من معاركها الطويلة معنا، سلكت سبيل العناد والتعنت، وأقفلت - دون السلم- كل الدروب، يدعمها ويشجعها على هذا السلوك ما تلقاه من عون وتشجيع بكل الوسائل، من الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من قوى الاستعمار الحديث، فالولايات المتحدة الأمريكية لا تكتفي اليوم بإمداد إسرائيل بالمال والسلاح والعتاد بجميع أشكاله إلى حد طائرات الفانتوم لتقتل بها أبناء الشعب العربي، بل إنها تمضي إلى حد السماح بتجنيد مواطنيها في جيش إسرائيل، ولابد أنها تعلم - مهما أبدت من معاذير- أنها بذلك تضع نفسها في مواجهة سافرة مع الأمة العربية، وتكشف عن وجهها المستتر وراء صنيعتها إسرائيل، وتقف من العرب موقف العدو، وعلينا نحن العرب أن نحدد موقفنا منها بمثل ما بدأت تكشف لنا عن موقفها الحقيقي منا.
أيها الإخوة
  إذا كانت تجربة العامين الماضيين قد كشفت لنا الأعداء فإنها قد أبانت لنا الأصدقاء، وإذا كنا نشجب موقف أعدائنا اليوم، فمن الإنصاف أن نشيد بموقف الأصدقاء، فالمعسكر الاشتراكي، وعلى رأسه الاتحاد السوفياتي، يقف منا موقف الصديق ويؤيدنا في جميع المجالات السياسية والعسكرية، ولاشك أن البيان الواضح الصريح الذي أصدرته الدول الاشتراكية في نوفمبر الماضي تؤيد فيه نضالنا، كان موضع التقدير من جميع أبناء الأمة العربية، وإننا إذ نشيد بهذا الموقف من المعسكر الاشتراكي نذكر بمزيد من العرفان مواقف الدول الصديقة الأخرى خاصة في إفريقيا وآسيا وبقية أنحاء العالم التي وقفت إلى جانبنا في قضيتنا العادلة.
ولقد كسبت قضيتنا خلال العامين الماضيين المزيد من الأصدقاء بين شعوب العالم والحركات التحررية العالمية، وما مؤتمرات التضامن العالمية لنصرة قضيتنا وإعراب العديد من الهيئات والشخصيات العالمية عن إدانتها للعدو، وتأييدها لحقوق العرب، إلا مثال بارز على ذلك.
وفي هذا المجال فإنه مما يدعو إلى الشكر والإشادة أن فرنسا استجابت لنداء الحق والعدل فوقفت معنا.
أيها الإخوة
  إن مفتاح القضية- بعد كل هذا- يبقى في أيدينا نحن أبناء الشعب العربي، وحلها يكون في الأرض العربية، علينا اليوم أكثر من أي وقت مضى أن نعتمد على أنفسنا في المقام الأول ونواجه جميعا - وبنفس القدر- مسؤولياتنا كاملة غير منقوصة.
وإذا كانت الحلول السلمية قد سارت في طريق مسدود، فإن حقنا لن يضيع سنأخذه بأيدينا، بمثل ما اغتصب منا، وبمزيد من البذل والتضحيات وحشد القوى والطاقات، والأرض العربية زاخرة بها، سنصل إلى غايتنا مهما طالت بنا المسيرة.
  إن جماهير الأمة العربية المصممة على النضال، تعلق على هذا المؤتمر آمالا عريضة في أن يرتفع إلى مستوى التحديات، وهي الآن أكثر إدراكا بأن تصاعد العدوان يستهدف المواجهة وشن حرب عدوانية مباغتة علينا تحقق لهم نصرا جديدا على الأمة العربية، ومن هنا تنبعث الأهمية التاريخية لمؤتمرنا للإعداد الجدي للمواجهة والمزيد من الدعم لوحدة القوى العربية، وهذه هي الدعامة الرئيسية التي يجب أن نحيطها بكل عناية في جميع الظروف، فعلى أرضها الصلبة نستطيع أن نحشد كافة قوانا ونفجر طاقاتنا في نضال متنوع مكثف، يصارع العدو في جميع الميادين، وبجميع الوسائل، وأن نركز الجهود أيضا في مجال  الدعوة والشرح لقضيتنا وحقوقنا الوطنية العادلة، وأن نكشف الأخطار على سلم المنطقة والعالم، والتي تنتج عن أعمال العدوان المتكررة من قبل إسرائيل والصهيونية العالمية، وفي هذا المجال أمامنا واجب ملح وضروري وفعال، يتمثل في تنظيم الطاقات الجماهرية لدى شعوبنا، لتسير على أسس راسخة قوامها التوعية والتوجيه المعنوي، وإطلاق بصرها وبصيرتها إلى أبعد مدى تستطيع منه الإلمام التام بأبعاد قضية المصير التي أمامها، كما علينا أن نستلهم من آمالها وطموحها أداة لعلمنا في جعل هذه الطاقات الثائرة الخلاقة رصيدا حيا في معركة المواجهة، كما أن توضيح القضية العادلة أمام الرأي العالمي على اختلاف أجهزة الإعلام والإرشاد جزء لا يتجزأ من العمل العسكري وغيره من ضروب الكفاح المتعددة.
أيها الإخوة
لا خلاف اليوم فالعدو يستهدفنا جميعا مهما بعدت الشقة، يستهدف حضارتنا وتراثنا، والنازية الجديدة تهدد مستقبل أبنائنا وأجيالنا القادمة، فلنعد لها جميعا ما استطعنا من قوة ولنجعل من نتائج مؤتمرنا هذا ترجمة لتطلعات الشعب العربي المشدود إلينا في هذه اللحظات الحاسمة.
والله يوفقكم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here