islamaumaroc

تفسير القرآن في مصر

  دعوة الحق

124 العدد

   نزل القرآن الكريم بلغة العرب، وعلى طريقة العرب في كلامهم وبأسلوب العرب في تعبيرهم. فألفاظه كلها عربية وان انقسم علماء اللغة في ذلك شيعا وأحزابا. ولقد يكون فيه بعض ألفاظ أعجمية في أصولها إلا أنها دخلت اللغة العربية، وخضعت لقانون تطورها، والأخذ من اللغات بالاستعراب فهضمتها العربية، وأجرت عليها قوانينها اللغوية، فأصبحت بذلك عربية بصورتها الجديدة، ونطقها الجديد، ولا يمكن أن يكون في القرءان الكريم  شيء من غير لغة العرب. قال تعالى: « وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم». وقال جل وعلا: « إنا أنزلناه قرءانا عربيا لعلكم تعقلون». وقال سبحانه:« وإنه لتنزيل رب العالمين، نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين». وتلقى الصحابة هذا القرءان عن النبي صلى الله عليه وسلم، ووعوه وعرفوه حق المعرفة، وحفظه الكثيرون منهم، ولما انتقلوا مع الجيوش الغازية انتقل معهم حفظهم للقران، ومعرفتهم بمعانيه وقراءاته، فنشروا ذلك كله في الأقاليم التي فتحوها، فكان نصيب مصر من هذا الفيض الإلهي شيئا كثيرا، غير أن شخصية مصر في تفسير النص القرءاني لم تكن متميزة عن غيرها من أقاليم الإسلام في العصور الأولى، لأنه لم يكن هناك من الحرية والجرأة لإنسان أن يقول في القرءان شيئا يخالف الإجماع، ويعني ذلك أن معرفة القرءان استتبعت التنقل بين البلاد، والسفر بين الأقطار حتى يدرك العلماء ما لم يعلموه، واجتمع الناس في مصر حول الصحابة الوافدين يستمعون منهم التفسير القرءاني بلغة عربية فصيحة، وكان المصريون بخاصة أكثر الناس تحرجا في كل ما يمس القرءان والدين. ولعل ذلك هو السر في قلة عدد المفسرين العقليين أو ندرتهم بين المصريين، وإنه لم يكن فيهم مثل ما كان في غير مصر من بلاد الشرق في العصور المتأخرة كالرازي والزمخشري وإضرابهما من مفسري العلوم.
  والكلام عن تفسير القرءان يجعلنا نذكر شيئا عن مصادر هذا التفسير لأنها المنابع التي استقى منها الصحابة وتلاميذهم من التابعين وتابعيهم معرفة معاني القرءان، وما اشتملت عليه ءاياته من أحكام، وهدفت إليه قصصه وحوداثه.
رتب العلماء مصادر تفسير القرءان ثلاثة أنواع:

1- الأول: النقل، وتفسيره أطلقوا عليه التفسير بالمنقول، ويريدون به ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من شرح وتفسير لآي القرءان، وكثر وروده من الكتب الستة، وقد رواه الصحابة، واختلفت روايتهم له كما وكيفا كما يقولون وتناقلته مصر كغيرها من أقاليم الإسلام، وانتشر بين أبنائها، ويقول الأستاذ أحمد أمين: وبمرور الزمن تضخم هذا التفسير المنقول، ودخل فيه ما نقل عن الصحابة والتابعين وهكذا حتى كانت كتب التفسير المؤلفة في العصور الأولى مقصورة على هذا النحو من التفسير. وقال غيره من العلماء: وتكاد كل مجموعة من مجاميع الحديث الكبيرة المرتبة حسب المواد تشتمل على باب تفسير القرءان،
أي مجموعة الأخبار الصادرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في تفسير القرءان، ويلحق بهذا ما نقل عن الصحابة من وجوه التفسير.
  ولقد كان حظ مصر من هذا التفسير المنقول أو المأثور كبيرا، وخصوصا تفسير ابن عباس المروى بأسانيد، المجموع في مجموعات منذ عهد مبكر. وقد ظفرت مصر- بنزول أبي بكر محمد بن يوسف بن يعقوب المحدث الشافعي الذي صنف مجموعة لفتاوى ابن عباس استخرجها من أقواله، كما أن مصر ضمت كنزا كبيرا من هذا التفسير المنقول رواه علي بن أبي طلحة الهاشمي عن ابن عباس، وهذه الرواية هي الجيدة عند العلماء مما روى عن ابن عباس. قال ابن حنبل: بمصر صحيفة في التفسير رواها على بن أبي طلحة لو رحل رجل فيها إلى مصر قاصدا من كان كثيرا. ويقول جولدتسيهر أحد كبار المستشرقين مستندا إلى قول ابن حجر: ويرجع الفضل في وجود هذه المجموعة إلى نسخة كتبها لنفسه ابن صالح أحد كتاب العالم المصري الليث بن سعد. ويذكر العلماء أن هذه المجموعة كانت معينا استمد منه البخاري والطبري ورواة آخرون شرقيون وأندلسيون يضيق المجال عن ذكر أسمائهم لكثرتهم. وظفرت مصر أيضا في القرن الثالث الهجري بنزول حجة علماء التفسير بها، ونعني به محمد بن جرير الطبري، روى ياقوت في معجم الأدباء أن أحد العلماء ذكره فقال: كان أبو جعفر من الفضل والعلم والذكاء والحفظ على ما لا يجهله أحد عرفه، لجمعه من علوم الإسلام ما لم نعلمه اجتمع لأحد من هذه الأمة، ولا ظهر من كتب المصنفين،وانتشر من كتب المؤلفين ما انتشر له، وكان ناجحا في علوم القرءان، والقراءات، وعلم التاريخ من الرسل والخلفاء والملوك، واختلاف الفقهاء مع الرواية كذلك على ما في كتابه البسيط والتهذيب، وأحكام القراءات من غير تعويل على المناولات والإجازات، ولا على ما قيل من الأقوال، بل يذكر ذلك بالأسانيد المشهورة، وقد بان فضله في علم اللغة والنحو على ما ذكره في كتاب التفسير، وكتاب التهذيب مخبرا عن حاله... وكان يحفظ من الشعر في الجاهلية والإسلام، ولا يجهله إلا جاهل به وذكره جولدتسهر في كتابه مذاهب التفسير الإسلامي فقال: وهو صاحب كتاب التفسير الذي يصعد من ناحية ذروة التفسير بالمأثور، كما يعد من ناحية أخرى نقطة البدء وحجر الأساس لأدب التفسير القرءاني. وهو على حين يضم بين طياته تلك الكتب على صورة كاملة يشتمل بين جوانحه في نفس الوقت على الاتجاهات التي أدت إلى التفسير الزائد على مجرد التسجيل. ويقول نولدكة عن كتابه في التفسير: « لو حصلنا على هذا الكتاب لاستطعنا أن نستغني عن كل كتب التفسير المتأخرة عليه». ولقد كان حقا كتابه في التفسير النبع الذي اغترف منه المفسرون الذين عاصروه، والذين جاءوا بعد عصره، ويعد كما وصفه علماء الشرق والغرب دائرة معارف غزيرة الثروة من التفسير المنقول، كما يعد كذلك ذخيرة كبرى في قراءات القرءان، ولهجات القبائل ولغاتها، ومما لا شك فيه أن هذه المعلومات خدمت الدراسات اللغوية الناشئة في مصر، لأن الطبري في كتابه الكبير يهتم إلى جانب عنايته بالمأثور بالاستعمال اللغوي العربي، فهو عنده أوثق المراجع في تفسير العبارات المشكوك فيها. ويبدو أنه في كثرة استخدامه للشواهد من الشعر العربي قد سبق غيره، متبعا في ذلك توجيه ابن عباس، ففي رأيه أن البحث اللغوي يعد عونا كبيرا على التفسير، ولهذه الناحية زخر كتابه الكبير باستطرادات لغوية واسعة المدى، تعد ركازا نفيسا في أبحاث مفردات العربية، كما أنه حوى استقصاءات نحوية قيمة، تناول فيها بالتفصيل الظواهر اللغوية كما هي في مفهوم مدراس النحو البصرية والكوفية. والعلماء يعدونه في هذه الناحية مصدرا له أهميته الكبرى. غير أن الطبري لا ينسى أثناء هذه الأبحاث أن يرجع إلى الرواية الوثيقة للصحابة والتابعين معرضا لمذهبه في الاعتماد على الرواية. وكتابه بالإضافة إلى ذلك يعتبره العلماء خير ما يمثل المرحلة الثانية في نمو التفسير.

2- الثاني: الاجتهاد، وتفسيره أطلقوا عليه التفسير بالاجتهاد، أو التفسير بالرأي، وقوامه أن يعرف المفسر كلام العرب، وطرقهم في التعبير، وتركيب الألفاظ والجمل ومعانيها اللغوية بالوقوف على ما ورد في مثل ذلك من الشعر الجاهلي ونحوه من فنون القول، وأن يعرف أيضا ما صح من أسباب نزول الآية، مستعينا بهذه الأدوات جميعا بحسب ما أداه إليه اجتهاده.
   وكثيرا من الصحابة كان يفسر القرآن بهذه الطريقة كابن عباس، وابن مسعود، وهذا الاجتهاد هو الذي سبب الاختلاف بين الصحابة والتابعين في
 تفسيرهم لألفاظ القرءان، ومحكم آياته اختلافا واضحا نكاد نلمسه في كل صفحة من صفحات كتاب ابن جرير الطبري، وتفاسير المصريين كأبي جعفر النحاس، والحوفي، وابن المنير، وقد ذكرت في موضع سابق أن الطبري وفد على مصر، ومكث فيها حينا، وعرف الناس فيها كتابه، وقد حدث فيه عن المصريين، وذكر ذلك صراحة حيث قال: حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري قال: حدثنا شعيب عن الليث عن يزيد بن الهاد عن عبد الله بن خباب عن أبي سعيد الخدري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تواصلوا، فأيكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر. قالوا: يا رسول الله إنك تواصل؟ قال: إني لست كهيئتكم، إني أبيت لي مطعم يطعمني، وساق يسقيني» والليث هو الليث بن سعد المصري، وشعيب ابنه، وكلاهما ثقة.
   ومما يلاحظ أن هذا النوع الثاني من التفسير عماده معرفة الأدب الجاهلي شعره ونثره، وعادات العرب في جاهليتهم وإسلامهم، وحروبهم وأحداثهم، ومنازعاتهم وهجراتهم وفتنهم، وما حدث لهم من أمور استتبعت أحكاما، واقتضت نزول آيات، وكان كل هذا مصدرا مهما لعلماء الصحابة والتابعين، يستمدون منه القدرة على التفسير، والمقدرة على التوضيح. وكان يغلب على محبذي هذا الرأي في التفسير أن يعتنق المفسر مذهبا دينيا من المذاهب الدينية الأربعة المعروفة، حتى لا يبتعد عن الصواب ولا يتأثر عمله بما يعتنق، لأنهم قالوا: إن الواجب أن تكون العقيدة تابعة للقران، لا أن يكون القرءان تابعا للعقيدة. وأن المصريين في هذا المجال كانوا يسترشدون بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: « من فسر القرءان برأيه فليتبوأ مقعده من النار.»

3- الثالث: علم أهل الكتاب، أو الإسرائيليات. وقد نهل منه المفسرون ما شاء الله أن ينهلوا، ولجأوا إليه لاستكناه ما غلق من قصص القدماء وأحداثهم التي أجملها كتاب الله العزيز مما لا يتعلق بأحكام شرعية. ونرى ابن عباس رضي الله عنه على ما له من  العلم بالعربية يجالس كعب الأحبار، ويأخذ عنه. وذكر ابن خلدون أهل الكتاب فقال: وهم أهل التوراة من اليهود ومن تبع دينهم من النصارى، وأهل التوراة الذين بين العرب يومئذ بادية مثلهم، ولا يعرفون من ذلك إلا ما تعرفه العامة من أهل الكتاب، ومعظمهم من حمير، الذين أخذوا بدين اليهود، فلما أسلموا بقوا على ما كان عندهم مما لا تعلق به الأحكام الشرعية التي يحتاطون لها مثل أخبار بدء الخليقة، وما يرجع إلى الحدتان والملاحم وأمثال ذلك، وهؤلاء مثل كعب الأحبار ووهب بن منبه، وعبد الله بن سلام، وأمثالهم. فامتلأت التفاسير من المنقولات عندهم في أمثال هذه الأغراض بأخبار موقوتة عليهم، وليست مما يرجع إلى الأحكام فتتحرى في الصحة التي يجب بها العمل، وتساهل المفسرون في مثل ذلك، وملأوا كتب التفسير بهذه المنقولات.
  وكان تفسير القرءان الكريم في كل عصر من العصور يتأثر بالحركة العلمية فيه، ويكون صورة منعكسة لما في هذا العصر أو ذاك من آراء ونظريات علمية أو مذهبية فيمتلئ بألفاظها ومصطلحاتها، فالنحوي يملأ تفسيره بمسائل النحو وأوجه الإعراب، والإخباري يكثر من القصص والأخبار عمن سلف، والفقيه يسرد فيه أبواب الفقه والميراث، وصاحب العلوم العقلية يغمره بأقوال الحكماء والفلاسفة. ولكنا في مصر لا نلحظ هذا إلا نادرا حتى أواخر القرن السادس الهجري، وذلك لتحرج المصريين، وتشددهم في عقيدتهم، وتورعهم، وتعلقهم بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة. قال الزركشي في البرهان: للناظر في القرءان لطلب التفسير مآخذ كثيرة أمهاتها أربعة، الأول النقل عن النبي صلى الله عليه وسلم... والثاني الأخذ بقول الصحابي، فإن تفسيره عندهم بمنزلة المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم.. والثالث الأخذ بمطلق اللغة، فإن القرءان نزل بلسان عربي... والرابع التفسير بالمقتضى من معنى الكلام والمقتضب من قوة الشرع. وقال في موضع آخر: ليكن محط نظر المفسر مراعاة الكلام الذي سبق له وأن خالف أصل الوضع اللغوي. والواضح أن المصريين اعتنقوا هذه الآراء وأمثالها في التفسير القرآني، ولقد أثر ذلك من غير شك تأثيرا كبيرا في حركة التفسير عندنا، فلم يكثر عدد المفسرين في مصر. ولو تصفحنا ما كتب عن الحركة العلمية في مصر بكتب التراجم لوجدنا إغفالا أو شبه إغفال لحركة التفسير. فالسيوطي مثلا في كتابه « حسن المحاضرة» لا يفرد للمصريين المفسرين بابا خاصا بهم مع أنه أفرد لكثير من أصحاب المعرفة أبوابا خاصة في هذا الكتاب، فنرى هناك فيه بابا للقراء، وآخر للنحويين، وثالثا
للصوفية وربعا للوعاظ والقصاص. ولكنا نلاحظ في تتبعنا لترجمته للنحاة أنه يذكر لبعضهم كتبا في التفسير، وشبيه بذلك ما جاء في كتاب أنباء الرواة على أبناء النحاة للقفطي، فهذا أبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل المرادي النحاس وهو أحد النحاة المشهورين في مصر يذكر السيوطي مؤلفاته فيقول: ومن تصانيفه « تفسير القرءان». « وقد وجدت له أثناء إطلاعاتي كتابا مخطوطا أطلق عليه « إعراب القرءان» قال في مقدمته:« هذا كتاب نذكر فيه إن شاء الله إعراب القرءان والقراءات التي تحتاج أن يبين إعرابها والعلل فيها، ولا أخليه من لاختلاف النحويين، وما يحتاج فيه من المعاني، وزيادة في المعاني،وشرح لها، وما أجازه بعضهم، ومنعه بعضهم من الجموع واللغات، ونسب كل لغة ومنعه بعضهم من الجموح واللغات، ونسب كل لغة إلى أصحابها». وقد نسب هذا الكتاب لأبي جعفر أكثر من واحد من العلماء ومنهم القفطي حيث قال: « وله مصنفات في القرءان منها كتاب الإعراب».
   وكتاب « إعراب القرءان» هذا جاء كما أراد منه مؤلفه في مقدمته، فهو لم يكن حقا إلا إعرابا لألفاظ القرءان وجمله، مستعرضا أثناء ذلك اختلاف علماء النحو في المسائل النحوية. ونراه في بعض الأحيان يفضل وجها على وجه من وجوه الإعراب حيث يقول: « والرفع أجود من وجوه الإعراب حيث يقول :« والرفع أجود من جهة اللفظ والمعنى». كما يرد كل رأي إلى صاحبه، وينبه على اختلاف البصريين والكوفيين. كما يتعرض أيضا لتسمية النحاة لبعض القواعد، أو ما نطلق عليه لفظ مصطلح، ليعرف باختلافهم في ذلك. فقد ذكر حروف الخفض حيث يقول: والفراء يسميها محال، والبصريون يسمونها حروفا. ولا يمكن أن يجحد عمله في هذا الكتاب مكن ناحية أنه سجل قيم للهجات القبائل العربية، إذ نثر فيه كثيرا من لغات العرب، وأرى أنه كان خير معين في هذا الشأن لأبي حيان في كتابيه « البحر المحيط» و« ارتشافات الضرب». كما نراه أثناء توضيحه لتقوية رأي نحوي يأتي يشاهد من الشعر القديم كما جاء في كتاب سبيويه تماما.
   وذكر السيوطي من المصريين النحاة المفسرين غير أبي جعفر النحاس محمد بن علي بن أحمد الإمام أبا بكر الأدفوي المتوفي عام 388هـ كما ذكره مع القراء أيضا، وقال: أنه لزم أبا جعفر، وحمل عنه كتبه... له كتاب في التفسير في مائة وعشرين مجلدا أسماه الاستغناء في علوم القرءان، كما ذكر للحوفي المتوفي عام 430 هـ كتابا في أعراب القرءان، وأورد للسخاوي من علماء القرن السادس وهو علي بن محمد عبد الصمد علم الدين أبو الحسن الهمداني السخاوي المصري النحوي- أن له تصانيف كثيرة منها تفسيره الذي وصل فيه إلى الكهف.
وهكذا نرى أن حركة التأليف في التفسير كانت اتصالا وثيقا بحركة التأليف في النحو، وأن النحاة كانوا أصحاب هذا العلم. وهذه الملاحظة تكشف لنا عن أن المصريين اعتبروا القرءان الكريم معينا دينيا ولغويا معا، وأنهم اتخذوه القرءان الكريم معينا دينيا ولغويا معا، وأنهم اتخذوه المثل الأعلى لأدب العربية تجب معرفة أسرار نظامه، وإدراك هيئة جمله، وحاجة الإنسان إلى معرفة أوضاع كلمه أساسا لمعرفة معانيه معرفة دقيقة، كما أن ذلك يدل أيضا على أن المصريين لم يجرؤوا على القول في القرءان وتفسيره قبل أن تتكامل الأدوات العلمية أو اللغوية في ذلك. وقد ذكروا من تمام شروط المفسر أن  يكون ممتلئا من عدة الإعراب، لا يلتبس عليه اختلاف وجوه الكلام فإنه إذا خرج بالبيان عن وضع اللسان أما حقيقة أو مجازا فتأويله تعطيله.
   وهذا مما حدا بأبي جعفر النحاس في كتابه الثاني المخطوط أيضا « معاني القرءان» أو تفسيره إلا يخليه من النحو، وذلك في تفسيره لبعض أجزاء من آية الكرسي حيث يقول: وحكى يعقوب الخضرمي: وسع كرسيه السماوات والأرض ابتداء وخبر. كما أن هذا هو نفسه الذي جعل الحوفي في كتابه يكادان يكونان اختصارين لطيفين لتفسير أبي جعفر الطبري. وعلى حين يذكر الطبري في عرضه لبعض المعاني روايات عن مجاهد، وعن الربيع، وعن السدي، وعن الضحاك، يذكر أبو جعفر النحاس روايات عن أبي هريرة، وابن عباس. ويذكر قراءة عمر بن الخطاب، ورأي ابن كيسان في القيوم، ويناقش بعض ءاراء البصريين والكوفيين، ويرجح قول ابن كيسان في ذلك. كما يورد شاهدا من الشعر ذكره الطبري في معنى « وسنان» لعدي بن الرقاع، لا يذكر النحاس قائله، ويكتفي بأن يقول: وانشد أهل اللغة. ومما يدل على رجوعه إلى تفسير الطبري قوله:« ومال محمد ابن جرير على قول ابن عباس. أن معنى الكرسي عله الله. وشبيه بذلك عمل الحوفي الذي جاء بعده، مما يكشف عن تورعه وتحرجه خوف الزلل قوله « المعنى والله أعلم»،وهو في استشهاده أثناء حديثه عن لفظ « القيوم» يترك الجزء الرابع من شاهد أمية بن أبي الصلت اكتفاء.
                             لم تخلق السماء والنجـوم
                                              والشمس معها قمر يعــوم
                              قــدره المهيمــن القيــوم
                                               والجسر والجنة والجحيم
إلا لأمر شأنه عظيم
ويروي في بعض وجوه المعاني عن عكرمة ومعمر وعطاء وابن عباس. وهو يبتر في بعض الأحايين الأسانيد، ويكتفي بقوله: واختلف في معنى العلي، فقال قوم العلي عن النظراء والأشباه، وقال آخرون ... وقيل... كما نقول..
وتقيد الكتب الثلاثة في تتبع مواد اللغة، ومع أننا نلاحظ أن الطبري في قليل من المواضيع يقتضب القول فيها، إلا أننا نرى التماس تتمة المادة اللغوية الصحيحة عند أبي جعفر النحاس والحوفي، وخير شاهد على ذلك الحديث عن معنى الكرسي.
   وفي القرن السابع الهجري يقدم لنا عالم جليل من علماء مصر ولد أوائل القرن السابع، سمح لنا الدهر وترك لنا قطعة من تفسيره الكبير، وهذا العلم الجليل هو قاضي القضاة ناصر الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن منصور الجذامي المالكي المعروف بابن المنير قاضي الأسكندرية المتوفى بها عام 683هـ. ذكره ابن تغرى بردى في النجوم الزاهرة فقال: « كان إماما فاضلا متبحرا في العلوم، وله اليد الطولى في علوم الأدب والنظم والنثر». ويدل مؤلفه حقا على غزير علم، وسعة إطلاع في تفسير القرءان الكريم، وتصفح لكتب السابقين من أمثال الطبري، وأبي جعفر النحاس وتلميذه الحوفي، والزمخشري المعزلي، وأهل التصوف وغيرهم، لذا جاء تفسيره محتويا على مناقشات لما جاء في بعض هذه الكتب، وردود على الزمخشري في بعض آرائه. وإني بعد قراءتي لما كتبه في تفسير آية الكرسي، وذلك لكي أقارن بين ما كتبه مفسرو القرون لأستشف شخصية العصور المختلفة، لا يمكنني أن أضعه إلا تحت قائمة المفسرين بالمأثور أو المنقول. فهو يقوي ما رميت إليه من أن المصريين في تفسيرهم لكتاب الله كانوا متحرجين إلى أقصى درجات التحرج.
   وابن المنير في تفسيره لآية الكرسي يبدأ قوله بذكر روايات عن أبي كعب، وعن عمرو بن العاص، وأبي هريرة، وعلي بن أبي طالبي، وعمر ابن الخطاب، ومحمد الباقر، وأبي ذر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في فضائل الآية الكريمة، ودرجتها بين كلام الله، متمرسما في ذلك خطة الصوفية، وكان هذه أصبحت عادة العصور منذ عهد الغزالي. ثم بعد الانتهاء من عمله هذا ينتقل إلى أعراب ألفاظ القرءان وجمله على طريقة النحاة وبأسلوبهم، ويناقش أنواع القراءات، ويردها إلى أصولها أول لغاتها حيث يقول:« القيوم، فيعول من القيام، وفيه ثلاث لغات: قيام، وهي قراءة عمر وابن مسعود والنخعي والأعمش، أو القيم، وهي قراءة علقمة، أو القيوم، وهي قراءة الباقين. والمعنى واحد، والأصل قيووم، وقيوام، وقيوم». وكما سار الطبري وأبو جعفر النحاس والحوفي في كتابة معاني الألفاظ والجمل يسير ابن المنير أيضا على سنتهم. فهو بعد أن يذكر المعنى يجتهد بأن يورد أقوال مجاهد والضحاك وأبي موسى وعطا والسدى والحكم وجابر وابن عباس، وشروحا للحسن البصري أيضا توكيدا لما يشرح، ويستأنس في ذلك بشواهد من الشعر العربي القديم كقول أمية ابن أبي الصلت السابق ذكره، إلا أني آخذ على ما جاء في المخطوطة- وقد يكون هذا من جهل النساخ- الخطأ في اسم عدي بن الرقاع، إذ ذكر فيها ابن أبي الرقاع وهو عنايته باستقصاء لامعاني للفظ الواحد كما فعل في كلمة « الكرسي» يناقش أنواع القراءات، ويردها إلى أصولها أو لغاتها حيث يقول:« القيوم، فيعول من القيام، وفيه ثلاث لغات: قيام، وهي قراءة عمر وابن مسعود والنخعي والأعمش، أو القيم، وهي قراءة علقمة، أو القيوم، وهي قراءة الباقين. والمعنى واحد، والأصل قيووم، وقيوام، وقيوم». وكما سار الطبري وأبو جعفر النحاس والحوفي في كتابة معاني الألفاظ والجمل يسير ابن المنير أيضا على سنتهم. فهو بعد أن يذكر المعنى يجتهد بأن يورد أقوال مجاهد والضحاك وأبي موسى وعطا والسدى والحكم وجابر وابن عباس، وشروحا للحسن البصري أيضا توكيدا لما يشرح، ويستأنس في ذلك بشواهد من الشعر العربي القديم كقول أمية ابن أبي الصلت السابق ذكره، إلا أني آخذ على ما جاء في المخطوطة- وقد يكون هذا من جهل النساخ- الخطأ في اسم عدي بن الرقاع، إذ ذكر فيها ابن أبي الرقاع وهو مع عنايته باستقصاء المعاني للفظ الواحد كما فعل في كلمة « الكرسي» يناقش بعض شروح الطبري في أكثر من موضع. ولكن ابن المنير يتميز عمن سبقه من المفسرين بابتكاره للشرح العلمي لبعض معاني الألفاظ، وهذا في رأيي يدل على سعة ثقافته، وإحاطته بمعرفة كثير من العلوم، ففي حديثه عن السنة مثلا يقول: السنة النعاس، وهو النوم الخفيف، وهي ريح تجيء من قبل الرأس لينة، فتغشى العين، فهو وسنان بين النائم واليقظان»، وكذلك في شرحه لمعنى النوم حيث يقول:« هو تغفل المزيل للقوة والعقل». ومن هذه الناحية يعتبر تفسيره تطويرا جديدا، أو مرحلة جديدة في التفسير بالمأثور، إذ تظهر فيه شخصية ابن المنير العلمية المبتكرة مع عدم استغنائه عن النقل. ومما يلاحظ عليه أيضا اطلاعه على بعض تفاسير الصوفية حيث يذكر في الورقة الرابعة من كتابه التعبير الآتي: « قال أهل الإشارة» وكلمة « إشارة» من مصطلحات أهل الصوف.
   وغني عن التنبيه أنه بظهور الفاطميين في مصر في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري ظهر التفسير الباطني، ولكن في دائرة ضيقة تكاد لا تتعدى رجال السياسة والحكم لأن المصريين لم يكونوا يستسيغون هذا المذهب الفلسفي، ولم يستطع الفاطميون أصحاب القوة والسيطرة إجبار الشعب على اعتناق مذهبهم بالقوة والقهر، لذا نراهم قد أفسحوا صدورهم على الرغم من أنوفهم لتفسير العلماء السنيين، بل سمحوا لهم في حرية مطلقة بالتحلق في المساجد، وإلقاء دروس التفسير النقلي على طلاب العلم. والراغبين في الاستزادة من معينة الفياض.
والتفسير الباطني اتخذه الفاطميون بطبيعة الحال وسيلة لنشر مبادئهم، ولجأوا فيه إلى التأويل والتحايل لخدمة مذهبهم، بل أغراضهم، وهذا اللون من التفسير لا يوافق المعرفة الحقيقة للغة العربية. وبينما نرى التفسير بالمأثور يخدم الدراسات الدينية واللغوية معا، لقيامه على المفهوم العربي السليم، فإنا نرى التفسير الباطني يؤدي إلى إضافة مفهومات جديدة للفظ، ليس لها وجود إلا في أذهان دعاة الباطنية، الذين يفسرون قوله تعالى في سورة نوح « فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا، يرسل السماء عليكم مدرارا، ويمددكم بأموال وبنين، ويجعل لكم جنات، ويجعل لكم أنهارا» بأن قوله تعالى: « يرسل السماء عليكم مدرارا»: إن السماء هي الإمام والماء والمدرار: العلم ينصب من السماء إليهم ومعنى قوله تعالى « يمددكم بأموال وبنين»: بأن الأموال هي العلم، والبنين هم المستجيبون ومعنى قوله تعالى« يمددكم بأموال وبنين»: بأن الأموال هي العلم، والبنين هم المستجيبون. ومعنى قوله تعالى« ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا»: إن الجنات هي الدعوة السرية، أو الباطنية والأنهار هي العلم الباطني.
  لقد خدم تفسير القرءان الكريم من غير شك في معرفة اللغة العربية معرفة دقيقة، واستقصاء ظواهرها، كما خدم في معرفة أصول الدين الإسلامي باستثناء المفهومات الباطنية الحادثة، كما خدم في وقوف المصريين على أفصح نص عربي بليغ، وانبعاث النشاط العلمي الديني والنحوي واللغوي في مصر، وخير دليل على ذلك عمل المفسرين بأمور اللغة. وهذا ساعد أبناء الكنانة على تفضيلهم للأسلوب القرءاني الذي نثروه في كلامهم وخطبهم، وفي كل ما كتبوه منذ أن ظهرت عندهم الكتابة الديوانية، واستقامت سوقها، وازدهرت وأتمرت، حتى اختتمت الطرق الأدبية في أواخر القرن السادس الهجري بطريقة القاضي الفاضل أو أسلوبه في مصر، كما أننا نلاحظ أن شعراء مصر المتأخرين ضمنوه قصائدهم بما يسمى في علم البلاغة بالتورية أو التضمين.
   ويتقدم بنا من الزمن لنظفر في القرن التاسع الهجري بمجهود أوسع العلماء نشاطا، وأكثرهم كتابه وتأليفا في مختلف العلوم العربية الدينية واللغوية إلا وهو العالم الجليل الإمام جلال الدين السيوطي، الذي قدم لنا كتاب « الدر المنثور في التفسير القيم في ءاخر كتاب « الإتقان في علوم القرءان» فقال: وقد جمعت كتابا مسندا فيه تفاسير النبي صلى الله عليه وسلم، فيه بضعة عشر ألف حديث ما بين مرفوع وموقوف وقد تم ولله الحمد في أربع مجلدات، وسميته « ترجمان القرءان»، وهو التفسير المسند عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتم بحمد الله في مجلدات، فكان ما أوردته فيه من الآثار بأسانيد الكتب المخرجة مناه بطرق كثيرة رأيت قصور أكثر الهمم عن تحصيله، ورغبتهم في الاقتصار على متون الأحاديث دون الإسناد وتطويره، فلخصت منه هذا المختصر مقتصرا فيه على متن الأثر، مصدرا بالعزو والتخريج إلى كل كتاب معتبر، وسميته بالدر المنثور في التفسير المأثور».
 
والقاريء لهذا الكتاب النفيس لا يرى فيه استنباطا أو إعرابا أو شيئا من علوم البلاغة، وإنما يجد فيه سردا للروايات عن السلف الصالح في التفسير دون أن يعقب عليها. وهو فيه لا يعدل ولا يجرح، ولا يضعف، ولا يصحح. لقد جاء هذا الكتاب كما أراد السيوطي كتابا جامعا فقط لما يروي عن السلف في التفسير أخذه السيوطي من كتب الحديث التي وقف على جمعها الأئمة الفضلاء كالبخاري التي وقف على جمعها الأئمة الفضلاء كالبخاري ومسلم والنسائي والترمذي وأحمد وأبي داوود وابن جرير وابن أبي حاتم وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا وغيرهم. ويكاد يكون الكتاب الوحيد بين كتب التفسير الذي اقتصر على هذا النوع من التفسير المأثور. ولعل عناية السيوطي بهذا التفسير المأثور تقوي رأينا بتحرج المصريين في قولهم في القرءان، وأن قوة عقيدتهم تضطرهم إلى تناول قوة الآئمة من السلف، مستوعبين شروحهم لكتاب دينهم، وقانون دنياهم، بادئين بها قبل كل نظر في القرءان الكريم.
  غير أننا لا نستطيع في هذا المجال إغفال عمل جليل ءاخر للسيوطي قدم به للإسلام خير الأعمال، ونعني به تكملته لتفسير العالم الجليل جلال الدين المحلي المتوفى عام 864هـ فقد ابتدأ المحلي تفسيره من أول سورة الكهف إلى ءاخر سورة الناس، ثم ابتدأ بتفسير سورة الفاتحة، وبعد أن أتمها توفى مبتدئا بتفسير سورة البقرة، وانتهى عند ءاخر الإسراء، ثم وضع تفسير الفاتحة في ءاخر تفسير الجلال المحلى لتكون ملحقة به.
  ويقتضينا المقام هنا أن نعرض لطريقة العمل في هذا التفسير. فالملاحظ أن الجلال المحلي فسر الجزء الذي فسره بعبارة موجزة، وأسلوب دقيق، بلغ الغاية في الحسن، وجاء الجلال السيوطي فتبعه في طريقته ليكون عمله تتمة أمينة، وتكملة على النمط الذي اختطه الجلال المحلي رحمه الله، لذا لم يتوسع السيوطي، بل التزم الإيجاز، وعلى الجملة لقد نهج السيوطي في تكملة هذا التفسير نهج المحلي من ذكر ما يفهم من كلام الله تعالى، والاعتماد على أرجح الأقوال، وإعراب ما يحتاج إليه، والتنبيه على القراءات المختلفة المشهورة على وجه لطيف، وتعبير موجز دقيق، وترك للتطويل بذكر أقوال وأعاريب يجب أن يكون محلها كتب النحو. والمتصفح لكل من التفسيرين لا يكاد يلمس فرقا بين طريقة كل من الشيخين الجليلين إلا في مواضع قليلة، والعملان يهدفان أول ما يهدفان إليه إلى تقديم ما يجب على المسلم أني عرفه من شرح لكتاب الله بأدق أسلوب، وأوجز تعبير.
   وبعد عصر السيوطي ران على العالم الإسلامي عهد من التأخر الحضاري، والجمود الفكري، حتى اطل على المجتمعات الإسلامية العصر الحديث، وهيأ الله للمسلمين اليقظة بظهور جمال الدين الأفغاني، أعظم ثائر عرفه الشرق في هذا العصر، وبظهوره تؤرخ كل حركات النهضة الفكرية والسياسية. وصرخ جمال الدين في نفوس المسلمين صرخته المدوية المعروفة، التي تلخصها كلماته التالية:« هبوا من غفلتكم، أصحوا من سكرتكم، عيشوا كباقي الأمم أحرارا سعداء». وكان أخلص تلاميذه لمبادئه الشيخ محمد عبده، الذي كان يلقي دروسه في تفسير القرءان الكريم بطريقة جديدة، كانت توحي بتجديد مبادئ الإسلام، وربط التعاليم الدينية بالحياة المدنية وإظهار أن الإسلام دين تقدمي، لا يتعارض بحال من الأحوال مع الحضارة والمدنية، والتقدم الإنساني في جميع المجالات.
ويمكن تلخيص الأسس التي قام عليها منهج الشيخ محمد عبده في تفسيره للقرءان الكريم فيما يأتي: اعتبار السورة وحدة متناسقة، وإعمال النظر والفكر وتحكيم العقل، والتحذير من الإسرائيليات، وترك الاهتمام بالبحوث النحوية والبلاغية واللغوية إلى علومها المتخصصة، لأن التفسير في رأيه يجب أن يشغل الباحث بالمعنى لتفهم المراد من القرءان، لأنه في حقيقة أمره كتاب دين قبل كل شيء، أنزله الله ليرشد الناس إلى ما فيه سعادتهم في الدنيا وفي الآخرة. ثم أخيرا وصل القرءان بعلوم الاجتماع والطبيعة وسياسة الأمم وحياة المجتمعات، مستشهدا أثناء تفسيره بآراء الفلاسفة المعاصرين، وعلماء الاجتماع والسياسة والحكم، محاولا في كل موقف أن يوفق بين القرءان والعلم، مشيرا إلى أن هذا الكتاب الكريم إنما نزل لإصلاح المجتمع، وتنظيم أداة الحكم بالتشريع السليم. ولله رد السيد رشيد رضا الذي تولى تسجيل دروس الإمام في مجلة المنار حيث يقول: « هذا هو التفسير الواحد الجامع بين صحيح المأثور، وصريح المعقول، الذي يبين حكم التشريع وسنن الله في
الاجتماع البشري، وكون القرءان هداية عامة للبشر في كل زمان ومكان، وحجة الله، وآيته المعجزة للإنس والجان، ويوازن بين هدايته وما عليه المسلمون في هذا العصر، وقد أعرض أكثرهم عنها، وما كان عليهم سلفهم إذ كانوا معتصمين بحبلها بما يثبت أنها هي السبيل لسعادة الدارين، مراعى فيه السهولة في التعبير، مجتنبا مزج الكلام باصطلاحات العلوم والفنون بحيث يفهمه العامة، ويستغنى عنه الخاصة. وهذه هي الطريقة التي جرى عليها في دروسه في الأزهر حكيم الإسلام الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده، أحسن الله مآبه، وأجزل ثوابه». ولقدا قتدى العلماء المحدثون من رجال الأزهر بالإمام محمد عبده، وأخص منهم بالذكر الشيخ محمد مصطفى المراغي والدكتور محمد عبد الله دراز، والشيخ محمود شلنوت، رحمهم الله، وأسكنهم فسيح جناته.
  ولعل خير مجهود يمكن أن يسجل لمصر اليوم في هذا المجال الديني العظيم إنما هو العمل الجليل الذي يقوم به في هذا العام المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، ذلك أن العمل الذي توافر على تأليفه العلماء الأجلاء أعضاء لجنة القرءان والسنة. فقد قاموا بتفسير القرءان الكريم بأسلوب عصري مبسط متكامل، وقام بالتعليق العملي على ءاياته الكريمة، وبيان ما تضمنته من أسرار الحياة التي تكشفت في العصر الحديث أعضاء لجنة الخبراء بالمجلس الموقر. والمجلس رغبة منه في لإكمال الفائدة وإتاحة حصول جميع المسلمين عليها، والظفر بها، يقدمه هدية نفسية في أجزاء منفصلة مع مجلة « منبر الإسلام» في غرة كل شهر عربي. وفق الله هذا المجلس الموقر، وأفاد بإعماله الجليلة التي رصدها من أجل خير الإسلام، ونفع المسلمين.


الـمـراجـع:
1- تفسير الطبري. جامع البيان عن تأويل أي القرءان
2- الإتقان في علوم القرءان للسيوطي.
3- إحياء علوم الدين للغزالي.
4- فضائح الباطنية للغزالي.
5- مقدمة ابن خلدون.
6- إعراب القرءان لأبي جعفر النحاس (محطوط بدار الكتب المصرية).
7- البرهان في علوم القرءان للحوفي (مخطوط بدار الكتب المصرية)
8- تفسير ابن المنير (مخطوط بدار الكتب المصرية).
9- النجوم الزاهرة لابن تغرى بردى ج7.
10- معجم الأدباء لياقوت الحموي.
11- إنباه الرواة على انباه الرواة للقفطي ج1.
12- فجر الإسلام الدكتور أحمد أمين.
13- مذاهب التفسير الإسلامي لجولدتسهر ترجمة الدكتور عبد الحليم النجار.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here