islamaumaroc

يوم الذكرى

  دعوة الحق

124 العدد

                        كلمة وزارة عموم الأوقاف والشؤون إسلامية
                 التي ألقيت بالإذاعة والتلفزيون بمناسبة ذكرى وفاة مولانا
                                 محمد الخامس قدس الله روحه

  
الحمد لله، والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه وجميع أتباعه.
أيها الإخوة المؤمنون السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته، أما بعد، فإننا في يوم عبرة و ذكرى لبطل خالد و إمام مجاهد، و زعيم رائد يعتبر في حركة التحرير الإفريقية أعظم قائد هو المغفور له مولانا محمد الخامس قدس الله روحه، ذلكم البطل الذي ضرب بنفسه و أسرته لرعيته المثل بل لسائر الأقطار المغلوبة على أمرها؛ للسعي في تحطيم أغلال غاصبيها، فاتخذته هذه الرعية وكثير من الأمم الإفريقية قدوة عظيمة لنيل الحرية، و للخلاص من سيطرة الاستعمار الأجنبية ، فبرز لميدان التحرير هو و أسرته بمواقفه الخالدة، في محاربة السياسة الاستعمارية البائدة، و من ورائه بطال الفداء وجيش التحرير و الأمة التي قدرت أبطالها، و عرفت أمجادها، بكل إعجاب و تقدير، تشد أزرهم، و تزود حركتهم، و تبارك أعمالهم، حيث توحدت الصفوف حول الأهداف الوطنية العليا، و أدركت الأمة بفضل قيادة رائدها العظيم  أعز أمنية، هي نعمة الاستقلال و تحطيم قيود العبودية و الإذلال، و حق لأمة يقودها أمثال محمد الخامس رضوان الله عليه. إن تسعد، بمساعيه، و تحقق كل امانيه، وأن توفيه في مثل هذه الذكريات ما يستحقه من تقدير و وفاء، و تمجيد و ثناء، كلما حلت ذكراه، و إذا كان التاريخ سجل سيرته و مواقفه و ما تحمله من المتاعب في حفظ كرامة أمته و شعبه، فمن الوفاء لهذه المواقف أن تلقى و تعلن في كل المناسبات كسيرة من سيرة الأبطال، لا لخصوص الناشئين في المدارس،بل في كل الاندية والمجالس، حتى تعتاد الأمة سماع المبادئ و المثل التي سعى إليها عظيمها محمد الخامس و طبقها بنفسه في سلوكه و حياته، فكان القدوة الحية للمخلصين من رعيته، وفي نفس هذه الذكرى أيضا وفاء وتمجيد لجميع شهداء الوطنية والاستقلال الابرار، وترحم على جميعهم، وهم عند ربهم يرزقون في دار القرار، لأن الملك بشعبه، والقائد بجنده والنصر بالأنصار، والمجاهد بالمجاهدين الأبطال، فاللهم تغمد الشهداء برحمتك واسكنه وإياهم جميعا فسيح جناتك، واجعلهم مع الذين أنعمت عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين.
أيها الإخوة المؤمنون، أن نواحي العظمة في بطل تحرير المغرب مولانا محمد الخامس الذي نحتفل اليوم بذكراه المتعددة الجوانب، يحتاج استيعابها بالدراسة والتحبير إلى وقت طويل غير هذا الوقت القصير، ولكني سأتناول بذورا لهذا الغرس الكريم – الذي أتى ثمرته الطيبة بعد حين.
    أول هذه البدور توعية الشعب وتفهيمه دروسا في تقويم عقيدته وتعليم ناشئته، فقد أدرك مولانا محمد الخامس بثاقب فكرته، أن القيم الخلقية، والمعرفة هما العمادتان المقومتان، والحافظتان لكيان الأمة سيما أمة كونتها العقيدة الإسلامية الطاهرة، وأدركت عزها التاريخي والحضاري في ظل هذه العقيدة
والشريعة الإسلامية العملية، التي تغلغلت في أعماق هذا الشعب المغربي المسلم منذ ثلاثة عشر قرنا وكانت الضرورة قاضية بإعادة النظر في العقيدة حتى تسلم مما اعتراها من تفكك وتصدع، وبسبب البدع المحدثة في الدين، وما ألحق به من الذيول والخرافات حسب ميول بعض الطرقيين الحرافيين، مما جعل العقلاء يانفون من نسبة أعمالهم إلى الإسلام، فأعلن مولانا محمد الخامس الطريقة السلفية المحضة التي تعيد لدين الإسلام نقاوته وللمغاربة رشدهم في سبيل دعوة الحق، وترك كل ما أحدث في الدين مثل ما فعل أسلافه المقدسون مولانا محمد بن عبد الله ومولاي سليمان ومن سلك سبيلهم، وعزز فيه رحمه الله هذه الطريقة من كان بجانب جلالته من الدعاة المصلحين للسلفية فأنقذ بهذه الدعوة السلفية نخبة هامة من الزبغ الخرافي ومن الانحراف والإلحاد في الدين، فنشرت هذه النخبة المبادئ الإسلامية على وجهه سواء في الصحف والمجلات أو في المحاضرات الإذاعية والدروس الدينية والخطب الجمعية في المساجد، حتى تماسكت الحال واختطت السلفية طريقها في المغرب بين الطرق الأخرى، وعرف الجمهور معنى هذه الخطة الرشيدة التي رفضت الجمود الذي خيم على المجتمع المغربي، وتبينت ما ألحق بالدين من الخرافات والبدع كما أدرك أهل العقول النبرة أن الإسلام في أصله ينبوع صاف وشريعة كاملة صالحة لكل زمان ومكان، تكونت في ظلها حضارات ودول ونشأت في أحضانها علوم وفلسفات كانت ولازالت إحدى الحلقات العظيمة في حلقات التاريخ العلمية والحضارية في حياة البشرية جمعاء.
    وأما قضية التعليم فقد وجه مولانا محمد الخامس رضوان الله عليه عناية كبرى لهذه الناحية حتى نمت وأتت ثمارها الشهية في هذا الوطن فبدل مجهودا جبارا مع الإدارة الحامية في شأن تقويم التعليم الديني والعصري فتحسنت الوضعية نوعا ما رغم محاولة إدارة الحماية لعرقلة كل رغبة في ميدان إصلاح التعليم، كما وجه رحمه الله نفس الجهود لتشجيع التعليم الحر ماديا ومعنويا مع التنويه بالمساعدين له البانين لمدارسه والقائمين على تربية الطلاب فيها حتى صار يذكر بعضهم في خطاب العرش السنوي الذي اعتاد مولانا أن يسجل فيه ما تم إنجازه في السنة، ومن ذلك التشجيع أنه كان يذهب بنفسه من غير ميعاد لزيارة بعض المدارس في مختلف جهات المملكة، حتى عرفت هذه العناية في جلالته، وصارت كل المدارس، تسعى بكل جهد وضعيتها العلمية والمظهرية حتى يجدها مولانا إذا تفضل بزيارتها على أحسن الأحوال، فتنال رضاه الأبوي الذي هو من أعز أمانيها، وقد ضرب مولانا محمد الخامس نور الله ضريحه المثل بتعليم أبنائه تعليما عصريا ذا مشرب ديني، حتى كان يحضر بنفسه أحيانا دروس الأساتذة المعلمين لأبنائه في المدرسة الخاصة وناهيك من كفاءة هذه التربية السليمة بتثقيف أبناء البيت المالك ظهور نابغ عظيم من نبغاء البيت العلوي العريق في المجد هو أمير المؤمنين مولانا الحسن الثاني أيد الله وجهته وأدام عليه وعلى أفراد أسرته نعمته.

اليقظة الوطنية :
كانت نتيجة تقويم العقيدة وتعليم الناشئة أن أسترد الشعب حماسه وحيوته، وقوي إيمانه بنفسه وبحقه في الحياة الكريمة، فبعد أن استمرت مقاومة الاستعمار الحربية في بعض جهات المغرب إلى سنة 1934 وانتهت بالتسليم خلفتها حركة وطنية ابتدأت في المدن وتسربت لسائر الجهات بطريقة سلمية فنظم الأساتيد الأناشيد الوطنية الإصلاحية، وظهرت الجرائد المطالبة أولا بالإصلاحات وثانيا بالاستقلال.
  
فاتجهت صفوة الأمة صوب العرش تؤيد المجالس عليه، وتعتبره رمزا لوحدة السيادة المغربية، وحول مطالب الأمة تزكيها، وصار المغاربة يحتفلون بعيد العرش حتى اتخذ هذا العيد صبغة شعبية فصار علماء الدين ينظرون إلى الجالس على العرش نظرهم للإمامة الإسلامية التي يرجع إليها أمر الحفاظ على الدين ومصالح الدنيا، وينظر إليها المثقفون ثقافة عصرية كرمز لوحدة الأمة التي تتحد حولها الصفوف وعم بذلك الشعور مما اضطر رجال الحماية إلى الاعتراف بعيد العرش المغربي رغم معرفتهم بخطورة أمثال هذا المهرجان الوطني الشعبي والسياسي على وجودهم، ومحاولتهم لصد تياره، ولم تمض إلا عشر سنوات على خمود المقاومة الحربية للاحتلال التي امتدت إلى سنة 1934 حتى قدمت عريضة ممضاة من مختلف طبقات الشعب سنة 1944 تطالب لا بالإصلاحات كما كانت الحالة قبل ذلك بل تطالب بالاستقلال وإنهاء عهد الحماية، فاتخذت الوطنية شكلا آخر، وجد مولانا محمد الخامس في هذا الطلب وما جاءت سنة 1947 حتى كانت رحلته المباركة إلى طنجة فأعلن رغبة المغرب في الاستقلال والانضمام إلى الجامعة العربية، وهنا برزت واتخذت المقاومة الفرنسية لبطل المغرب شكلا علنيا وتهديدات الخلع من الإمامة الإسلامية وانتهت بنفي الملك وأسرته ونزعه واختطافه من بين أفراد شعبه المتفاني في تقديره وحبه، وهنا قامت قيامه المغاربة وبرز أهل الفداء، وجيش التحرير، لقد ظنت فرنسا أن خلع إمام المغرب مولانا محمد الخامس ستنهى قضيته كما انتهت قضية خديوي مصر عباس أو كما انتهت قضية محمد المنصف باي تونس فتتمتع بثمار عدوانها، ولكنها وجدت المغاربة أصلب عودا مما ظنت فأخطأت في ظنها، فقاومت حتى أعيتها المقاومة والحيل، وأخيرا ذعنت وحقق المغاربة وعلى رأسهم بطلهم العظيم وأمير سره ومشاركه في الجهاد والتدبير مولانا الحسن الثاني انتصارا عظيما واستقلالا ناجزا.

   وهكذا شارك مولانا محمد الخامس وأسرته الكريمة الذي نحتفل اليوم بذكراه شعبه الوفي آلام السجن والمنفى، وقاسمه جميع ما تحمله وتعرض له من المحن والبلوى، حتى قدم نفسه وأسرته ضحية للمبادئ المثلى التي عاش يخدمها يوم اشتدت الكروب، وأدلهمت الخطوب، ولكن الحمد لله حيث كانت العاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين، فقد عاد بطل المغرب وأسرته بوثيقة الاستقلال وبشرى انتهاء عهد الحجر والحماية.
  فجاء عهد بناء الاستقلال بعد جلاء الجيوش عن الجزء المحرر من هذا الوطن بتقوية إطار الأمن الداخلي و تنظيم الجهاز العسكري تنظيما محكما يتجلى في كل مظاهره و استراضاته، و تنمية القطاعات الاقتصادية في مختلف المجالات حتى إذا أجاب داعي ربه ترك فينا خلفه الصالح مولانا الحسن الثاني ليشيد لهذا الوطن المكارم و يبني عظمة أمته على امتن الدعائم، ويسعى لتوحيد صفوف الأمة الإفريقية والإسلامية بما يناسب العصر، فرحم الله بطل الإسلام مولانا محمدا الخامس وبوأه فسيح جناته وأتم النعمة والنصر على أمير المؤمنين مولانا الحسن الثاني وولي عهده الأمير سيدي محمد وبوأ شعبه في عهده كل تقدم وازدهار في ظل الوحدة الإسلامية الشاملة.

 

 


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here