islamaumaroc

عناصر المهمات الكبرى التي قام بها الرسول (صلعم)

  دعوة الحق

124 العدد

  • إن الباحث المنصف في عظمة رسول الإسلام ولو من غير المسلمين يجد أمامه من جلائل الأعمال الخالدة ما يملأ النفس إجلالا وإكبارا ويجلي ويظهر للعالم خير قدوة لكل عظيم، بل خير قدوة في الخير للإنسانية جمعاء وذلك من خلال المهمات الكبرى التي قام بها في حياته عليه السلام فلنشر إلى عناصرها الأولية.

    أولا: توحيد الأمة
       إن سيدنا محمد بن عبد الله وحد الأمة العربية بعد تفرقها وتنازعها ومحاربة قبائلها بعضهم لبعض، لأتفه الأسباب، وحروب الجاهلية معروفة بأسمائها ومواضعها وقبائلها وأيامها، زيادة على أن بعض القبائل بأطراف الجزيرة العربية كان تابعا للفرس من جهة، والبعض الآخر من جهة الشام كان تابعا للروم، فوحد رسول الله سيدنا محمد عليه السلام الجميع توحيدا تاما كاملا وانتشل من القلوب الإضغان والأحقاد، وقال ليس منا من دعا بدعوى الجاهلية، وقال لما سمع بعضهم يدعو بها« دعوها فإننا منتنة».
    وقال في خطبة حجة الوداع إن الله أذهب عنهم دعوى الجاهلية وتعظمها بالآباء، الناس من آدم وآدم من تراب، لا فضل لعربي على عجمي ولا لأبيض على أسود إلا بتقوى الله، وذكرتهم آية كريمة في القرآن بأنعام الله عليهم بالاتحاد حتى صاروا إخوانا بعد العداوة والبغضاء، فقال الله تعالى : «واعتصموا بحبل الله جميعا، ولا تفرقوا، واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا ».

    ثانيا: توحيد الالاه رب العالمين وعبادته وحده:
       جدد سيدنا محمد عقيدة الأمة على أساس جديد هو توحيد الالاه وعبادته وحده بعد أن كان العالم غارقا في بحر الضلال بين عبادة النار وعبادة البشر واتخاذ الأوثان والأصنام والأحجار والكواكب والشمس والقمر آلهة تعبد من دون الله أو تشرك مع الله في عبادته وجاهد الرسول عليه السلام في هذا السبيل بمختلف الوسائل وذلك مذكور في الوحي، المنزل عليه من رب العالمين بضرب الأمثال وتحقير هذه الأصنام والأوثان وإظهار عجزها في أقبح الصور، كما قال الله تعالى: «إنما تعبدون من دون الله  أوثانا وتخلقون إفكا، إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا، فابتغوا عند الله الرزق، واعبدوه واشكروا له، إليه ترجعون »
    وقال تعالى: «يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له، إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له، وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه، ضع الطالب والمطلوب، ما قدروا الله حق قدره، إن الله لقوي عزيز».

    ثالثا: تنظيم كامل للحياة الاجتماعية :
       إن رسول الإسلام عليه السلام نظم حياة الأمة الاجتماعية  على أساس شريعة عملية هي أرقى شريعة
    سماوية عرفها في تاريخ الاجتماع في العبادات والمعاملات وحسن السلوك مع الموافقين والمخالفين والعدل والإحسان، ليس برهانيه بحثة ولا مادية صرفة، بل جمعت بين المصلحتين، مصلحة الدنيا ومصلحة الآخرة في تناسق واعتدال، ولا إفراط ولا تفريط، ويتبين هذا المعنى بوضوح فيما روي البخاري ومسلم وغيرهما من أنس بن مالك رضي الله عنه قال : جاء رهط على بيوت أزواج النبي (ص) يسألون عن عبادة النبي (ص) فما أخبروا كأنهم نقالوها (أي عدوها قليلة) فقالوا وابن نحن من النبي (ص) أما فأني أصلي الليل أبدا، وقال آخر أني أصوم الدهر. وقال آخر أنى اعتزل النساء فلا أتزوج أبدا، فجاء رسول الله إليهم فقال أنتم القوم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله أني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد. وأتزوج النساء.
    فمن رغب عن سنتي فليس مني. وكذلك نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عمرو بن العاص حيث تزوج وانقطع للعبادة ولم يعاشر زوجته عشرة الأزواج، فبلغ ذلك إلى النبي (ص) له أن لنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، وليزورك «أي لأضيافك الدين يزورنك عليك حقا فاعط كل ذي حق حقه، فتبين من ذلك أن دين الإسلام يعتبر مصلحة الدنيا إلى جانب مصلحة الآخر ويعطي المسجد حقه وللروح حقه في اعتدال وتناسق يصور للناس الحياة الطيبة في أجمل صورها، قال تعالى : «يابني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرقوا أنه لا يحب المشرقين، قل من حرم زينة الله التي أخرج لعبادة والطيبات من الرزق، قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة، كذلك نفصل الآيات لقوم يعملون، قل أنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن، والإثم والبغي بغير حق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا، وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون». كما جاء الإسلام بنظام خاص في توزيع الثروة، فيه نصيب للضعفاء ومشروعية التملك للأغنياء.


    رابعا : إقامة دولة عظيمة
       فقد أقام رسول الله الإسلام السلام من القبائل العربية بعد توحيد عقيدتها وتوحيد صفوفها وجمع كلمتها وتنظيم حياتها الاجتماعية، نقول أقام من هذه القبائل دولة عظيمة مثالية في أهدافها وخلافة إسلامية عادلة في سيرتها في برهة وجيزة من تاريخ الأمم لم يتقدم لها نظير في التاريخ امتدت أغصانها اليانعة في كثير من الأقطار، وحصلت فيها حضارات، وظهرت فيها علوم لفتت إليها الأنظار، واستمدت منها دول غير عربية وانتفعت الإنسانية من تقدم العرب يوجه عام.
    وبعد فهذه نظرة خاطفة على الدين الإسلامي والمبادئ التي قام عليها والأهداف الإنسانية والدينية القويمة التي رمى إليه نظريا وتشريعيا وأخلاقيا.
    فمن ربى هذه الأمة وتولى ذلك بنفسه فهذب نفوسها وقوم أعوجاجها وزكاها حتى تعلمت الكتاب والحكمة وصارت خير أمة أخرجت للناس أنه الرسول محمد عليه السلام.
    ومن هو المطبق لهذه الشريعة تطبيقا عمليا كان فيه خبر قدوة وكان المثال الحي لما جاء به من الحق في الميدان السياسي والإداري والمالي والقضائي أنه كذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.
       ومن هو القائد العظيم في جهاد هذه الأمة لإهداء الإسلام الواضع لخططها الحربية ومعاهدتها وطليعة جيشها في ميدان الوغى أنه الرسول العظيم والشجاع الذي لا يعرف للهزيمة معنى والذي حكى عنه الصحابة قولهم : أننا كنا إذا اشتد اليأس وحمي وطيس الحرب اتقينا برسول الله، أن هذا الرسول جمع بين صفة المربي الكامل والقائد العسكري الباسل والحكم العادل والمشرع الحكيم الفاضل فكان أمة وحده، فجدير بكل شاب منتور أن يبحث في جوانب هذه السيرة الكريمة فهي مرآة صادقة لحياة عزيزة مثالية جمعت من الفضائل الأخلاقية ما تشتاقه كل نفس كريمة، ومن جهة أخرى لا توجد سيرة لأي نبي أو رسول مدونة بكل صدق ونزاهة وباللغة الأصلية التي حفظت سياجها وأسلوبها وظروفها التاريخي والاجتماعية مثل ما حفظت ودونت سيرة هذا الرسول فقد عرفت حياته قبل البعثة وظروفها وبيئته ووسائل معيشته ووقع التحري غاية فيما صدر عنه من تشريع وأقوال. فجاء الحق وزهق الباطل فقد اعتنى العلماء قديما وحديثا بدراسة هذه السيرة الكريمة حتى أبدع فيها غير المسلمين فترجم المسلمون مؤلفاتهم إلى اللغة العربية وعلقوا عليها بعدما أعجبوا بها فأيدوا ما ثبتت روايته بالطرق الصحيحة وزيفوا ما خالف التاريخ
    والواقع وربما كان سبب غلط المنصفين من غير المسلمين أن علماء المسلمين جعلوا هذه السيرة العظيمة عبارة عن كثير من الخوارق للعادات التي أيد الله بها رسوله الكريم حقيقة أن حياة رسول الله لا تخلو من خوارق لتأييده من الله ولكن يتبغي بل يجيب أن يقتصر من هذه الخوارق على ما صح وثبت وقوعه، ولا يجلب مؤلف السيرة كل ما قيل من موضوع ومكذوب، فإن ضرر ذلك عظيم على النفوس المتنورة، وقد قال عليه السلام حدثوا الناس بما تدركه عقولهم، أتريدون أن يكذب الله ورسوله. وعن أبن عباس خاطبوا الناس بما يفهمون، وقد نتج عن الاتجاه المنحرف في دراسة السيرة أن البعض يريد أن يؤمن الناس بكل ما روي ولو من طريق ضعيف، حتى إذا حاول شخص أن يبحث في الآثر المروي اتهموه بضعف الإيمان، فنشأ النزاع بين الناس مع أن الحياة تطورت ونحن الآن في عصر القابض فيه على عشر دينه كالقابض على الجمر كما في الحديث الذي ينذر بوقوع هذا التدهور في أمة الإسلام، لأن هذا العصر هو عصر الجحود وقلة المبالاة بالدين والجرأة على مخالفة تعاليمه، والمسلمون في غنى عن الخوض فيما لا يثبت من سيرة الرسول وأحاديثه وأن في الأحاديث الصحيحة وأخلاق الرسول الكريمة ما يقنع كل منصف بعظمة رسول الله.
        ومن جهة أخرى نرى جعل السيرة تتجه نحو إثبات خوارق غير ثابتة يفوت عن المخلصين لدينهم الاستفادة الكاملة من دراستها واتخاذ الرسول فيها قدوة متبعة، فإن دراسة السيرة النبوية غايتها اتخاذ الرسول قدوة حسنة في العمل لخير المجتمع والعلماء المتساهلون الذين يجعلون أكثر حياة الرسول من قبيل الخوارق والمعجزات يجعلونها بعيدة عن اتخاذ الرسول قدوة، ومن الأفيد والأصلح أن تتجه دراسة السيرة إلى ناحية الأخلاق التي تجلت في أكمل صورها لا في خصوص النبي العظيم عليه السلام، ولكن أيضا في الصحابة الذين عاشروه وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه فكانوا بتربيته خير مثال للكمال الإنساني بشهادة التاريخ الصحيح الذي لا يحابي ولا يكذب وليقرأ من يجادل في هذا الموضوع سيرة خلفائه الراشدين على أن حديث الرسول بشير إلى هذه القضية الثابتة تاريخيا حيث قال عليه السلام : (خيركم قربى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم).
             

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here