islamaumaroc

الاستشراق وقضايا الإسلام وثقافته-2-

  دعوة الحق

124 العدد

أن بعض المستشرقين لا يدخرون وسعا في تأليف رصيد هائل من الخرافات المضحكة حول الشخصية المحمدية العظمى حتى يتمكن لهم بذلك نسف قلعة الإسلام من أساسها، وليس هناك من سبب إلا لكون هذه الشخصية الكريمة المثلى غيرت مجرى التاريخ، وصححت المفاهيم الخاطئة التي تأصلت في العقل البشري، ودعت إلى دين مشرق يلم شعث الإنسانية ويأخذ بيدها إلى شاطيء الأمن والسلام، ويراب صدع البشرية التي نخر جسمها العفن قرونا عديدة ليضع لها حياة فاضلة تؤلف مهرجانا من المحبة، والتوفيق بين شتى الاتجاهات المتضاربة، ويشكل لحمة تتجمع داخلها شرايين الاطمئنان.
ولو كانت لأولئك قلوب تفقه لآمنت بخاتم النبيئين وبرسالته الإلهية، ولأقلعت عن غيها وعنادها ورجعت إلى الحق، ذلك لأن سيدنا محمدا عليه السلام لم يبعث إلى العرب وحدهم، وإنما بعث إلى كافة البشر، فرسالته عمومية شمولية لا تقتصر على شعب دون آخر، وقد صرح بذلك القرءان الكريم في قوله تعالى: « وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا، ولكن أكثر الناس لا يعلمون»
والكتب السماوية نفسها أشارت في غير ما موضع من فصولها إلى مبعثه عليه السلام رغم ما اعتورها من تحريف وتزوير، وما غصت به من أغاليظ، وفي وسع أي مثقف أن يعمد إلى التوراة والإنجيل فيجد تنبؤات عديدة ببعثه لا نحتاج إلى إيراد أمثلة منها(1).
والحديث عن وجهة نظر ذلك النفر من المستشرقين في الشخصية المحمدية الكريمة حديث مسهب، لذلك سأجنزيء بذكر أهم القضايا التي أثاروها في هذا الصدد:

1- اتصال الرسول عليه السلام ببحيرا وورقة.
ب- ادعاء تأليف القرءان وتحريفه.
ج- قضية الوحي المحمدي.
أ- اتصال الرسول عليه السلام ببحيرا وورقة:
                                                      ***
زعموا أن الرسول عليه السلام التقى ببحبرا الراهب، وتلقى عنه التعاليم الدينية مدة من الزمن، الأمر الذي جعله يحرم الخمر بتاتا لأنها قتلت  أستاذه بحيرا.
هذا محض افتراء صارخ ليس الهدف منه سوى نسف الدعوة الإسلامية من أركانها، ومحاولة إقناع المسلمين أن رسولهم شخصية مزورة كاذبة.
ظهرت في شبه الجزيرة العربية مدعية النبوة من غير ما حجة تقطع بصحة ذلك. تلك هي الفكرة السامة الأساسية التي روجها بعض المستشرقين، ودفعتهم إلى تنميق الأكاذيب في صورة مغرية من البحث العلمي النزيه الذي يخفي من ورائه سموما قاتلة.
تروي كتب التاريخ أن بحيرا التقى بالرسول، ولكن ذلك لم يحدث إلا والرسول في سنته التاسعة او الاثنتي عشر، ومن الطبيعي أن الطفل في هذه المرحلة المبكرة لا يمكن له بحال أن تستوعب ذاكرته، المسائل الدينية ويثقفها ليلقيها على الإنسانية جمعاء، وعمه الذي صحبه في هذه الرحلة لم يكن يفارقه البتة فيكف تسنى لبحيرا أن ينفرد بالطفل ليعلمه، أو لم يدر عمه بذلك فحدث أصحابه بما قام به الراهب بعد فعولهما من الرحلة عن العلم الجديد الذي أخذه حفيده عن الراهب.
ثم لماذا اختار الراهب هذا الطفل بالذات ليلقنه التعاليم الدينية؟ لكونه رأى فيه مخايل النبوة؟ وإن كان قد لمح فيه ذلك أيجرؤ الراهب على فعل هذا الأمر وهو متيقن عن طريق كتابه أن الطفل سيصير رسولا في المستقبل، والرسول غني عن كل تلقينات القبر إلا عن تلقينات الهبة العليا يوحى بها إليه كما أوحى بها إلى موسى وعيسى عليهما السلام.
وإن فرضنا أن بحيرا يتبوأ هذه المكانة العلمية، ويضرب بسهم وافر في المعارف فلم، لم يدع هذه الشريعة لنفسه فيطلع على الناس بهذه المفاجأة ليظفر بالجاه والشهرة؟
هذه أسئلة وردود تدحض كل تلك المراوغات التي ألفها بعض المستشرقين للحد من الانطلاقة الإسلامية والتشكك في جوهرها، وهناك من لا يقف عند هذه الأكذوبة بل يتعداها إلى أخرى أشد منها سفاهة في الرأي، وفجاجة في المنطق، وهي أن الرسول عليه الصلاة والسلام نقل معارفه الدينية عن ورقة بن نوفل أحد أقارب السيد خديجة رضي الله عنها.
وأن ما صح عن خبر ورقة هو ما رواه الشيخان في الصحيحين وغيرهما أن السيدة خديجة مشت به إلى ورقة بعد أن علمت ما جرى له بغار حراء فأخبرته بما حكى لها زوجها عليه السلام، وكان ورقة حينذاك شيخا قد كف بصره وما لبث أن توفى(2) ولم يثبت أن النبي رآه قبل ذلك، كما أنه لم يثبث عن ورقة أنه دعا إلى النصرانية. وإنما ورد أنه قال عندما عرف ما أفضت به إليه السيدة خديجة :« أنه هو النبي المنتظر الذي بشر به المسيح عيسى ابن مريم».
وبالإضافة إلى ذلك لو سلمنا جدلا لأولئك أن الرسول أخذ عن ورقة- تعالى نبينا عن ذلك علوا كبيرا- لروجه أعداؤه من المشركين، ولسار خبره فيهم مسير النار في الهشيم. ألا ترى ما حدث في قضية القين الرومي الذي كان يصنع السيوف والذي كان الرسول يمر به فيقف هنيهة يتأمل صناعته فتقول خصومه بأن يتعلم عليه، وعلى هذا رد القرءان الكريم بقوله: « لسان الذين يلحدون إليه أعجمي، وهذا لسان عربي مبين(3)»
ليت شعري كيف ينقل محمد عليه السلام عن بحيرا أو ورقة التعاليم الدينية والشريعة الإسلامية بما احتوته من قوانين رائعة وأسرار معجزة تنطق بأنها من عند الله، فليرجع إلى كتاب الله من يشاء وليختر ما يشاء من آياته بروح منصفة، وموضوعية نزيهة يلمس الطابع الإلهي متجليا والنور الرباني متدفقا.
ليت شعري ثانيا كيف ينقل محمد عليه السلام عن بحيرا أو ورقة التعاليم الدينية والشريعة الإسلامية بما احتوته من قوانين رائعة وأسرار معجزة تنطق بأنها من عند الله، فليرجع إلى كتاب الله من يشاء وليختر ما يشاء من آياته بروح منصفة، وموضوعية نزيهة يلمس الطابع الإلهي متجليا والنور الرباني متدفقا.
ليت شعري ثانيا كيف ينقل الرسول عن بحيرا أو ورقة وقريش المتزمتة الطاغية تتربص به الدوائر وتحصى عليه أنفاسه، وتبحث عن المنافذ تنفذ منها للطعن في رسالته، وتحاول أن تختلق بلا جدوى الأكاذيب.
إذن ما هو موقف قريش لو اتضح لها أوانئذ أن مسفه أحلامهم ومحقر أصنامهم تتلمذ على بحيرا وورقة اللذين يقرءان الكتب المقدسة وبلمان ببعض المعارف الدينية؟
لاشك أن موقفهم سيكون حادا عنيفا زوبعة وإعصارا وضجيجا وضوضاء، بيد أن كل أولئك لم يحدث بتاتا، ذلك أن خصومه من كفار قريش الذين عاصروه وتسقطوا أخباره ما رموه بهذا الباطل- على كثرة أباطيلهم(4) التي نسجوها لتنفير الناس من دعوته.
وهناك ممن المستشرقين المنصفين من نفى هذه القصة كالمستشرق كارادوفو ووصفها الخرافة.
                                                   -*-
ولست أريد أن أنهي الحديث دون أن أشير إلى أن تحريم الخمر في الإسلام ليس له أي ارتباط ببحيرا أو غيره، وإنما هو تشريع إلهي لا يملك معه الرسول إلا أن يصدع به وينتشره بين الناس، لأنه مأمور بتبليغ الرسالة الإلهية، معصوم من أن يتصرف في أمر رباني قيد أنملة.
وهذا التحريم لو درس أولئك ملابساته وظروفه وأسبابه ومضاره لتبين له وجه الصواب، ولكنهم يتغاضون عن الحق ويثيرون عاصفة آثر أخرى من غير ما سبب منطقي.
فالخمر هي من العادات الجاهلية التي تأصلت في قرار العور أيما تأصل فاقتضت حكمة الله تعالى أن يعالج أمثال هذه العادات العميقة الجذور بالتدرج والبطء حتى يتعود الناس على نسيانها ومحاربتها والابتعاد عنها فأنزل الله تعالى في أمر الخمر أول ما أنزل قوله: « يسألونك عن الخمر والميسر، قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس، وإثمهما أكبر من نفعهما(5)»، وهذا توجيه الأذهان إلى أن ترك هذه العادة أحسن ما دامت تحتوي على الإثم أكثر مما تحتوي على النفع، وذلك منطقي أن يبتعد الإنسان عن الشر ولو كانت له فيه منافع اقتصادية كانت أو اجتماعية أو غيرها.
وعقب ذلك نزل قوله تعال:« يا أيها الذين ءامنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون(6)»، وفي هذه الخطوة الثانية تضييق لفرض تناول الخمر، لأن الصلوات الخمس المتقاربة الأوقات لا تترك المجال الواسع لن يستفيق المومن من سكره.
وأخيرا نزل التحريم معززا بالقصر والحصر بعد أن استعدت النفوس لتقبله بسهولة من غير عسر، فقال تعالى بعد حادثة سعد بن أبي وقاص المعروفة مع جماعة من الأنصار:« يا أيها الذين ءامنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة، فهل أنتم منتهون»(7).
ولا يخفين على أحد أن الله تعالى ما حرم شيئا إلا رحمة بالإنسان الذي حمل شرف الأمانة، وإشفاقا من أن يلحق بهذا الكائن البشري الذي هو أفضل المخلوقات ضرر أو مرض، وقد اتفق الأطباء اليوم على أن الخمر مصدر كثير من الأمراض، ولو كانت كميتها قليلة.
وقد نوه غير واحد من كتاب الغرب من بينهم بتنام الإسلام لتحريمه الخمر قال: النبيذ في الأقاليم الشمالية يجعل الرجل كالأبله، وفي الأقاليم الجنوبية يصيره كالمجنون، ففي الأولى يكتفي بالمعاقبة على السك على أنه عمل سييء، وفي الثانية يجب منعه بطرق أشد، لأنه شبيه بالتشرد، ولقد حرمت ديانة محمد صلى الله عليه وسلم جميع المشروبات المسكرة وهذا من محاسنهــــــــــا(8)...
وقال القس إسحاق طيلر:« أنه يأسف لانتشار السكر والفحش والقمار بين السكان بانتشار دعوة المبشرين وأنه يختار إسلاما لا سكر فيه عن تصرانية فيها سكر»(9).
وقال مونتيه:« الواجب على المسلمين أن يحتفظوا بما حظرته الشريعة عليهم من تناول المسكرات، فإن في هذا المنع قوتهم وتماسكهم»(10)
فمت بقس بعد هذا لأولئك أن يقولوا في قصة بحيرا أو غيره وتحريم الخمر. وما بعد الحق إلا الضلال، وليردد معي دعاة الضلال قول ابن القيم رحمة الله
الحق شمس والعيون نواظر
               لكنها تخفى على العميان

(1) انظر سفر التثنية 33: 3 والنص هو : جاء الرب من سيناء وأشرق لهم من سعير وتلألأ من جبل جبل فاران) وانظر انجيل يوحنا 16:12و 13 حيث يقول السيد المسيح للحواريين: « أن لي أمورا كثيرة أيضا لأقول لكم. ولكن لا تستطيعون الآن أن تحتملوا، وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق، لأنه لا يتكلم من نفسه، بل كل ما يسمع يتكلم  به ويخبركم بأمور آتية».
(2) هناك رواية شاذة مخالفة لحديث السيدة عائشة وهو أنه عاش حتى شاهد بلالا يعذبه كفار قريش.
(3) النحل 103.
(4) من بين هذه ال[طايل ادعاؤهم أن النبي ساحر كما سيأتي في حلقات أخرى من هذا البحث.
(5)  البقرة 219.
(6) سورة النساء 42.
(7) سورة المائدة: 94.
(8) روح الشرائع لبتنام تعريب أحمد فتحي زغلول.
(9) الإسلام والحضارة العربية ج1 ص 100 محمد كرد علي.
(10) نفس المصدر السابق ونفس الصفحة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here