islamaumaroc

الفطرة الأخلاقية عند الإنسان

  دعوة الحق

124 العدد

قال البوصيري رحمه الله:
والنفس كالطفل أن تهمله شب على
                 حب الرضاع وأن تفطمه ينفطم
هذه الحكمة الخلقية يرددها يرددها المغاربة كثيرا ويستمعون إليها كلما ضمهم مجلس من المجالس التي تنشد فيها قصيدة البردة.
ولا يكون من قبيل الصدفة ترداد هاته القصيدة التي تعتبر من أحسن القصائد في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم. بل إن ءاباءنا كانوا يجدون فيها مبادئ سامية لتربية النفس وتهذيب الأخلاق فأذاعوها ورددوها وأنشدوها في حفلاتهم الدينية وحفظوها وحفظوها حتى صارت بعض المساجد المغربية تنشدها جهارا صباح كل يوم جمعة ويجتمع حولها المنشدون والخاشعون والمتعبدون.
ولا ريب أن سبب العناية بهاته القصيدة إنما هو في محاولة الاستفادة من مبادئها الأخلاقية وأبعادها التربوية التي تجعل المسلم مقتديا بالرسول صلى الله عليه وسلم في سيرته وشمائله.
ويكفينا دليلا على جلال هذه القصيدة ما قدمناه من الحكمة المثلى المتجلية في البيت الذي اخرتناه منها وعلناه مدخلا لحديثنا.
إن هذا البيت الشعري يمكنه أن يوحي إلينا بالتساؤل حول ما يأتي:
أولا- حول الغريزة الإنسانية الأولى الماثلة في الشهوات وفي الانقياد إلى الأهواء.
ثانيا: حول الإرادة البشرية في توجيه الأخلاق.
ثالثا: حول القوانين الأخلاقية التي يجب أن نربط بها أفعالنا.
رابعا- حول التأثيرات العامة التي يمكنها أن تحول الأخلاق وتطورها.
أما الغرائز البشرية- وهذه هي النقطة الأولى- فهي تركن إلى استمالة الفرد إلى كثير من الملاذ وتدفعه إلى الاستمتاع بكل الوسائل التي يملكها.
وهذه الغرائز تتصل بحيوانيته التي لا يكبح جماحها إلا إذا كان هناك تدخل للإرادة البشرية التي يتحكم فيها العقل غالبا.
إن الإرادة البشرية تعتبر الركيزة الأولى التي يعتمد عليها الإنسان في تهذيب غرائزه وتطهير مجتمعه –وهذه هي النطقة الثانية المستوحاة من البيت-
وحيث إن للإرادة هذا المفعول القوي فإن الشرائع جاءت لتقويتها وتهذيبها ونحن لو نظرنا مثلا إلى بعض الأركان الإسلامية لتجلى لنا ذلك واضحا في أغلبها. فلنأخذ مثلا صوم رمضان ولنجعله مثالا حيا يمثل هذا الاتجاه التوجيهي الذي اعتمد عليه الإسلام في تهذيب الإرادة البشرية وفي إعطاء الفرصة للإنسان كي يستطيع أن يفرض وجوده على الغرائز ويظهر حريته إزاء الطبيعة.
إن الصوم يلزم الفرد بالابتعاد عن شهوتي البطن الفرج ولكن هذا الإلزام في الحقيقة إنما هو تربية للنفس وتهذيب للإرادة وتعويد للفرد على مواجهة الغرائز البشرية التي قد تحبب للإنسان جوانب الشهوة والإغراء.
والإنسان بطبعه يميل إلى الانسياق مع أهوائه والانقياد إلى غرائزه فهو في حاجة وسائل تربوية تعينه على التغلب على هذا الانسياق والانقياد ولا يتيسر ذلك بمجرد الدعوة إلى تربية الإرادة وإنما يتسنى ذلك لو استطاع الإنسان من الناحية العملية أن يتصرف في نفسه وذلك بإيجاد رابطة بين عقله الرشيد وإرادته الحازمة ليكونا حاجزين قويين يمنعانه من الانزلاق والعبودية للأهواء.
إن الإنسان إذا استطاع أن يتصرف بإرادته وأن يتحكم بعقله وأن يواجه نزوات غرائزه فمعنى ذلك أنه أصبح ذا شخصية تريد وتنفذ وأنه صار ذا حرية توجه وتتحكم. فالركون إلى الطاعة من هنا يكون في الحقيقة ليس معناه ما يظهر من تقيد بالالتزامات ومن تنفيذ للعبادات بل أن الهدف بعيد جدا يقصد الله به تعالى تعويد الفرد على الطاعة من جهة وتهذيب إرادته ليستطيع بها أن يتحكم في غرائزه السفلى.
إن الهدف في الحقيقة إنما هو خلق الإنسان القوي الصالح للقيام بالمسؤولية الكبرى والأمانة العظمى التي حملها ورضي بها.

إن حرية الإنسان تتجلى في قدرته على المقاومة وفي فرض إرادته ومن ثم كانت حريته لا تتقيد بالطاعة بل إنها تبرز بها وتظهر بسببها . .
ومن منا لا يعلم  أن غريزة الجوع وشهوة الارتباط الجنسي وإغراء المفاتن الجمالية داخلة في إطار الارتباطات البشرية التي يحس بها الإنسان ويحتاج إليها وتمثل جزءا من تكوينه ولكن هذه الغرائز لو تركت على هواها لكانت ضررا على الإنسان ومستبعدة له ومسيطرة عليه.

فالإنسان إذن لا يتحرر منها إلا إذا كبت شررها، وأطفأ شعلتها، وصمد لإغرائها وقاومها ولا تكون المقاومة هنا إلا بالطاعة والالتزام للأحكام الدينية والخلقية التي ظهر لنا أمرها واضحا في الركن الإسلامي الذي استدللنا به على قهر النفس وتعهدها وعلى تهذيب الإرادة وتقويتها.
فالطاعة إذن ليست مظهرا للخشوع والخضوع المطلق الذي لا يفيد ولكنها مظهر من مظاهر التربية التي اعتمد عليها الدين في تقوية الإرادة والتي اعتبرها العلماء ذات مفعول قوي في تهذيب الأخلاق.

ولكن هاته الإرادة التي نتحدث عنها إنما هي الإرادة التابعة لمبدأ قويم تنفذ أهدافه وتحقق أبعاده فإذا كانت المبادئ التي ستنفذها الإرادة منحرفة أو ضالة فالإرادة نفسها ستكون أداة شر لا أداة خير ونفع.

ومن هنا جاء الدور الثالث للإيحاءات التي تقدم لنا أن بيت البوصيري يوحي لنا بها وهو الدور المتعلق بالقوانين الأخلاقية التي يجب أن نربط بها أفعالنا.
هذه القوة ترتكز على نقطتين أساسيتين :
النقطة الأولى هي العقل
والنقطة الثانية هي الدين.
والعقل والذين عاملان قويان لتهذيب البشرية ولا يظن أحد أن هناك تناقضا بين العقل والدين في الجانب الأخلاقي لأن الدين يدعو إلى الحق وإلى العدل والمساواة ويدعو إلى الإخلاص والمحبة والتفاني في المصلحة العامة ونحن لو عرضنا هذه الصفات على العقل ما وجدنا منه إلا تأييدا وإقرارا لها.
لقد وقع في بعض الأحيان خلاف بين بعض الفلاسفة وبعض رجال الدين ولكن هذا الخلاف ربما كان ناتجا عن عدم التعمق في الأبعاد الفلسفية.
وقد حاول المسلمون حينما ارتبطوا في العصر العباسي بالثقافة اليونانية والثقافات الأخرى التي كانت تهتم بالعلوم والفلسفة أن يعملوا ما أمكنهم للتوفيق بين الشريعة والفلسفة وقد اهتم الكندي بهذه النقطة وبينها في رسالته الفلسفية التي كتبها المعتصم العباسي والتي حللها الدكتور أحمد فؤاد الاهواني في كتابه عن الكندي حين قال(1) : «فالفلسفة والدين متفقان موضوعا لأن موضوع الفلسفة معرفة الله ووحدانيته ومعرفة الفضائل النافعة لإتباعها والرذائل الضارة لاجتنابها وهذان هما موضوع الدين الذي يأمر بمعرفة الله وتوحيده كما يأمر بالتقوى وهي فعل الحلال وتجنب الحرام والتحلي بمكارم الأخلاق. وهما متفقان منهجا لأن الدين حتى إذا فرضنا أنه لا يسلك طريق العلة والبرهان – وهما الطريق الفلسفي – فمن واجبه إذا أنكر الفلسفة أن يبرهن على هذا الإنكار وعندئذ يسير في طريق البرهان.»

فنحن نلاحظ أن المعرفة لها أثر في التحلي بالفضائل والتخلي عنها وعليها تعتمد الإرادة في فعلها.
فالإرادة البشرية تحتاج إلى أمر خارجي عنها يوجهها وهذا التوجيه يظهر له أثر في الدين حينما نرى في النصوص الدينية أهدافا تجعل الإنسان يربط بها سلوكه ويوجه بها أعماله ويبني عليها المصلحة البشرية المتداخلة المتواصلة المتماسكة.
إن الدين وسيلة كبرى لتهذيب الأخلاق وتنظيم الغرائز وفي الإسلام أصول أخلاقية تجعل الإنسان خائفا من الله خاضعا لعظمته مؤملا في توابه ومغفرته.
وربما نجد أن الأساس الأخلاقي في الإسلام ينبني على محبة الخير للغير والعمل على إيجاد التلاحم البشري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «والله لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه».
وهذه المحبة تقتضي الإيثار وتقتضي التفكير في الإصلاح وتقتضي الإخلاص في التطبيق بحيث لا يقبل من المسلم أن يردد هذه المبادئ دون أن يكون منصفا بها قائما بتنفيذها لأن العمل أساس الطاعة وأساس التقوى وأساس العلاقة الاجتماعية.
ومن هنا كان الدور العملي في الأخلاق أقوى من دور المحاباة والمباهاة والاتكال على الغير فليس للإنسان في يوم القيامة إلا ما سعى وليس بنفسه جاه، أو غنى أو تقرب لرسول أو ملك أو عظيم أو زعيم إنما هي الأعمال الصالحة تضيء للإنسان قبره وتيسر له سبيل السعادة الأبدية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «يا بني هاشم لا يأتيني الناس يوم القيامة بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم فإني لا أغني عنكم من الله شيئا».
ومعنى هذا أن الأخلاق الإسلامية تنبني على العمل وترتبط بالطاعة وتتصل بالإصلاح. فالفرد المسلم يجب أن تكون أخلاقه المنبثقة من سلوكه لا تهمل الواجب الاجتماعي الذي يربط بين الأفراد ويواصل بين الجامعات.
وقد ساعد الإسلام على إعطاء أسس أخلاقية مثالية يهدف منها إلى إقرار الحق والعدالة في هذا الكون المضطرب القلق منها قوله تعالى(2) : «إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون».

فالإنسان رغم كونه مفكرا يحتاج إلى إيحاءات خارجية توجهه وتهديه فهو لا يكتفي أبدا بالإيحاء الشخصي في إقرار المبادئ الأخلاقية.
وهذه الإيحاءات الخارجية قد تكون قوانين دينية وشرائع ألاهية تساعد الإنسان وتهديه وقد تكون ظواهر اجتماعية وأوضاعا قانونية تفرضها المصلحة البشرية في إيجاد التعاون بين الأفراد وخلق الانسجام بينهم.
وبناء على هذا الرأي قال بعض المفكرين بضرورة التوجيه الاجتماعي لإقرار القوانين الأخلاقية.

ومن الواضح عدم وجود التناقض بين الاتجاه الديني هنا والاتجاه الاجتماعي والفلسفي مادامت الغاية رسم الطريق الذي ستنهجه الإرادة البشرية وهذا هو الدافع الذي دفع الفيلسوف هجل Hegel إلى القول بأن الواجب الأخلاقي لا يتفق دائما مع إرادة الفرد كما رأى أن الضمير وحده لا يكفي لإقرار الحق وللتمييز بين الخير والشر إذ لابد من إيحاء خارجي يربط أخلاقية العمل بشرعيته.
وهذا الإيحاء في نظره أنما يتجلى في الارتباط الجماعي ولهذا قال : «إن الفرد يتنازل عن فرديته الخالصة وعن حكمه الشخصي لكي يتعرف بسلطة الجماعة القائمة»(3).
وبناء على ما تقدم كان من الضروري الانتقال إلى النقطة الرابعة المستوحاة من بيت البوصيري والمتعلقة بالتأثيرات العامة التي يمكنها أن تحول الأخلاق وتطورها.
لقد تقدم لنا فيما سبق الحديث عن الغرائز البشرية وعن الإرادة وعن التوجيه الديني والعقلي في إقرار الأخلاق ولكننا نلاحظ أن المؤهلات الفردية والاجتماعية تختلف باختلاف البيئات والظروف ويكون لذلك أثر في الانسجام مع العقل والدين أو عدم الانسجام مع العقل والدين أو عدم الانسجام معهما.
فالفرد قد يعيش في بيئة متعفنة الأخلاق منحرفة التهذيب بعيدة عن التوجيهات الإنسانية فينشأ في هذه البيئة ويشب على ما لاحظه فيكون منحرف الأخلاق سيء الأفعال ولهذا نلاحظ أن الاهتمام بالبيئة الاجتماعية هو أوجب ما يجب على المربين والمهتمين بتربية النفوس وتهذيب الأخلاق وتوجيه النشئ لما فيه النفع والفائدة.
إن البيئة الاجتماعية هي أساس لتطبيق ما قررناه من قبل وهي المؤثرة  في التربية العامة سواء كانت هذه البيئة أسرة أو مدرسة أو مجتمعا.
إن الاهتمام بإصلاح الجماعة يكون ذا مفعول قوي في إصلاح الأفراد وقد أصبح علماء التربية يدعون إلى إصلاح الأسرة وتقويم أخلاق القادة لأنهم يرون أنه إذا صلح المربون صلح من يتربى عنهم وإذا صلحت الأسرة صلح من نشأ بها.

وما أجمل قول أحمد أمين رحمة الله (4) : «ليست الأمة إلا عدة أسرات وليست المدينة إلا عدة بيوت. والسلوك الذي يسلكه الناشئ في بيته ليس إلا صورة مصغرة لسلوكه بعد في أمته وإذا كان منبع النهر ملوثا تلوث النهر فصلاح الأمة وصلاح الأفراد وصلاح البلاد إنما هو صلاح الأسرة».

والحقيقة أن تأثر الناشئ بالبيئة – أسرة كانت أو مجتمعا- أمر يقره علم التربية الحديث وقد تعرض له قديما كثير من المربين والمفكرين من ذلك مثلا ما كتبه إخوان الصفاء في القرن الرابع الهجري حين قالوا (5): «واعلم بأن العادات الجارية بالمداومة فيها تقوي الأخلاق المشاكلة لها كما أن النظر في العلوم والمداومة على البحث عنها والدرس لها والمذاكرة فيها يقوي الحذق بها والرسوخ فيها وهكذا المداومة على استعمال الصنائع والدؤوب فيها يقوي الحذق والأستاذية فيها وهكذا جميع الأخلاق والسجايا».

فإخوان الصفا يرون أن جميع السجايا تتأثر بالعادة والممارسة ويمثلون لذلك يكون الطفل الذي ينشأ مع الشجعان والإبطال يتربى على الشجاعة والبطولة كما يتأثر الطفل الذي ينشأ مع المعيوبين بطبائعهم وأخلاقهم ثم قالوا بعد ذكر الأمثلة : «وعلى هذا القياس يجري حكم سائر الأخلاق والسجايا التي ينطبع عليها الصبيان منذ الصغر أما بأخلاق الآباء والأمهات أو الأخوة أو الأخوات والأتراب والمعلمين والأصدقاء والمخالطين لهم في تصاريف أحوالهم وعلى هذا القياس حكم الآراء والمذاهب والديانات جميعا».

ومن الحديث عن فلسفة التأثير والتأثر انطلق الخلاف الكبير بين الحرية والجبر وبين المسؤولية وانعدامها وبين الحديث عن العدل الإلهي وضعف الإنسان أمام اتجاهات القدر.

فحيث أن البيئة لها أثر في انحراف الفرد أو صلاحة فما هو دور الفرد الأساسي في المسؤولية وانعدامها؟
إن دور المسؤولية يتجلى في استخدام العقل وفي العمل على مقاومة الغرائز وفي محاولة التخلص من بعض الرواسب التي اكتسبها الإنسان من بيئته الفاسدة والاستمرار على الخير الذي اكتسبه من بيئته الصالحة.

والقائلون بالمسؤولية في الإسلام يربطون بينها وبين التكليف ويجعلون العقل أساسا للتفكير والعمل والجزاء.
والمعتزلة هم الذين كانوا يمثلون هذا الاتجاه في الإسلام وكانوا يقولون : مادام الإنسان مسؤولا أمام الله ومكلفا بشرائعه ومهددا أن خالف بالمهاد الأليم والإقامة بالجحيم فإن المعدل الإلهي لا يتجلى إلا إذا كان الإنسان حرا في تصرفه لأنه أن لم يكن حرا ضاعت حكمة التشريع وبطلت الغاية من الثواب والعقاب.
  فهم إذن يربطون في النظرة الأخلاقية بين الإرادة والعمل ويعترفون بحرية الفرد ومسؤوليته.
أما الذين رأوا غير فهم لاحظوا مظاهر التأثير الخارجي عن إرادة الإنسان من غير اختيار الاتجاه والعقيدة والمبدأ والبيئة والزمن بحيث يبدو الإنسان وكأنه فاقد لكل رأي ولكل اختيار.
وأنا أرى أن السبب في الخلاف ناتج عن التطرف في مفهوم المسؤولية بالنسبة إلى العمل ومفهوم القدر بالنسبة إلى المصير فإن المشكلة تتلاشى بنفسها ويصير الإنسان مؤمنا بحريته من جهة مؤمنا بالقضاء والقدر من جهة أخرى ويحيا ءانذاك بين الخوف والرجاء والأمل واليأس والقلق والاطمئنان.
وبذلك تبقى المفاهيم الإسلامية واضحة طاهرة فالجنة والنار مبنيتان على العمل من جهة الفرد ولكنهما مبنيتان على العمل من جهة الفرد ولكنهما مبنيتان على الرحمة من قبل الرب. ومن ثم يبقى للفرد خضوعه وتبقى لله جلالته وهكذا يمكن إيجاد التوافق بين نظريات المعتزلة ونظريات غيرهم من الجبريين أو من أهل السنة.
وقد حاول أبو حيان التوحيدي في كتاب الإمتاع والمؤانسة أن يوفق بين الجبريين وأصحاب الاختيار بتحليل شبيه بما قدمناه قال :(6) إن من لحظ الحوادث والكوائن والصوادر والأواني من معدن الإلهيات أقر بالجبر وعرى نفسه من العقل والاختيار والتصرف والتصريف، لأن هذه وإن كانت ناشئة من ناحية البشر فإن منشأها الأول إنما هو من الدواعي والبواعث والصوارف والموانع التي تنسب إلى الله الحق، فهذا هذا. فأما من نظر إلى هذه الأحداث والكائنات والاختيارات والإرادات من ناحية المباشرين الكاسبين الفاعلين المحدثين اللائمين المؤمنين المكلفين، فإن يعلقها بهم ويلصقها برقابهم، ويرى أن أحدا ما أتى إلا من قبل نفسه وبسوء اختياره وبشدة تقصيره وإيثار شقائه، والملحوظان صحيحان واللاحظان مصيبان لكن الاختلاف لا يرتفع بهذا القول والوصف لأنه لكل إنسان إطلاع إلى هذه النهاية . فلما وقعت البينونة بين الناظرين بالطبع والنسبة لم يرتفع القال والقيل من ناحية القول والصفة فهذا هذا».
ونحن نرى أن تنفيذ الأوامر الإلهية يرتبط تمام الارتباط بالشعور بالمسؤولية وإلا اضطراب وضع الإنسان في هذا العالم. وأن ارتباط الأعمال بالجزاء هو ارتباط ديني بالنسبة إلى اعتبار المسؤولية قال تعالى: «فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره»(7) وقال تعالى : «بسم الله الرحمن الرحيم والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر»(8).
وهذا المفهوم الديني للثواب والعقاب أقره المسلمون باعتبار كونه متناسبا مع الغرائز البشرية وأقره بعض الفلاسفة باعتبار المصلحة العامة قال أفلاطون (9) : «لو لم يكن لنا معاد نرجو فيه الخير لكانت الدنيا فرصة للأشرار» ولكن كثيرا من الفلاسفة والمتصوفين لاحظوا أن الإنسان ينبغي له أن ينزه نفسه عند فعل الخير عن الخوف والطمع وأن يقوم بالخير لذاته مجردا عن كل شيء.
وقد قال بهذا الرأي إخوان الصفاء الذين تحدثنا عن بعض نظرياتهم في التربية فهم رغم كونهم اعترفوا من الناحية الدينية بقيمة الثواب والعقاب (10) فإنهم أقروا مذهب الخير لذاته في رسائلهم الأخلاقية ورغبوا في أن يربا الإنسان بعمله عن غاية من الغايات الانتفاعية ليكون الخير خيرا لذاته فمن آرائهم قولهم(11): «وسبيلك أن تعود نفسك عمل الخير لأنه خير لا تريد بفعلك عوضا ولا يحملك على فعله خوف».
ورأيهم هذا سبقوا به كانت Kant في بعض قوانينه الأخلاقية  التي دعا فيها إلى القيام بالواجب لذاته دون اعتبار الخوف والطمع.
وقد أوضحنا في مناسبات كثيرة أن هذا الرأي الذي سار عليه «كانت» والذي سار عليه إخوان الصفاء في بعض رسائلهم إنما هو رأي مثالي يميل الإنسان إلى الإعجاب به ولكنه لا يستطيع عمليا تطبيقه إذ لا بد من الترغيب والترهيب لإقرار الأخلاق الصالحة ولنشر الأمن بين الناس ولحفظ المصالح البشرية العامة.
فهذه النظرة المثالية رغم سموها فهي لا تنسجم في الحقيقة مع الوضع البشري المرتبط بالعادات والتقاليد والأديان والمتصل بالغرائز البشرية المتنوعة التي تنزع إلى الشر أحيانا لأنها وإن كانت صورة مثالية فهي لا تنطبق على جميع الأحوال فإن هناك بعض النفوس لا تنزعج إلا بسبب الخوف أو لا تميل إلى الخير إلا طمعا في التواب ومادام المجتمع يستفيد من فعل الخير سواء أكان في الدرجة المثالية أم كان في درجة أدون منها فنحن لا يضرنا أقام الناس بالخير لأجل الخير أو أقاموا به طلبا للنفع أو خوفا من العقاب.
وهذه الفكرة التي سار عليها كانت Kant والتي ربطناها بنظرية إخوان الصفاء إنما تمثل رأيا أخلاقيا عندهم لا يقولون به وحده كما تقدم وعليه فإن اقتصار بعض الباحثين كالأستاذ عمر الدسوقي في بحثه القيم عن إخوان الصفاء على هذا الرأي تضليل للحقيقة وإهمال لعنصر من عناصر التفكير عند إخوان الصفاء الذين كانوا يرغبون في إيجاد التوافق بين الشريعة والفلسفة.
ولا يجدر بأي باحث أن يهمل بعض النظريات إهمالا مطلقا ليؤيد بالجزء الذي اختاره رأيا برتبه أو حجة يطلبها أو برهانا أراد به تأييد نظرية من النظريات.
إن المقارنة بين «كانت» وإخوان الصفاء لا يضرها أن يكون إخوان الصفاء قالوا بالثواب والعقاب حين اعتبارهم للجانب الديني وأنهم رغم ذلك رأوا أن الإنسان ينبغي له أن يرتفع في عمله عن طلب الجزاء ليكون الخير عنده هو السعادة وهو الغاية ذاتها.
وإن هذا الإهمال جر بعض المؤلفين لكتب الفلسفة الإسلامية المؤلفة وفق برامج البكالوريا المغربية في المغرب إلى نفس الخطأ وإلى الاقتصار على إبراز هذا الجانب الأخلاقي وحده وفي ذلك تزييف للحقائق وتشجيع على الكسل العقلي في البحث العلمي(12).
ومما تقدم تبين لنا الإرادة الإنسانية لها دور فعال في تنفيذ المبادئ الخلقية التي استقاها الإنسان من الدين والعقل وأن الثواب والعقاب لهما دور كبير في تهذيب السلوك الفردي والجماعي وإن ما سار عليه بعض الفلاسفة والمتصوفة حينما ذكروا أن الخير يجب أن يكون خيرا لذاته وأن الواجب يجب أن يكون واجبا لذاته إنما هو نظرة مثالية ترفع من قيمة الإنسان ولكنها من حيث الواقع لا يستطيع جميع الأفراد تطبيقها إذ لابد من الرجاء والخوف ومن الثواب والعقاب.
ولا يتحقق لنا ذلك إلا إذا ربطنا أنفسنا بالتعاليم الإسلامية الحنيفة التي تقوي في نفوسنا مظاهر الخير وتجعلنا نقتدي بالرسول الكريم الذي قال الله تعالى في حقه «وأنك لعلى خلق عظيم» كما لا يتيسر لنا ذلك إلا إذا ربينا إرادتنا وقويناها بالضغط على الشهوات وبالانسجام مع الحق والعدل والإحسان وضبط النفس وبمحاولة التوفيق بين أقوالنا وأفعالنا ومصالحنا ومصالح غيرنا فترتفع بذلك إنسانيتنا وتتطهر نفوسنا وتصفو أرواحنا وترق عواطفنا ونصبح إخوانا في الله متحابين عاملين على الخير حريصين على القيام بالواجب مولعين بتهذيب نفوسنا وبتصفية قلوبنا من الأضغان والأحقاد وعاملين وما أمكننا على أن تكون متصفين بمكارم الصفات ومحاسن الأخلاق.
         
(1) -  الكندي للدكتور أحمد فؤاد الأهواني العدد 26 من سلسلة أعلام لعرب صفحة 281.
(2) -  كتاب الأخلاق لأحمد أمين صفحة 111.
(3) - الرسالة التاسعة من الرسائل القسم الرياضي صفحة 307 من الجزء الأول وهي رسالة في الأخلاق وأسباب اختلافها.
(4) - كتاب الأخلاق لأحمد أمين صفحة 111.
(5) - الرسالة من الرسائل القسم الرياضي صفحة 307 من الجزء الأول وهي رسالة في الأخلاق وأسباب اختلافها.
(6) - الإمتاع والمؤانة لأبي حيان التوحيدي تصحيح أحمد أمين وأحمد الزين الجزء الأول، صفحة 223.
(7) - سورة الزلزلة الآيتان السابعة والثامنة.
(8) - سورة العصر ثلاث آيات.
(9) - رسائل إخوان الصفاء الجزء الرابع صفحة 35.
(10) - اعترفوا بالثواب والعقاب في الرسالة السادسة والأربعين الجزء الرابع صفحة 77 وهي الرسالة التي كتبوها في ماهية الإيمان وخصال المؤمنين المحققين.
(11) - نفس المصدر الجزء الرابع الرسالة الخمسون، صفحة 258.
(12) - نقصد بذلك الجزء الثالث من الدراسات الأدبية المؤلفة وفق المقرر في دراسة المؤلفاتوننبه القراء إلى أن فيه تحريفا كثيرا لبعض النصوص الأدبية المختارة مما أدى إلى اضطراب في بعض المعاني. وإلى إبهام في بعض المقاصد.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here