islamaumaroc

الموارد المالية في دولة الإسلام -3-

  محمد الطنجي

16 العدد

تكلمنا في الحديث السابق عن زكاة الأموال وجلبنا آراء جماعة من الصحابة، فمن بعدهم الذين يرون وجوب الزكاة في الأموال المستفادة وقت استفادتها من غير اشتراط مرور العام عليها وهي في ملك صاحبها، وبيننا كيف يطبق ذلك أكربة الديار والحوانيت والفنادق وأجور الموظفين ومئونة الجيوش كما كان معاوية يأخذ الزكاة من أعطيتهم. ونقلنا قول شيخ الإسلام بن تميمة: تجب الزكاة في جميع أصناف الأجرة المقبوضة.
والآن نريد أن نلقي نظرة على جميع ما تبنته الأرض، ولنرى كيف طبق بعض الأئمة نصوص أخذ الزكاة منها، ولا بأس أن نشير مقدما إلى أننا نبحث في إمكانيات أحياء قاعدة الزكاة على أساس عملي دقيق النظام، يتلاءم ويتمشى مع مقتضيات العصر الحاضر، ويمكن لأمم الإسلامية كافة أن تسير عليه، وتتجنب طرق الجباية على غير الطريقة الإسلامية الشرعية. فإن الأمم الإسلامية إذا فعلت ذلك تكون في نظامها الجبائي رأسا لا ذنبا، وتحيي قاعدة من قواعد الإسلام الخميس التي بنيت عليه حياتنا الاعتقادية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها ما يتأهز أربعة عشر قرنا من السنين، ولما أسلفناه سوف لا أقتصر في إلقاء هذه النظرة على ما يفهم من النصوص الشرعية مذهب معين، فربما يوجد في رأي بعض الأئمة من ألفهم الدقيق للنصوص ومقتضيات الأحوال، وما لا يوجد في رأي الجماعات الأخرى.
فقد وردت آيات وأحاديث في الزكاة ظاهرة في العموم، وردت بعض الأحاديث مختصة ببعض الأشياء فاختلف الأئمة في فهمها، فمن الآيات العامة قوله تعالى مخاطبا رسوله الكريم : «خذ من أموالهم صدقة تطرهم وتزكيهم بها وصل عليهم، إن صلواتك سكن لهم» وهذا يشمل كل مال وهو ما بعد للانتفاع به من الطيبات الطاهرة، من الحبوب والفواكه والماشية والذهب والفضة وغير ذلك، كما يعم الأشخاص صغارا وكبارا وذكورا وأنانا. وصح وثبت عن النبي (ص) قوله فيما سقت السماء العشر، أي كل نبات أو ثمر سقته السماء أي نزل عليه المطر فسقي به فيؤخذ منه الشعر على وجه فريضة الزكاة. وصح وثبت عن النبي (ص) قوله: ليس فيما دون خمسة أوساق من حب أو تمر صدقة ولا فيما دون خمس من الإبل صدقة. فحمل جمهور كبير من الأئمة هذا الحديث الأخير على أن النبي نفى الصداقة عما عدا الحب والتمر فيما يتعلق بالنبات، واشترط في وجوب الزكاة في الحب أوساق أي أحمال من أحمال الإبل وهي معروفة عند العرب. والحق بعض الأئمة بالحب والتمر ما يبقى في أيدي الناس أي ما يدخر على طريق القياس فيما يظهر، قال أبو سيف صاحب أبي حنيفة حسبما في مؤلفه الشهير كتاب الخراج: ولست أرى العشر إلا على ما يبقى في أيدي الناس ليس على الخضر التي لا بقاء لها ولا على الأعلاف ولا على الأعلاف ولا على الحطب عشر. والذي لا يبقى في أيدي الناس هو مثل البطيخ والقناء والخيار والقرع والبادنجان والجزر والبقول والرياحين وأشباه ذلك فليس في هذا عشر.
وأما ما يبقى في أيدي الناس مما يكال بالقفير(1) ويوزن بالأرطال، فهو مثل الحنطة والشعير والذرة والأرز والحبوب والشهدانج واللوز والبندق والجوز. والفستق والزعفران والزيتون والقرطم والكراويا والكمون والبصل والثوم وما أشبه ذلك.
أما الإمام أبو حنيفة فيظهر أنه يفهم الزكاة على أنها حق لله في كل ما يحتمل المواساة من إنتاج الأرض، فقد نقل عنه تلميذه أبو يوسف أنه كان يقول في كل ما أخرجت الأرض من قليل أو كثير العشر إذا كان في أرض العشر وسقي سبحا ونصف العشر إذا سقي بقرب أو دالية أو سانية والخراج إذا كان في ارض الخراج من الحنطة والشعير والتمر والزبيب والذرة والحبوب وأنواع البقول وغير ذلك من أصناف غلة الشتاء والصيف، مما يكال أو لا يكال، فإذا أخرجت الأرض شيئا من ذلك قليلا أو كثيرا، ففيه العشرة، ولا تحسب منه أجرة العمال، ولا نفقة البقر إذا كان بسقي سبحا أو تسقيه السماء، وإن كان يسقي بقرب أو دالية أو سانية، ففيه نصف العشر. وحدثنا بذلك عن حماد عن إبراهيم النخغي أنه قال : وما أخرجت الأرض من قليل أو كثير من شيء ففيه العشر وإن لم تخرج إلا دستجة بقل، فكان أبو حنيفة يأخذ بهذا ويقول لا تترك أرض تعتمل لا يؤخذ منها ما يجب عليها من الخراج إذا كان في أرض تعتمل لا يؤخذ منها ما يجب عليها من الخراج إذا كان في أرض الخراج وما يجب عليها من العشر إذا كان أرض العشر قليلا أخرجت أم كثيرا
فهو يرى أن الزكاة عامة ولا يعفى منها شيء مما انبتت الأرض أخذا بعموم الأحاديث. وبينما يرى الجمهور أن النبي في قوله ليس فيما دون خمسة أوسق من البر والشعير والثمر والزبيب صدقة قصرا لوجوب الصدقة على هذه الأشياء، وإن ما شابهها وكان في معناها يلحق بها على طريق القياس حيث كان يدخر ويكون قوتا للناس.
وهنالك وجه آخر يحتمله قول النبي «ليس فيما دون خمس أوسق من البر إلى آخر الحديث، هو إعفاء هذه الأمور الخمسة من الزكاة في قليلها حتى تبلغ خمسة أوسق نظرا لشدة الحاجة إليها في المعيشة الضرورية اليومية، بينما تبقى الزكاة في الأمور الأخرى التي لا تتوقف عليها الحياة، توقفها على هذه الخمسة على عمومها وإطلاقها، فتجب الزكاة في قليلها وكثيرها وهذا أمر معقول في التشريع كما تفعله بعض الدول المعاصرة، بل جلها من إعفاء كثير من الأمور أخرى ليست في مرتبتها من شدة الحاجة إليها أو هي من قبيل الكماليات، وهذا ما يظهر لي أنه مذهب جمهور الظاهرية. وقال الحافظ بن حزم في هذا الصدد، وقال أبو سليمان داود بن علي وجمهور أصحابنا: الزكاة في كل ما أنبتت الأرض وفي كل ثمرة وفي الحشيش وغير ذلك لا نحاشي شيئا، قالوا فما كان من ذلك يحتمل الكيل لم تجب فيه زكاة حتى يبلغ الصنف الواحد منه خمسة أوسق فصاعدا وما كان لا يحتمل ، ففي قليله وكثيره الزكاة. وهذا المحمل للأحاديث الشريفة عند النظر الصادق هو أولى المذاهب بالاعتبار لأنه أعمال للحديثين معا، حيث يبقى حديث فيما أنبتت الأرض العشر عاما عدى الأشياء المذكورة في حديث الخمسة أوسق، كما يعمل حديث الخمسة أوسق فيما هو نص فيه، بينما بعض المذاهب الأخرى يجعل حديث الخمسة أوسق ويتعصب له كابن حزم ويرد على جميع أصحابه أو جمهورهم على الأقل، ومنهم من يترك عموم حديث، فيما أنبتت الأرض العشر ويتركب طريق القياس والالحاقات فيما يوكل ويدخر فيقع التخليط.
ومن جهة أخرى فإننا نرى أن الاقتصار على إيجاب الزكاة في خصوص الحبوب المذكورة هو نوع محاربة لها حيث تفرض الزكاة عليها وحدها مع ضرورتها للمعيشة.
ولو عمل الإمام أبو حنيفة بإعفاء ما دون الخمسة أوسق من الحبوب المذكورة من الزكاة حتى تبلغ هذا الحد لوافق مذهب الظاهرية وأعمل الحديثين العام في كل ما أنبتت الأرض، والخاص بالحبوب كلا فيما يقتضيه، على أن الإمام أبا حنيفة ليس وحده فيما ذهب إليه بل هو تابع لعدد من الأئمة قبله. قال ابن حزم وعن مجاهد وحماد بن أبي سليمان وعمر بن عبد العزيز وإبراهيم التخفي إيجاب الزكاة في كل ما أخرجت الأرض قل أو كثر، وهو عن عمر بن عبد العزيز وإبراهيم وحماد في غاية الصحة، وقد استفدنا من هذه النظرة العابرة كيف نظر الأئمة إلى أحاديث الصدفة وكيف اتجهوا في تطبيقها ومن صادف الصواب منهم في التطبيق، كما استفدنا أن التشريع الإسلامي ليس فيه قصور كما يظن هذا الظن من يقصر على النظر إليه من خلال ما يقرره أهل مذهب معين.
وتستفيد من هذا الاتجاه فوق هذا كله أن الأولى بالمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها أن يبحثوا نظام الزكاة في الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها أن يبحثوا نظام الزكاة في الإسلام على أساس جديد مستمدين من منبعه الصافي : الكتاب والسنة الصحيحة، ويعملوا على تطبيق ذلك، فإن نظام الزكاة الذي لا زال يكتسي صبغة التقديس والاحترام في عقيدة المسلمين، لا ينبغي إهماله أو رميه بالقصور من غير بحث في حقيقته ومراميه.
وما أجدر وأحق هذه المؤتمرات الإسلامية التي نسمع بين الحين والحين بانعقادها ببحثها لمثل هذه المواضيع الهامة التي تتصل بصميم الشريعة الإسلامية والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
       
 (1) أي بوعاء خاص، ويطلق القفير على الزنبيل والجواب، هذا أن لم يكن محرفا عن القفيزو هو مكيال معلوم.

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here