islamaumaroc

حول النظام الدولي في الإسلام

  دعوة الحق

124 العدد

    من الدروس الرمضانية الممتعة التي تلقى أمام جلالة الملك في هذا الشهر المبارك، ذلك الدرس الذي ألقاه الأستاذ المقتدر الشيخ محمد المكي الناصري يوم الثلاثاء 19 نوفمبر1969 عن مبادىء النظام الدولي في الإسلام، وقد كان الأستاذ- كما عودنا- باحثا حصيفا، ومحدثا بارعا ومنقبا عن مآثر الإسلام والمسلمين لإبرازها لأبناء الجيل علهم يتعظون ويبنون كما بنى أسلافهم الأماجد.
    لقد أعجبت أيما إعجاب بحسن العرض، وببعض المقارنات التي عقدها وخاصة بين المعاملة السمحة التي كان الفاتحون المسلمون يعاملون بها خصومهم وأسراهم في أرواحهم وأموالهم، وبين القساوة الفظيعة، والأعمال الوحشية الشنيعة التي يقوم بها الصهاينة المجرمون الآن ضد عرب فلسطين الأحرار، وضد ممتلكاتهم وأراضيهم المحتلة، فإن فظاعتهم لم يشهدها تاريخ الحروب إلا على أيدي هذه العصابات الصهيونية التي ظلت تصول وتجول، وتنتهك الحرمات، وتخرب العمران، وتأتي على الأخضر واليابس، وتقلق راحة الأمنين منذ أكثر من عشرين سنة، سندها في ذلك بعض دول الاستعمار  الغربي التي تستنكف أن يجتمع شمل العرب، ويقوي شأن المسلمين، ويستعيدوا مجدهم الغابر من جديد، لأن في استعادته ـ حسبما ترى   هي ـ منافسة لها خطيرة، وتنقيصا من دائرة نفوذها وجبروتها، وخطرا على وجودها ، ولولا هذه المساندة القوية ـ المادية والمعنوية ـ التي تتلقاها إسرائيل من بعض دول الغرب، لما أمكنها أن تهزأ بهيئة الأمم المتحدة، وبقرارات مجلس الأمن الدولي، فتضرب بها عرض الحائط باستمرار وبكل وقاحة، ولما تيسر لها أن يستنسر بغاتها بأرض العروبة، أو أن تعيش دويلتها طويلا شوكة أليمة، وجسما غريبا في أحضان الوطن العربي.
  هذا ولي على الدرس ملاحظة وتعقيب: أما الأولى فهي ما ذكره أستاذنا الناصري من أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من أذى ذميا فأنا خصمه يوم القيامة »، أن هذا الحديث مدسوس على النبي صلى الله عليه وسلم في جملة أحاديث تكفل العلماء بتبيانها،فهو قطعا من الإسرائيليات التي دست على الإسلام ورواها بعض الرواة عن حسن نية  ودون تشبث، لقد نص على اختلاف هذا الحديث المزعوم بعض التقات من الحفاظ فها هو ذا الحافظ ابن كثير(701ـ774هـ) يقول(1):
    « وقد يشتهر بين الناس أحاديث لا أصل لها أو هي موضوعة بالكلية، وهذا كثير جدا، ومن نظر في كتاب « الموضوعات» لأبي الفرج بن الجوزي عرف ذلك، وقد روى عن الإمام أحمد (بن حنبل) أنه قال: أربعة أحاديث تدور بين الناس في الاسواق لا أصل لها:
(من يشرني بخروج آذار(2) بشرته بالجنة ) و(من آذى ذميا فأنا جصمه يوم القيامة) و( نحركم يوم صومكم) و ( للسائل حق وإن جاء على فرس).
   وما زلت أذكر- إن لم تخنى الذاكرة- أن الأستاذ الناصري قال في درسه أمام الملك: أن هذا الحديث (يعني المدسوس: من آذى.... الخ) ورد في خطبة حجة الوداع، غير أني رجعت إلى نص الخطبة النبوية الشريفة(3) في حجة الوداع فلم أجد أثرا للحديث المشار إليه، مما يدل دلالة قطعية على أنه موضوع مختلق.
   إن اليهود- وهم الذين يصفهم المغاربة « بالذميين» عندما يتحاشون ترديد لفظة يهود- لم يكونوا من الوداعة، وطيب الخلق، وحسن المعاشرة، والمعايشة السلمية، ومسالمة النبي (ص) والمسلمين الأوائل، بحيث يستحقون أن يقول فيهم النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحديث أو شبهه، بل كانوا معه دائما النموذج الخداع والختل والتآمر والخيانة المجسمة، والشواهد على ذلك من القرءان الكريم والحديث النبوي الشريف وكتب التاريخ أكثر من أن تحصى. ولقد صدق الله العظيم حينما قال في كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه: « لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود(4) ...» وكفى هذا دليلا على سوء صنيعهم لا أمام المسلمين وحدهم بل أمام الإنسانية المؤمنة جمعاء.
  أما التعقيب فهو أن النظام الدولي في الإسلام موضوع هام جدا وجدير بالدرس العميق، وأن الأستاذ الناصري في لفته الأنظار إلى هذا الموضوع الحيوي، لحري بكل شكر وامتنان، فحبذا لو انكب فقهاء القانون المسلمون المهتمون بالقانون الدولي على القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة والإجماع والقياس وما اليها، فاستخرجوا منها علما كاملا قائما بذاته، وأني لأعتقد أن مصادر التشريع الإسلامي هذه، تحتوي على قانون دولي مكتمل ناضج قوي، فلا يصح أن نقنع بالقول، إنها تحتوي على مبادىء فقط لذلك النظام أو القانون الدولي الذي يتبجح الغربيون بأنهم مكتشفوه وأبناء بجدته.

 

 

  1- في كتابه: الباعث الحثيث في اختصار علوم الحديث، صفحة 87 طبعة دار الفكر – بيروت.
  2 - بخروج آذار (مارس) يدخل نيسان أي أبريل: وهكذا يتضح أن هذا الحديث كان أول أكذوبة من أكاذيب أبريل   في التاريخ!!
 3- راجع جمهرة خطب العرب للأستاذ أحمد زكي صفوت- ج1 ص 57-59 فقد نقل نصها عن عدة مراجع موثوق بها مثل: سيرة ابن هشام، والكامل لابن الأثير، وتاريخ الطبري، والبيان والتبيين، والعقد الفريد وغيرها.
 4- سورة المائدة، الآية: 82.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here