islamaumaroc

مع حكيم القردة

  عبد القادر السميحي

16 العدد

فيم يفكر هذا القرد العبقري العجوز؟ وما عساه يكتب الآن من ضروب الحكمة ؟
لنلق نظرة فضول على محتويات الورقة المكتوبة. يا لله ! هذه ليست ورقة واحدة، بل عذة وثائق عملية، تحمل كل منها رمزا غامضا، ورقما رياضيا.
انظر هذه ورقة تحمل عنوان (خطاب مفتوح إلى السيد «همرشولد» استهله القرد العجوز بقوله):
سيدي الأمين العام لهيئة الأمم المتحدة.
ما أستطيع القول به منذ البدء، هو أن تغفروا لي بساطتي الفطرية، حين اعتقدت في سذاجة، إن بمقدوري أن أسهم بحظ متواضع في الرأي، عله يقودنا في مسالك من نور، لو وجد التأييد الأدبي، والتزكية من أعضاء هذا المجلس الموقر.
وأنه، وإن لم تجر العادة بأن يدلي قرد مثلي برأيه أمام قادة الرأي من بني الإنسان، إلا أنني أعلم أنكم كرماء، وأجدر بحمل صفة الإنسانية، وإن يكن هناك من سوف يستقبل كلماتي بالسخرية، قائلا: حسن ! لم يبق في الحساب، سوى أن نستمتع للقردة الخاسئة وهي تحشر أنفها في شيء لم تخلق له، فتدلي برأيها في مشاكلنا الإنسانية، التي حارت العقول المفكرة نفسها في إيجاد حل لها، منذ نزول أبتنا آدم من الجنة!.
وسيرتفع أكثر من صوت يقول : ايتونا بهذا القرد الشجاع، ليستنا بحركاته التهريجية فنحن في حاجة الترويح عن النفس، بعد أن ظللنا مدة ساعتين مسجونين داخل مقاعدنا في جلسة الصباح، متكلفين الانتباه، ومتابعة كل حرف مما يثار من المناوشات التقليدية، بين مندوبي أمريكا وروسيا والمصحوبة عادة بالتمثيل الهزلي، من ضرب المائدة بقبضة اليد المجمعة، وإرسال الإنذارات المرعبة بالويل والثبور، وإن بلد أحد الجانبين لا يمكن أن يظل مكتوف الأيدي، إزاء أعمال البلد الآخر. صورة مملة تمثل دائما تحت سقف هذه القاعة، وكلام يعاد القول فيه.
.. ولكني أعلم علم اليقين، إن صوتا آخر سيرتفع من بين الجمع العظيم، صوتا ملائكيا، مؤيدا بقوة الحق، والعدل، والشرف، والنبل، لإنسان تعمر الحكمة قلبه، إنه سيلقى في هدوء كلمات محبته هكذا :
حينما تضع الأقدار أحدنا في محنة محققة، كأن يكون غريقا تتقاذفة الأمواج العاتية، وتطوح به هنا، وهناك، ولا شيء أمامه سوى الزرقة المتصلة بالبحر والسماء، وفجأة يقترب منه زورق مبيض الشراع، يقوده هذا الأخ من بني القردة ، الذي تسخرون منه اليوم، يظهر في طبيعته الفطرية السليمة، جذلان فرحا بأنه سينقذك من محنتك، ثم يسارع إلى مد يد العون ليوصلك إلى داخل الزورق، وهو يقفز، ويهمهم فرحا بأنه فعل شيئا طيبا أدركه بشعوره الفطري، هل ترفض أيها الإنسان المشرف على الغرق أن تسلمه يدك لينقذك، لأنه ليس بشرا مثلنا؟
أنني أهيب بضمائركم الحية، وأخاطب فيكم ذلك الجانب من طبيعة الإنسانية أن تفسحوا صدوركم للترحيب بكلمات أخينا بالمعنى الأعم : حكيم القرود، فنحن الساعة في حاجة إلى من يهزنا من جذورنا، إلى من يفضح حقيقتنا الوضعية، وسرائرنا الخفية، ومواضعاتنا الاجتماعية ، الحافلة بضروب النفاق، والرياء، والبغض، نحن في حاجة إلى عاصفة هوجاء تقتلع الجذور، وتجرف كل شيء، عاصفة تكشف القناع عن وجوهنا المموهة بالمكياج المصطنع، الذي نخفي وراءه قبحنا، فالاعتراف بالحق فضيلة، وشجاعة، ونبل، وخير، صلاح ...
لقد كنا إلى عهد قريب نقيم مباهج الزينة وأقواس النصر، وننثر الزهور، ونحرق البخور، فرحا بإعلان الهدنة، واستقبال فجر وليد من السلام وهناءات الأيام، تتلوها انطلاقة من خصائصنا الروحية تغير من مجرى حياتنا، وإذ ذاك تطلع علينا هيئة الأمم بميثاقها الذي يبشر بعالم أفضل تكفل فيه السعادة، والسلام والعيش الرغيد، والكرامة، والحرية، والمساواة ... تمر الأيام، ونحن ننتظر الوعود، ونعود نقارن بين ما ورد في الميثاق وبين واقع حيتانا، فنشعر بأن الأرض تميد تحت أقدامنا ... أنني أشعر الآن بتلهف لأن أهتف مع (جوته) العظيم : أحس بصدري يتمزق وجميع جوارحي قد تأثرت متشوقة إى شعور جديد وإحساسات جديدة لا عهد لي بمثلها».
وها أنا أتشوق إلى سماع أي صوت، وغير صوت الإنسان المفكر. إلا سحقا للتفكير المريض «فالإنسان المفكر حيوان سافل !» ليردد الجمع العظيم هنا مع حكيم المعرة (1) الذي وهب نعمة الحقيقة والشجاعة لنردد معه قوله: «أنا وغد» «أنا وغد !!».
ثم يجلس هذا الإنسان الذي دافع عن حق القرود، بين كثير من علامات التقدير والكريم.
(وبعد هذه المقدمة يصل خطاب حكيمنا القرد إلى الهدف من رسالته، وبجملة فيما يلي):
1) ـ نوجه نظر سيادة الأمين العام، إلى الأحداث الجارية في مضيق «قرموزة» والتي تشكل خطرا على السلام العالمي، ولتفادي حدوث الكارثة، تدعى الجمعية العامة للانعقاد، لجلسة استثنائية، غير عادية، وعلى مستوى عال، للاقتراع على المشروع الذي أتقدم به اليوم، باسم أمة القرود التي لي شرف التحدث باسمها.
2) ـ للحد من التهديدات المقلقة المنوالية، التي دأب على الإدلاء بها كل من «المستر دالاس» والرفيق «خروتشيف» عن استعمال الأسلحة الذرية، والهيدروجينية عند اللزوم في كل مناسبة، وبلا مناسبة أيضا، إذا هم دخلوا، أو خرجوا من مجلس الرياسة، وإذا هم صعدوا، أو نزلوا من الطائرة ...
للأسباب السالفة أطلب الاقتراع على مشروع القرار التالي:
1) الموافقة على إقامة مباراة داخل قاعة مجلس هيئة الأمم المتحدة (على أن يخلى وسط القاعة من المقاعد) بين كل من «المستر دالس» والرفيق «خروتيشف» تستغرق من الزمن خمس ساعات كاملة، يكون العرض فيها على الوجه التالي:
2) تفتح المباراة بألعاب بهلوانية، من صميم الألعاب الوطنية في كل من بلديهما، فيخرج «المستر دالس» على هيئة رعاة البقر، ممتطيا ثورا، متوحشا جامحا، يقفز به، وينظر هنا، وهناك، وهو إثناء ذلك يحول الصمود، إلى أن يوقعه على الأرض.
يتبع ذلك دخول «خروتشيف» بالملابس التقليدية القيصرية، قبعة عالية من الوبر، وشنب عرض مفتول، وسروال فضفاض وخنجر معلق في الحزام، ويقود دبا روسيا أبيض اللون، وتكون هذه مفاجأة للحاضرين من الرفيق «خروتشيف».
وبانتهاء هذا العرض الحبي، تبدأ المعارك العنيفة المثيرة، الدامية، وتستهل أولا بالسباب، ويتركز خاصة حول القمر الصناعي، فيتبجج «خروتشيف» بأن الكلبة الروسية «لايكا» استطاعت أن تمر فوق قبة البيت الأبيض، مقر رئيس الولايات المتحدة وكذلك فوق ناطحات السحاب.
فيجيبه «دالس» نحن كأمريكيين تمتعنا تقاليدنا العريقة المورثة، ويمنعنا الحياء أن نرسل إلى الجو قمرا ، أو قويمرا، أو على الأصح لعبة الأطفال في عيد «بابا نويل»، التي يجدونها في الصباح، تحت وساداتهم، ولكن انتظروا ما سوف نفاجئكم به: فيطير من رؤوسكم الشعر (معذرة لا أعنيك بالذات، لأن شعرك طار منذ زمن بعيد) فسوف لا نرسل كلبة عجفاء مثل «لايكا» وإنما سيحمل قمرنا أضخم فيل شهدته الأدغال في تاريخ وجودها وسوف يمر فوق رؤوسكم، ويخرج لكم خرطومه، لتموتوا بغيظكم، والأيام بيننا. (تنبيه: ليكن في علم الجميع أن هذه المناوشات الكلامية ستكون آخر فرصة لهما في الكلام، كما سيتبين ذلك للعيان فيما بعد).
3) يبتدئ الشوط الأول بالملاكمة، على أرض مدهونة بالصابون، ويكون الحكم فيها الممثل الهزلي المشهور «شارلي شابلين» بعصاه، وملابسه التقليدية وتستغرق من الزمن ساعة واحدة.
4) الشوط الثاني ، مصارعة يابانية حرة، يندفع فيها «خروتشيف» نحو «دالس» ويلوي عنقه ويديه ، ويلقيه في عنف على الأرض .. يقوم «دالس» بعد جهد وهو يزفر ويلهث، ويتقدم إلى «خروتشيف» متظاهرا بالبراءة، وبأنه يود أن يشد على يديه بتحيات المودة كإعجاب منه براءة خفة حركاته «الإستراتيجية» وفجأة يقبض في عنف على يد «خروتشيف» ويلقبه فوق حبال حلقة المباراة، فيسقط على صلعته. وهنا ترتفع أصوات الاستنكار من أعضاء الدول الشرقية الشيوعية، ويصيح الرفيق «شوان لاي» محتجا باللغة الصينية : هذه همجية . ويلعو هذه الأصوات، أصوات أعلى منها، هي أصوات الدول الغربية وهي تصيح : «برابو» «دالس» «برابو».
5) الشوط الثالث يكون بالمبارزة التي تدعى «رد الفعل بالمطاوعة» يتقدم فيها «خروتشيف» وينزع نظارة «دالس» ويسحقها تحت قدميه، لكي يتخبط في ألعابه، ثم يضغط بيديه على منافذ التنفس من أنف، وفم، وهنا للمرة من الجانب الأمريكي يقول أحدهم:
دعه أيها الخنزير، وإلا سحقنا بلادكم في الحال بالأسلحة السرية.
فيأتيه الرد في الحال من الجانب الروسي: لن ندع لكم الفرصة أيها المغلفون لتسبقونا إلى ما نود أن نفعله بكم.
وهنا يرفع الحكم عصاه، ويصفر، لإعادة النظام ثم يعلن عن استراحة مدتها خمس دقائق من الزمن، يتقدم فيها الأعضاء الأمريكيون لإسعاف بطلهم بجرعة من شراب «الكوكاكولا» و«الأوبالتين» وحبوب الفيتامينات (د. ج. س. ا.) وحبة من حبوب «الذرة من أجل السلام» ! وقطعة من اللبان لحفظ الأسنان سالمة من أخطار الضرب.
وهكذا يفعل أعضاء الوفد الروسي، يناولون بطلهم زجاجة «الفودكا» وقطعة من «الكافيار» وبيض السمك المجفف، ويروحون على صلعته، ويدلكونها بماء «الفودكا» لإعادة النشاط إلى خلايا المخ.
يلاحظ الأمريكيون هذه العملية، فيتداولون بينهم، وفجأة يتسلل واحد منهك خارج الصفوف، ويعود بزجاجة من «الكونياك» ويصب قطرات منها على رأس «دالس».
يصفر الكم، فيتقدم «دالس» بثبات، ويراوغ خصمه إلى أن تسنح له الفرصة، فيناوله ضربة متمكنة تحت بطنه على طريقة «آل كابونسي» رئيس عصابة «شيكاغو».
6) الشوط الرابع، مباراة القذف الموجهة وتستغرق نصف ساعة، يقف الخصمان تجاه بعضهما على بعد عشرة أمتار، ويبتدآن في قذف بعضهما البعض بالمنتجات الوطنية المشهورة في بلديهما، كزجاجات الكوكاكولا، وعلب الحليب المجفف، والفواكه المعبأة والبيض الفاسد ..
ومن الجانب الآخر، زجاجات الفودكا، وعلب الكافيار والسمك المجفف وهكذا .. وتستمر هذه المعركة الدامية ساعة الزمن، إلى أن تتضعضع فيها قوتهما، ويفقدان القدرة على الكلام والحركة وتضعف قوة التفكير.
وهنا ترتفع الأصوات مطالبة بإنهاء المباراة، رحمة بالخصمين، ولكن الحكم يرفض في إصرار وعزم، ويصر على أن تستمر المباراة إلى نهايتها مهما كانت الظروف، لأن القانون الرياضي لا رحمة فيه، ولأن من جهة أخرى ينفذ قرار هيئة الأمم المتحدة، الذي صدر بإجماع الأصوات، ولأنه ينبغي على الأعضاء أن لا يتراجعوا وينقضوا قرارا لم تجف كتابته بعد، وهو قرارهم هم أنفسهم .. فيقول أحد الأعضاء: ـ كلامك من الوجهة الإنسانية، وأقول الإنسانية، فإن التشريع الوضعي والسماوي أيضا يترك دائما فجوات من النور، للتنفس، وللخروج من الضيق عند اللزوم، تلكم هي منافذ الرحمة المفتوحة، على أنه أيضا من الناحية  العملية يستحيل الآن تطبيق وتنفيذ الهيئة، لسبب وجيه، ذلك هو عجز الخصمين عن الحركة والمضي إلى النهاية في المعركة، وفاقد الوعي لا حكم عليه، هو والمجنون ....
فيرد الحكم : هذا صحيح، ولكن لا يمنع هذا العارض الطارئ من الاستمرار في المباراة، ولو في شكل من الأشكال، إلى تمام الساعة المحددة لإنهائها، ولو بإشارة واهنة من الخصمين، أو بالسباب بتعبيرات الوجه، والعين والفم .. ومع ذلك فيبدو لي مهما من عدة وجوه، أن أخضع لرأيكم وأوقف المباراة مؤقتا، على أن يظل الخصمان في مكانيهما، لحين إصدار التعليمات، وفي هذه الأثناء سأعطيكم فرصة للحديث في هذا المشكل القائم الآن، والذي اعترف أنه مشكل قائم فعلا.. فأمامكم الآن نصف ساعة من الزمن، لإبداء الرأي..
ينهض رجل رقيق البنية، اسمر اللون، عليه سيماء الحكمة والتواضع ، ينهض في ثيابه البيضاء ويطلب الكلمة يلمحه، فيحييه برأسه، ويأذن له .. إنه «نهرو» وقد وضع يديه تحت صدره وبدأ بتحدث: أولا ما يدور بخلدي أن أقول ابتداء، هو تقديم التهنئة لأخينا القرود، على ما أسداه من خدمة جليلة لصالح السلام العالمي على أسس راسخة من العدل الإلهي، وعلى تجربة فريدة في نوعها، أن هي جاءت بالنتيجة الإيجابية فسوف تغير من مجرى تاريخ البشرية، وتخلقه خلقا جديدا، وأرى أن نقر أسس هذه التجربة، ونبني عليها قواعد لسياسة إيجابية، نحميها بجميع الإمكانيات من القوانين التشريعية والتنفيذية، وبمقدرات جميع قوتنا الروحية مهيبين بضمير العالم أن يقف بجانب السلام.
ولعله يمكن القول من الآن أنه إذا ما تعطلت قوة الخصمين إلى أجل غير مسمى، أو تعطلت بالمرة فإن ذلك يعد انتصارا لقضية السلام، وبالتالي لن يجرؤ مسئول بعد الآن على الحديث عن الرحب، وإقلاق العالم، لأنه يعرف مقدما أنه سيساق إلى ساحة العدل هذه، إذا هو هدد أو انذر، وأقلق راحة الآمنين، فمصيره هو ما شاهدناه اليوم، فالعضو الفاسد، يجب أن يبتر لصالح سلامة بقية الجسم، وهذه قاعدة يعرفها علم الطب، يعرفها الزارعون. فالذين يدعون للحرب، يجب أن نشق بهم الطريق الذي كانوا يحرفونه للبشرية، لذلك يجب الاحتفاظ بهذه القاعدة كأساس سليم للمحافظة على سلامة البشرية، على أنه من جهة أخرى، إذا فرض واسترد نأتي بهما مرة أخرى لساحة العدل، للدخول في مباراة تكون أشد وأفظع وأطول زمنا من الأولى، وإذا قدر فشلت التجربة، كغيرها من التجارب، فعلينا إلا نستسلم مطلقا لليأس، فسلامنا على هذه الأرض بتوقف على المحافظة على هذا السلام.. ثم ينتهي «نهرو» ويحي الحاضرين على الطريقة الهندية، بوضع اليدين أمام جبهة الوجه ويجلس..
ثم نرى شخصا آخر يرفع يده مستأذنا في الكلام فيأذن له الحكم، إنه وزير خارجية المعرب، ها هو يقول: ـ يجدر بنا، ونحن نتشوق والعالم أجمع، لإيجاد وسيلة إيجابية لإقامة سلام دائم أن لا نعطي أهمية للرأي القائل بإنهاء المباراة، شفقة بالخصمين، فلنحذر أن نأخذ محاولة كهذه بذرة من التسامح، على أنه من جهة أخرى لا يبدو لي أن بوسعنا إذا تضرعنا بالحق كله، وبالعدالة كلها، والانتصار لأحد الخصمين على الخصم الآخر.. ولكن الإيمان بمعنى الحياة يفترض دائما سلما للقيم واختيارا، وأشياء نؤثرها، ونحن نعيش حياتنا، وننشد فيها قيما أخلاقية، ونختار مصيرنا، ونؤثر أشياء عزيزة علينا ، على غيرها من الأشياء، ونحن نؤثر السلام ونحبه، للعالم أجمع لا لأفراد معينين.
والسؤال الطبيعي الذي يترتب على هذه المقدمة، هل من الخير، والعدل، والشرف أن نضع في كفتي ميزان العدالة، قيمتين لا تكافؤ بينهما بأيه صفة من الصفات؟.
هل من العدل أن نضع في كفة مصلحة فردين، من أفراد الناس، ونضع في الكفة المقابلة، مصلحة العالم بأسره ؟.
هذا هو السؤال أيها السادة: هل بوسعكم أن تؤثروا سلامة فردين، على سلامة المجموع بدعوى الشفقة؟ وما دام هناك اختيار كما قلت فأرى للخروج من هذا المشكل أن يقترع الأعضاء على نص قرار يرمي إلى تأليف لجنة من أكبر الأخصائيين العالميين في الطب، في الأمراض العقلية، والعضوية، والحنجرة بصفة خاصة، لإجراء كشف عام على الخصمين، تحت نظر وسمع جميع الأعضاء، لمعرفة  ما إذا كان في استطاعة الخصمين استئناف المباراة إلى تمام زمنها المحدد لها رياضيا، وقانونيا، أم أن قوة الخصمين، بما فيها القوة العقلية ، والعضوية، قد تعطلت، ولا خوف من أن يسترداها في المستقبل، ولو بوسائل الطب الحديث.
فإذا جاءت شهادة الأطباء، بعد الكشف الدقيق النزيه ـ أقول النزيه بصفة خاصة، لئلا تلعب الأهواء السياسية الدولية في الموضوع بأنه لا مبرر له نوع من الخوف من إمكان استرداد صحتهما وقوتهما، فعلى الأعضاء أن يصادقوا على الرأي القائل بإنهاء المباراة الآن، واعتبار نتيجة هذه التجربة نصرا للسلام، وفخرا لإخواننا القرود، وعلى رأسهم حكيمهم الوقور.
ثم نرى رجلا هادي البال يطلب الإذن لإلقاء كلمته فيؤذن له، أنه الدكتور محمود فوزي، وزير خارجية الجمهورية العربية المتحدة. ها هو يتحدث الآن:
ـ سأقتصر في تعليقي على فقرة وردت في خطاب زميلي وزير خارجية المغرب حين حدد غاية مهمة اللجنة الطبية، واشترط أن تتوفر لديها روح النزاهة، ولذلك أرى أن يكون اختيار الأطباء من الدول المحايدة التي تتبع سياسة الحياد الإيجابي.
ومع ذلك يبدو أن هناك فكرة أخرى قد تخلصنا مما نحن واقعون فيه من الحيرة، هو أن تشكل هيئة الأطباء الأمريكيون الكشف على الخصم الروسي، ويتولى الأطباء الروس الكشف على الخصم الأمريكي، وبذلك نحقق النزاهة في نتيجة الكشف، لأنه لو تركنا الأطباء الأمريكيين يكشفون عن مواطنهم، لقالوا في شهاداتهم بان قوته العقلية والعضوية قد تطلعت لأجل غير مسمى، وبذلك يتيحون الفرصة لأن ينجو مواطنهم من متابعة المباراة الدامية التي ربما قضت عليه نهائيا لكبر سنه. والأمر كذلك بالنسبة إلى أطباء الروس، فيشهدون بأن مواطنهم بين الموت والحياة.
وبانتهاء حديث الدكتور محمود فوزي، أعطيت الأصوات في صالح اقتراح وزير خارجية الجمهورية العربية المتحدة ، وتقدم الأطباء بشاهداتهم الرسمية القانونية، بما يفيد فقدان القدرة لدى الخصمين على المضي في المباراة، وإن حاسة النطق قد تطلعت نهائيا.
وهنا ارتفعت الأيدي بالتصفيق، وخرج الأعضاء وفي مقدمتهم «المستر هامرشولد» ممسكا بيد القرد الحكيم، ليقوده إلى مكتبه الدائم الذي خصصته له هيئة الأمم في مقرها.
 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here