islamaumaroc

هداية الأربعين

  مصطفى الزرقا

16 العدد

في عصر اليوم الأول من رمضان زرت صديقا لي من كبار الموظفين، قريب عهد بالزواج، فوجدته وادعا وداعة الصائمين، وللصيام في وجهه عنوان ظاهر يقرؤه الناظر إليه.
قلت ـ أراك خافيا صامتا على خلاف عهدي بك في رمضان وغير رمضان.
قلت ـ كلنا صائم ول أشكو ما تشكو لأني أتغلب على مشقة الصيام بالاستراحة وقلة الحركة وترك التطواف قدر الإمكان، لأن الراحة أعظم معوان على الصيام.
قال ـ أتدري أي مرة أصوم الآن من عمري ؟ وصاحبي المحدث عنه قد جاوز الأربعين من العمر.
قلت ـ فخبرني : كم عمرك لأحسب كم رمضان قد صمت؟
قال ـ هذا أول شهر أبدا صيامه في حياتي، ولم أصم قبل ذلك يوما قط.
قلت ـ لم أكن لا توقع ذلك كله، ولكني قد أظن أنك قد أهملت الصيام مدة دراستك في أوروبة، شأن الكثير من زملائك.
قال ـ والله ما علقت (أي ما صمت) يوما من رمضان في حياتي قبل هذا اليوم، وقد كنا نرى، كما يوهموننا، أن الصيام ليس سوى أجاعة مضعفة للبدن، غير معقولة طبعا ولا طبا فرضنها أسطورة إسمها الدين، فإذا تقبلتها العقول الساذجة لا ينبغي أن تتقبلها العقول المثقفة، والأفكار النيرة ـ والأشخاص الذين يفهمون أن الجسم كالآلة المحركة (أي الموتور)، تحتاج إلى زيت ووقود دائمين ما دامت تعمل.
وهنا أخذت العجلة فبادرت صاحبي بقولي: أفلا تحتاج المحركات إلى عملية تنظيفات، تخرج منها ما رسب فيها من رذى الزيت وعكره، وما ألح على محراقها ومحراكها من شحار وغبار، ثم أرايت تلك المصافي التي تقوم في المحركات بتصفية زيت الانزلاق، وزيت الاحتراق، كما تقوم كبد الإنسان باحتجاز تلك السموم ومقاطعة طريقها في البدن، إلا تحتاج تلك الصافي في المحركات إلى تنظيف ما يعلق بثقوبها ويسدها بين الحين والحين، حتى تستطيع إمرار الزيوت نقية إلى أماكنها من الآلة ؟
إن الطب الحديث يقرر أن الجسم يحتاج إلى إجاعة نظامية، وهي ما نسميه الصيام، لكي يرتاح به جهاز الهضم، ويتاح الوقت المناسب للكبد ولسائر الأعضاء المختصة أن تطرح السموم التي تتراكم في العضوية، حتى يستعيد الجسم نشاطه وحيويته، كما يستعيد المحرك قوته وانتظام عمله، بعد عملية التنظيف بالجلي (أي الروداج) و بالتمسيح، وتجديد الزيت، وإن الصيام النظامي يعتبر في الطب تدبيرا صحيا لطرح سموم البدن، يسمى البدن، يسمى باللغة الفرنجية : cure de desintoxication        فالذي خلق هذا البدن كالآلة، شرع له من التدابير المصلحة نظير ما تحتاج إليه تلك الآلة من عناية بالتنظيف والتجديد والإراحة وإعادة التوازن في سائر أجزائها ومحاورها كلما اختل ذلك بين الحين والحين باستمرار العمل وهذا يكون بالصيام الذي ترتاح فيه الأحشاء وأجهزة الهضم والإفراز وتنصرف فيه الكبد وأعوانها إلى طرح السموم والقيام بالترميم، وهذا يفسر لنا السر في توارد الشرائع الألهية كلها على إيجاب الصيام فإن الله تعالى شرعه في الشرائع السالفة التي أرسل بها رسله سابقا، كما جاء في القرآن العظيم من قوله تعالى : «يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين قبلكم لعلكم تتقون» فنظام الصيام لو لم توجبه الشريعة لأوجبته الطبيعة ومن حسن الحظ أن صاحبي هذا مهندس يعرف جيدا علم الآلات الحركية ويجيد فهم لغتها ومصلحتها.
فتنفس الصعداء وقال لي : آه يا أخي لم تكن فيما مضى نفهم معنى السموم بمفهومها الطبي اليوم ولا ندرك أن الأغذية الجيدة قد تنقلب في البدن سموما بطيئة تتراكم في العضوية وتحتاج إلي طرح بنظم من الحمية والتدابير الصحية، ثم تنهد الأسف وقال لم يكونوا أيها الأستاذ فيما مضى يعلموننا الدين تعليما جيدا يربطه بنظام الحياة، وأنني الآن التمس ذلك بنفسي بعد الأربعين من العمر وأشعر بالحاجة إلى أن أرجع إلى البحث عن أصول الإسلام ومصادرها الصحيحة وعن فرائضه فأتعلمها من جديد كالأطفال وأمارس عبادتي فأشعر بالطمأنينة تحيط بقلبي، وبالسكينة تسكن إليها نفسي، وهنا قام صاحبي فأحضر لي من على منضدته سلسلة من كتب الديانة المدرسية الجديدة وقال: أني جد مسرور بالقراءة فيها ومعرفة فرائضي وعبادتي، وأعد نفسي سعيدا منذ عهد قريب بممارسة صلواتي وواجباتي الدينية.
فقلت له أما بعد إن عرفت بعض حكمة الصيام ومنافعه وأذعنت لها فلا يسعني إلا أن أنهبك إلى أن هذا يجب أن يكون تعريفا لك  بأن  أوامر الشريعة الإسلامية كلها تنطوي على مصالح البشرية وعلى حكم قد تخفي منها نواح وقد تظهر لنا، فمن واجب المؤمن أن يمتثل أوامر الشريعة وأن لم تظهر له حكمتها وفائدتها، لأن الإنسان لم يؤت علم كل شيء، فلا يصح أن يجعل عمله الناقص مقياسا لمعقولية أوامر الشريعة، وقد يكون حكمة بعض الأوامر روحية خليقة أكثر من كونها مادية أو صحية. وقد بقيت مغبوطا بحال صديقي هذا وما هداه الله إليه، وكنت قبلا أتعهده الفينة بعد الأخرى بالموعظة اللطيفة وأحضه، على ممارسة عباداته وأشرح له بعض حكمها، وكان يحتج بأنه لا يعرف الفرائض والسنن وطلب إلى كتابتها فكتبنها له، وكان يعدني بأنه عما قريب سأجده قائما بواجباته.
وفي الحال ساورتني فكرة حول السن التي وصلت فيها سفينة عمره إلى ساحل الرشاد، وبدأ فيها تفكيره الديني الذاتي في حدود الأربعين من عمره، وهي السن التي يشعر فيها الإنسان بنضج وتأمل لم يكن يشعر به من قبل، ويتبدل فيها كثير من مفاهيمه ونظرياته في الحياة والأشخاص، وتتكون فيها لديه المفاهيم والنظريات المستقرة، وهي السن التي اختارها الله تعالى لنبوة أنبيائه فتمثلت سريعا قوله تعالى في سورة الأحقاف  من القرآن العظيم، حكاية عم أطوار حياة الإنسان :
«حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة، قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه، وأصلح لي غي ذريتي، إني تبت إليك وإني من المسلمين. أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون».
وإذا كان الصيام بهذه المثابة من الضرورة والفائدة في تدابير الصحة الجثمانية، فإن جميع نتائجه وفوائده تتوقف على حسن نظام الإفطار، فإذا سيء نظام الإفطار كما هي عادة الناس اليوم انقلبت حسناته إلى سيئات.
    

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here