islamaumaroc

الأورانوم

  المهدي البرجالي

16 العدد

 1) ما هي الأصول السياسية الدولية التي  ينهض عليها بناء «الأوراتوم»؟
2) ما هو الأسس التي تقوم عليها المنظمة من الوجهة الدستورية والتطبيقية؟
3) ما هو ألوان رد الفعل الذي كان شأن المعاهد الدستورية والتطبيقية؟
4) ما صلة المشروع بمصالحنا من حيث وجودنا كوحدة دولية متميزة وكجزء من المركب الإفريقي الشمالي الذي يعبر عنه الاتجاه إلى توحيد المغرب العربي؟
من أبرز الظواهر التي يتميز بها تاريخ غربي أوربا لفترة ما بعد الحرب، نزوع شعوبنا وحكوماتها إلى تحقيق «حالات» من التعاون الإيجابي فيما بينها، تجسم بشكل متزايد وملحوظ في كثير من الصور والمظاهر.
وأن أخص ظواهر هذا التعاون بالضبط هو ذلك الذي يبدو أنه ناشيء عن ميل عديد من دول القارة ـ وخاصة القطاع الغربي منها ـ إلى اصطناع ألوان من الترابط الوثيق بين مصالحها وأهدافها الاقتصادية على الأخص بالقدر الذي يتيح لها جميع أكبر قسط من فرص العمل الاقتصادي والسياسي باستقلال عن ديناميت التسيير الأمريكي المباشر. فقد كانت معاهدة بروكسيل شيئا آخر غير هذا الذي يكاد أن يجمع على صعيد التعاون الذري السلمي كلا من فرنسا وإيطاليا وغربي ألمانيا ودول البينيلوكس (هولاندا، بلجيكا، لوكسامبورج). وقد كانت كل من المعاهدتين السالفتين ذات صبغة دفاعية وتعاقدية بين دول غربي أوربا من جانب آخر. أما الاتجاهات الحديثة فهي في شكلها المظهري ـ على الأقل ـ ذات طابع أوروبي بارز، تتجلى فيه إلى أوحى بالتضامن بين فرنسا والمملكة المتحدة مثلا في حملة السويس (30 أكتوبر 56).
وواضح أن علبة هذه المظاهرة الاتجاهية تتأصل ـ في عمومها ـ من حقائق الوضع المنهار الذي خلفه العراك العالمي الثاني في منطقة الغرب الأوروبي من جهة، والأحوال السياسية والاقتصادية الدولية المعقدة التي انبثقت عن هذا الوضع من جهة أخرى (بروز العامل السفياتي الكاسح وتبلور التدخل الأمريكي الدولي بالإضافة إلى نمو القومية الإفريقية والأسيوية الصاعدة). إلا أن عوامل أخرى أكثر محدودية وخصوصية قد جعلت من السياسة الفرنسية أكبر مجال لانبثاق الدعوة إلى هذه الاتجاهات وتجسمها في شكلها الواقعي القار. لقد كانت باريس ـ في الواقع ـ لأهداف تمت بكبير صلة إلى المصالح الفرنسية الصرفة ـ أهم مراكز انطلاق هذه الأشكال الجديدة من الإتحاد الاقتصادي الذي تجسم من قبل في معاهدة اتحاد صناعات الصلب والفولاذ (1955) ثم في مشاريع أخرى أوسع مدى كمشروع السوق المشتركة، ومنطقة التبادل الأوروبي الحرن ومشروع توحيد الصناعات الذرية الذي يعرف دوليا باسم «الأوراتوم»، وهذه المنظمة الأخيرة من أحدث هذه الهيئات عهدا، وهي تهدف إلى تنظيم البحث والإنتاج الذري لاتحاد الأقطار التي تندرج تحت سلطتها. وعلى هذا الأساس فإن مقتضيات المشروع تنص على أن الفنيين الذين ستسند إليهم أدارته صلاحية تسيير وتوجيه جميع جوانب البرنامج الذري للبلاد السنة المنخرطة (فرنسا، إيطاليا، ألمانيا، بلاد البينيلوكس).
ويتركز محور المعاهدة ـ فيما يتصل بالمواد ـ في الأورانيوم(1) ذلك الخام الثمين الذي يعتبر لحد الساعة أساسا رئيسيا في الإنتاج الذري. وتنص المعاهدة على أن الوكالة المنبثقة عن الإتحاد هي التي لها حق ابتياع الخامات الاورانيومية وغيرها وتوزيعها على أساس مبدء التعادل في الاستفادة من مصادر الإتحاد (الفصل 52) وكذا الشأن فيما يتصل بالفحم الطبعي الذي يعد هو الآخر من أهم مصادر توليد الطاقة في الصناعات الحديثة.
وعلاوة على ذلك فإن المشروع يشير في الفصل السادس والعشرين بعد المائة إلى إنشاء لجنة ذرية، قوامها خمسة أعضاء من جنسيات مختلفة. كما ينص فصل خمسة أعضاء من جنسيات مختلفة. كما ينص فصل آخر (108) على تكوين مجلس يمثل الدولة الستة، وتكون رسالته القيام بمراقبة عامة على سير الشؤون العمومية للمنظمة المقترحة، لكي يتوفر بذلك وجود جو من الاتساق والتناغم بين الدواليب الجهاز الذي يحرك ديناميتها ويضبط فاعلياتها.
ذلك ـ على وجه العموم ـ التخطيط الأساسي لهيكل المنظمة الذرية الأوروبية ـ كما يبدو في أصوله المقترحة ـ بما تتسم به ـ في جزئياتها وتشعباتها ـ من تعقد ملموس يفسره كثرة عدد المنخرطين وتنوع مشاربهم وتضارب مصالحهم واختلاف وضعياتهم وتباين حظوظهم في الثراء والتقدم.
على أن المنظمة ـ بالتناقض لمدلولها الأسمى ـ لا تنحد مشمولاتها في المواد الإنتاجية الذرية الصرفة، إنها تجاوز ذلك لتعم كل ما له ارتباط بمشكلة الطاقة في مصادرها المختلفة سواء كانت بترولية أو فحمية أو كهربائية ، فهي ـ مثلا ـ قد تتدخل في توزيع المواد الزيتية وتصفيتها، كما أنها قد تسهم في توزيع الطاقة الكهربائية، خاصة وإن هذه الطاقة قد تأخذ بالتدريج سبيلا تصبح فيه منابعها ذات طبيعة نووية.
وكان من شأن هذه السعة في الاختصاص التي تفرض للمشروع إن أثار كثيرا من مشاعر الحذر والحيطة عند أصحاب الاحتكارات البترولية الكبرى، حيث بدأ أنه أصحاب الاحتكارات البترولية الكبرى، حيث بدأ أنه من الممكن أن يصبح عاملا في خلق جو من المنافسة والمزاحمة تسيء إلى مصالح هذه الاحتكارات على أن ما أثاره المشروع من عواطف جدلية في متنوع الأوساط السياسية والاقتصادية الغربية كان أكثر وأبعد مدى، وخاصة في فرنسا حيث عنفت الاعتراضات في أواسط السنة المولية، لا ضد الوضع التركيبي المقترح للهيئة بل أيضا ضد المعطيات الأولى التي ينهض عليها بناؤها. وتنصب أهم مؤاخذات المعارضين الفرنسيين على مبدأ استغلال الخامات في الدول المنخرطة استغلالا مشتركا ومتساويا، ذلك أن تفاوت نسبة الثراء المعدني بين الدول الأعضاء، من شأنه أن يثير كثيرا من أوجه الخلاف في طريقة نسبة الاستفادة من هذا الثراء على أسس عادلة ومتكاملة.
فالأورانيوم مثلا، هذه المادة الثمينة المرموقة تتوفر بكثرة في مكامن الأرضي التي تعود لمشمولات الحكم الفرنسي، ولكنها لا توجد بنفس الكثرة أو تكاد تنعدم لدى الأغلبية الكبرى من الشركاء الآخرين.
أما بلجيكا لدى الأغلبية الكبرى من الشركاء الآخرين. أما بلجيكا التي تمتلك مناجم عدة من هذه المادة في مناطق نفوذها بالكونغو البلجيكي فإنها هي الأخرى ليس لها ما تجدي به أعضاء المعاهدة في هذا المجال،
حيث أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت قد ابتاعت منها سابقا أكثر ما تنتجه هذه المناجم. ويعني كل هذا أن فرنسا بعضويتها في الهيئة ستكون في موقف الذي يفيد دون أن يستفيد، وهذا ما يطعن ـ طبقا لما يراه المعارضون ـ في جانب هو من أهم الجوانب التي ينهض عليها مبدأ التشارك.
وهناك من وجوه الاعتراض الأخرى ـ كالذي يتصل مثلا بأقطار ما وراء البحار ـ ما قد كان من شأنه أن يثير لدى الرأي العام في البلاد المعنية أعاصير شديدة من الجدل المتشعب والنقاش الحاد. بل أن بعض المعقبين الفرنسيين لم يتورع عن إقحام (غرافيت) مادغشقر،  وبترول صحاري المغرب العربي في مجال التدليل على مدى ما تتوفر عليه فرنسا من مقدرات طاقية هائلة ليس للشركاء الآخرين لها من معادل أو نظير!
ولكن أنصار المشروع ـ وفيهم رئيس الحكومة الاشتراكية الفرنسية السابق السيد مولى ـ لم يدخروا جهدا ـ هم الآخرون ـ إلا استثمروه في الدفاع عن جهة النظر المحبذة، ويرى ¬«الاوراتوميون» إن فرنسا ـ وإن كانت أكثر تفوقا على شركائها في المعاهدة من حيث امتلاك مصادر المستخرجات الأورانيومية، فإنها من جانب آخر أعجز من أن تستطيع استغلالها لصالح نموها الصناعي وانطيائها التجاري العالمي، وذلك بالنظر إلى ما يستوجبه كل ذلك من ضرورة توفر رؤوس الأموال الضخمة والخبرة الفنية الواسعة المدى مما لا تتيسر أسبابه وتتوافر فرصه إلا عن طريق التعاون الدولي المنظم المنهجي. وقد كان من دلائلهم على ذلك: مشروع المعمل الذري لعزل النظائر المشعة (Lsotopes) تلك المؤسسة المقترحة التي قد بلغ تكاليف إنشائها وتزويدها بالإمكانيات التجهيزية الضرورية لوضعها على قدم العمل نحو الألف مليار من الفونكات، وهذا ما تنوء به طبعا الخزينة الفرنسية التي لا تعدو مقدراتها الإجمالية 5000 مليار من الفرنك.
على أن كل هذه المعركة الجدلية الصاخبة التي خلقتها الدعوة إلى الأوراتوم لم يكن من شأنها ـ حسب ما يمكن استخلاصه من سير الوقائع والأحداث وتطور الماجريات ـ إن تحدد مصير هذا المشروع إلى جهته السلبية العدمية التي كان يترقبها له خصومه السياسيون والاقتصاديون. لقد أثار ذلك من قبل مشروع الجيش الأوربي ومعاهدة الفحم والصلب وغيرهما من المشاريع والتصميمات العسكرية والاقتصادية ذات الصبغة التشاركية الاتحادية، ومع ذلك بعضها على الأقل يبدو وقد اتخذ طريقه إلى التطبيق.
إن مشروع معاهدة الأوراتوم لم يكن في جوهر الأمر إلا امتدادات هذا التيار التعاون ذي الأبعاد السياسية والاقتصادية، ذلك الذي يجتاح تفكير كثير من المسؤولين في بعض أقطار غربي الأطلسي وشمال المتوسط، وتنبثق عنه كثير من صور العلاقات الدولية في هذه المنطقة.
والواقع أنه ـ كغيره من أشكال التشارك والتكافل ـ يمكن أن يكون أساسا لشرح كثير من التيارات المتخفية التي تصطرع في محيط السياسة الغربية فيما يرتبط بفاعلية الإشعاع الاقتصادي الأوروبي للخارج، وعلى الأخص ما يتصل من ذلك بمستقبل التعاطي التجاري مع القوات السياسية وبالتالي الاقتصادية النامية في آفاق آسيا وإفريقيا (تحقيق الاستغناء الجزئي ـ على الأقل ـ عن بعض الاتصالات الاقتصادية الخارجية، كتلك التي تتم عن طريق القناة المؤممة في السويس) هذا بالإضافة إلى هذا بالإضافة إلى أن ما تنعم به الولايات المتحدة الأمريكية من بسطة في الثراء والطاقة ـ عن طريق التوسع الصناعي والتجاري ـ يتلع نفوس كثير من المسيرين الغربيين بالهواجس حول النوايا التوسعية الأمريكية ـ على الأقل في المجال الاقتصادي الصرف ـ وخاصة في «مناطق النفوذ» الغربي بالقارة الإفريقية على الأخص وآسيا أيضا.
وبعد: فإن هذه الاتجاهات التعاونية التي تتحكم في توجيه كثير من التيارات الدولية في منطقة النصف الغربي من أوروبا ـ والتي يعتبر مشروع الأوراتوم أحد مظاهرها الأساسية ـ من شأنها أن تثير في ضميرنا الواعي كثيرا من الفكر المرتبطة بحقائق الوضع الذي نحيا في محيطه كأمة نامية أولا، كجزء من الركب الإفريقي الشمالي ثانيا.
إن ضرورات الحياة المعاصرة المعقدة، سواء في مظاهرها الإقليمي أو الدولي تجعل من بوادر التكافل والتعاون شرطا أساسيا لضمان استمرار الوجود الفعال الخلاق، وتلك من البديهيات التي تنطلق عنها مثل هذه المشاريع الضخمة التي توحد على صعيد العمل المنتج والمشترك كثيرا من دول الغرب، وتلك بالطبع نفس المسلمات التي أنارت أمام رجال حزب الاستقلال والدستور الجديد وقادة جبهة التحرير الوطني الجزائري سبيل العمل على تحقيق الشكل التوحيدي لوجود المغرب الدولي بكل إليه ذلك من تركيز للشخصية العربية المغربية ، وتعزيز لديناميتها الدولية الفعالة.
إن ينابيع الطاقة والثراء في أقاليمنا الصحراوية توجد في الوضع الراهن موضوع كثير من المساومات الدولية السافرة والمقنعة، وإن مجالات هذه المناطق الشاسعة تعد هي الأخرى لأن تضحى حقل انجاز ومرتكز تحقيق لكثير من التخطيطات والتصاميم الدولية ذات الأساسات الاقتصادية والعسكرية، وإن بروز العامل المغربي العربي الموحد من شأنه أن يعين على تعديل هذه التقديرات المغلوطة التي تنهض عليها بعض جوانب تلك التصاميم، وذلك كمشروع الأوراتوم مثلا، حيث يفترض أن تغدو مناطقنا الصحراوية مصدر استمداد للطاقة البترولية لفائدة المعاهدة المقترحة، وحيث يقدر أيضا أن تصبح موطئ قدم أمثل لأجراء الاختيارات الضرورية لفاعلية الطاقة النووية الإشعاعية وذلك لغير صالح السكان الأصلاء.
إن أرادتنا الموحدة المتبلورة في اتحادنا المغربي العربي المرتقب عن الأشكال الجديدة من التعاون الاقتصادي الدولي، كما لا يمكن أن تنكل عن تحقيق مشاريع تعاون أخرى بين الموحدات التي يتشكل منها هيكل الإتحاد، وذلك مما لا يتنافى بالطبع ومصالح شعوب المتوسط الاقتصادية بما في ذلك دول الضفة الشمالية أيضا، وخاصة تلك التي تضمها معاهدة الأوراتوم وما في بابها.

  (1) إن قابلية ذرة الأورانيوم للانشطار هي ما يمكن أن يعلل كل هذا الاعتبار الذي ينعم به في محيط الصناعة الذرية.
 
                              
 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here