islamaumaroc

في شعرنا المعاصر

  محمد اللأمري المصمودي

16 العدد

مما يحز في النفس ، إلا يجد المتهم بالشعر في بلادنا رهن يده دراسات مختلفة، تنير السبيل أمامه، وتهيئ له أن يكون حكما صحيحا له أو عليه. إن أكثر مثقفينا يعر فون الشيء الكثير عن الشعر الحديث في مصر ولبنان والعراق وغيرها، ويكاد أكثر هؤلاء يجهلون أي شيء عن الشعر المغربي القديم، ولا يكادون يكونون لأنفسهم صورة واضحة عن شعرنا المعاصر. أما إخواننا في الشرق العربي فلا يعرفون شيئا عن تواتنا الشعري، ولا عن نهضتنا الأدبية الحديثة، ولعلنا لا نعجب إذا رأينا من يزورنا من إخواننا العرب يبحث أول ما يبحث عن أدبائنا، ويسأل في لهفة هل لكم شعراء؟
والحق أن لنا في هذا أكبر المسؤولية، حيث لم نفعل ما كان يجب علينا أن نفعله لدراسة هذا التراث الشعري دراسة منهجية، وتقييمه بالإضافة إلى شعرنا الحديث، والعريف به التعريف اللازم.
لا ننكر أن هناك مجهودات لبعض أدبائنا المبرزين في التعريف بشعرائنا القدامى، تتجلى في أبحاث نشرت في بعض الصحف والمجلات المغربية (1) وقليل منها أخرجته المطبعة في شكل كتب (2) لكني لا أعتقد أنها كافية في التعريف بالشعر المغربي، لأن هذه الأبحاث وهذه الكتب غير متداولة بحيث تكون في متناول جميع من يهمه الاطلاع عليها هنا في المغرب والشرق العربي. هذا من جهة، ثم أن قليلا منها يمتاز بالعرض الأدبي السليم الذي يبعد عن الترجمة السطحية التي لا تستطيع التعمق في تحليل الشخصية المدروسة، ولا إبراز خصائصها أو لمس جوانب الذروة في إنتاجها ومظاهر الضعف فيه، ثم أنها من جهة ثالثة لم تستوعب جميع ما كان لنا من شعراء، ومن ثم كانت هذه الضرورة الملحة التي تدعونا إلى إشاعة ما أنتج حتى الآن في طبعات متعددة، تطلعنا نحن أنفسنا كما تطلع غيرنا على جزء من تراثنا الشعري الذي لا ينعدم فيه الإبداع، كما تدعونا هذه الضرورة إلى المزيد في الكشف عن أولئك الذين لم تتناولهم بعد الأقلام بالدراسة والتحليل، ومن الطبيعي أن تكون هذه الدراسة بالمعنى الصحيح على غرار دراسة الكتاب الكبير عباس محمود العقاد لابن الرومي مثلا.
والأمر أدهى عندما يمتد القول إلى شعرنا المعاصر حيث تتسع الهوة، ونحس فراغا هائلا لم يجرؤ واحد على أن يخرق الصمت الضارب أطنابه حوله،(3)ولا نكاد نعثر على مقال واحد يحاول  دراسة أو تخطيط دراسة لهذا الشعر، ولن يشفع لنا في ذلك أنه قليل، ولا أن غير قليل منه شعر مناسبات، ولا غير هذا ذاك مما يتخذه أكثرنا ذريعة لهذا الإطراق الرهيب !! كتاب واحد نستطيع العثور عليه في هذا الباب هو «الأدب العربي في المغرب الأقصى» للسيد محمد بن العباس القباج، وهو كتاب لا يفي بالمراد، لأن صاحبه لم يفعل أكثر من أن عرفنا بتراجم بعض الشعراء المغاربة المحدثين، كتبها بعضهم بأقلامهم، وفيها من زهر الطاوس الشيء الكثير، ثم نماذج من أشعارهم مجرداعن كل تحليل أو دراسة أو نقد، كما يعترف المؤلف نفسه بذلك في مقدمة الكتاب، أضف إلى ذلك أنه لا يتعرض لكثير من الشعراء، أما لأن المؤلف لم يتأت له معرفتهم أو الاتصال بهم، أو أنهم لم يجيبوه إلى طلبه كما يذكر في خاتمة الكتاب، وأما لأنهم كانوا وقت تأليف الكتاب (1928) في طور المران، وشاعريتهم في نشأتها الأولى، وأما لأنهم كانوا لم يطرقوا عالم الشعر بعد.
أليس من واجبنا مرة أخرى أن ندرس شعر هؤلاء الذين قدمهم إلينا السيد القباج، بعد أن نعمل على إخراج دواوينهم إلى النور ؟ وبالتالي أليس علينا إلا نقف مكتوفي الأيدي معقودي الألسنة أمام شعراء آخرين لم يذكرهم صاحب الكتاب وهم جديرون بالدراسة قبل أن نسمح لأنفسنا بارتجال الأحكام ؟ أن شاعرا قدر له أن يصبح في أحلك الظروف:
فاسكتـي يـا عواصـف المـوت  أو هبـ 
                        ـي فإعصــــارنا شديد الهبــــوب
واخســئ يـا طلائــع الشـر وأرتــد 
                        ي ويا دولــــة المطامــع خيـــبي
أيهــا الرائعــون فــوق  ضحايـــا 
                        كم هنيئا لكم دمـــاء الشـــــعوب !
فاشربـوا  مــلء هامهــم واغسلـوا إلا 
                        يــدي فـــي قانىء الدم المسكـــوب
واجلــدوا النــاس بالسيــاط  وسوقـو
                        هم جميـــعا إلى جـــحيم الحــروب
منكــم قامـت السمــاء و أنتـــــم 
                         قادة السلم يا حمــــاة الصـــليب !!(4)
شاعر كهذا جدير بالدراسة. وشاعر آخر يصبح في أحلك الظروف:
بعد العـــــهد بالكرامة والمــــجـ
                        ـد وصرنا نخــــــاف سوء المصير!
فاغتدى المرء للــــحياة ملـــــولا
                         وبما في  الحيـــاة غيــــر قريــر 
أكــدا العيش رفعــــة وانـــخفاض 
                        وظـــلام من بعد فـــخر منـــير ؟
أم هو الجــــهل والتـــــخاذل طما 
                        فأعــاد الأمــــور  غير الأمـــور؟(5)
أليس هذا الشاعر جديرا هو الآخر بالدراسة؟
هذا الذي يقول:
أنت مقيـــاس عزمــــنا وقـــوانا 
                        فارقبـــــي المــوت في سبيل هناك
نحن جند يهـــوي الفــداء و يهــوي 
                        موتة العـــز في ظـــلال ربـــاك
إننا النــار والدمــــار لقـــــوم 
                        ناصروا الظلم رغبـــــــة في رداك
نحن قـــوم نرى الممـــات بعـــز 
                        خير فخـــر تحـــوزه ومـــلاك(6)
وهذا الذي يقول :
بلدي والمريض لا يكتم الداء وعود الطبيب في أبانه بلد عضه الزمان وسم الحية الرقطاء في أسنانه
جعلوا حسنــــه وبــــالا عليــه 
                        ووبال الزمـــــان في إحســــانه
كاد أن يفقد التجــــلد  لــــــولا 
                        زمرة  المخلصــين من شبــــانه(7)
هذا الشاعر جدير هو أيضا بالدراسة، وغير هؤلاء ممن أتعرض لهم في انتظار فرصة أخرى. وقد تعمدت فيما نقلت من النماذج أن تكون من الشعر النضالي، الذي لا نعدمه كما يخيل إلى كثير من الذين يجرؤون على إصدار أحكام اعتباطية لا تستند على تعقل أو أناة، أو دراسة نزيهة متأنية، لن يكون في الإمكان التوفر عليها بالنظر إلى بيت واحد أو قصيدة واحدة، والواقع أن هناك عوامل سيكولوجية تدفع بمثل هؤلاء إلى هذه الأحكام المبتسرة المجردة من كل تحليل، فغزارة الكتب التي تعرف بشعراء الشرق، ونشاط المطبعة العربية في الشرق، وغزارة الإنتاج الشعري هناك، ووضع ذلك الإنتاج على محك النقد الذي لا يستنكف عن إطراء ما يجب إطراؤه والتنويه، كل ذلك وغيره غذى ضعف الثقة بشعرائنا المساكين، وهم اللذين لم يتوفر لهم شيء من ذلك نتيجة ظروف وملابسات قد تكون سياسية حينا، وقد تكون مادية أحيانا، وقد تكون مادية أحيانا، ولا ننكر أنها قد تكون انكماشا أحيانا أخرى، ولو أن أحد هؤلاء سمح لنفسه قبل أن يصدر أحكامه المبتسرة بقسط من الوقت ليدرس ما سبق نشره من شعرنا الحديث في الصحف والمجلات المغربية وغيرها، وما أصدرته المطابع من دواوين على قلتها، لو أنه فعل ذلك لكان بوسعه أن يصدر أحكاما متعلقة مهما قسمت، لأنها تكون مدعمة بالأدلة التي قد لا تدع المجال للجدال، نزيهة لأنها خالية من كل هوى أو تأثير خارجي، وهي بين هذا ذاك تلتمس الأسباب والعلل، وتتعمق البواعث والمثبطات ولا تتغاضى عن مواطن الإبداع عند شعرائنا المحدثين، وهي غير منعدمة كما سنستطيع أن نرى ذلك في مقالات مقبلة بإذن الله.
وحسب الذين ينكرون على شعرائنا كل إبداع أن يذكروا أو يعملوا أن شاعرا مصريا كبيرا خبر الشعر سنين طويلة، وأصدر مجلة شعرية «أبولو» أنجبت مدرسة شعرية معروفة في الشعر المصري الحديث، لقد قال الدكتور أبو شادى عليه الرحمة في شعرنا الحديث مرة(8): «نرى صورا كريمة منه مجلاته وصحفه المحترمة وفي طليعتها (رسالة المغرب) التي تعد بحق من أنفس المجلات في العالم العربي، وكان من حظنا أن نظفر في آن واحد بعددها الصادر في أبريل سنة 1952 بطائفة من الشعر من الجيد للشعراء المغاربة المبرزين عبد المجيد بن جلون، ومحمد الحلوي، وعلال ابن الهاشمي الفيلاني» وانتهى إلى القول بأن الطابع الغالب على الشعر المغربي طابع رومانطيقي أو ابتداعي، واقتبس أبياتا من قصيدة الحلوي «ميلاد الزهور» وأبياتا أخرى من قصيدة علال بن الهاشمي «بين الشاعر والشباب» كمال أشار إلى قصيدة عبد المجيد ابن جلون «من أنت». هذه شهادة المرحوم الدكتور (أبو شادي) أملتنا عليه نظرة قد تكون خاطفة ولكنها مع ذلك صادرة عن روح متمرسة بالشعر لا يعز عليها أن تميز الزائف من الجيد والغالي من الرخيص.
وهل لي أن أنصح بعض إخواني الذين أتموا دراستهم بالشرق وعادوا إلى أرض الوطن أننا بحاجة أكيدة إلى كشف الغطاء عن شعرنا في مجموعة قديمه وحديثه، ودراسته دراسة نقدية وافية، أكثر من حاجتنا إلى الحديث عن شعراء الشرق الذين نعرف عنهم أكثر مما نعرف عن شعرائنا، وإلا فلمن نترك إذن واجب هذا الكشف والبحث؟ قد يتسنى لأخ مشرقي أن يقوم بهذا العمل، ولكنه يجب أن يتوفر على عديد من المعلومات والحقائق التي تتصل ببلادنا وبيئتها ومركبات سكانها وخنق الاستعمار للمتطلعين من أبنائنا وغير هذا من الحقائق التي لا غنى له عنها ولا تكفيه زيارة خاطفة للإلمام بها، وأم الأخرس أعرف بلغة الخرسان كما يقول المثل العربي.
وأخيرا نتساءل: «هل كانت نشأة المغربي الحديث سليمة أم كسيحة ؟ وإذا كانت واحدة منهما الحديث سليمة أم كسيحة ؟ وإذا كانت واحدة منهما فما السبب في ذلك ؟ ما هي العوامل التي تضافرت على جعله هذه الحالة أو تلك ؟ وهل هناك خصائص تميز الشعر المغربي الحديث عن غيره ؟ وما مدى تأثر شعرائنا مع الأحداث والرجات الاجتماعية في الداخل والخارج؟ كل هذه الأسئلة أو هذه المواضيع بالأحرى، وكثير غيرها تنتظر الأجوبة الكافية والدراسة العميقة، وإذا كنت أجرؤ على أثارتها، فأني سوف لا أجبن عن طرقها بإذن الله رغم ما يكتنف هذا الطرق من مصاعب وعقبات، ولن أدعي لنفسي التوفيق لأن موضوعا بكرا كهذا خليق بأن يتعرض المرء فيه للزلل، وهو إذا وجد من يصححه فسوف نظفر بكسب أي كسب لشعرنا الذي يكثر فيه العقل والقال دونما استناد إلى حجج معقولة.
 

(1) أبحاث الأستاذ محمد الفاسي في رسالة المغرب عن ابن حبوس والجواري وابن الخطابي وغيرهم .
(2)  كتاب النبوغ المغربي للأستاذ عبد الله كنون.

(3) أقصد الحديث عن شعرنا المعاصر في مجموعه لا على شعراء بالذات. 
(4)  من قصيدة غروب للشاعر محمد الحلوي نشرت في مجلة الآداب اللبنانية العدد الخامس السنة الثانية 1954 وربما نشرت قبل ذلك في أحد أعداد رسالة المغرب.

(5)  من قصيدة «أيها البحر» للشاعر عبد القادر حسن نشرت في «رسالة المغرب» العدد الخامس والسادس السنة السادس 1948.
(6) من قصيدة «أمة العرب» للشاعر العربي الآسفي عن نكبة فلسطين نشرت بنفس العدد.
(7)  من قصيدة «ولاء الربيع» للشاعر أبي بكر اللمتوني نشرت في العدد الثامن والتاسع من رسالة المغرب السنة السابعة 1948.

(8) حديث اذيع بصوت أمريكا ونشر في رسالة المغرب بعنوان «من الشعر والفن والمغرب» العدد 141 السنة الحادية عشرة 1952 .

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here