islamaumaroc

إصلاح الميزان

  علال الفاسي

16 العدد

قرأت في عدد (دعوة الحق) الصادر بتاريخ فاتح دسبمر الحالي ، ضمن مقال الأستاذ الفاضل فريد رمضان عضو البعثة التعليمية المصرية المعنون بـ(العدد الماضي في الميزان) ملاحظات على قصيدتي المولدية التي نشرتها المجلة . وعلى وفرة انشغالي وبلبة بالي بما تجازه البلاد من أهوال، فقد أحببت إن لا أترك ملاحظات الأستاذ دون جواب أو تعقيب، لأن من حقه على وقد اعتنى بنقد شعري أي أقف معه قليلا نتدارس ملاحظاته ونرى ما يثبت منها مما يذهب جفاء . وقد حمدت الله على أن الأستاذ احترام نصيحة صديقه المسؤول ولم يعمل بها، لأننا في هذه البلاد ما نزال نحاول بعث كل شيء من مرقده ، وليس من المعقول أن يمنعنا الجبن عن الصدع بما نعتقد ، وخصوصا ونحن أنصار حرية وطلاب حق، فللأستاذ الشكر على ما قام به من أداء لحقي وحق تلامذته، ولكنني قبل أن أدخل لتصميم الانتقادات استسمحه ليراجع معي النقط الكثيرة التي أثارها في مقدمة كلامه.
1) إذا كان الأستاذ يريد أن يعلم طلبته طريقة النقد الحديث ويعمل بما في وسعه على إخراجنا من طور التقليد في الأدب إلى طور التجديد فيه، فإن ذلك يفرض عليه أن يبدأ بنسفه، فلا يكون نقده محافظا على أساليب النقاد القدماء من العرب مما قبل قدامة، ومن واجبه أن ينظر القصيدة ككل لا يقبل التجزئة، وغن يحللها بما فيها من عناصر القوة والضعف. وإذا كان يدعى أن في قصيدتي تقليدا لشوقي فمن حقنا عليه أن نلزمه بمقارنة القصدتين، وأن نطلب منه أن لا يفرض علينا عدم القول في بحر الوافر وقافية الباء لمجرد وذلك الروى، ومن حقنا عليه أن نطلب منه قراءة قصيدة شوقي مجردة عن عبقرية الصوت التي تسبغها أم كلثوم عليها، خصوصا وهو يثير موضوع الفرق بين خطابة الشاعر علال وبين شعره، وإني لأقولها من غير تواضع، إن قصيدة شوقي لا تبلغ مكانة قصيدتي لا في التعبير الذاتي ولا في جانب التصوير البطولي.
2) لقد قال الأستاذ: (ولست أذيع سرا أن قلت: إن القصيدة الأخيرة للشاعر علال الفاسي (ذكرى المولد النبوي) قرئت في قسم الباكلوريا على الطلاب لتنقد لا لتقرظ) فالأستاذ يضع النقد مقابل التقريظ كان هذا يعارض ذاك، مع أن التقريظ نقد والتزييف نقد، ولست بحاجة لأن أذكر الأستاذ بأن كلمة النقد مشتقة من (نقد الدرهم)  إذا عيره ليعرف هل هو زائف أم صحيح ، وإذن فما دام الأستاذ قد دخل بطلبته على نقد يعارض التقريظ فلا غرابة إذا بذل معهم أقصى الجهد لاستخراج هنات سيعرف القارئ أنها لا تثبت لا من النحو ولا من جهة اللغة.
وقد ذكرني الأستاذ بفصول كان يكتبها الشاعر عرنوس المصري في مجلة الفتح الغراء بعنوان (سرني وساءني) وكان كثير من أساتذة الثانويات في مصر بعنوان بقراءتها ويبادلون صاحبها الرسائل، وقال صاحب لنا إذ ذاك، أن (عرنوسا) يظن كتاب مجلة الفتح ومديرها الأستاذ محب الدين الخطيب بمثابة طلبة يعرضون عليه إنشاءهم ليضع عليها العلامات الحمراء إصلاحا وتوجيها، فالسيد فريد يقلد في أسلوبه السيد عرنوسا، وعلماء النفس أدري بعادة المهنة أو آفاتها.
3) زعم الأستاذ أنه أخذ طلبته في رفق ليدركوا الفرق بين الجانب الخطابي وبين الجانب الشعري في علال إلخ. وقد كان الأستاذ أن يشرح لطبته نقطة أهم من هذه هي: أن عيب الكثيرين من النقاد ومن جمهور القراء العاديين أن لا يقبلوا من الرجل تعدد الجوانب، فالشاعر عندهم لابد أن يكون مقلعا عن تعاطي أي شيء، ولابد أن يكون في حياته بلهوانيا متزلفا للغرائز الخاصة في أبياته. وإلا فهو كل شيء إلا أن يكون شاعرا، وقد رفض العرب أن يعترفوا لشكيب أرسلان والرافعي والعقاد وأبي شادي، وكل ذنبهم أنهم يفكرون ويكتبون ويخوضون الحياة كما يخوضها غيرهم، وأنت إذا نظرت لأسماء الشعراء الذين نالوا التقدير في العالم العربي لن تجد منهم أحدا اشتغل بغير الشعر ثم عدة النقاد العرب في الدرجة الأولى، فأبدا بأمرئ القيس والبحتري وأبي تمام والمتنبي، وانزل إلى حافظ وشوقي والرصافي وغيرهم، هؤلاء شعراء بدون شك، وإما ابن العميد والصاحب والاصبهاني وابن حزم وابن عبد ربه والمعري، ومن ذكرنا معهم أنفا من المعاصرين، فهم ممن لهم نصيب في الشعر ولكنهم كتاب ونقاد وعلماء، أليس من حق طلبة الباكلوريا المغاربة أن يدركوا هذه الحقيقة ليتحرروا من الجمود في تقدير الشعر واعتبار مقاييسه. فانظر للغرب كيف يقدر الشاعر ولو كان عالما أو مجاهدا أو خطيبا، فالشيلي ولامارتين وفيكتور هيجو وبول فاليري كلوديل وبرنارشو وغيرهم كلهم من قبيل الشعراء الممتازين كما أنهم من قبيل المجتهدين ورجال السياسة.
4) ما دام الأستاذ يتحدث لطلابه عن الشعر ويبين لهم المحاسن والأضداد، فمن حق طلبته عليه أن يرفع عنهم الوهم الشائع عند رجل الشارع، وهو أن الشعر لا يعني إلا أن يكون غنائيا وجدانيا انفعاليا. فالقصيدة التي تتناول التاريخ أو الملمحة والشعر البطولي والمتحدث عن ذكريات الكفاح والدعوة للنهوض ومقاومة الاستعمار والتيارات الرجعية، والدعوة للثورة على البالي وبعث الروحانيات والدفاع عن المرأة والفلاح والعامل، والحديث عن الشعور الوطني، كل ذلك ليس بشيء غير الخطابة في نظر هؤلاء الناس، إن شعارهم قول الابيوردي:
خلت الديار فلا كريم يرتجي               منه النول ولا مليح يعشق
إنما الشعر عندهم الذي يتحدث عن العيوب النائمة، والثدي الخذروف، والخصر المعقوف، وقزقزة اللب والفستق، وما إلى ذلك مما هو تقليد مسف لأحط أنواعا لشعر عند الغرب، وليست أعني بهذا مقاومة الرومانيتيقية ولا المساس بالشعر الرمزي، ولاكني أريد التذكير بأن شعر الإنفعال ليس هو كل الشعر، ولا أن بحوره كل البحور.
5) وبعد هذا يصح لما أن نتناول مع الأستاذ في إيجاز حديث الإتباع والإبداع، فالاصطلاح قبل كل شيء غربي، أدت إليه ظروف الأدب الغربي في تطوراته المختلفة، ولكن لا غضاضة من محاولة تطبيقه على الشعر العربي، بشرط أن يكون الإبداع العربي شيئا غير تقليد المدارس المختلفة عند الغرب، فقد قامت الكلاسيكية الغربية على أساس التعريف الذي أعطاه سقراط وأرسطو والكلاسيكيين يعني محاكاة الطبيعة وما حواليها، وقد تطورت المحاكاة إلى أن أصبحت اختبارا في مرءاة المثالية حسب تشبيه أفلاطون، ثم قامت مدارس لتزييفها ونقدها، ولكن هذه المدارس كلها كانت ثورة لحساب الشعر الغنائي، ولم يكن ثورة تلقائية في الفكر الأوروبي، ولكنها كانت إقتداء بالشعر الغنائي العربي وخاصة التلقائي منه، فقد كان أول من دعا لهذه المدرسة رجل اتصل بالشعر العربي ومجده، وهو السير (ويليام جرنر).
عرف (ورد زوت) الرومانيتيقية بأنها «فيض تلقائي لعواطف قوية» وإذن فهي في واقع الأمر محاكاة، لأنها تعبير عما في الداخل، وذلك ما تختلف به عن المدرسة الإتباعية، والتعبير ليس وصفا، فإذا قلت عن شيء مهيب ، أنه مرعب، فقد وصفته ولم تعبر عنه، ولكن يجب أن تعبر عن نوع العاطفة التي تجدها نحو ذلك الشيء، أي العاطفة الخاصة لا التي تشرك فيها العموم. 
وإذا نظرنا للشعر العربي عامة، وجدناه كلاسيكيا في مجموعه، يسلك طريق الاعتدال في التعبير ولا يبالغ في الاستعارة والخيال، ومع ذلك فإن الرمانيتيقية تجلت طاغية في العصر الأموي بفضل الأثر الإسلامي الذي خلق شعراء الشيعة والعذريين والصوفية الذين يبكون على أنفسهم وينشدون الخلاص في عالم روحاني، وقد استمرت هذه الروح إلى عهد الشعر الصوفي الذي يتجلى في شعر المحبة والتوسل عند ابن الفارض والبوصيري وابن عربي وأمثالهم، وهذه الرومانيتيقية حينما تظهر في لونها الجديد عند شوقي ومحرم والأخطل الصغير وآمين نخلة وشاعر الجبل، تحتفظ بطابعها المليء بالاستعارة والخيال، ولكنها تبدو في شكل أقوى لغة أمتن، فيختلط الأمر على بعض النقاد الذين يظنون أن هؤلاء بحكم أنهم من المدرسة الكلاسيكية أبعد ما يكنون عن الرومانيتيقية والحق أنهم إبداعيون ولكن من درجة أرقى أسلوبا من ابن الفارض وابن عربي.
ولا شك أن المدارس الغربية لم تقف عند هذين النوعين اللذين يرددهما كثيرا الأستاذ فريد رمضان، ولكنها أضافت لهما الرومانيتيقية الجديدة، والمدرسة الثائرة عليها باسم المذهب التعبيري والواقعية والرمزية الواقعية الحديثة التي تستمد عناصرها من ماركس وانجلز، والتي تعادي الفن الذاتي من حيث هو، وتسمى الذين يعنون به الهاربين من عالم الحقيقة إلى عالم الأحلام. وهذه المدرسة هي التي تتجه إليها أنظار الشعراء في روسيا وخرجها على اختلاف في السلم وفي المعطيات، وهي تريد من الشاعر أن لا يحيا في برجه العاجي أو تكتفي بصروح الملوك وصالات الأوبرا، وعليه أن يستمد انفعالاته من الشعب في مطامحه وآماله، وفي غضبه وانفعاله. عليه أن يحيا مع الجماهير الكادحة ويحبب إليها الحياة ويصور نشاطها في البناء والإبداع، ويخاطبها بلغة الفكر والعقيدة الممزوجين بالرغبة وبالحب أيضا.
وكل هذه المدارس بأصباغها وألوانها تؤثر اليوم في أدباء العرب، إلى جانب رجع الفعل التلقائي الذي أحدثه اتصال الأديب بالجمهور، وضرورة مشاطرته لهم في كفاح من أجل مستوى أرفع وحالة أفضل، وحرية تنشد ولا تكاد تدرك، واستقلال يطلب ولا يكاد يعترف به، وجمود في المواقف لا يكاد يتحرك، واندفاع لا يعتمد على وزن ولا يسير لغاية مثلى، هل يمكن الشعر العربي أن يقف إزاء كل ذلك صامتا ليخلو إلى الداخل وينصت للأحلام أو ليعبر عن فكرة الجماهير بلغة لا تفقهها؟
إن الشعر العربي بخير، وإن اتجاهاته القومية والاجتماعية واضحة المعالم بينة الرواسم، وفي المغرب محاولات من كل في العالم العربي، ولا بد أن تتمخض عن أفذاذ في كل هذه النواحي.
والمهم أن عامة الشعراء العرب، المجيد منهم والمتوسط، يقرأ لهذه المدارس كلها باللغة الأجنبية أو بواسطة التعريب، ويتأثر من كل لون، ولا يحاول أن يكون مقلدا للغرب مطلقا، ولا جامدا على المدارس التي ثار عليها الناس، فهو بذلك ينشد طريقه لتكوين مدارسه العربية التي وإن أثار وجودها الغرب فستكون مطبوعة بطابعها العربي، وأعظم ظني أن المحافظين على الأسلوب المتين والمعنيين بالتجويد في اللغة هم الذين سيكنون في طليعة المجددين للشعر والخلاقين لدراسة الحديث في اللغة العربية.
وإذا كنت قد تحدثت عن كل هذا، فما ذلك إلا لأبين خطأ الأستاذ الناقد في هذه الجملة: «على حين أن بعض الطلاب رأي أن الشاعر إتباعي في حين حمل على قواعد اللغة العربية إلخ...»
فإما ما يرجع لقواعد اللغة العربية فهو ما سنكتشف عنه من بعد، وأما المهم فهو أن لناقد أن لناقد وبعض طلبته يفهمون أن الاتباعية هي المحافظة أو التقليد، مع أنها مدرسة قائمة بنفسها تعني بالمحاكاة أكثر مما تعني بالتعبير حسبما بينت ذلك.
      ويستعمل الأستاذ كلمة الإتباع في معنى التقليد حين يقول:« وقد نحا الزميل اللمتوني منحى اتباعيا أيضا» وحين قال قبل ذلك : «وقد شعر الطلاب الأذكياء أن روح شوقي كانت تحوم على الشاعر» والواجب على الناقد أن يكون صريحا، فالاتباعية هنا لا محل بها، والأحسن أن يقول التقليد أو السرقة أو ما شاء له هواه.
فإما أن شوقي شاعر فذ بلغ في كثير من شعره المكان الأعلى فذلك رأينا فيه، وأما قصيدته:«سلوا قلبي» وكذلك «بردته» وقصيدته في «السودان» وغيرها من القصائد التي تغنيها أم كلثوم فذلك ما نزل فيه شوقي إلى الحضيض، ولا يمكن أحدا يحترم نفسه أن يقلده فيها.
فالاتباعية إذن ليست هي المحافظة وليست هي التقليد كما يظهر من استعمالات الأستاذ الناقد.
6) أنه يستعمل كلمة الثورة والحملة على القواعد اللغة العربية فيما يعتبر وقوعه مخالفة لهذه القواعد، وكان الأولى به أن يسمى ذلك اجتهادا في اللغة وفي النحو، ولسنا نحن الذين ثرنا على التقليد في الدين بعاجزين على الثورة على أدعياء القواعد والجامدين على ما في الكتب المدرسية، ولو تتبع الأستاذ الحركة الفكرية التي في بلاده لاستمع الدعوة التي دعا إليها الأستاذ الخولي أي ضرورة الاجتهاد في تجديد العربية، بالعدوة لإتمام ما بدأه الأولون، وهي ليست «ثورة» على القواعد كما فعل الدكتور طه حسين في محاضرته التي ألقاها بتطوان  ولكنها ثورة على الجمود.
    على أن القواعد النحوية ليست إلا من وضع جماعة من العلماء البصريين غالبا، وقد ناقشهم فيها الكوفيون ورجال المدرسة البغدادية والمغربية المتفرعة عنهما، والحق أن القواعد إذا كانت نتيجة مجهود لا بأس به، فينبغي أن تستعمل لفهم النحو لا تحصر تقدمه كما فعل البصريون، وقد أحسنت المدرسة الكوفية صنعا لأنها جعلت القياس مباحا على كل مسموع من كلام العرب، فالشاذ عند البصريين، جزء من كلام العرب لا ينبغي أن يقبل فقط بل قياس عليه عند الكوفيين، وقد سار الأندلسيون والمغاربة على الاختيار بين المذهبين، فلم يقفوا موقف الجامدين لا مع البصريين ولا مع الكوفيين، ولكنهم مع ذلك يحبذون سعة الفكر الكوفي في النحو كما يبدو ذلك في صنيع «ابن مالك» «وابن المرحل» «وابن اجروم» «وابن حيان» «وابن العربي المعارفي» وغيرهم.
ونحن بطبيعة تكويننا أميل للنحو الكوفي للنحو البصري، لأن الاجرومية كانت أولى مقروءاتنا ونحوها كوفي، كما أن دراستنا لألفية ابن مالك وتوضيح ابن هشام والمغنى علمنا أن لا ننظر نظرة التقديس لكل ما يقوله البصريون، وهذا على عكس الذين درسوا سفينة النحاة «للأخ بلاج» أو النحو الواضح أو غيرهما من الكتب المدرسية التي ليس لأصحابها من سعة الأفق ما كان عند واضعي الأخرى، ولأن عنايتها بالأسلوب المدرسي الحديث والتمارين التطبيقية أنساها النظر في النحو وفي منشأة وفي مدارسه.
7) وأدهى من موقف الأستاذ في مسألة النحو والاجتهاد فيه موقفه من اللغة، فهو معجمي بكل معنى الكلمة، كما ترى ذلك قاله عن «مهاب» أو«مهيب» وفي «اسم المكان» حسبما سنرجع إليه من بعد، وهذه المعجمية هي التي قتلت اللغة العربية وقضت على سليقتها في النفوس، ومن حق الطلبة على الأستاذ أن يلقنهم ضرورة تذوق اللغة وإتباع قواعدها وتطبيقها والقياس الحر والاجتهاد في الاشتقاق والتعريب وفي النحت وغير ذلك مما يبين لهم السعة اللغة العربية التي قال عنها حافظ إبراهيم.
أنا البحر في أحشائه الدر كامـن 
                  فهل سألوا الغواص عن صدفاتي؟
ولا يمكننا أن نعتبر كل ما لم يوجد في المعاجم خارجا عن اللغة العربية، فألفاظ اللغة قل من كثر، وشعر العرب وحديث الرسول وكلام الفصحاء الأولين لم يستخرج كل ما فيه، وذنب العرب أنهم وقفوا عند مرحلة من مراحل تطورهم، وما زلت أطالب في خطبي وأحاديثي وكتابتي بالبداية من حيث وقفنا، وإن نستأنف الجمع والتصنيف وتنقيح القواعد والزيادة فيها وتزييف بعضها، وكل ذلك في متناول الأستاذ وأمثاله إذا خرجوا من إطار المعجمية وما يمكن تسميته «بالكناشية المدرسية» إلى عالم أوسع وميدان أفسح.
8) ولنرجع الآن إلى التطبيقات النحوية واللغوية التي وضعها الأستاذ على قصيدتنا، متهما لنا فيها بالمحافظة على الأسلوب مع الثورة على اللغة:
أ ـ يقول الناقد: (فهو يسالم أحيانا حروف الجر فيقول: «لا تعير له حسابا» بدل لا تعيره حسابا).
وهذا يعني عدم جواز تعدية الفعل بالحرف ولو مقاصد بيانيه إذا كان عادة يتعدى بنفسه، وهذا ما وقع اتفاق معظم النحويين على عكسه، أي أن تعدية الفعل بالحرف يجوز إذا ضمن معنى فعل آخر، ويجوز عند المحافظة على معناه الأصلية، أما علماء العربية فلا يقولون بالاشراب لأنه يؤدي إلى الجمع بين الحقيقة والمجاز في كلمة، ومهما يكن فإننا نجتزئ بالمتفق عليه وهو التضمن ، أي الذي يبقى الفعل على حقيقته ، والمعمول متعلقا به أو بالمحذوف على رأي علماء البيان، فالفعل (أعار) هنا تضمن معنى (قرأ)،
إذ العادة بأن يقال (لا يقرأ له حسابا، ولا يعيره إلتفاتا) فاستعمال كلمة الإعارة مع الحساب قصد به معنى بياني، وهو الإشعار بالاهتمام الفكري من جهة والالتفات المادي من جهة أخرى، ولما كان الفعل مضمنا معنى (لقراءة) كان لابد أن يأتي الشاعر باللام قرينة للدلالة على ملاحظة الفعل الآخر، وأمن اللبس.
وهذا مثل ما يقرأه المؤمنون حين يرفعون من ركوعهم: سمع الله لمن حمده. ففعل (سمع) يتعدى بنفسه ، ولكنه لما تضمن معنى (استجاب) أتى له باللام قرينة دالة.
ومنه قوله تعالى ردف لكم بعض الذي ..) فقد ضمن «ردف» معنى «اقترب» فعداه باللام. وقوله تعالى: (يهدي) معنى (يبين) أو (يتضح) فعداه باللام.
وقوله تعالى: (يخالفون عن أمره) ضمن (يخالفون) معنى (يعدلون).
وقوله تعالى: (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت) فقد ضمن الفعل معنى (وجه) أي أفلا توجهون النظر إلى الإبل.
وقوله تعالى : (يغفر لكم ذنوبكم) فهي عندي من باب تضمين (الغفران) معنى (التطهير) أي (يطهركم) من ذنوبكم، فلا يكون هناك افتراق بينه وبين قوله تعالى: إن الله يغفر الذنوب جميعا، خلافا لما تحمله البغداديون ومن بعدهم من النحاة.
ومن شواهد هذا الباب من كلام العرب قول (ابن ميادة الرماح) يمدح سليمان بن عبد الملك بن مروان:
وملكت مابين العراق ويثرب 
                  ملكا أجار لمسلم ومعــاهد
(وأجار) يتعدى بنفسه وضمنه معنى فعل الإجارة فجاء باللام. وقول حميد بن ثور:
أبى الله إلا أن سرحه مـالك 
                  على كل أفنان القضاة تروق
زاد (على) مع أن (راق) تتعدى بنفسها لأنه ضمن الفعل معنى (أشرق).
وقال الشاعر:
وأن تعتذر من ذي ضـــروعــها 
                  إلى الضيف يجرح في عراقيبها نصلي
ضمن (يجرح) معنى يؤثر بالجراح فزاد (في)
ب ـ ثم يقول الناقد (وأحيانا أخرى يخاصمها ـ حروف الجر ـ فيقول: فما يحتاج واسطة، بدل فما يحتاج إلى واسطة، ويقول وضحى العرش، في حين يتعدى الفعل بالباء في نفس هذا المعنى). ومعنى هذا إن الأستاذ لا يجيز حذف الأداة وإيصال الفعل ولو على طريق التضمين لإعتبارات بيانية، وهو غلط منه كما سأفصل لك بعد.
فالفعل «أحتاج» في قولنا (فما يحتاج واسطة) تتضمن معنى يترتب عليه وهو (الطلب) فتعدى بنفسه، ولو قلنا فما يحتاج إلى واسطة، لكانت هنالك جملة مقدرة إذ يكون المعنى هكذا: فما يحتاج الإنسان في طلبه من الله إلى واسطة، مع أن المعنى المقصود أن الله سبحانه لا يتوقف دعاؤه على استعمال واسطة. ونفى الاحتياج هنا الله لتنزيهه عن شرك الذين يقولون: (ما نعبدهم إلى ليقربونا إلى الله زلفى).
وأما قولنا (وضحى العرش) ولم نقل (ضحى بالعرش) فإن التضحية في أصل معناها اللغوي لا تعني ما استعملت فيه على السنة المعاصرين، وإنما صح استعمالها لتضمينها معنى (البذل)، ولو كان هذا المعنى العصري مقصودنا لعدينا ضحى بالباء أو بنفسها على السواء، لأنها تتضمن معنى بذل العرش في سبيل وطنه، أي أعطاه، ولكننا أردنا تضمينا آخر، وهو فعل (فدى) من الفداء، لأن الواقع أن الملك بذل عرشه في سبيل وطنه، وفدى وطنه وعرشه بتقديم نفسه للنفي والأبعاد،  وقد أدرنا أن نثير كل هذه المعاني في نفس القارئ، وتلك هي الاستعارة التخييلية التي تستعمل في مثل هذا المقام.
وقد ورد هذا الاستعمال كثيرا في القرآن وفي كلام العرب، ومن الأول قوله تعالى: (لأقعدهن لهم صراطك المستقيم) فقد ضمن (أقعد) معنى (ألزم) أي لألزمن صراطك .
قوله تعالى: (ولا تعزموا عقدة النكاح) أي لا تنووا
قال تعالى: (وإن تسترضعوا أولادكم) فقد ضمنه معنى ترضعوا فعداه بنفسه
وقوله تعالى: (واختار موسى قومه سبعين رجلا) ضمن اختار معنى جعل فعداها بنفسها
وقوله تعالى: (لا يألونكم خبالا) من ألوك نصحا متضمنا معنى لا نقصك
وقوله تعالى: فانتبذت من أهلها مكانا شرقيا) فانتبدت معناها اعتزلت، وهو يتعدى يمن ولكنه ضمن معنى أنت لنصب (مكانا).
وقوله تعالى: (ويمدهم في طغيانهم يعمهون) الأصل يمد لهم، فضمن معنى يزيدهم فتعدى بنفسه. ومنه قول الفرزدق:
ومنا الذي اختير الرجال سماحة
وجودا إذا هب الرياح الزعـازع
والمراد (من الرجال) فحذف (من) وعدى الفعل بنفسه، ينصب (الرجال).
واستبدل له (سيبويه) بقول عمرو بن معد يكرب:
امرتك الخير فأفعل ما أمرت به 
                  فقد تــركتك ذا مال وذا نسب
والمراد (بالخير) فمضن الأمر معنى (الطلب) تأدبا.
وعليه محمل قول البوصيري:
امـرتك الخير لكن ما ائتمرت به 
                  وما استقمت فما قولي لك استقم
وتقول (استغفر الله ذنبي)، وعليه قول الشاعر:
استغفر الله ذنبا لست محصيه 
                  رب العباد إليه الوجه والعمـل
ومنه قول الشاعر:
تمرون الديار ولم تموجوا 
                  كلامكم على إذن حــرام
ضمن (تمرون) معنى (تتجاوزون) فعداه بنفسه.
ج ـ ويقول الأستاذ فريد (وأحيانا يعلن المساواة بين حروف الجر فيقول: «ودمت إلأى البلاد» بدل (ودمت للبلاد).
ومعنى هذا أيضا أن الأستاذ يعتبر استعمال حرف مختص ببعض الأفعال في فعل آخر ضمن معنى الفعل الأول غير صحيح، لأنه إعلان للمساواة بين الحروف الجر وإهمال لاختلاف معانيها، وهذا منه تناس لما يعرفه الجميع من جواز استعمال الأدوات عوضا عن بعضها، أما على مذهب الكوفيين وقليل من البصريين الذين يقولون بنيابة بعض الحروف عن بعض، وأما على رأي الجميع في جواز ذلك إذا ضمن فعل معنى فعل آخر لمقاصد بيانيه، كما سنوضح ذلك من بعد، وهو ما رجحه الإمام أبو بكر ابن العربي المعافري في رسالته (ملجئة المتفقهين من التحويين) وهي رسالة قيمة ينقل عنها في أحكامه كثيرا، وكم تمنيت العثور عليها.
والذي وقع في تعبيرنا أن (إلى) حلت محل (اللام) لأن اللام للملك أو ما شابهه، ومن معاني إلى المصاحبة ، فقد ضمنا (دام) معنى (المصاحبة) فأصبحت المعنى: ودمت مع البلاد وساكنيها أي حصلت الدعوة بالدوام نورا وهدى للجميع، واستعمال لام الملك في الدعوة للملك ما يبعد المعنى الذي قصدناه وما لا يليق بالمقام، وما تأتي معه التعبير عن روح الانسجام الحاصل بين الملك وبين الشعب والمدعو له بالدوام.
ويقول الزمخشري في المفصل: أن يكون إلى معنى المصاحبة راجع إلى معنى الإنهاء. واللام وإلى وحتى يشتركن في معنى الانتهاء كما هو معروف.
ومن أمثلة نيابة (إلى) عن (اللام) لتضمن الفعل معنى الانتهاء قول الله تعالى (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق) أي إذا كان غاية قيامكم ونهايته هو الصلاة فاغسلوا الأيدي منتهين في غسلها إلى المرافق أو معها على حسب التأويلين.
وتقول: (كتابي إلى فلان) محل (لفلان) لأنك تقصد أن غاية الكتاب هي فلان، ومنه قوله تعالى: (فلما رجعوا إلى أبيهم) ، فعدى الفعل (بالي) مكان (اللام) لأن غاية رجوعهم لأبيهم. ومنه (أنا الله وإليه راجعون) ومنه (إلا إلى الله تصير الأمور).
وقوله تعالى: (إليه يصعد الكلم الطيب) حلت فيهما (إلى) محل (اللام) لأن نهاية الصيرورة والصعود إلى الله.
ويقولون (الذود إلى الذود إبل) أي مضافة إلى الإبل.
ويقولون (أحمد إليك الله) أي أنهى إليك حمد الله، فسبكوا أمن فعل (أحمد) مصدرا بدون سابك، كما فعلوا في سبك الفعل بعد همزة التسوية نحو (سواء عليهم أنذرتهم).
هذا ويمكن تأويل استعمالنا أيضا بالانتساب، فيكون المعنى ودمت منتسبا إلى البلاد، أي؛ وأنت موطن الفخر منها. وذلك ما اختاره الرضى في شرح قول الشاعر:
وإن يتلق الحي الجميع تلاقني 
                  إلى ذروة البيت الكريم المصمد
يعني: إذا اجتمع الحي للمفاخرة تجدني معهم احتل ذروة المجد، والمراد بالبيت الأشراف، والمصمد: الذي يصمد إليه في الحاجات.
د ـ ويقول الأستاذ الناقد: (وربما تساهل في التعبير فقال: «وكان البدر وسطاها انتسابا» وكان من الممكن أن يقول: وكان البدر أوسطها).

حقيقة حينما وصلت لهذه الجملة من كلام النافد، اختلطت علي المفهومات، فلم أعد أدري ما يريده الأستاذ. إننا أمام صورة لمجموعة من الجواهر المنضدة ولعرائس كعاب تحلى جيدها عقود منظمة من النجوم، يتيمتها الوسطى هي البدر، فلو قلنا (وكان البدر أوسطها) لتخيلنا عن مشهد العقد وصورة اليتيمة.
وما رأي الناقد لو قلنا: إن البعث التعليمية في المغرب عقد وسطاه الأستاذ فريد، فهل سيفرض علينا أن يقول (أوسطه) ولو أنه يمتاز عن البدر يكونه مذكرا حقيقيا؟.
صدق الله العظيم: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين).
هـ ـ وأما داهية الدواهي فهي قول الناقد: (ويقول القدر المهاب، وما نعرفه هو (المهوب) أو (المهيب) ولا يمكن أن يريد الشاعر بالكلمة اسم المكان)
وهنا ابتعد الأستاذ عن كل القواعد، واكتفى بمعجمية مقتصرة على ما عند الفيروز بادي في القاموس، وأجدني مضطرا لأن أذكر قرائي بالقاعدة أولا قبل إن أوضح ما إليه قصدت في شعري.
قال الزمخشري في المفصل (القول في الواو والياء عينين لا تخلوان من أن تعلا أو تحذفا أو تسلما، فالاعلال: قال وخاف وباع وهاب وناب، ورجل ما ولاع ونحوهما، مما تحركنا وانفتح ما قبلهما، وفيما هو من هذه الأفعال من مضارعاتها وأسماء فاعليها ومفعوليها، وما كان منها على مفعل ومفعلة ومفعلة كمعاد ومقالة ومسير ومعشية ومشورة ، وما كان نحو أقام واستقام من ذوات الزوائد التي لم يكن ما قبل حروف العلة فيها ألفا أو واوا أو ياء نحو قاول وتقالوا وزايل وتزايلوا وعوذ وتعوذ وزين وتزين وما هو منها ...؛ أعلت هذه الأشياء وإن لم تقم فيها علة الإعلال إتباعا لما قامت العلة فيه لكونها منها وضربها بعرق فيها) هـ .
قال شارحه ابن يعيش بعد كلام: فهذه الأفعال كلها معتلة تقلب الواو والياء فيها ألفين، وذلك لتحركها وانفتاح ما قبلها، وكذلك ما كان من الأسماء من نحو باب ودار إلخ إلى أن قال: وكذلك الأسماء المأخودة نت الأفعال وكانت على مثال الفعل، وزيادتها ليست من زيادة الفعل ، كالمصادر التي تجري على أفعالها، وأسماء لأزمنة الفعل أو لمكانه إذا بنيت مفعلا من القول والبيع وأردت به مذهب الفعل، فإنك تقول مقالا ومباعا، لأنه في وزن اقال وأباع، والميم في أوله كالهمزة في أول الفعل ولم تخف التباسا بالفعل لأن الميم ليست من زوائد الأفعال. هـ
قال ابن منظور في لسان العرب: قال ثعلب. الهيبان الذي يهاب فإذا كان كذلك يكون الهيبان في معنى المفعول، وكذلك الهيوب قد يكون الهائب وقد يكون المهوب . قال في الصحاح: رجل مهيب أب يهابه الناس، وكذلك رجل مهوب، ومكان مهوب، بني على قولهم هوب الرجل لما نقل من الياء إلى الواو فيما لم يسم فاعله أنشد الكسائي لحميد بن ثور ..
ويأوي إلى وزغب مساكين دونهم 
                  فلا لا تخطاه الرفـاق مــهوب
قال ابن برى صواب إنشاده بالتاء وتأوي، لأنه يصف قطاه هـ .
قال ابن يعيش وأما (مهوب) من قول حميد: وتأوي ...إلخ، فإنه على لغة من يقول في ما لم يسم فاعله: قول القول وبوع المتاع، فكأنه قال هوب زيد فهو مهوب، وقيل في لغة بني، تميم مبيوع وثوب مخيوط ومزبوت هـ.
وكتب عليه المحشون الأزهريون ما يأتي:
ومحل الاستشهاد في البيت قوله مهوب، وتقول رجل مهوب ومكان مهوب، ورجل مهاب ومكان مهاب أي مهول يهاب فيه، وتقول كذلك رجل مهيب كمقيل، فأما المهيب فوارد على المقياس كمريع، وأما المهاب فقد ورد منه قول أمية أبي عائد الهزلي:
إلا يا لقوم لـطيف الخيال 
                  أرق من نـازح ذي دلال
إجاز إلينا على بـــعده 
                  مهاوي خرق مهاب مهال
قال ابن بري: «مهاب أي موضع هيبة، ومهال أي موضع هول، والمهاوي جمع مهوي لما بين الجبليين.
وإذن:
1 ـ فالمهاب اسم مفعول كالمبيع والمقيل وليس اسما للمكان.
2 ـ يوصف به الشخص كما يوصف به المكان.
3 ـ وصف الشخص والمكان بالمهيب هو القياس، وسمع مهوب في قول حميد، وحمل على لغة من يقول في ما لم يسمه فاعله: قول، كما سمع (مهاب) فيهما في قول ذلك الهزلي.
ويستنتج من هذا أن الناقد أخطأ أولا في جعله (المهوب كالمهيب) سواء بسواء، وثانيا لأنه قال: إن المهاب لا يكون اسم مفعول، وثالثا لأنه اعتبره اسم مكان،ورابعا لأنه اعتبره خاصا بالمكان، والسبب في ذلك كله هو المعجمية.
ولنعد الآن إلى قولنا : القدر المهاب، على فرض أننا قصدنا المهاب من الهيبة بمعنى الخوف، فإنه لا غبار على وصف شيء بالمهاب اقتداء بالهزلي ، لأننا نعتمد دائما رأي الكوفيين في أن ما ثبت  في كلام العرب مما يخالف القواعد التي فرضها البصريون يقاس عليه.
وإذا فرضنا أنه خاص بالمكان، فإنه لا يخرج عن كونه خالف القاعدة كما عملت، لأن حجته هو كلام صاحبنا الهزلي.
وهذا مع مشايعتنا للأستاذ الناقد في كونه قرأ (المهاب) يفتح الميم، وإلا فيمكن أن تقرأ بضم الميم على أنها اسم مأخوذ من الفعل وهي على مثاله وزيادتها ليست زيادة الفعل، طبقا لما سبق عن ابن يعيش، فيكون مهابا أي وضعت عنده الهيبة، أي هو مصدرها وموضعها، وهذا كما تقول: فلان مناط الآمال وموضع الخوف ولرجاء من الرجال.
ثم هذا كله مشايعة للأستاذ الناقد في كوني قصدت الهيبة، وما كان لي أن أفعل، لأني لست من الذين يحافظون على النظرة الوثينة اليونانية للقدر، فليست أرى أن القدر الآلاهي أعمى أصم كالمشترى يخيف ويرعب، وإنما أنا أومن بالقدر خيره وشره حلوه ومره، واعتبر أن كل ما هو مقدور خير بركة، فالقدر عندي محط الأمل ومناط الإهابة، لأنه أثر صفة الله القادر لما يشاء (أنا كل شيء خلقناه بقدر) (وما ننزله إلا بقدر معلوم) (قد جعل الله لكل شيء قدرا) (إن ربي لطيف لما يشاء).
فقصدي إذن (المهاب) بضم الميم، من (أهاب به) و(أهابه) إذا دعاه وترجاه، فالقدر عندي مدعو مرجو، ودليل تعدى فعل (أهاب) من غير باء، حديث ابن الزبير في بناء الكعبة (وأهاب الناس إلى بطحه) أي دعاهم إلى تسويته، ومنه طرفه بن العبد:
تريع إلى صوت المهيب وتتقى 
                  بذي خصل روعات أكلف ملبد
فلم يقل المهيب فيها.
10 ـ بعد هذا نرجع لقول الناقد: (وما يعنينا واللغة العربية أيد الله ملكها وأدامه واسعة الأبواب تستطيع فيها نصب الفاعل ورفع المفعول إذا شئت، وإنك واجد لكل حال عذرا من عبث الرواة والشعراء بعلماء اللغة في عصر التدوين).
وهذه جملة متواصلة، كل واحدة منها تحتاج إلى كتابة مقال، ولا يمكننا أن نمر بها مر الكرام. فليس يصح عن اللغة العربية : إنك تستطيع رفع المفعول ونصب الفاعل فيها. فأما أنها واسعة فصحيح، وإما أنها تخضع لقواعد وقوانين فهو محض إدعاء ، وإذا كانت هناك استعمالات عربية فيجب أن تعتبر هي الأصل وإن قياس عليها وتبقى القواعد في محالها ومن علامتها الدالة عليها، ولا يصح نصب الفاعل ورفع المفعول لأي كان وبدون قاعدة، ولكن إذا وقع في كلام العرب فطبقا لتأويل يتفق مع القاعدة في بابه، ولاعتبارات بيانية خاصة، ولو عدل عن استعمال الرخصة فيها لكان ذلك لحنا أو ركاكة، وهذا ما يدركه ويمضي عليه اقحاح العرب ومن أخذ نفسه بالعربية وتملي بفنونها على طريق السليقة، فلا يمكن أن يلحن العربي، وإنما يحلن الذي يخطئه، وقد قيل لبعض الأعراب: أتهمزون الفارة؟
فأجاب بسليقته: إنما تهمزها القطة.
وأما اتهام الرواة والشعراء بالعبث بعلماء اللغة في عصر التدوين، فهو إدعاء خطير جدا إذا أطلق على عواهنه، فالشعراء الذين أحتج اللغويون بكلامهم هم شعراء العرب الإقحام، وليس يصح شيء إذا لم يصح ما نطقوا به، وقد زعم قوم تغليط بعض العرب لمخالفة لهجتهم لهجة الآخرين، أو لكونهم انفردوا باستعمال بعض الأساليب، وقد ندد بهاؤلاء الزاعمين الأستاذ الخولي، والأستاذ طه الراوي. وقال الدكتور المخزومي في خاتمة كتابه القيم عن مدرسة الكوفة ص 439:
«ولسنا نوافق كثيرين من القدماء وبعض المحدثين في تغليط بعض العرب، والإدعاء بأن العرب وهم أصحاب اللغة يغلطون أو يتكلمون على غير قياس لغتهم، لأنا نرى ـ كما قلنا غير مرة ـ أن اللغة غادة، ومن الصعب التصديق بأن صاحبها ينسى ما تعوده أو تلغط فيه، ولن يضير فصاحة لهجة مخالفتها لهجات عربية أخرى، فالناطق على قياس لغة من لغات العرب مصيب غير مخطئ، وإن كان غير ما جاء به خيرا منه».
وقد نقل السيد الطالب بن ج في حاشيته على شرح لأمية الأفعال عن جمع من الأئمة أن وقوع الشاذ في الكلام لا يخل بفصاحته.
 وأما الرواة فقد تصدى لهم أئمة اللغة وعربوا حسن الرواية من مستهجنها، ولم يعتمدوا على مطلق الناس، بل كان البصريون لا يثقون بحضري ولا يأخذون شيئا من كلامه.
وتجنب البصريون والبصريون والكوفيون الاستدلال بالحديث في اللغة ما وسعهم ذلك، معللين ذلك بكون رواة الحديث يجيزون روايته بالمعنى، ونحن وإن كنا لا نوافيهم على رأيهم لأننا لا نرى موجبا للثقة برواة الحديث، فإن عملهم ذلك يدل على مقدار تحريهم في النقل.
والواجب هو أن يواصل العرب عمل الإسلاف في أيام التدوين، وإن لا يعتبروا عهد التدوين قد انتهى، فلم يحط بكل شيء من كلام العرب، ولم تقع خدمة المدونات نفسها على أتم وجوهها.
11 ـ ثم يقول الناقد: (وحين نأخذ على الشاعر ثورته هذه، لا ننسى أم المنهج الفقهي أصبح مرفوضا في النقد الحديث، وإنما نفعل ذلك من قبيل : حسنات الإبرار سيئات المقربين).
أنا نشكر للأستاذ تواضعه وصوفيته، ولكننا لا نتركه في هذه الإشراقة الأخيرة قبل أن نخوض معه الموضوع الذي درسناه من جهة منهجه الفقهي، ليعلم أنه ليست هناك حسنات إبرار ولا سيئات مقربين، وإنما هنالك سليقة عربية تتفق مع قواعد اللغة وقوانين النحو، وقد تناولنا في ملاحظاته:
أ ـ تعدية الفعل من غير أداة
ب ـ وتضمين الأفعال لتعديتها بغير الحرف المخصص لها.
ج ـ واستعمال حرف الجر فيما يتعدى بنفسه وكان يمكننا أن نكتفي بالإشارة بجمل متداولة، وهي نيابة الحروف بعضها عن بعض، والحذف والاتصال وصلة الحرف أو زيادته، ولكننا نؤثر أن نكون أكثر تحقيقا لأن طلبة الباكلوريا أعزاء علينا وأستاذهم كذلك، فلابد أن نذكرهم بالعروف بعضها عن بعض، والحذف والإيصال وصلة الحرف أو زيادته، ولكننا نؤثر أن نكون أكثر تحقيقا لأن طلبة الباكلوريا أغراء علينا وأستاذهم كذلك، فلابد أن نذكرهم بالعروف في الموضوع:
قال الأزهري غي التصريح ص 4 ج 2 : والصحيح عند البصريين أن حروف الجر لا تنوب أحرف الجزم وأحرف النصب، وما أوهم ذلك فهو عندهم مؤول، أما على تضمين الفعل معنى فعل يتعدى بذلك الحرف، وأما على شذوذ وإنابة كلمة عن أخرى، وهذا الأخير هو محمل الباب عند الكوفيين وبعض المتأخرين، ولا يجعلون ذلك شاذا، ومذهبهم أقل تعسفا ، قاله في المغنى
قال محشيه ياسين: ظاهر صنيعه أن التضمين ليس تأويلا لعطفه على التأويل بآو،ولا يخفى أنه تأويل، فكان الأحسن أن يقول: مؤول، أما بحمله على الاستعارة، وأما بحمله على التضمين، ثم هذا ظاهر إن كان التضمين قياسيا، كما هو المختار على ما مر في باب المفعول معه، فإن كان سماعيا فلا مزية له إنابة حرف عن آخر لكون كل منهما سماعيا، وكون التجوز في أسهل كما نص عليه في المغنى لا يقتضي مزية التضمين المطلوبة هنا لإخراج الكلام عن كونه غير قياسي، فتدبر هـ .
والذي مر له في باب المفعول معه هو قوله: واختلف في التضمين أهو قياسي أم سماعي والأكثرون على أنه قياسي. وقد أطال ياسين النفس في الكلام على الحرف، فارجع إليه.
ويستفاد من هذه التقول أن أغلبية البصريين لا يجيزون إنابة بعض الحروف عن بعض قياسيا، ويتأولون ما ورد من ذلك أما على جهة التضمين أو على جهة الاستعارة، وقد رجح البصريون أنفسهم في باب المفعول معه، قياسية التضمين أو الاستعارة.
والاستعارة تعني استعارة الحرف الذي تعدى الفعل به لمعنى الحرف الذي كان ينبغي أن يتعدى به على جهة التبعية، إذا أمكن تطبيق هذه الاستعارة على الحرف بكل شروطها، وذلك كاستعارة (في) لمعنى (على) في قوله تعالى: (لاصلبنكم في جذوع النخل) أي عليها.
وأما التضمين فهو استعمال فعل أو ما يقوم مقامه في معنى لا يتبادر منه لأول وهلة، وقد جعلوه مطردا فقالوا عليه، وإن كان بعض البصريين لا يقولون باطراده.
وأما الكوفيون وبعض البصريين فهم يقولون بإنابة بعض الحروف عن بعض قياسا، ولا يحتاجون إلى تضمين.
وللنحويين والبلاغيين عدة أقوال في تخريج التضمين سردها ياسين في حاشيته سردا محيطا.
والخلاصة أن إنابة الحروف بعضها عن بعض قياسي عن الكوفيين والمتحررين من البصريين ومتأخري المغاربة، وهي شاذة عند أغلبية البصريين.
والاستعارة والتضمين مقبولان في الفعل وفي الحرف عند أغلبية البصريين باطراد وقياس، وبما أن الكوفيين لا يحتاجون لهما، لقولهم بنيابة الحروف فهم يحملون ما وقع منه في كلام العرب محمل الشذوذ، ولكنهم يقبلون الشاذ ويقيسون عليه.
وإذا عرفت هذا فاعلم أن المسألة عرضت على مجمع اللغة العربية الملكي بمصر(1)، فاختار حلا وسطا، وهو: (قياسية تضمين الفعل معنى غيره وإعطاؤه حكمه في التعدية واللزوم).
وقد زاول المجمع البحث في الموضوع في عدة جلسات، وانتهى إلى القرار الآتي:
التــضـميــــن
التضمين: أن يؤدي فعل أو ما في معناه في التعبير مؤدي فعل آخر أو ما في معناه فيعطي حكمه في التعدية في اللزوم.
ومجمع اللغة العربية الملكي يرى أنه قياسي لا سماعي، بشروط ثلاثة:
الأول : تحقيق المناسبة بين الفعلين
الثاني : وجود قرينة تدل على ملاحظة الفعل الأخر ويؤمن معها اللبس
الثالث : ملائمة التضمين للذوق العربي
ويوصي المجمع إلا يلجأ إلى التضمين إلا لغرض بلاغي.
انظر العدد الأول من مجلة المجمع ص 180 ـ 181 ـ 12 وبعد كل ما تقدم، نكل الحكم لأخينا الأستاذ فريد عضو البعثة التعليمية المصرية ولطلبته الأكارم، وإني لا شكرهم جميعا على عنايتهم بنقد قصيدتي ، واعتذر للأستاذ فريد رمضان عما يمكن أن يقع في كلامي من جفاف غير مراد، والله ولي القصد، وإليه ترجع الأمور.
 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here