islamaumaroc

بين السيرة والتاريخ

  دعوة الحق

119 العدد


لا بد ان تنظر االي السيرة من خلال الاطار التاريخي الذي لا يمكن معه دراسة السيرة الا على اسس واضحة سليمة بحيث تكون السيرة علما وفنا في الوقت نفسه وهذا اول ما يميز السيرة الفنية والادبية عن طبيعة العمل التاريخي العلمي.
ان اهم شيء في كتابة السيرة الفنية سواء كانت كتابتك لسيرة شخص غيرك ام كتابتك لسيرتك الخاصة هو التحسيس العميق لمعنى التاريخ. فالامة التي تحرص على اثار رجالها وعظمائها وتسجل اقوالهم وافعالهم وتصرفاتهمك. حتى التافه منها امة شديدة الاحساس بالمعنى التاريخي الذي يمكنها من ان تتذوق السير والتراجم وان تخرجها اخراجا حيا مشوقا ووجذابا.
والسيرة باعتمادها على التاريخ واستفادتها من وقائعه واقواله لم تكن دخيلة عليه لانها في واقع امرها نشلت في احضانه ولذا ففي كل من السيرة والتاريخ ضرب من الايمان بالانسان عندما تكون النظرة اليه من خلال الاطار الانساني الشامل...ان السيرة التي تصور حياة الفرد سواء كان عبقريا فذا ام عاديا بسيطا كانت وماتزال اهم جانب من جوانب العمل التاريخي الذي لا يكون اصداء لاحداث بقدر ما يكون اعماقا لروح انسانية متماثلة على مر الدهور.
اما التاريخ فهو علم المجتمعات الانسانية كما يقول "فوستل دوكلانج" بدرس من اعضاءها التي تمثل حياتها من ناحية حقوقهم وعاداتهم وتقاليدهم ونظرتهم الى الحياة ولما كانت النظرة الى كل كائن من هذه الكائنات نظرة الى شيء حي كان على التاريخ ان يتناول من المجتمعات حياتها وتصرفاتها ثم نظرتها الى الحياة.
نعم ان التاريخ سيرة والسيرة تاريخ ومن هنا كان التاريخ سيرة للانسانية التي تجمعت فاصبحت فردا واحدا والغيت بينها الفوارق الزمنية والفكرية وعادت النظرة الى السليم كالنظرة الى المريض والنظرة الى الفيلسوف كالنظرة الى الامي والنظرة الى الشرقي كالنظرة الى الغربي والنظرة الى الجميل كالنظرة الى القبيح بحيث لا يرى في الانسانية شكل واحد وعندئد ترتد جميع الملابسات المادية والاقتصادية والسياسية ويفهم التاريخ على انه سلسلة متلاحقة لا تفصم بينها الا يد مجرمة اثيمة. ومن هنا ايضا اصبح التاريخ علم الذكريات وهل بهذا المقياس يفوح يعبق من الخلود اننا مدينون للتاريخ في كل ما سجلناه من فضل الافذاذ وعبقريات العباقرة الذين اسهموا في بناء حضارتنا الانسانية ان التاريخ سيرة للانسانية وترجمة لها لانه يعيد على مسامعنا ذكريات الماضين وسيرهم ويخلدهم ويحول دون موتهم على مسرح الارض.      
وللتاريخ وجهان وجه تافه ووجه عظيم
اما الوجه التافه البسيط فبساطته ناشئة من عناصر كثيرة متشابكة لكنها تعود غالبا الى اصل ومنشا واحد ان التاريخ ليس اكثر من نور واحد مسلط على سائر الاجيال قديمها وحديثها وقد عبر عن هذا احسن تعبير الخطيب شيشرون فقال "ان التاريخ ليس اكثر من نور للاجيال" لكن هذا النور لا يسطع تحته كل شيء فقد تكون في الماضي السحيق معلومات تافهة مشوهة او يكون تناقض في الحكم على بعض الاشخاص او اشياء اخرى لم تكن مراقبتها كافية لان الفرد مهما عظم في نفسه لا يتسع تفكيره ليحكم حكما صادقا على كل جزئية في هذا الكون العريض وهكذا فالنقص والتشويه امران واضحانفي التاريخ ومنهما ينعكس الوجه التافه.
اما الوجه العظيم الاصيل فهو اننا نستعين على الحاضر بمساوئ الماضي الذي يصور صورة ذهبية مشرقة واخرى اشد بهجة من صورة الواقع المرير غير ان الواقع مهما يكن جميلا فلا يراه الناس الا في منتهى القبح لان الكائن البشري مفطور على البحث عن عالم افضل والا كانت الحياة الانسانية محاكاة وتقليدا ساذجين ان الحياة الانسانية ليست تقليدا في كل شيء بل ان الاصالة لتمد كل جيل بنفحات تنسخه هو نفسه مهما حاول تكذيب هذا الواقع ونسبته الى الدمامة.
ان ماضي الامة ومستقبلها لا يصوران تصويرا دقيقا خلال التاريخ الذي يصل الاحياء بالاموات والحاضر بالماضي وقد لاحظ "لابلان" ذلك فقال "ان احياء الماضي بالتاريخ وانتزاع للافكار والاعمال والبطولات البشرية من يد الموت ومتى احببت اسهمت في بعض النشاط الانساني وخلقت الحياة خلقا جديدا ولذلك لا يستقل التاريخ عن الدراسات الادبية التي تعتمد على الخيال الخلاق والحق ان التاريخ يستطيع ان يبدع اكثر حين يستمد كادته من الواقع اما اذا اعتمد على الاكاذيب والخيالات الوهمية فانه لا ينتج غير القصة.
يجب ان يفسح للسيرة الفنية مكانها الشامل في عالم الادب والا تداعى قسم كبير من ادبنا الذي ينبثق من الوهم والكذب والخيال والاسطورة.
في التاريخ علم وفن وكذلك السيرة التي مضت فانما نشات في احضان التاريخ وهي علم وفن ايضا علم لانها عرض صادق لاحداث الحياة وفن لانها تهتم بالاساليب والوسائل الخاصة للتعبير عن احداثها بل هي من اشد الوسائل لزوما على الاديب وقد لاحظ هذا شيشرون عندما قال لا شيء يظهر فيه الاقناع بقدر ما يظهر في التاريخ ويقصد انه عندما يريد اقناع مجتمع لا يصل اليه من الحقائق الانسانية التي هي عبارة عن ذكريات مشتركة عرفتها وتواضعت عليها فاذا بالخطيب يثيره ويكرر ذكر احداث التاريخ.
والناس ازاء هذا يعتبرون بالتاريخ ويقولون نحن امام فلسفة التاريخ لاحداثه ويقول اخر ليس امام علم وفلسفة بل امام انفاس تحترق وقلوب تعج بالعواطف وبشر في سائر الاجيال مهما اختلفت اجسادهم فروحهم واحدة وفكرهم يرتد الى منبع فرد اصيل. في احضان التاريخ اذن نشات السيرة فسجل بها الكتاب كل الاعمال الخالدة الخارقة او الاعمال الشاذة المنحرفة التي ابت ان تتكرر بسبب شذوذها وانحرافها وعرفنا سير البابليين والاشوريين والمصريين ليس من تحت النحاتين بل عن طريق كتاب السيرة القدماء ايضا امثال فلوطارخس وغيره.
ان النظرة للتاريخ لم تكن واحدة فقد تبلورت وتطورت خلال العصور وعندما بدات النظرة للتاريخ تكتسب صورتها الحية بدا الناس يتساءلون هل يمكن ان تعد السيرة جزءا من التاريخ؟ الا ان العلامء مهما اختلفوا فالموضوع واحد ولو تاملنا لراينا "توينبي" يفرق بين التاريخ والسيرة فيخرج من دائرة التاريخ كل ما يتصل بالسيرة الذاتية كاعترافات القديس اوغسطين وجان جاك روسو والملكة فيكتوريا.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here