islamaumaroc

مطلع الفجر

  دعوة الحق

119 العدد

طال ليل البشرية قبل بعثة محمد ومر الجنس البشري بالوان من التجارب و الخبرات  اوقفته  حائرا امام كثير من مشكلات الحياة و مشكلات ما بعد الحياة ، و لكنها في الوقت نفسه هياته لتلقي رسالة تنظم له هذه الشؤون وتعالج ما بدا من مشكلات ، ووقفت الانسانية ترقب مطلع الفجر ، و اخذت تقلب وجهها ذات اليمين و ذات الشمال ، باحثة عن الامل الذي يقود الانسانية الى الهدى ، و باحثة عن شعاع الضوء الذي يزيل طبقات الظلام المتراكم .
و انبثق الفجر من هناك ، من مكة ، المدينة المقدسة التي تريض في منتصف الطريق الواصل بين شمالي الجزيرة العربية و جنوبيها تقريبا ، و لم يكن احد يعرف حينما ولد محمد ان هذا الوليد اليتيم سيكون ذلك الامل الذي ترقبه الملايين ، و الذي سيهدي البشرية الى سواء السبيل .
وولد محمد في ضوء التاريخ ، لا شكوك حول اسرته ، و لا غموض حول تاريخ مولده ، و لا ظلام حول نشاته ، و لا تردد حول بعثته و مبادئه ، و انما هي وضوح كلها ، و يقين كلها ، يؤمن به من يشاء ، و يكفر به من يشاء ، و لكنه على كل حال كفران ناشيء عن التحدي و العصبية ، او سبب مماثل من الاسباب ، و ليس ناشئا عن الجهل او الغموض ، و يقول غوستاف لوبون ، عن حياة محمد ووضوحها : اذا استثنينا محمدا لم نجد مطلعين على حياة مؤسس ديانة اطلاعا صحيحا .
تعال بنا نقص طرفا من سيرة محمد نستقصيها مما كتبناه عنه بتفصيل و اطناب في المظان التاريخية المخصصة لذلك :
انتقل السلطان في مكة من خزاعة الى قريش سنة 440 م وكان قصي الجد الرابع للرسول قد تزوج بفتاة من خزاعة كان لابيها السلطان على مكة ، فمهد له ذلك ان يستولي على السلطان لعد موت هذا الاب و اضمحلال قوة خزاعة امام قريش الناهضة .
و قصي هذا هو الذي بنى دار الندوة ليجتمع فيها اهل مكة للتشاور فيما بينهم تحت اشرافه ، وهو الذي رتب وظائف الكعبة و حدد مدلولاتها ، وهذه الوظائف هي السقاية و الرفادة و اللواء و الحجابة .
و بعد قصي انحدرت وظائف الكعبة الى اولاده فاحفاده ، وكان هاشم ابن عبد مناف بن قصي من اكثر احفاد قصي حظا ، فقد الت له السقاية و الرفادة و تولاها بعده اخوه المطلب ثم عبد المطلب بن هاشم جد الرسول الذي عز شانه و ذاع صيته ، و اصبح مرجع كل الامور بمكة ، و في عهده كان عام الفيل حيث هجم ابرهة بالفيلة يريد تدمير الكعبة و تخريبها ، و لكن الهزيمة حاقت به و كتب للبيت المقدس النجاة ، و في هذا العام ولد محمد .
ومحمد حفيد عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف وكان لعبد المطلب مجموعة من الابناء تزيد عن  العشرة ، وكان من بينهم ابنه عبد الله ابو محمد ، وكان عبد الله احب ابناء عبد المطلب اليه ، كان شابا جميلا تغلب عليه الوداعة و الخير ، و قد وجه والده في سن مبكرة من فتاة قرشية في ميعة الصبا ، هي امنة بنت وهب ، و التقى الزوجان الشابان التقاء قصيرا تكونت فيه نطفة طفل قدر له ان يكون في قمة القادة و المشاهير ، و افترق الزوجان افتراقا لم يتم بعده لقاء ، فقد سافر عبد الله في تجارة ابيه الى المدينة فالشام ، و لما عاد سقط مريضا بالمدينة ومات هناك .
لقد كان جديرا بقلب امنة ان يتحطم ، و لكن التاريخ يثبت لنا هدوء امنة في غمرة الحزن ، و رضاها مع الاسى ، و قد وجدت امنة سلواها في جنينها ثم ولدته فانست به ، و اصبح دنياها الذي نسيت له وبه كل شيء ، و لكن امنة سرعان ما ماتت و طفلها في السادسة من عمره ، وكانما اراد الله ان يتولى هو تنشئة الطفل ، و قد عبر القران الكريم عن هذا المعنى بقوله (( الم يجدك يتيما فاوى )) و عبر عنه الرسول ص بقوله (( ادبني ربي فاحسن تاديبي ))
و تولى عبد الله الاشراف على حفيده الحبيب ، و لكن عبد المطلب ايضا مات بعد سنتين من امنة فتولى ابو طالب بن عبد المطلب كفالة محمد .
وواجه محمد الحياة في ظل عمه ابي طالب ، تربى في بيته ، و ساعده في اعماله التجارية ، و سافر معه الى الشام متاجرا قبل ان يبلغ الحلم ، و عندما كان في الرابعة عشر من عمره وقعت حرب الفجار الرابعة ، و قد حضرها الرسول ص و يروى عنه قوله : (( كنت انبل على اعمامي يوم الفجار و انا ابن الرابعة عشر سنة ))
و تقدم محمد نحو الشباب ، و لكنه كان طرازا وجيدا ، لم يشرك اترابه فيما اعتادوه  من لهو و عبث ، فلم يشرب الخمر ، و لم يغش مجالس الميسر ، و لم يسجد لصنم قط ، وكان حليف الامانة حليف الصدق حتى عرفه الناس بالصادق الامين .
وتاجر محمد في مال خديجة بنت خويلد ، و سافر في هذه التجارة الى الشام ، و صحبه ميسرة غلام خديجة ، و قد ربحت هذه التجارة ربحا عظيما وكانت سبب ارتباط بين محمد و خديجة ، و قد توج هذا الارتباط بزواجه منها وهو في الخامسة و العشرين و هي امراة في الاربعين من عمرها تزوجت قبله مرتين .
و قد هيا مال خديجة للرسول فرصة ليتفرغ للفكر الذي كان يراوده ، فكا محمد كثيرا ما يخلوا لنفسه و يفكر في الكون مبدئه و نهايته ، و لكن السعي للمعاش كان يقطع عليه فكره و يحول دون استمراره في هذه اللذة العقلية التي كان ينعم بها ، و لكن حياته الجديدة مع خديجة الغنية ضمنت له فراغ الوقت ، و منحه تقدم سنه مزيدا من العمق ، ومنحته اخلاقه الحسنة مزيدا من الصفاء ، و شملته عناية الله فراى ان يخلوا لله ، و شجعته زوجته الصالحة على رغبته ، فكانت تعد له الطعام فياخذه و يذهب الى غار حراء حيث يخلوا ليفكر في الكون و خالقه ، و الموت و مصير الناس بعده و هكذا ، و صفت نفس الرسول فاصبحت رؤاه تتحقق و لا تكاد تتخلف .
و ظل محمد يخلوا و يفكر حتى نزل عليه جبريل يوم الاثنين السابع عشر من شهر رمضان وناداه :
- اقرا
-ما انا بقارئ
- اقرا
- ما انا بقارئ
- اقرا باسم ربك الذي خلق خلق الانسان من علق اقرا و ربك الاكرم الذي علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم .
وكانت هذه اول ايات من القران الكريم ، ومن الملاحظ ان هذه الايات لم تكلف محمدا بدعوة ، و لم تخبره برسالة ، و لم تكن الا اعلانا بشيء غير عادي لم يدرك محمد كنهه ، و لذلك اسرع الى البيت خائفا مذعورا .
و انقطع جبريل عن الرسول مدة بعد ذلك ، وكان الرسول يترقبه في الغار و خارج الغار ، و بعد فترة من الانتظار طالت على محمد ، ظهر له جبريل مرة اخرى ، فظهرت عليه رعدة وفزع، و سارع الى بيته في حالة من الخشية ، و قال لاهله ، دثروني دثروني ! فدثروه . و لكن جبريل جاءه و هو في هذه الحال و القى عليه نداء ربه : (( يا ايها المدثر قم فانذر و ربك فكبر و ثيابك فطهر و الرجز فاهجر ، و لا تمنن تستكثر ، و لربك فاصبر )) و ادرك محمد بهذه الايات ما يراد منه فهب ينذر الناس ، و بدات بهذه الايات مراحل الدعوة للدين الجديد ، و افتتحت هذه الايات للانسانية عصرا جديدا هو عصر النور و عصر السلام و الاسلام .
و بدا محمد دعوته بمكة ، و لكن الدعوة تعثرت ووقفت قوى الشر في طريقتها ، و لكن محمدا بحق عن طريق اخر تنطلق منه دعوة الاسلام فهاجر الى يثرب ـ و حاولت القوة الغاشمة ان تحلق به و ان تحطم بالمدينة الدعوة المهاجرة من مكة ، و لكن محمدا قاوم القوة بالقوة ، و خاض معارك حاسمة مع المعتدين ، كتب له في نهايتها النصر المبين ، و علا صوت الحق ، و دخل الناس في الدسن افواجا ، و عندما استكمل محمد الثالثة و الستين كان علم الاسلام يخفق على الجزيرة العربية كلها ، و اصبح لهذه الجزيرة ، التي كانت اشتاتا متنافرة ، دين واحد ، و رئيس واحد ، و غاية مثلى تقودها ، و افكار سامية توجهها ، ثم  انطلقت هذه الوحدة من حدود الجزيرة بعد وفاة محمد فاتجهت الى ارقى الممالك التي عرفها ذلك التاريخ ، فخرت بسرعة مذهلة امام الزحف الاسلامي الذي لم يطق الباطل ان يوقفه ، و لم يمض قرن من الزمان حتى كان الاسلام يخفق في الاندلس و يرفرف على السند ، و يشمل بخارى و ينساب الى قلب افريقية، و يعم ما بين هذه البلاد من بقاع .
و لنعد الى محمد نبي الاسلام ، لنذكر جملة اخرى من صفاته قبل ان نختم هذا الحديث .
لقد بعث محمد و تبعه بعض الناس ، و عاداه اخرون ، و لكن اعداءه لم يستطيعوا ان يجدوا في اخلاقه مطعنا ، و لم يستطيعوا ان يزعموا ان فيه نقيصة ، او ثلمة .
و عظم شان الاسلام و انتشر ، و كبر سلطان محمد باعتباره الرئيس الديني و الرئيس السياسي و لكن مظاهر السلطان لم تعرف طريقها اليه ، فقد ظل يحلب شاته ، و يرفع ثوبه ، و يخصف نعله ، و يخدم نفسه ، و ياكل مع الخادم ، و لم ير اصحابه فيه الا رائدا و صديقا ، كان ينهاهم عن الوقوف له اذا اقبل عليهم ، و كان يجلس معهم كواحد منهم ، و اذا قدم وهم جالسون اتخذ مكانه حيث انتهى به المجلس ، وكان يمازحهم و يداعب صبيانهم و يجلسهم في حجره ، و يجيب دعوة الحر و العبد و الامة و المسكين ، و يعود المرضى من اقصى المدينة .
و لم تقف سماحة نفسه عند اتباعه ، بل امتدت الى اهل الكتاب ، فكان يقبل دعوتهم ، و يحسن استقبالهم ، و قد فرش عباءته لنصارى نجران عندما و فدوا عليه و طلب منهم الجلوس عليها ، وكان يزور مرضاهم و يشيع جنازاتهم .
و كان زاهدا في الدنيا يؤثر على نفسه و لو كانت به خصاصة ، و كان لا يدخر شيئا لغده ، حتى لقد توفى و قد رهن دراعه عند يهودي ف قوت عياله ، وكان شديد الزهد في الحياة المادية ، اتخذ فراشا خشنا ، و طعاما بسيطا ، بل قد عانى الجوع اكثر من مرة ، وكان زهده في اللباس كزهده في الطعام.
و كان لامع الذكاء ، عميق التفكير ، سريع البديهة ، وكانت تحيط به احيانا مشكلات جسيمة و لكنه لو ينهزم امام واحدة منها ، بل كان يبحث عن الحلول في وقت تقف فيه العقول عن التفكير، و حسبك ان تذكر موقفه عندما حلت به الهزائم في غزوة احد ، وخر صفوة من اتبعه ، و تشتت شمل جيشه ، ومسه الضر ، و سقط في حفرة و الدم ينزف منه ، و نادى منادي قريش ان محمدا قد مات ، فاراد احد المسلمين ان يكذبه ، و ان يصيح بان محمد ما زال حيا ، و لكن الرسول اسكته فقد ادرك وهو في حاله تلك ـ ان خبر موته سيوقف نشاط المنتصرين ، و يضمن السلامة لكثير من اتباعه و هذا ما كان.
ومحمد ـ ككل مصلح وكل رسول ـ كان له اعداء ، و لا يزال له اعداء ، و لكن احدا من هؤلاء لم يستطع ان يجرح اخلاقه ، او ان يجد في صفاته ما ينال منه . و كثير من المستشرقين الحانقين على الاسلام يذكر نجاح محمد كان نتيجة ـ لا لصدق دعوته ـ بل لذكائه ، و خلقه ، و حسن معالجته للامور ، و تفوقه الذهني و الخلقي على رجالات عصره .
ومن خصائص الدين الذي جاء على يد محمد التوحيد المطلق الذي لا هوادة فيه ، و خلوه من التعقيدات اللاهوتية ، و بعده عن الكهنة و القرابين ، و قد اتخذ محمد كل الاحتياط ليحول دون تاليهه بعد مماته ، كما ان من اهم خصائص هذا الدين اصراره على ان المسلمين جميعا اخوة متساوون تماما، مهما اختلفت الوانهم او أجناسهم او مراكزهم .
رحم الله محمدا ! لقد كان نفحة سماوية امدها الله بالتأييد ، و حباها كريم الصفات و نبيل السجايا، ومنح العالم على يده دينا جديرا بان يكون خاتم الاديان لما يكفله لمعتنقيه من تنظيم أمور الدين و أمور الدنيا .

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here