islamaumaroc

دفاع عن التاريخ

  دعوة الحق

119 العدد

من بين العلوم التي ازدادت أهميتها في عصرنا هذا علم التاريخ. لقد كان علم التاريخ فيما سبق عملا فرديا يتطوع به بعض الكتاب، كل حسب طاقته وقدرته على البحث وذوقه، دون التقيد بقيود واضحة. فكانت كتب التاريخ في الغالب سلسلة من الأخبار المشوقة تنحو إلى مقاصد مختلفة. فهي إما كتب ترفيهية يقصد منها تزجية الفراغ والاستئناس بنوادرها في الأندية والمجالس، وإما كتب موعظة واعتبار يراد بها التدليل على قدرة الله وعنايته والدعوة إلى تقويم الأخلاق وإصلاح السيرة، وإما تآليف يقصد بها تحقيق بعض الأهداف الدينية مثل كتب السيرة النبوية وأخبار الصحابة والتابعين ورواة الحديث كما يترتب عن ذلك من أهمية بالنسبة لتقرير الأحكام الفقهية والترجيح بين الأقوال المروية أي، بعبارة واضحة، وضع أسس السنة.

بحيث أن التاريخ لم يكن يقصد لنفسه ولم يكن يعتبر كعلم مستقل يستطيع أن يوحي بنوع خاص من التفكير ويغير نظرة الإنسان إلى العالم وإلى الناس ويؤثر على سلوك الحكام وسياستهم وعلى المفاهيم الجماعية في المجتمع. ولم ينتبه إلى أهميته انتباها عميقا ودقيقا إلا ابن خلدون الذي استطاع، لأول مرة في تاريخ الفكر، أن يصور بما يكفي من التوسع والتفصيل ما يكمن وراء الأحداث من قوانين وتركيبات آلية وصلات متشابكة.

لكن ابن خلدون، الذي كان سابقا لعصره بعدة قرون، لم يستطع أن يبلغ صوته لمعاصريه ويبين لهم أهمية ما اكتشف. ولم يظهر الصدى الحقيقي لآرائه إلا في القرن التاسع عشر حين بدأ التاريخ يدخل في الطور العلمي وأصبح الشعور بالتاريخ من مقومات الفكر البشري في عصرنا. وقد ترتب عن هذه التطورات أننا أصبحنا اليوم نصادف التاريخ على صورتين:

1) نصادفه كعلم مستقل بذاته له قواعده ومنهاجه وأساليبه.
2) ونصادفه كعلم متداخل مع مختلف العلوم، فالذي يدرس القانون لا يستطيع أن يفهمه حق الفهم دون أن يلم بتاريخ القانون، والذي يدرس الفلسفة لا غنى له عن تاريخ الفلسفة. والذي يدرس الاقتصاد لابد له من أن يستند على التاريخ. والذي يدرس التاريخ نفسه في حاجة إلى معرفة تاريخ التاريخ.

ما معنى هذه الوثبة الكبيرة الذي وثبها التاريخ في سلم المعارف الإنسانية؟ وما معنى هذه الظاهرة التي أصبح يتميز بها بين مختلف العلوم؟ معنى ذلك أن الفكر الإنساني أدرك بعد طول التجربة والممارسة أنه لا يستطيع أن يستوعب الحقائق العلمية استيعابا كافيا ومرضيا إلا إذا استعمل المقاييس التاريخية. ومعناه أيضا أن فكرة التقدم المطرد مرتبطة بمعرفة التاريخ لأن هذا العلم يلخص لنا التجربة الإنسانية في كل مسألة مسألة ويقدم لنا صورة مركزة وواضحة عن مراحلها الجوهرية وبذلك يساعدنا على العمل الجديد والابتكار.

فلولا التاريخ لأعاد الناس نفس التجربة مرارا وتكرارا. ولولا تاريخ الفلسفة، مثلا، لكان كل فيلسوف ناشئ يعود إلى نقطة الابتداء التي انطلق منها أول مفكر ليكرر عبثا المجهود الذي بذله من سبقوه في ذلك المضمار. ولكن بفضل وجود هذا التاريخ، أصبح في مستطاع كل فيلسوف أن يطلع على المجهود السابق ويأتي بشيء طريف من عنده. بحيث أن التاريخ يوفر عليه مشقة الانطلاق من لا شيء.

وفي القديم حيث لم تكن دراسة التاريخ مضبوطة ولا معممة لدى سائر المثقفين، كان يقع كثيرا مثل هذا التكرار في المجهودات والأعمال مما يؤدي إلى كثير من التبذير الفكري، لكن المنهاج التاريخي لم يفرض نفسه، في الحقيقة، إلا منذ أواسط القرن الماضي مع المدرسة الهيجلية، وما تفرع عنها من ماركسية وغيرها حيث تبين أن التاريخ ينبني على حلقات متشابكة ومتعارضة أي ما يسميه هيجل الجدلية وأننا لا يمكننا أن نفهم الحديث الاجتماعي سواء أكان سياسيا أم اقتصاديا أم ثقافيا أم اجتماعيا إذا لم نضعه في إطار هذه الجدلية.

ولا ننسى أن هذه الحقبة هي التي ظهرت فيها أيضا، نظريات بيولوجية ثورية أقامت المحافل العلمية وأقعدتها عند إعلانها، وأعني بذلك نظريات داروين وسبنسر ولامارك التي أبرزت فكرة التحولات الشكلية والنوعية التي خضعت لها أصناف الأحياء مبدية في نفس الوقت ما تتسم به فكرة التطور من أهمية بالنسبة للعلم وما ينطوي وراءها من حقائق عميقة تنير لنا ماضي الإنسان وتجعلنا نتكهن بمصيره في المستقبل. فكانت هذه الاكتشافات من الحوافز القوية التي دفعت عددا من العلماء إلى البحث بتدقيق في الأطوار التي مر منها البشر منذ العهد البدائي إلى عصر الحضارة الحديثة. وبفضل ذلك، عرفت العلوم الانتروبولوجية انطلاقة جديدة ظهر أثرها في كثرة التآليف والأبحاث والاستكشافات الرامية إلى التعرف على كل المجتمعات من بدائية وغيرها.

ومع هذا التيار البيولوجي التقي في نفس الوقت تيار الفلسفة الوضعية التي كان الفيلسوف الفرنسي "أوجست كونت" أول الداعين إليها وفيها يعلن عن نظريته المشهورة التي تشخص تطور الفكر الإنساني في مراحل ثلاث:

1) المرحلة اللاهوتية: التي يؤمن فيها الإنسان بالخوارق والغيبيات ولا يجعل لمبدأ السببية قانونا مضبوطا.
2) المرحلة الميتافيزيقية: وهي التي يحاول فيها الفكر أن يوحد فهمه لسير العالم إلا أنه يقبل أن يفسر ذلك السير بالاعتماد على الأسباب المستفادة من الميتافيزيقية.
3) المرحلة الوضعية: وهي المرحلة الأخيرة التي يعود فيها الفكر إلى اليقين العلمي الصحيح، المبني على التحقيق المباشر الذي ينبذ كل تفسير ميتافيزيقي. وكان لهذا التيار أثره في مختلف العلوم الإنسانية، وخاصة علم الاجتماع الذي عرف هو أيضا انطلاقة جديدة في هذا العصر، ووضع لنفسه برنامجا ومنهاجا ولا زال منذ ذلك الحين وهو يوسع تجاربه وأبحاثه.

كل هذه المذاهب والفلسفات، على اختلاف مشاربها ومنازعها، جاءت من طرق مختلفة لتلفت النظر إلى أهمية ظاهرة التطور في الوجود الإنساني أي في الحقيقة، إلى أهمية التاريخ. ومن هنا أخذ المنهاج التاريخي يكتسح الميادين العلمية كلها وأصبح المثقف الحقيقي لا يمكنه أن يستغني عنه في تصوره للأشياء، في دراساته وأبحاثه. ونجد لهذا المنهاج أثره، أيضا في الصحافة والإدارة مثلا، فالصحافة الجدية، كلما تعرضت لقضية من القضايا الوقتية إلا ورأت من الضروري أن تتحدث عن نشأتها والمراحل التي مرت منها. كما أن الإدارة لا تنسى أن تكون ملفا عن كل مسألة من المسائل التي تشتغل بها، فتسجل كل جديد يتعلق بها وتجمع كل المعلومات والمذكرات والتقارير المتعلقة بها. وهكذا تضم كل العناصر التي يتكون منها تاريخ تلك المسألة، منذ نشأتها إلى نهايتها، ولهذا كان التاريخ يجد غذاءه الطبيعي والأساسي في مجموعات الملفات المختزنة عند الدولة والتي نسميها الوثائق أو المستندات.
الروح التاريخية، الشعور بالتاريخ، الإدراك التاريخي، تلك عبارات أصبحنا نستمع إليها باستمرار لدى المثقفين والمفكرين على اختلاف أنواعهم ومهنهم واهتماماتهم، يستعملونها سواء عند تناولهم لموضوعات سياسية أو اقتصادية أو ثقافية أو غيرها ومنذ زمن بدأت تترسخ في الأذهان نظرية تقول بأن أحد العوامل التي تفسر وضعية الشعوب المتخلفة هو عدم توفر الوعي التاريخي لدى تلك الشعوب، وهذا يعني، في العمق، أنها تعيش في حاضر مستمر، فلا تقيس الزمان بمقياس الاستمرار والسببية ولا تشعر بظاهرة التطور التي يمكن أن تكون تحولا نحو الأحسن أو نحو الأسوأ أي اتجاها نحو الانحطاط أو التقدم.

فالشعوب الراقية اليوم شعرت منذ زمان بعيد أن الإنسان يستطيع أن يجعل من تاريخه بناء ينمو ويستمر بانتظام لا يجري فيه الهدم إلا فيما دعت الضرورة إلى هدمه. وهكذا استطاعت مع مرور الزمان، أن تضيف المكاسب إلى المكاسب وأن تخلق من ظاهرة التراكم هذه مصدرا للخلق المتواصل وللقفزات الثورية نحو التجدد بحيث أن المجتمع أصبحت له طرق معبدة ومناهج مضبوطة لكل أنواع النشاط الجماعي والفردي حتى يقع أقصى ما يمكن من الاقتصاد في الوقت وحتى يصبح الإنتاج الفردي أو الجماعي في نمو مستمر. هذه الشعوب ما استطاعت أن تصل إلى هذه الدرجة إلا بعد أن قوي لديها الشعور بعامل الزمان وأهميته، فبدأت ترى نفسها من خلال المنظار التاريخي وتزن يومها بأمسها ومستقبلها بحاضرها.

هذه النظرة أثيرت ولا تزال تثار بالنسبة للشعوب العربية. فقد قيل أن العرب يعيشون خارج التاريخ أو أنهم لا يفهمون التاريخ على الطريقة التي يفهمه بها الشعوب المتقدمة، وهذا قول يحتوي على حق وعلى باطل في آن واحد. حقا، إن العرب بوصفهم شعبا من الشعوب التي لا زالت لم تتخلص من التخلف يعانون فتورا كبيرا من حيث الوعي التاريخي بمفهومه العام. ولكن هذا الفتور راجع، في الواقع، إلى اتصافهم بوعي تاريخي آخر، ولكنه وعي له مفهوم خاص. وهذا الوعي الأخير يتمثل في الحساسية القوية التي يتصف بها العرب إزاء ماضيهم التاريخي منذ أن دخلوا في طور الانبعاث. وكلمة "وعي" لا تؤدي هنا هذه الظاهرة بسائر جوانبها. إن العرب، في الحقيقة، يعيشون ماضيهم وهم يواجهون حاضرهم. والعرب حينما اكتشفوا تاريخهم في عصر الانبعاث، فإنهم، خلافا لما قيل في بعض الآراء والنظريات، لم يكتشفوه على طريقة أجدادهم، بل تمثلوه في صورة جديدة لها ارتباط بالظرف والوضعية التي يعيشون فيهما.

فالأجداد كانوا يرون التاريخ العربي ممزوجا بالتاريخ الإسلامي لا ينفصل عنه ولم يكن لفكرة القومية العربية أي وجود مذهبي قبل عهد الانبعاث. بل كانت فكرة الأمة الإسلامية هي الغالبة. فالعرب حينما كانوا أقوياء في عهد الدولة العباسية وغيرها قبلوا أن تندمج في كيانهم الجماعي شعوب وأجناس أخرى من إيرانيين وأتراك وأقباط وبربر، على أساس تكوين أمة إسلامية واحدة. وحينما ضعفوا قبلوا أن يندمجوا هم في مجموعة إسلامية أخرى ولو لم تكن تحت قيادتهم. وهكذا انخرطوا في سلك الإمبراطورية العثمانية، لم يشذ عنهم في ذلك إلا المغرب الأقصى الذي حافظ على استقلاله. وهم حينما خضعوا للدولة العثمانية لم يكن انقيادهم ناتجا عن الإجبار بالقوة. بل كان سلوكهم يتمشى آنذاك مع منطق الأمة الإسلامية الذي ألفوا أن يعيشوا فيه منذ عهد الخلفاء الراشدين.

لكن الحدث الجديد الذي ظهر في تاريخهم منذ عهد الانبعاث هو بروز فكرة القومية العربية التي لم تبق مجرد شعور غامض ومائع بل أصبحت عقيدة لها مضمون مذهبي يستمد مبادئه من مراجعة عميقة ومفلسفة للتاريخ العربي الإسلامي، من جهة، ومن المفاهيم التي برزت بها التيارات القومية الجديدة التي انطلقت في أوربا منذ أوائل القرن التاسع عشر، من جهة أخرى. إلا أن الجانب التاريخي ربما كان أشد غلبة على النفوس وأكثر انتشارا في الأوساط الشعبية لأنه يلتقي مع ميول وتصورات عاطفية توجد لدى العرب، بصفة عامة. وطغيان هذا التأثير التاريخي من ناحية العاطفة والوجدان هو الذي عاق ولا زال يعوق العرب عن العودة إلى نظرة تاريخية واقعية عملية. إذن، فليس بصحيح أن نقول أن العرب بعيدون عن الإدراك التاريخي، بل الصحيح هو أن نقول أن تشبث العرب بتاريخهم وارتباطهم به من ناحية وجدانية جعل جانبا من التاريخ يطغى على جانب آخر وأحدث لديهم نوعا من الانحباس في الوعي التاريخي، بالمفهوم المتداول عند المفكرين الأوربيين.

على أن هذا الوعي التاريخي يختلف حسب المرحلة التي يوجد فيها المجتمع من حيث التطور الاقتصادي. فهنالك ما يسمى بالمجتمع الصناعي ويمثل أرقى صورة لحياة الشعوب في عالم اليوم لأنها تجاوزت كل أنواع الإنتاج المعروفة في التاريخ ومكنت الإنسان من مباشرة سيطرة أقوى على الطبيعة واقترنت مع ارتفاع المستوى الحيوي سواء لدى الفرد أو لدى الجماعة وهنالك المجتمع الفلاحي، وهو الذي يعتمد فيه الإنتاج أساسا على المحصول الفلاحي. والتجربة العالمية تدل على أن مثل هذا المجتمع لا يستطيع في الغالب أن ينافس المجتمع الصناعي من حيث توفير الثروة وفتح مجال العمل أمام الإنسان. بل إن المجتمع الصناعي يضيف إلى ضخامة الإنتاج في الصناعة، إنتاجا وفيرا كذلك في الفلاحة، كما هو الشأن بالنسبة للدول الكبار مثل الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي. بحيث أن المجتمع الصناعي يمثل تراكما في الثروات ولذلك ظل هو الهدف بالنسبة للدول التي تعاني مقدارا من مقادير التخلف.

وبالطبع إن هذين المجتمعين يمثلان عقليتين مختلفتين. تتراءى لنا بصورة جلية عندما ننتقل من قرية زراعية إلى مدينة تحتضن مجموعة من المعامل. فالإنسان يختلف من الأولى إلى الثانية. وتشعر بأن ساكن هذه المدينة يمثل فكرا أقوى إدراكا وأوعى للأشياء من ساكن القرية، فالأول بحكم الممارسة اليومية وتعدد الاتصال وتنوعه يحصل، بالضرورة على ثقافة عملية أوسع وأخصب من الثاني. وقس على الأفراد وضعية الشعوب.

فالوعي التاريخي بمعناه العميق الذي يتوفر للمجتمعات الصناعية ليس هو نفس الوعي الذي نجده لدى المجتمعات الفلاحية. فالشعوب العربية ما دامت لم تتحول بصورة فعالة وتامة إلى المرحلة الصناعية ستظل نظرتها إلى التاريخ تتسم بشيء من الرومانسية والعاطفية. ومثل هذه النظرة تجعل المجتمع يعجز عن رؤية الواقع، وبالتالي، عن القيام بالنقد الذاتي بمعناه الصحيح، فلا بد من معركة داخلية ومن تجارب مرة ليستطيع الإنسان أن يرى عيوبه فيقومها. وما يقال هنا عن الفرد يقال عن الجماعة، والشعوب العربية، التي لم تستكمل استقلالها إلا منذ أمد قصير، بدأت تدخل الآن، بالفعل، إلى طور الممارسة الحقيقية للحياة القومية وتتحمل مسؤوليتها وتصطدم بالمشاكل والمصاعب وهذا شأن كل الشعوب التي بلغت طور الرشد.

إنما الذي يجب التنبيه إليه، في هذا المضمار، هو عدم الخلط بين الوعي التاريخي الحقيقي والتخلي عن مسؤولية التفكير القومي. فهنالك من يعتقد أن الوعي التاريخي هو الانسلاخ عن كل ما يمثل شخصيتنا التاريخية أو التنكر لها بدعوى أنها هي السبب في تخلفنا. وأمامنا التجربة الكمالية في تركيا التي سارت في هذا الاتجاه، لكنها لم تستطع أن تفصل الشعب التركي عن ماضيه. وليس من مصلحة الدول الكبرى التي لها رغبة واضحة في السيطرة على العالم أن تحتفظ الشعوب النامية بمقوماتها التاريخية، لأن تلك المقومات هي التي تمنح لتلك الشعوب القوة المعنوية التي تجعلها قادرة على المقاومة والصمود والشعور بالكرامة الذاتية. والتجربة التي عشناها مع الاستعمار خير شاهد على ذلك. ولو لم يكن أثر لتلك المقومات في نفوس العرب، لما استطاعوا أن يواجهوا القضية الفلسطينية بمثل هذا الصمود الذي يرجع في بدايته إلى أكثر من خمسين سنة، أي منذ وعد بلفور.

والدول التي تساعد الصهيونية تريد أن تقنع العرب بالتخلي عن موقفهم بطرق مختلفة، من جملتها محاولة الاستدلال على أن ذلك الموقف لا يتماشى مع الوعي التاريخي الحقيقي، فتأخذ على العرب، مثلا. أنهم غير واقعيين وأنهم يتشبثون ببعض الأفكار العتيقة التي لم يعد لها ذكر في هذا العصر وأن عليهم أن ينصرفوا إلى التنمية الذاتية بدل أن يرهقوا ميزانيتهم بالمصاريف العسكرية الخ.. الخ.. ثم يقترحون على العرب عن طريق التلميح والكناية أن يتخلوا عن كل ما يربطهم بماضيهم وأن يتقمصوا عقلية جديدة مستمدة من الغرب. وهذا ما يجعل العرب على حق حينما يظهرون الثبات في موقفهم ويرفضون بعض "النصائح" المبنية على المغالطات، فالوعي التاريخي الحقيقي ليس هو الذي يجرفهم في تيار التخلي والميوعة، وليس هو الذي يدفعهم إلى التقليد المجاني، بل هو الذي يدفعهم إلى التفكير الحر المستقل الذي يزن الأشياء بميزانها، لأن الشعوب حينما تتحمل مسؤولية الحياة في نطاق السيادة والاستقلال، لابد لها من أن تصوغ لنفسها نوعا من التفكير القومي، يقربها من غيرها من الشعوب ما وسعها التقريب، ولكنه يحفظ لها في آن واحد مقوماتها المعنوية التي، بفضلها، تستطيع أن ترسم مكانها واضحا في عالم اليوم.

فالوعي التاريخي، إذن، هو حاسة دقيقة تستطيع بها الشعوب أن تحدد سلوكها دون أن تهوي في بعض المزالق والأخطاء التي لا تغفر. وإذا كان هذا الوعي ينمو مع تقدم الأمة وارتقائها إلى الطور الصناعي فإنه كذلك يتسع مع انتشار الدراسات التاريخية، سواء في أوساط المثقفين أو لدى الجمهور بصفة عامة. وهنا يجب أن نعترف بأن العرب، لا زالوا متخلفين نوعا ما في هذه الدراسات. نعم لقد حققوا تقدما لا ينكر حينما أسسوا جامعات متعددة وزودوها بكراسي للتاريخ، وحينما أقدموا على نشر عدد مهم من الكتب التاريخية ما بين تآليف قديمة وحديثة. ولكن هذا المجهود إذا قورن بما يجري في البلاد المتقدمة، يظهر آنذاك متواضعا ومتواضعا جدا. يضاف إلى هذا أن كثيرا من التآليف لا زالت لم تتحرر من المناهج القديمة التي لم تعد تفي بالحاجة التي ينتظرها العلم اليوم من التاريخ أي أنها، بعبارة أوضح، تعاني نقصانا من  الناحية العلمية بالنسبة لما ينشر في أوربا مثلا. فالتاريخ لم يعد سلسلة من الأقاصيص والحكايات تمل لأنها تعاد وتكرر باستمرار مثل اللازمة في القصيدة الطويلة، بل هو مجهود علمي يهدف إلى المزيد من استكشافات الأسرار والمعاني الكامنة وراء شريط الأحداث. وعلى أي حال، فإن فائدته لا تظهر إلا إذا توفرت فيه الشروط العلمية.

ونظرا للخطوات الواسعة التي حققها التاريخ كعلم في عصرنا هذا، فقد أصبحت له علاقة وثيقة مع سائر العلوم والمعارف الإنسانية. ولا يمكننا أن نعتبر المثقف قد استتم تكوينه الصحيح إذا لم يكن له بعض الإلمام بالتاريخ. فالتاريخ يساعدنا على التعرف إلى التطورات الداخلية التي جرت في مختلف العلوم، كما يمكننا من تقييم المكاسب العلمية على مختلف العصور وتأثيراتها على الحضارة، فلولا التطورات المهمة التي جرت في تاريخ الملاحة منذ العصر القديم إلى اليوم، ولولا معرفتنا بها، لما عرفنا قيمة المبدأ العلمي الذي اكتشفه العالم اليوناني "أرخميدس" ولولا التطبيقات العديدة لما يسمى في الرياضيات باللوغابرزمات لما عرفنا فضل الخوارزمي على الإنسانية. ولولا ما حفظه لنا التاريخ عن التطبيقات المهمة لما اكتشفه العالم باستور في موضوع الجراثيم والميكروبات لظللنا نجهل أهمية ذلك الاكتشاف في تطور العلوم الطبية. والأمثلة من هذا النوع لا تدخل تحت الحصر. بحيث أن التاريخ هو الذي يقيم الأعمال الإنسانية بما لها وما عليها ويبين نتائجها في التطور العام للعالم.

وحكم التاريخ في هذا الصدد يحمل طابع المحكمة النهائية التي لا ينقض حكمها ولا يرد. وما أكثر المرات التي نختلف فيها مع حكم الرجال المعاصرين، فيهمل أناسا اشتهر ذكرهم في عصر من العصور ويشيد بأناس ظلوا خاملين في زمانهم ويرفع من أعمال وآثار ويخفض من أخرى ويعطي لكل ذي حق حقه. ولنذكر بعض الأمثلة من التاريخ الإسلامي. لقد كان أجدادنا الأقدمون يتحاملون على المعتزلة ويسفهون آراءهم وينددون بهم. لكن التاريخ جاء اليوم، فبين فضل المعتزلة على العلوم الإسلامية وعلى تطور الفكر عند المسلمين حتى أصبح الباحثون في كل مكان يتسارعون إلى التنقيب عن آثار المعتزلة والاطلاع عليها. وكذلك كان شأن الفلسفة والفلاسفة، فلم يقبلهم العلماء المسلمون في القرون الوسطى وظلوا محل ريبة وتحامل إلى عهد قريب. لكن التاريخ أنصفهم اليوم وبين أهمية الدور الذي لعبوه، سواء في نطاق الثقافة العربية الإسلامية أو في نطاق تاريخ الفكر الإنساني بوجه عام.

هذه الروح التاريخية ضرورية، إذن، للجماعة لأنها تساعدها على فهم التطور والتهيؤ له وقبول حتمياته. وهي ضرورية كذلك، بصورة أقوى، للمثقف مهما كان اختصاصه لأنها تساعده على تصحيح منطقه ونظرته إلى الأشياء وعلى اكتساب بعض المزايا الفكرية الأساسية. فبفضل التاريخ سيصبح أقدر على التثبت في أحكامه وتمحيص آرائه والاتصاف ببعد النظر ووضع الأشياء والناس في مكانهم الحقيقي، والابتعاد عن التعميمات والتجريديات التي تقذف بالإنسان في مزالق التوهم والغلط. التاريخ مدرسة تعلم الإنسان العودة إلى المحسوس والملموس والاتصال مع الحياة في واقعها وتياراتها النابضة. فهو بهذا المعنى يتوازن مع التكوين الفلسفي المبني على التجريديات ويتكامل معه.

لكن التاريخ له، من ناحية أخرى، علاقة بالحياة العملية، ولا ينحصر دوره في التكوين النظري. ومنذ قديم والمؤرخون يرددون هذه الفكرة وهي أن التاريخ مدرسة طبيعية بالنسبة لكل من يتحمل مسؤولية ذات أهمية في المجتمع فهو حينما يقدم له دروسا عن الماضي يتيح له الفرصة ليستفيد منها في عمله حاضرا ومستقبلا فهذا "تيو سيديد" Thucydide  وهو من أقدم المؤرخين اليونانيين، إذ توفي في أوائل القرن الرابع قبل الميلاد، ينادي هو الأول بهذه الفكرة وهي أن التاريخ بمثابة مخبر يستفيد منه الإنسان في عمله الحالي. ومعنى ذلك أن التاريخ لابد وأن يعيد نفسه وتتكرر أحداثه. فالحكمة، إذن، تقتضي أن نستفيد من تجارب الماضي. وحري بالرجل السياسي وبالقائد وبالمفكر أن يعود إلى تلك الدروس الحية دروس الأحداث. ونجد هذا الرأي عند مؤرخ يوناني آخر "بوليب" Polybe الذي لا يقل شهرة عن السابق فهو يرى أن للتاريخ دورا في تقويم السلوك الإنساني. ونفس الموقف نجده عند المؤرخ الروماني المشهور "تيتوس ليفيوس" Tite- Live الذي يعتبر التاريخ كصورة تنعكس عليها المبادئ الأخلاقية للإنسان. وإذن، فمن الواجب استعمال هذا العلم كطريقة لتلقين بعض الدروس الأخلاقية.

ويذهب المؤرخون المسلمون بدورهم إلى نفس الاتجاه. فالتاريخ في نظرهم سجل حافل بالمواعظ والعبر من شأنه أن يقوي عقيدة المسلم في الله وأن يدفعه إلى سلوك الطريق المستقيم. فالمؤرخ الكبير أبو الفرج ابن الجوزي يقول في مقدمة المنتظم: "وللسير والتواريخ فوائد كثيرة أهمها فائدتان. إحداهما أنه إن ذكرت سيرة حازم ووصفت عاقبة حاله أفادت حسن التدبير واستعمال الحزم أو سيرة مفرط ووصفت عاقبته أفادت الخوف من التفريط فيتأدب المتسلط ويعتبر المتذكر ويتضمن ذلك شحذ صوارم العقول ويكون روضة للمتنزه في المنقول، والثانية أن يطلع بذلك على عجائب الأمور وتقلبات الزمن وتصاريف القدر وسماع الأخبار. ويقول العماد الأصبهاني: "لولا التاريخ لضاعت مساعي أهل السياسات الفاضلة، ولم تكن المدائح بينهم وبين المذام هي الفاصلة، وتعذر الاعتبار بمسألة الأيام وعقوبتها وجهل ما وراء صعوبة الأيام من سهولتها وما وراء سهولها من صعوبتها" ويعتبر المؤرخ شمس الدين السخاوي التاريخ مفيدا للإنسان سواء في الشؤون العامة أو الخاصة فيقول: "ويستفاد من أنباء هذا الفن ما لعله مندرج في علوم أخرى كالسياسة، العلم الذي يتعرف منه أنواع الرياسات والسياسات والاجتماعات الفاضلة والمردية وتوابع ذلك، وكعلم الأخلاق الذي يعلم منه أنواع الفضائل وكيفية اكتسابها وأنواع الرذائل وكيفية اجتنابها وكعلم تدبير المنزل الذي يعلم منه الأحوال المشتركة بين الإنسان وزوجه وولده وخدمه ووجه الصواب فيها".

يضاف إلى هذه النظرة الفلسفية التي التقى فيها المؤرخون المسلمون مع سابقيهم من المؤرخين اليونانيين والرومانيين، نظرة دينية تفردوا بها وكانت في الحقيقة نتيجة منطقية للتعاليم الإسلامية، فهم يعتبرون أن هنالك حقبة كان يوجد بها سلف صالح وأن المسلم يجب عليه أن يستمد مثله ومبادئه الأخلاقية من دراسة تلك الحقبة المفضلة التي عاش فيها ذلك السلف الصالح. ولهذا تركزت عناية المؤرخين المسلمين، قبل كل شيء، بالسيرة النبوية وعهد الخلفاء الراشدين وعصر المغازي والفتوح. فهم يعتبرون أن دراسة هذا العصر لا تهم المعرفة وحدها، بل تهم السلوك أيضا. وكان بعض الخلفاء الكبار مثل معاوية والسفاح والمأمون يحبون من يسامرهم بالأحاديث التاريخية عن الأمم والأجيال السابقة. ولاشك أن مثل تلك الأحاديث كانت ترفع مستواهم المعنوي وتقويهم على مواجهة مسؤولياتهم الكبرى، زيادة على ما فيها من متعة وتسلية.

فإذا وصلنا إلى عصرنا الحاضر نجد أن هذه النظرة تغيرت بعض الشيء، إذ أصبح التاريخ يطمح أن يكون علما وضعيا كغيره من العلوم فيجتنب كل تفسير مبني على الفروض والنظريات ويظل مرتبطا بالوقائع والأحداث ويتسلح بالروح النقدية في كل حركاته وسكناته. ومنذ القرن الماضي أصبح المؤرخون يرفضون، على العموم، ما يسمى بفلسفة التاريخ ويعتبرونها خطوات عشوائية في ميدان يتطلب كثيرا من التثبت والحذر. ومن ثم، فهم يترددون في اعتبار التاريخ كمخبر للتجارب الإنسانية يستفيد منه إنسان اليوم. بل يرون أن الفوارق الزمانية والحضارية تجعل هذه الفائدة غير مضمونة، ذلك لأن فكرة "التاريخ يعيد نفسه" لا ترتكز، في نظرهم، على أساس صحيح. 
ومع ذلك، فإن القادة والرجال المسؤولين في عصرنا الحديث لا يستغنون عن الثقافة التاريخية. فهي تدخل بنصيب كبير في تكوينهم، وتعرض على تفكيرهم العملي والنظري ذخيرة من المراجع والمقارنات التي تساعدهم في مهامهم النقلية. لهذا كانت الدراسات التاريخية تحتل مقاما كبيرا في المدارس العليا التي يتخرج منها السياسيون والدبلوماسيون والإداريون مثل معاهد العلوم السياسية والمدارس الإدارية بفرنسا وغيرها.

يتضح لنا مما تقدم أن التاريخ له علاقة بمختلف العلوم ويبث الوعي التاريخي في المجتمع وبالتكوين الفكري للإنسان في العصر الحاضر، كما أن له مكانة البارز والضروري في تفكير الرجل المنصرف للعمل المتحمل للمسؤوليات. لكن التاريخ له فوائد أخرى يجب أن نتحدث عنها ولو بإيجاز.

1) في هذا العصر الذي أصبحت الأمم تتسابق فيه نحو التقدم والسبق إلى الاختراع والاكتشاف، أصبح من الضروري لكل أمة أن تعود بالنظر من حين لآخر إلى ما وراءها لتنظر الخطوات التي خطتها حقيقة ولتملأ عينيها من رؤية ماضيها. وكلما كان ذلك الماضي حيا حافلا بجلائل الأعمال، كلما ارتفعت معنويتها ووجدت أسبابا قوية للثقة في نفسها والسير إلى الأمام برباطة جأش واطمئنان.

وبهذا المعنى، فالتاريخ يلعب دورا كبيرا بالنسبة للحياة القومية، إنه يحافظ للأمم على كيانها وشخصيتها وقد جربنا نحن ذلك في حياتنا القومية. فمن المعلوم أن الاستعمار حاول بشتى الوسائل أن يهضمنا في كيانه وينسينا هويتنا وشخصيتنا التي نعتز بها. لكنه كان يصادف مقاومة طبيعية لدى كل طبقات الشعب.
وعندما أقول طبيعية، فأني أقصد بذلك أنها لم تكن منظمة ولا مهيأة، وإنما هي مقاومة تلقائية نابعة من رد فعل أوحت به السجية الوطنية. وهذه المقاومة لها في الحقيقة جذور كامنة في اللاشعور الجماعي. فنحن أمة ذات تاريخ يرتفع في عراقته إلى العهد الذي ظهر فيه اليونان على مسرح التاريخ وفي هذه المدة الطويلة، كانت لنا حياة وطنية في بلادنا مرت من أطوار مختلفة. فعرفنا الحلو والمر وعرفنا الرقي والانحطاط. وبسبب التجارب التي مررنا منها كجماعة، تكونت بيننا وشائج وروابط وتأصلت فينا ثقافة قومية تعبر عن حقيقتنا. ومن كل هذا، تكون لدينا، مع مرور الأعوام، شعور بوجودنا وبشخصيتنا. ولم يعد من الممكن على كل قوة أجنبية مهما عظمت واستعملت من وسائل وأساليب أن تدمجنا في شخصية أخرى غريبة عنا.
وهنا تظهر لنا أهمية التاريخ في التربية الوطنية وتكوين المواطن الصالح، فالوطن ليس فقط بقعة جغرافية تشغل حيزا معلوما في الكرة الأرضية، ولكنه يمثل أيضا انطلاقة شعب وعمله وحركته وإرادته كما ترتسم على مر الزمان. وبما أننا شعب لا زال فتيا ولا زال يتحفز للنهوض الأكبر، فنحن أحوج ما نكون إلى دراسة التاريخ وإلى إدخاله بصورة كافية وفعالة في برامجنا التثقيفية. والعمل الذي ينتظرنا في هذا الباب كبير جدا. فإذا كان الشاب الفرنسي أو الإنجليزي أو الألماني، حينما يفتح عينيه على بلاده وعلى العالم ويصل إلى درجة الوعي والنضج، يجد أمامه تاريخ بلاده مدروسا بالجملة وبالتفصيل في كتب وضعها علماء مختصون كرسوا حياتهم لذلك، فإن الشاب المغربي، لسوء الحظ، لا يجد شيئا من ذلك. فتاريخ بلادنا لا زال مجهولا ولا زال لم يكتب. نعم هنالك كتب قديمة عديدة وأخرى حديثة. ولكنها كلها لا تفي بالمطلوبات. فالقديمة لا يمكن أن تصلح إلا كمراجع ومصادر، لأنها لا تتوفر على الشروط المطلوبة اليوم في الكتاب التاريخي. أما الحديثة، فهي، في الغالب، كتب مدرسية ألفت بسرعة لتملأ الفراغ الموجود في هذه المادة المهمة. ولكن التأليف الذي ننشد والذي ننتظر هو الذي يرضي المقتضيات العلمية ويرضي في آن واحد هذا التعلق العاطفي الذي نشعر به إزاء بلادنا. ولعل هذه المهمة سيضطلع بها الجيل الصاعد بأحسن صورة وسيسد هذا الفراغ الذي نشعر به. فنحن نتألم عندما نجد الطفل والمراهق والشاب عندنا يستطيعون أن يتكلموا عن تاريخ أوربا بكل طلاقة ومعرفة واهتمام. فإذا تحولوا إلى الحديث عن تاريخ المغرب، تعثروا ولم يجدوا نفس السهولة والطلاقة في الكلام. وليس الذنب فيما أعتقد، ذنبهم، وإنما ذنب الظروف الخاصة التي مررنا بها في حياتنا الوطنية منذ جيلين كاملين، فجعلتنا نهمل الكتابة بالصورة الجدية في تاريخ بلادنا.
2) لكن لا ينبغي أن ينحصر اهتمامنا في تاريخ بلادنا وحده، بل يجب أن يشمل دراسة التاريخ، بصفة عامة، دراسة التاريخ كعلم قائم بذاته يحب لنفسه ويستخرج منه الإنسان الفطن العاقل قوانين التطور التي تحتم على المجتمع التنقل من حال إلى حال والمرور من حسن إلى أحسن ولا أجد هنا للتعبير عن هذه الفكرة خيرا من هذه الصفحة التي كتبها مؤرخنا العظيم إذ يقول:
"ومن الغلط الخفي في التاريخ الذهول عن تبدل الأحوال في الأمم والأجيال بتبدل الأعصار ومرور الأيام . وهو داء دوي شديد الخفاء إذ لا يقع إلا بعد أحقاب متطاولة، فلا يكاد يتفطن له إلا الأحاد من أهل الخليقة. وذلك أن أحوال العالم والأمم وعوائدهم ونحلهم لا تدوم على وثيرة واحدة ومنهاج مستقر. إنما هو اختلاف على الأيام والأزمنة وانتقال من حال إلى حال. وكما يكون ذلك في الأشخاص والأوقات والأمصار، فكذلك يقع في الآفاق والأقطار والأزمنة والدول، سنة الله التي قد خلت في عباده. وقد كانت في العالم أمم الفرس الأولى والسريانيون والنبط والتبابعة وبنو إسرائيل والقبط، وكانوا على أحوال خاصة بهم في دولهم وممالكهم وسياستهم وصنائعهم ولغاتهم واصطلاحاتهم وسائر مشاركاتهم مع أبناء جنسهم وأحوال اعتمارهم للعالم تشهد بها آثارهم، ثم جاء من بعدهم الفرس الثانية والروم والعرب، فتبدلت تلك الأحوال وانقلبت بها العوائد إلى ما يجانسها أو يشابهها وإلى ما يباينها أو يباعدها. ثم جاء الإسلام بدولة مضر، فانقلبت تلك الأحوال أجمع انقلابة أخرى، وصارت إلى ما أكثره متعارف لهذا العهد يأخذه الخلف عن السلف، ثم درست دولة العرب وأيامهم وذهبت الأسلاف الذين شيدوا عزهم ومهدوا ملكهم وصار الأمر في أيدي سواهم من العجم مثل الترك بالمشرق والبربر بالمغرب والفرنجة بالشمال. فذهبت بذهابهم أمم وانقلبت أحوال وعوائد نسي شأنها وأغفل أمرها".
ولا يمكن للإنسان، بعد الاستماع لمثل هذا الكلام إلا أن يصفق بكلتا يديه لابن خلدون، متمنيا أن يقتدي به مواطنوه في القرن العشرين، قرن الوثبات الكبرى في ميدان العلم واستكشاف المجهول.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here