islamaumaroc

العقلية القرآنية ومظاهرها الاجتماعية والفكرية في المغرب

  دعوة الحق

119 العدد


العقلية هي مركز الينابيع التي تتوفق في حياة الامم بتكوين مجتمعاتها فكريا واعتقاديا وسلوكيا ولكل واحد من هذه الثلاثة يكون زاوبة الهيكل القائم بوحدة المجتمع وتماسكه في سيره عبر التاريخ...
فالعقلية اذن نقطة البداية ومعين الحياة ومحرك الفرد والمجتمع نحو الاهداف المعينة والغايات المنشودة...واشتراك افراد الامة في العقلية حقيقة تظهر واضحة كالشمس وتختفي احيانا حتى يخيل الينا ان هناك تباين في العقلية بين فرد وفرد مع انهما ينتميان الى مجتمع واحد وامة واحدة والتعليل الصحيح لهذا التباين الفكري والاعتقادي او السلوكي يكمن في ان عقلية مجتمع او امة هي نقطة البداية وليست هي نقطة النهاية.
فالعقليات في المجتمع الانساني تاخذ مظاهر التصارع والتكامل فيما بينها وقد كان هذا التفاعل يتم ببطء وحذر طيلة قرون واجيال يوم كانت الامم والمجتمعات تعيش في شبه انعزالية من ناحية عقليتها الخاصة وكانت هذه العقلية الخاصة بها هي التي تطبع في الغالب سلوك الافراد واعتقادهم وتفكيرهم والامر بخلاف ذلك في العصر الحديث.
ولا حاجة تدعونا الى رفع سجوف التاريخ عن العقليات التي عرفتها البشرية وعن خصائصها ومميزاتها وتفاعلها منذ الماضي السحيق لاننا هنا بصدد عقلية خاصة طبعت مجتمعنا الاسلامي في المغرب بطابعها في فكره واعتقاده وسلوكه منذ ان اختار الاسلام دينا والقرءان كتابا.
وهذه العقلية التي نسميها اليوم العقلية تفجرت على اساس ان القرءان كان هو المعين الذي تفجرت منه ينابيعها ليست شيئا زائدا على المنهاج الاسلامي في تربية الفرد الصالح وتكوين المجتمع الصالح بالسير على الترتيب الدقيق والاخذ في سلم الحياة الخاصة والعامة بدرجاتها من البداية الى النهاية على اساس ان الانسان روح وجسم وان المجتمع وحدة تتكامل وتتكافل.
ونقطة البداية في العقلية القرءانية هي الاقتناع والايمان عن طريق استعمال الفكر الانساني في ذات الانسان ومحيطه والمنشا والمعاد وقد جاء في القرءان الكريم "ءانتم اشد خلقا ام السماء بناها رفع سمكها فسواها واغطش ليلها واخرج ضحاها والارض بعد ذلك دحاها اخرج منها ماءها ومرعاها والجبال ارساها متاعا لكم ولانعامكم".
فالبداية من هنا من ليمان الانسان انه ذرة في ملكوت الله وان الصورة التي يراها امامه في استوائها ونظامها واحكام صنعها ليست الا دليلا قاطعا على ان رواء المخلوقات خالقا قادرا حكيما خلق كل شيء وقدر كل شيء وعلم           
كل شيء ولا يقبل العقل الانساني السليم أي لون من الوان الهرطقات التي تحاول ان تنسب الى المصادفة الطبيعية ما خلق الخالق جل وعلا.
فالمصادقة الطبيعية من السلبيات التي لا يصح عقلا ان توجد من العدم هذه العوالم السابحة والجامدة والناطقة وما تشتمل عليه من نظام محكم دقيق رصدته البشرية منذ عرفت الحياة فلم تجد به خللا ولم تشاهد له تبديلا.
فاذا اخذ الانسان حظه من الاقتناع والايمان يكون بذلك قد خطا خطوة اولى في سبيل المنهاج الاسلامي وصعد درجة اولى في سلم العقلية القرءانية.
وهذه الدرجة تسلمه الى درجة ثانية وهي العقيدة والعقيدة الصحيحة الثابتة هي التي يصل اليها الانسان عن طريق التفكير السليم والنظر السديد.
ولهذا كان الخطاب الالهي في القرءان الكريم منهجا منذ بداية نزول الوحي الى ضرورة استعمال الفكر الانسانس السليم ليكون وسيلة الى الوصول به الى العقيدة التي تضيء ارجاء النفس وتبعث فيها حيوية الاقتناع وحرارة الايمان.
والنبي صلى الله عليه وسلم حينما كان يتلو على الناس ءايات السور المكية كان يدعوهم بها الى الاسلام فهي وحدها كانت الجذوة الاولى لتكوين عقيدة الاسلام وذلك لانها كانت تنادي باستعمال الفكر للوصول الى العقيدة وتلك ميزة القرءان المكي.
والعقيدة التي يكونها المنهاج الاسلامي ضروربة لبناء السلوك الانساني على قاعدة ثابتة يطمئن الفرد والمجتمع اليها فهي الرقيب العتيد وهي الحارس الامين عديم القيمة وبدونها يكون الانسان هباء في مهب الرياح مهما حاول ان يجعل لتفكيره وسلوكه قواعد من الشكليات.
وياتي السلوك في العقلية القرءانية والمنهاج الاسلامي غاية وهدفا وتاجا يتوج التفكير والعقيدة.
والسلوك الفردي والاجتماعي يعنب كل اعمال الانسان التي تدخل في نطاق التكاليف الشرعية بسائر اقسامها ولا شك ان هذه التكاليف ترتبط ارتباطا متينا بالعقيدة التي يكنها الانسان في فلبه ويومن بها في اعماق ضميره الديني.
فليست حركات جامدة ولا كلمات محفوظة ولا ضروبا من الانظمة تؤدي في مناسبات وطقوس ولكنها اولا وقبل كل شيء على اخلاص النية الذي يعطي لسلوك الانسان معنى العبادة والطاعة والامتثال لامر الله في سائر الاحوال.
وبهذا المنهاج الدقيق في بناء العبادات والمعاملات على اساس العقيدة يمكننا ان ندرك الحكمة الالهية في جعل السور المدنية من القرءان تهدف الى تقرير الاحكام الشرعية بسائر اقسامها بعد ان جعلت السور المكية تهدف الى بناء العقيدة على اسس صحيحة من النظر والتفكير.
وبهذا المنهاج الدقيق ايضا يكون المسلم المتشبع بروح العقلية القرءانية قد وقف من الحياة والكون والعقل موقف المطمئن الثابت على ارض مستقرة لا تميد به ولا تطوح به وراء سراب الضلال.
فالحياة لها وجهان وجه مادي نشاهده ونعيش فيه حدود الزمان والمكان ووجه اخر لا نشاهده الان ولكننا سنشاهده يوم ينتهي اجلنا في هذه الدنيا وياتي دورنا في الجزاء والعقاب.
والكون ليس قاصرا على هذه الاشياء التي تخضع لحواسنا وتقديرنا وحدسنا بل انه فوق كل ذلك وقد خلقه المولى جلت قدرته واحاط بها علما وتدبيرا.
والعقل اداة التفكير ووسيلة الفهم والتمييز ولكنه كسائر الادوات والوسائل تعمل في نطاقها المحدود فاذا خرجت عن نطاقها بان عجزها وظهر ضعفها.
واذا وصلنا بالعقلية القرءانية الى هذه الغاية وعرفنا انها صبت في نفوس المومنين بها هذه الطريقة في التفكير والعقيدة والسلوك فاننا نجد انفسنا امما مجتمع قرءاني اتخذ من كتاب الله المنذر الهادي في سائر اعماله واخلاقه وافكاره وعلاقاته ولهذا حرص على ان يكون القرءان اول شيء يتعلمه البنون والبنات من اول يوم يدخلون فيه الكتاب وقد جاء في خاتمة سورة الانعام.
"قل انني هداني ربي الى صراط مستقيم دينا قيما ملة ابراهيم حنيفا وما انا من المشركين قل ان صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك امرت وانا اول المسلمين.
قل اغير الله ابغي ربا وهو رب كل شيء ولا تكسب كل نفس الا عليها ولا تزر وزر اخرى ثم الى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون وهو الذي جعلكم خلائف الارض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما ءاتاكم ان ربك سريع العقاب وانه لغفور رحيم".
ولا شك ان الفرد في مجتمع قرءاني العقلية يجد نفسه محاطا بسياج من الحصانة فهو بالنسبة الى الناس في حصانة حرم الاسلام على الناس دمه وماله وعرضه وفيبته وهم بالنسبة اليه في حصانة لا ينالهم بمكروه في حضورهم ولا يقذفهم بسوء في غيبتهم وهكذا تنعكس العقلية القرءانية على مراة المجتمع المسلم فينال الجميع حظه منها.
والتكييف العملي للعقلية الاسلامية في تاريخ الوجود الاسلامي يظهر جليا في ان المسلمين ادركوا من اول يوم اشرق فيه نور الاسلام انهم يعملون ويفكرون ويجاهدون في سبيل اقامة
- دين له دولة
- ودلوة لها دين
فالدين يعطي الدولة منهاج الحق والعدل والاستقرار والتوازن بين المصالح المتداخلة والاهداف المتشابكة ويجنبها مزالق الانانية والاسراف والانحلال والظلم بسائر انواعه.
والدولة تحمي الشريعة وتعطي المجتمع الاسلامي امثلة حية من رجالها الذين اتضح في سلوكهم وخلقهم وحكمهم الاثر الفعال للعقلية القرءانية المومنة بالله والمدافعة عن الحق بالحق الحاملة لواء القيادة الصالحة لاسعاد مجتمع ينشد الخير والفضيلة في هذه الارض.
ولم تنفصم هذه الوحدة يوما ما في عقلية المسلمين لانها كيان وعقيدة وتجربة اثبتت صلاحيتها من اول يوم واثبت التاريخ ان ما سبق الاسلام من ديانات وفلسفات ومذاهب كان بعيدا كل البعد عن العمق الذي حققه الاسلام في حياة الفرد والجماعة لا من حيث الغايات فقط ولكن من حيث الوسائل ايضا.
وتفهم طبيعة التيارات التي تحاول بكل الوسائل ان تسلبها صلاحيتها وفعاليتها ومزاياها وكل واحد منا يدرك بالبداهة ان عصرنا هذا فتح المجال الواسع لصراع المبادئ والاراء والعقليات فصرنا نشاهد الاضاليل والترهات تحاول ان تحتل مكانه العقائد الصحيحة والحقائق الثابتة.
ولعلنا الان على بصيرة من مفهوم العقلية القرءانية التي كبعت المسلمين بطابعها فجعلوا القرءان محور اهتمامهم حفظا وتلاوة وتعبدا ودراسة ووعظا واستنباطا وفتوى وحكما.
ويدفعنا ذلك الى شيء اخر وهو البحث عن المظاهر الاجتماعية والفكرية لهذه العقلية في المغرب.
فالمجتمع المغربي مجتمع اسلامي والمظاهر الاجتماعية والفكرية للعقلية القرءانية فيه اصيلة عريقة الا ان ابرازها في ذفة وانسجام لا بد ان يتطلب تفكيرا شاملا في حياة المجتمع والفكر وما تعطيه هذه الحياة وضرائها وما يعطيه الفكر من تعبير وتصوير عن هذه العقلية القرءانية الاصيلة.
فالمظاهر الاجتماعية نجدها في المدن والقرى من خلال حياة الناس وتصرفاتهم واتصالاتهم وتعاملهم وتعاقدهم وافراحهم وماتمهم وما يعتادون من استحسان اشياء واستقباح اخرى وما يتوارثونه من تقاليد تكونت على ممر السنين وما يركنون اليه من اعراف محترمة معمول بها عند النزاع فيما لم يرد فيه نص شرعي قاطع.
والمظاهر الفكرية نجدها في التعليم ومعاهده وفي كل ما يتصل بالتعبير المكتوب او المسموع من نشيد او قصيد او مثل وما الى ذلك مما يعطيه الفكر تعبيرا او تصويرا لحالات وجدانية متعددة.
فالقرءان الكريم كتاب احتلت قدسيته شغاف قلوب المغاربة والمصحف الشريف لا يتجرا على حمله او لمه الا المطهرون امتثالا لامر الله "انه لقرءان كريم في كتاب مكنون لا يمسه الا المطهرون".
وفي كل منزل نجد المصحف الشريف اخذ مكانته من الاعلاق والنفائس تقبله المراة والرجل والفتى والفتاة ثم يجعل على الصدر والراس تيمنا
وتبركا وربما نجد في المنزل الواحد عدة مصاحف مطوعة ومخطوطة ايضا في عدة احجام وقد اخذت كلها او بعضها حظا كبيرا من جودة التسفير والزخرفة وتحت وسادة المريض والنفساء والطفل الصغير تجد المصحف الشريف اعتقادا من اولياء هؤلاء ان القران شفاء كما في الاية الكريمة "وتنزل من القران ما هو شفاء ورحمة للمومنين" .
واعتقادا منهم ايضا ان الارواح الخبيثة لا تحل مكانا يوجد به كتاب الله فهو حصن حصين من كل شيطان ما دام كتاب الله موجودا فيه والتسمية الشائة لكتاب الله هي :
- المصحف
- مصحف الله الكريم
- الستين حزبا
اما كلمة القرءان فتستعمل عند ماع التلاوة او السرد فيقولون لشخص يقرا القران :
- يتلو القران..اذا كان يرتل
- يسرد القرءان..اذا كان يستظهر
ونجد التعبير عن القرءان بكلام الله فعند الاستشهاد باية من القرءان او عند تنبيه المخاطب على الانصات يقولون :
- اسمع كلام الله..
والمجتمع القرءاني الذي يحفظ صغاره القرءان ويتلو كباره القرءان ويسمع افراده رجالا ونساء القرءان عند كل مسجد وعند كل صلاة لا شك انه يتخلق باخلاق قرءانية ويفكر بعقلية قرءانية ويفكر بعقلية قرءانية ويتكلم احيانا بكلمات قرءانية ويتعامل معاملة قرءانية.
فالزواج وهو الرباط الاجتماعي الاساسي في تكوين كل مجتمع بشري يتم تحت عنوان مسموع ومكتوب.
- على سنة الله ورسوله على الكتاب والسنة والمعاملة التجارية في السوق من بيع وشراء وما اليها تتم تحت عنوان مكتوب ومسموع.
- احل الله البيع وحرم الربا.
والمعاملة الاخوية التي يتعامل بها الاصدقاء والجيران والاقارب والاخوان والشركاء تكون تحت عنوان مسموع بينهم في كل هذه الحالات
- على هدى من الله .
ولا شك ن هذه شعارات قرءانية دخلت المجتمع في ظل العقلية القرءانية واخذت مكانتها من العقود والالتزامات وسارت مسرى العادات والاعراف جيلا بعد جيل والشعور الديني يغذيها وينميها وهي بطبيعة الحال تتاثر بقوة هذا الشعور وضعفه في الافراد والجماعات والمنهاج الاسلامي حينما فرض الشعائر الدينية المتكررة من صلاة وزكاة وصوم كان يهدف الى تربية الضمير الديني الذي يغذي العقلية ويعطيها طابع الاستقرار والاستمرار في الفرد والمجتمع.
فاذا انعدم المغذي والمربي جف معين العقلية وبذلك تنكمش وتتوارى وتاتي عقلية اخرى تزاحمها اولا ثم تنازعها ثانيا ثم تصرعها ثالثا وقد عهدنا من سنن الكون التي لا تتخلف ان العقل البشري يعمل باستمرار تحت شعاره المعهود لا فراغ.
فكما انه لا فراغ في الحياة فكذلك لا فراغ في العقل وقد اشتهر قول الحكماء "انما يعشعش الشيطان في الرؤوس الفارغة" واذا تعمقنا في دراسة المجتمع الغربي في المنازل والمساجد والاسواق والمدن والقرى باحثين دارسين نجد جذور العقلية القرءانية عريقة في الافراد والجماعات ولكنها خاضعة للعامل الديني الذي يدفعها نحو الفضيلة والخير والاستقامة فاذا فتر ذلك العامل فترت كما اشرنا الى ذلك انفا.
وفتور العامل الديني يكون لعدة اسباب ايجابية وسلبية فهناك العامل المادي في مقدمة الاسباب الايجابية وهناك عامل الجهالة في مقدمة الاسباب السلبية.
فالتيار المادي الذي يحجب عن الابصار والبصائر الوجه الاخر للحياة والكون ويربط الانسان الى عجلة انانيته الشخصية وشهواته الفردية ويوهمه انه يسير به نحو المستقبل السعيد في عالم سعيد تتدفق فيه كنوز المادة فتشبع الرغبات وترضي المطامح. 
هذا العامل الخطير الذي يجذب نحو الهاوية الاف الاغرار المخدوعين.
وعامل الجهالة ينحرف تدريجيا بالمفاهم الدينية فيجردها من نصاعتها ووضوحها وسموها وبذلك يفتح الطريق اما الاضاليل والخرافات التي تتراكم وتغطي كثافتها المعاني السامية للشعائر والاخلاق السامية.
ولهذا كانت المظاهر الاجتماعية للعقلية القرءانية شفافة الى اقصى حد تشف عما وراءها فكل خطا او فساد او جهل او انحراف عن الصراط المستقيم في العقلية يؤدي حتما الى الانعكاسات على صفحة الحياة الاجتماعية عند المراة والرجل والصغير والكبير فرديا واجتماعيا وخلقيا.
والامثلة الحية التي تصادفنا يوميا في مجتمعنا المغربي لا تزيدنا الا قتناعا بان وراء الانحراف الاجتماعي انحرافا اخر في العقلية وان هذا الثاني ناتج عن فتور او ضعف العامل الديني لاسباب منها الايجابي والسلبي.
والاداب الاجتماعية في المغرب تشتبك بالاداب والاخلاق الدينية الى درجة انه لا يمكن ان نفرق بينهما فبرور الابناء بالامهات والاباء في المعاملة والخطاب والمساكنة ورضا الامهات والاباء عن سلوك البنات والابناء يضقيان على البيت المغربي والاسرة حلة ناصعة من والرحمة والسعاد والتماسك الاجتماعي ويربطان افراد البيت الواحد والاسرة الواحدة برباط متين يحفظ الاسماء والالقاب العائلية لعدة اجيال بل ويحفظ استمرار الملكيات في الاصول والعقارات لعدة احقاب وطبقات.

والعلاقة بين الزوجين المبنية على المبدا القرءاني :
- امساك بمعروف او تسريح باحسان
مدرسة اجتماعية يشاهد فيها البنون والبنات اساس الحياة في المجتمع الاسلامي وينالون حظهم بالشعور والممارسة من هذا المبدا واذا طبق هذا المبدا بدقة فان جزءا هاما من اسباب الشقلء العائلي لا يعرف السبيل الى البيت والاسرة.
والحياة التي تذب في الاسواق والشوارع والاحياء والقرى والحقول تبدا بتحية الاسلام يتبادلها الانسان مع اخيه وجاره ورفيقه في الطريق وهذه التحية عنوان صفاء وسبيل مودة ودليل تماسك وتركها انحراف اجتماعي ناتج عن انحرافات اخرى تتصل في النهاية بالانحراف الاساسي عن الصراط المستقيم الذي خطته العقلية القرءانية للمسلمين.
والنسبة الشخصية والاسم الشخصي حقان يتمتع بهما القاصر والرشيد والمراة والرجل في سائر الظروف والاحوال ولا يحق شرعا ولا عرفا ان يفرض الزوج اسمه على الزوجة لتضاف اليه فلزوجته ان تتمتع باسمها الشخصي والعائلي سواء بقيت في عصمته او فارقها بموت او طلاق. فالاساس دائما ياتي من العقلية القرءانية أي من المنهاج الاسلامي في الاخلاق والعادات والعبادات واقامة الشعائر الدينية في مظهرها الاجتماعي بالمغرب من :
- صلاة الجماعة والجمعة
- صلاة العيدين
- سنة الاضحية
- عادات شهر الصيام في المساجد وغيرها
- وداع الحجاج واستقبالهم
- الاحتفال بالمولد الشريف
- صلاة الاستقساء
- الاسراء والمعراج
- العقيقة
- الاعذار
- الجنازة
مناسبة تظهر فيها عقلية المجتمع القرءاني بوضوح فرغم كل اعتبارات نجد ان المدلول العميق لهذه الشعائر يحيي في نفوس المغاربة معاني دينية قرءانية قبل كل شيء ويدفعهم تلقائيا الى جو يفيض بالحنين الى حياة الاشراق والطهر والقرب من الله عن طريق العبادة الصحيحة والشعائر المعروفة        
 - والانحلال الذي اخذ يدب خطره في بعض النفوس هما من السطحية والضحالة بالمكان الذي يعرفه المتعمقون في دراسة احوال المجتمع المغربي.
ولا شك ان هاتين الظاهرتين اعوجاج يقوم وانحراف يعالج لان في ذاتية العقلية القرءانية ما يدعو اهلها دائما والى الابد بقوله تعالى "ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي احسن".
ومن المظاهر الاجتماعية ننتقل الى المظاهر الفكرية للعقلية القرءانية في المغرب، وتبتدئ هذه المظاهر من المكتب القرءاني الذي يؤمه الصغار منذ الطفولة المبكرة. فهذا المكتب القرءاني يسمى في كل ناحية من نواحي المغرب باسم خاص :
- ففي مدينة فاس وما اليها يسمى "المسيد"
- وفي مراكش يسمى "الحضر"
- وفي نواح متعددة من الشمال والشرق يسمى "الجامع"
- وفي ناحية تافيلالت وبعض القبائل البربرية يسمى "خربش"
ويراس هذا المكتب القرءاني فقيه او طالب يعلم الصغار القراءة والكتابة ويحفظهم سور القرءان تدريجيا سورة تلو اخرى ولهذا التحفيظ وسائل معروفة تنتهي بحفظ التلميذ الستين حزبا ومعرفة رسمها وتجويد تلاوتها.
ولقيام هذا المكتب القرءاني بعمله هذا نجده في الغالب يتفسد من احباس خاصة به او تعممه وغيره من المكاتب في المدينة او القرية فان لم تكن هناك احباس كانت الشروط التي يلزم بها اهل القرية كفيلة بحياته وازدهاره واكرام فقيه المكتب والترفيه عن تلامذه هما من العرف الجاري في القرى والمدن قديما وحديثا.
وتلاميذ المكتب القرءاني اخيار اطهار في نظر الناس لانهم يحفظون كتاب الله ويتلونه صباح مساء فلهذا يلتجئ المضطرون الى رحمة الله من مريض ومنكوب ونفساء تعذرت ولادتها الى هؤلاء يحسنون اليهم والى فقيهم ليرفعوا اكفهم الطاهرة الى المولى جلت قدرته بالدعاء عساه سبحانه يرحم هؤلاء المضطرين ويكشف عنهم الضر والبلاء فهو وحده لا شريك له الذي يجيب المضطر اذا دعاه ويكشف السوء.
وحول المكتب القرءاني هالة اجتماعية واخرى عقلية وحول هذه الاخيرة نجد مجموعة من المظاهر الفكرية تنمو بنمو تلميذ المكتب وقد تنبه الى نموها ابن العربي المعافري وابن خلدون وابو الحسن القابسي وكل هؤلاء لهم ملاحظات على المكتب القرءاني بالخصوص في البيئة المغربية والاندلسية ولهم مقارنات واستنتاجات معروفة في الموضوع.
ومع ان المكتب القرءاني يتعدى احيانا نطاق تحفيظ القرءان وتجويده الى تعليم مبادئ العلوم حسب ظروف الزمان والمكان فان العمل الاساسي كان يبدو وضاحا مشرقا في تكوين عقلية الصغار وتهذيبهم بالاضافة الى الثروة اللغوية التي يحصلون عليها وهم يحفظون ابلغ كلام واعرفه في الافصاح والبيان.
وهذا يعني ان المظهر الفكري الذي يظهر به هؤلاء الصغار حينما يكبرون يكونون متاثرين الى اقصى حد بلغة القران واسلوبه وثقافته كما ان فضائل القرءان تسري في كيانه الباطني وضميرهم الديني وهذا شيء لا جدال فيه.
واذا علمنا ان ثقافة المكتب القرءاني كانت عامة في المغرب وان كل واحد ياخذ منها حظا لا باس به علمنا الدور الفكري الذي كان المكتب القرءاني يؤديه.
وثقافة المكتب القرءاني تسلم الى ثقافة المسجد او المعهد ويجب ان نلاحظ هنا ملاحظة تاريخية تدخل في هذا النطاق الفكري وهي ان الضرورة  التي دفعت اسلافنا الى فصل المكتب القرءاني المسيد الحضر خربيش عن المسجد المعد للعبادة ليظل هذا الاخير بعيدا عن اصوات الصغار وحركاتهم هي نفسها التي فرضت عليهم ان يؤسسوا مدارس التعليم المعروفة في ماضي المغرب ليجد فيها طلبة العلم كامل رغبتهم في التعليم والسكنى والمطالعة والكتابة في الليل والنهار والعلم يدرس في المسجد والمدرسة لكن دروس المسجد لها طابع خاص يفرضه احترام بيت الله الذي بنى للعبادة قبل كل شيء.     
والعبادات تقتضي السكوت والوقار وغض الاصوات.
والمظاهر الفكرية للعقلية القرءانية في تراثنا المغربي في الكتب الدينية والخلقية والادبية لا تخص موضوعا ولا جيلا ولا مدينة ولا قرية ولا دولة فقد كان القرءان محورا تدور حوله سائر الدراسات في التوحيد والفقه والتجويد والسيرة واللغة والادب.
واللغة التي تكون في الامة مراعاة عقليتها وحصيلة ثقافتها نجدها هنا في المغرب زاخرة بالاثار التي جاءت عن طريق العقلية القرءانية.
- فالوعد والوعيد يختم بعبارة "ان شاء الله"
- وكل شيء يبتدئ ب "اسم الله" وينتهي ب "الحمد لله"
- والرسائل تفتح ب "الحمد لله" وكذلك الخطيب
- والتعجب يقرن ب "سبحان الله"
- التعوذ يكون من "الشيطان الرجيم"
- وءاية الكرسي وطه وياسين وتبارك تدور على الالسنة عدة مرات وفي عدة مناسبات حتى ان بعض الايات القرءانية اصبحت لكثرة دورانها على الالسنة تجري مجرى الامثال.
واسماء الاشخاص نجد فيها اسماء الانبياء عليهم السلام يوسف ابراهيم اسماعيل موسى عيسى ادريس داود سليمان يعقوب صالح يحيى زكرياء بالاضافة الى اسم خاتمهم محمد عليه السلام.
اما الاعلام التي اضيفت فيها كلمة "عبد" الى اسم الله سبحانه وتعالى او صفة من صفاته فهي كثيرة جدا.
عبد الله عبد الرحمان عبد القادر عبد اللطيف عبد السلام عبد الوهاب عبد الكريم عبد الرحيم عبد الغفار عبد العزيز عبد المومن الخ.
وكل هذا انعكاس يترجم عما في ضمير الذين يختارون مثل هذه الاسماء لابنائهم فالعقلية اولا هي التي تدفع العادات والاعراف وتحرك الرغبات.
ولا شك ان العقلية تتاثر احيانا بعوامل اخرى اشرنا اليها سابقا والى جانب هذا نجد ان ظاهرة حفظ القرءان كلا او بعضا والاهتمام فكريا بكل ما يتعلق بالثقافة القرءانية امر اشتهر عن المغاربة وجاءت بالحديث عنه اخبار واقاصيص يتناقلها الناس في المغرب والمشرق فيقولون :
- نزل القرءان بلسان العرب
- والفرس فسروه
- والمصريون تلوه
- والمغاربة حفظوه
ويقولون عن معلم القرءن بالخصوص من علمك حرفا من القرءان فهو سيدك ومولاك الى يوم القيامة".
وهذه الاقوال لا نبحث عن سندها واصلها وانما نبحث عن دلالتها التي ترسب في اذهان الناس وعن العقلية التي اوحت بها.
وفي الفنون المغربية التي تستعمل عبقريتها في الزخرفة والتخريم والتلوين والنقش نجد ءايات القرءان الكريم بل وسوره الطوال والقصار تزين جدران المساجد والمدارس العلمية والاضرحة القديمة والحديثة في فاس ومراكش والرباط ومكناس وتطوان وغيرها.
والخطوط المغربية المتاثرة بالكوني والاندلسي والشرقي والفارسي والتركي تمد الفنون المغربية بمادة خصبة جميلة تتجلى في منجزاتها الفنية في كتابة المصاحف وترصيع المنابر والمحاريب والقباب بايات القرءان زاحاديث الرسول وقصائد المديح وما الى ذلك والمسالة هنا ليست فنية عديمة الصلة بالعقلية ولكنها استجابة لرغبة متاثرة بالعقلية ولا ريب.
والمظاهر الفكرية للعقلية القرءانية اذا كانت تبتدئ من المكتب وتستمر في المسجد او المدرسة فانها ليست وليدة حقبة ولا حصيلة عصر ولكنها عمل القرون المتتابعة التي رافقت وجودنا التاريخي المتسلسل وثقافتنا وحضارتنا.
واذا كان المعروف عن الثقافة انها تعني في الجملة كل وسائل التفكير وكل حصائل التعبير
واذا كان المعروف عن الحضارة انها تعني على العموم كل وسائل العيش الاجتماعي المادي منها والادبي فان العقلية القرءانية استوعبت كل ذلك وحركت طيلة تاريخنا الاسلامي وسائل الثقافة وعوامل الحضارة وصبغت كل ذلك بصبغتها المعهودة ولم يحدث تاريخيا ان انفصمت حضارتنا او ثقافتنا مجتمعين او متفرقين عن العقلية القرءانية.
ولم يحدث تاريخيا ان ضاقت العقلية القرءانية عن استيعاب عوامل ونتائج الحضارة الصحيحة فاليون شاسع بين درجات الثقافة والحضارة عبر العصور التاريخية الاسلامية في المغرب لكن العقلية القرءانية كانت هي المحرك الاول والمؤثر الاول ولها تاثير ملموس في كل تراث ثقافي او حضاري وصل الينا فالعقلية القرءانية بالنسبة الينا رسالة خالدة اعطت ثمارها في
- عقيدة سليمة
- واخلاق مستقيمة
- وكيان موحد ثابت
- وحضارة لا تبلى جدتها
- وثقافة لا تذوى زهرتها

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here