islamaumaroc

صمود الإسلام أمام التيارات والتطورات

  دعوة الحق

119 العدد

التلاعب والدس والعبث والكيد بعدما حافظ المسلمون على دعامتين اساسيتين هما قوام هذا الدين والصياصي التي يعتمد عليها اركانه تبعا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم "تركت فيكم امرين لن تضول ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة رسوله" ولم يكن صمود الاسلام في وجه التيارات الفاسدة والدعوات الباطلة والمعتقدات المزيفة يرجع الى الشكل الذي وقى التعاليم الاسلامية من الضياع وحماها من العبث والتلاعب فحسب ولكنه كان مستمدا من جوهر العقيدة الاسلامية وروح الدعوة المحمدية التي حاربت الطقوس الدينية وقاومت فكرة "الايكليروس" وقضت على وجود الوساطة بين العبد وربه وجاهرت بان الله احد فرد صمد لم يلد ولم يكن له كفؤا احد وان حامل هذه الرسالة انما هو رسول قد خلت من قبله الرسل وانه بشر مثلنا اوحى اليه بما اراد ان يوحي الى خلقه لا اقل ولا اكثر وهكذا وضع الاسلام حدا لفكرتي التثليت والبنوة اللتين كانتا وما تزالان تنخران هيكل الديانات السابقة واللتين يصعب على الفكر البشري والعقل الانساني قبولهما واللتين اصبحتا اليوم مرمى الضربات العنيفة الموجهة الى المسيحية وغيرها من طرف ابناء العالم اجمع بصفة عامة واتباعها وانصارها بصفة خاصة.
ان الدين الاسلامي يخاطب الفكر والشعور في ان واحد ويغذي العقل والوجدان في نفس الوقت وهو بهذه المثابة يحارب الخوارق ويقاوم الطقوس ويعتمد في طرق الاقناع على القواعد والفروض التي يتطلبها العقل المعاصر والفكر الحديث وهذا ما يفسر جانبا من صلاحيته لكل زمان ومكان وقد امتلا القران بالايات التي تدعو الى التفكير في الكون والتدبير في صنع العالم والتامل في المخلوقات يكفي ان نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر هذه الايات المحكمات "ان في خلق السماوات والارض  واختلاف الليل والنهار لايات لاولي الالباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والارض ربنا خلقت هذا باطلا سبحانك".
وان مخاطبة الفكر البشري بهذا الشكل جعلت من الاسلام في القرون الماضية والحالية قوة روحية متينة كفيلة بلم شتات بني الانسان حولها وحفظ الجنس البشري من التطاحن المؤديين الى الخراب والهلاك.
وذا كان الاسلام قد نجح في مقاومة الحملات التي وجهها ضده خصومه في الماضي بفضل سماحة مبادئه وسمو عقيدته ونبل تعاليمه ومطابقة اهدافه وغاياته للتطور الذي بلغه الفكر الانساني انذاك وتجلى هذا الصمود في ابتلاع الحضارات التي احتك بها وصهرها في قالب الحضارة الاسلامية ونبذ المعتقدات المستوردة التي اراد بعض ضعفاء الايمان ان يلصقوها به والقضاء على الانتهازيين والانتفاعيين الذين ارادوا الاحتماء بلوائه لتفويض اركانه من الداخل بعدما اعياهم امر لاطاحة بها من الخارج فان الاسلام يواجه اليوم خطرا عظيما يتمثل في هذه المذاهب الهدامة التي تجوب العالم شرقا وغربا شمالا وجنوبا لتجد مكانا تستقر فيه كما يتمثل في طغيان الماديات والابتكارات العلمية والايديولوجيا القوية التي تحاول ربط مصير الانسان بتطور المادة وجعل سلامة العقل البشري منوطة بالتقدم العلمي الذي اصبح بعض الملحدين يعتقدون انه الطريق الوحيدة للهيمنة على فكرة الوجود والخلق والسبيل الكفيل بالرد على التساؤلات التي يلقيها البشر لمعرفة حقيقية الكون والتوصل الى الاسرار المحيطة بخلقه وصنعه كان غزو الفضاء وتطواف الاقمار الاصطناعية حول الكرة الارضية ونزول بني الانسان في القمر والكواكب الاخرى يشكل النهاية الحتمية التي تصل بالنوع البشري الى الحقيقة التي اضناه البحث عنها منذ القدم والتي يمكن ان تضع حدا للترددات المخيفة والاسئلة المريبة التي تراود الفكر البشري منذ خلق الله هذا الكون واستحلف بني الانسان فيه.
ولو ان العلماء نظروا الى ما اخترعوه في الارض واعتبروا ما ال اليه هذه الاختراع من استخدام المادة لبني الانسان واستبعادها له بدلا من الوضع المعاكس الذي كان ينبغي ان ينتهي اليه هذا الاختراع وقدروا تسخير النوع البشري للتقنيات المستحدثة وادركوا ان التقدم العلمي والتقني فاق التطور الاجتماعي والفكري الى حد اصبح فيه الفكر البشري يخاف على مصير الانسانية اذا ما استمر هذا البون التاسع بين ازدهار الالة الذي يقفز قفزات مهولة الى الامام وبين الرقي الفكري والاجتماعي الذي لا يمكن ان يتمشى الا بخطى وليدة متلكئة اقول لو اخذ العلماء بهذه الاعتبارات الضرورية لعلموا انهم يفسدون الكون ولا يصلحون ويخربون الحضارة في الوقت الذي يظنون انهم يبنونها. ان المطلوب من الالة هي خدمة الفرد ومساعدته على تحقيق رفاهيته وهنائه ولكننا نلاحظ ان هذه الالة اصبحت تتعب الانسان لانها ترمي بمصالحه ادراج الرياح وتزج به في خضم صعاب مفتعلة وعراقيل مصطنعة كان الظن السائد ان الالة ستقضي عليها حتى تمكن الفرد من تحقيق نموه الفكري ورقيه الاجتماعي.
ولو فرضنا ان هذا التطور العملي والمادي تحقق دون احداث الهزات والرجالات التي خلفها في كل مكان الفكر العملي يعجز كيفما كان الحال عن ارضاء بني الانسان واعطائهم فكرة عن حالتهم يرتاحون اليها ويطمئنون بها ولكن المعضل في عصرنا الحاضر ان الميل الحالي عند الجانب مهم من الفكر العلمي يرمي الى قيادة البشر وسوقهم الى فكرة العدم الامحاء ولو اردنا ان نعرف بالشيطان في هذا العهد لاكدنا انه ينسجم في هؤلاء الافراد الذين يختلج في نفوسهم شعور قوي بتنقيص النوع البشري يؤدي بهم في بعض الحالات الى خرق اوضح القواعد في الفروع والمواد المهنية التي يتخصصون فيها.
واذا كانت اهم وظيفة يضطلع بها الدين في حياة الانسان الاجتماعية تتلخص كما قال العالم انشتاين في تحديد الاهداف الاساسية وتقدير القيم المثلى وتوطيدها في حياة الفرد فان هذه الاهداف وهذه القيم لا تتحقق عند بني الانسان الا في اطار الاسلام الذي يمكن الفرد من تحقيق وجوده وذاتيته في العقائد والعبادات كالشهادة والايمان بوحدانية الله والصلاة والحج اللذين يتصل اثناءهما العبد بربه دون وساطة ولا طقوس ولا رهبانية في تساو وتواضع والتزام بين المرء ونفسه كما يمكنه من تاكيد وضعه الاجتماعي في المعاملات مع نفسه واسرته ومجتمعه وبني جنسه وسائر المخلوقات العاقلة منها والجاهلة والناطقة والجامدة والمحيطة به في الارض وباقي الكواكب السيارة.
ومهما بلغ طغيان الماديات والتقنيات في العصر الحاضر فان الحقيقة الازلية ستظل رهنا يسمو الوجدان وتحليق الادراك الفردي في ملكوت الخليقة التي عرفت الوجود قبل الطبيعة وعروج القلب الى عالم الاسرار الروحانية الربانية.
ولن يدرك الفكر المعاصر روحانية عليا تضمن سالمته وتحفظ توازنه الا عن طريق الاشعاع الاسلامي والتجلي الالاهي الذي يخص الله به من يشاء من عباده وكيفما كان الامر فان تجربة المختبرات المجردة والعلوم الانسانية المللحدة ونشاط الشيوعية المطبق على تجهيزات التاريخ الاساسية وواقعيته التقنيين الذين تنهار اعمال تقديراتهم بمجرد ما يمسون جوهر الوجود لن تحقق للبشرية هذا الاطمئنان الروحي والانبعاث الذاتي الذي تهفو اليه قلوب ابنائها ويتطلع الى انواره وجدانهم لان ذلك متوقف على الدين الذي يجمع بين العقل والوجدان ويؤلف بين الفكر والروح في تناسق موقف وتوافق محكم يسمحان للفكر والعقل بالحركة والنشاط الى ان يبلغا الحدود التي يبتدئ منها حيز الروح والوجدان والتي يستحيل عليهما اجتيازها خوفا من الوقوع في الارتباك والاضطراب والشك والارتياب والعجز والقصور والتراجع والدبور.
اننا نعلم ان مدى الهجوم الخطير الذي يقوم به انصار المذاهب الجديدة والايديولوجيات الحديثة والتاثير الذي تلعبه التطورات المادية والتقنية في عقول الناس لا يقتصران على الدين الاسلامي وحده ولكننا نومن اشد الايمان ان العقيدة الاسلامية ستصمد في وجه هذه التيارات والتقلبات نظرا لما تتوفر عليه من مبادئ سامية ومثل عليا ستفرض ارادتها على دعاة الانهزام وادعياء التنكر الذين يتشبتون بكل جديد طرق سمعهم وابصارهم ويتمسكون باخر ما تقع عليه ايديهم متناسين ان الخلود والبقاء لا يكتبان الا للاشياء التي اظهرت عبر القرون والاجيال وبرهنت على انها صالحة بالدوام والاستمرار.
وخلاصة القول فقد تصدى الاسلام في تاريخه تيارات قوية وحضارات عريقة ومعتقدات كانت كامنة في نفوس اصحابها وقد واجهها بصدق عزيمه رجاله وتباتهم في حلبة الصراع العقائدي حتى كانت له الغلبة وتمكنت رسالته من الاستمرار وان الحملات التي يتعرض لها الاسلام في غضون هذا القرن اشد ضراوة وانكر وطاة من سابقاتها لانها جاءت في ظروف ضراوة وانكر بعقم  الفكر البشري اذا ما قيس هذا الفكر بالقفزات التي تقفزها الالة والمادة واذا مما قورن بالخطوات الجبارة التي يخطوها التقدم التقني ورغم تخوفنا من ضعف الفكر البشري وامكانية عجزه في الوقت الراهن على الاقل عن مواكبة التطورات الالية والاكتشافات القضائية والاختراعات العلمية التي تحمل في طياتها بذور فشلها في الميدان الاجتماعي نظرا لما تثيره من مخاوف في نفوس ابناء البشر وما تحدثه لهم من ازمة معنوية مقابل راحة يدوية وطمانينة جسيمة فاننا متاكدون من ان التفكير الانساني سيتكيف مع المدنية الالية في النهاية ويفرض عليها ارادته ليوجهها لخدمة مصالح البشرية وان الامل لمعقود في ان يهيء المسلمون انفسهم ويعدوا لهذه الحقبة المقبلة بما لديهم من حول وقوة حتى يشاركوا في وضع دعائم الحضارة الفكرية المرتقبة وحتى تكتسي هذه المشاركة صبغة ايجابية تتمثل في الاخذ والعطاء طبقا لسنن الكون وطبيعة الاشياء لا في الترقب والانتظار فقط كما كان شانهم في عصور الانحطاط وحتى الان. وبذلك يتلقف الاسلام مشعل التقدم والتطور ويسترد المكانة التي كان يحتلها منذ طهرت رسالته وانتشرت دعوته ويضطلع بالدور الجليل الذي جاء من اجله والذي يتلخص في هداية البشر وضمان سعادتهم في الدنيا والاخرة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here