islamaumaroc

القومية العربية أم الجامعة الإسلامية

  دعوة الحق

119 العدد

 اذا تواضعنا على ان نشرح القومية العربية بانها مجموع القوميات التي تجعل من الوطن العربي ترابا واحدا ومن الجنس العربي امة واحدة بقطع النظر عن الفروق الدينية ، فان القومية بهذا المعنى كانت موجودة لدى العرب منذ زمن طويل ، و قد تجسمت لوقت ما في عهد بني امية كما تجسمت فكرة الشعوبية في ذات الوقت لدى الطرف الاخر ، اما كمذهب مدروس مخطط فقد بدات القومية العربية تاخذ طريقها الى الوطن العربي قبل نهاية القرن الحالي يشجعها و يغذيها ساسة بريطانيا حتى تكون كرد فعل للنفوذ العثماني الذي انبسط على مجموع الدول العربية تقريبا خلال العصور الحديثة حتى الحرب العظمى التي غيرت بحق اوضاع السياسة العالمية راسا على عقب.
و بقطع النظر عن كل جدل يتعلق بالاصول الاجنماعية في الوطن العربي بما في ذلك افريقيا الشمالية ، فان مجموع الشعوب العربية ( لان العرب كافة يتكونون من شعوب ) تنتمي في معظمها الى ديانة واحدة هي الاسلام ، وهناك بالطبع ديانات اخرى كالمسيحية و اليهودية ، و اذا، فمجموع العرب تجمعهم وحدة جنسية ، الى جانب وحدة دينية ، او على الاقل الى جانب اغلبية دينية .
اما فكرة الجامعة الاسلامية فقد انبثقت اساسا بظهور الرسالة المحمدية التى تولى كبرها رجل عربي وشعب عربي موطنه شبه جزيرة العرب ، وكان يمكن ان يكون الرسول الذي جاء بالقران من ايران او من أي بلد اخر من العالم ، غير ان العالم كان يتشكل من فئتين احداهما متحضرة الى درجة ان النزاع العقائدي فيها كان ينبني على افكار فلسفية متضاربة كما في ايران نفسها او بعيدة جدا عن الحضارة كما عند بعض الشفوي البدائية في افريقيا ، و بين الفئتين مما يقف العرب و هم ارقى شعب  سام من حيث اللغة و نقاوة الاصل في الجاهلية لم تكن لديهم افكار فلسفية ، كما لم يكن لاغلبيتهم الساحقة ايمان بديانة سماوية ، و بما انهم يشكلون من حيث العدد اكبر مجموعة سامية ، و ان جميع الانبياء من الجنس السامي ، فقد اقتضت الحكمة الالهية ان يبعث اخر نبي من بينهم ، و لما كانوا على الفطرة و كانت لغتهم معاصرة من حيث التعبير و الفصاحة ، فقد كان لها شرف اتخاذها و سيلة لتبليغ الرسالة المحمدية في بلاد العرب ، ثم بين سائر المجموعات السامية و باقي دول العالم ، ومن ثم كان محمد عليه السلام رسول العرب و المسلمين على السواء ، لانه بعث في الاولين ، و نشر دينه في الاخرين ، بقطع النظر عن اجناسهم و اصولهم ، و لذلك كان محمد (ص) اول رئيس جامعة اسلامية في العالم ، و لكن هل نجحت فكرة القومية العربية قط ؟.
لو رجعنا الى التاريخ لامكن ان نجد اجوية مقنعة :
1 ) لا جدال في ان القومية لم تكن قبل الاسلام عقيدة مركزة اساسها الايمان بوجوب وحدة سياسية تجمع شمل العرب قاطبة ، و ان كانت هناك جهود محدودة المدى في الميدان العسكري مردها الى طموح شخصي لدى بعض ملوك العرب الاقدمين من حمير و الانباط و تدمر ، اما على الصعيد الشعبي فلا شيء ، مع ان العرب كانت لديهم اداة فعالة لتحقيق وحدتهم السياسية و هي اللغة الفصحى التي كان يعرفها سائر العرب الى جانب اللهجات المحلية ، و قد قيل ، و يمكن ان نقول في ميدان الوحدة اللغوية الشئ الكثير ، اما الفكرة العربية التي جاء بها بنو امية ،فهي تنبني اساسا لا على وجوب الايمان و العمل على تحقيق قومية عربية ، و لكن على ان العرب يجب ان يسودوا غيرهم و ان كل من ليس بعربي فشعوبي غير جدير بان يوضع في صف العرب ، و هذا هو بالضبط ، السبب الذي جعل القومية بهذا الاعتبار الاموي على الاقل ، لا تنجح بتاتا ، بل و تجد نفسها امام حرب شعواء شنتها على بني امية معطم الشعوب التي اعتنقت الاسلام ، وهي ليست عربية ، و لكن الفكرة الاموية على كل حال حال تحمل في طيها ايمانا غير مباشر بالقومية العربية .
2 ) ان بوادر الدفاع عن فكرة القومية العربية تجلت مرة اخرى بعد طغيان العناصر غير العربية في ميدان الحكم و الادارة يام العباسيين ، و لكن هذه البوادر كانت نتائجها سلبية لانه لم تتشكل احزاب تتبنى فكرة القومية العربية .
3 ) ان فكرة القومية العربية التي بدات بعد امتداد النفوذ البريطاني الى الشرق الاوسط نجحت حقيقة من حيث تخلص العرب من النفوذ العثماني و تخويلهم استقلالا ضعيفا ادى بهم الى محاربة النفوذ البريطاني و نظيره الفرنسي ... ثم نجحت فكرة الجامعة العربية فعلا ، في مساعدة عدة دول عربية على استرداد استقلالها بما في ذلك دول المغرب العربي و لكن لا يستغرب ابدا ان لا تنجح هذه الجامعة  في اقرار وحدة عربية تشمل مجموع الميادين الحساسة : الاقتصاد و السياسة و الدفاع ، و لنظف كذلك السياسة الخارجية ، وكان المفروض انه بعد استقلال هذه الدول التي لم تقو احدها على مقاومة دويلة كاسرائيل ، ان تخلق فكرة القومية على الصعيد السياسي قبل كل شيء ، لان العرب كشعوب يومنون جميعا بالوحدة العربية . و لكن ما لم تزك هذه الوحدة و تتبناها عمليا حكومات الدول العربية ، و بالتالي هيئة قوية تخلف الجامعة العربية ، فانه لا ينتظر نجاح لفكرة مجالها الكتب و النشرات و الخطب دون العمل الايجابي .
و لم فشلت فكرة القومية العربية في جمع شمل العرب ؟.

نستطيع ان نلخص الاجوبة فيما يلي :
اولا : لان العرب امة عاطفية روحية ، و لا يمكن ابدا ان ينجحوا في وحدة لا يكون الدين اساسها ، و الدين وحده يجد فيه العربي غذاءه الروحي كاملا ،و عندما يتجه القران باوامره و نصائحه فهو يتجه الى المسلمين و لا يهمه من امر العرب كجنس شيء لانهم قلة بالنسبة الى المجموعة الضخمة التي امنت بالكتاب و السنة المحمدية .
ثانيا : القومية العربية لا تستمد جذورها من التاريخ بالمعنى الصحيح الذي تسجله فكرة القومية العربية .
ثالثا : لا يوجد العرب وحدهم في الدول العربية ، فهناك مجموعات اخرى ترتبط بالعرب من قريب او بعيد و قد تخلفت عنهم من حيث وجهات النظر و حتى من بعيد الاتزان الفكري .
رابعا : لان العرب حتى مع وحدتهم الكاملة قد يبقون ضعافا من عدة وجوه اذ قيسوا بدول اخرى، فمجموعهم اقل من سكان الباكستان ، و قوتهم العسكرية جميعا تعادل قوة دولة عسكرية من اوربا الغربية ، و نفوذهم العالمي لا يؤثر نفوذ اضعف دولة اوربية قد تتدخل في بلد افريقي مثلا، ومرد هذا الضعف غلبة الاتجاه العاطفي الذي يجعل من العربي في كثير من الاحيان يسخر من كل ما لا يمت اليه بصلة ، ثم عجز العرب عن احكام وحدتهم السياسية و الاقتصادية بشكل يجعلهم قوة عالمية تؤثر في سير الاحداث العالمية و الاقتصاد الدولي .
وبالطبع ، لا يدل شيء من هذا على استحالة اقرار وحدة عربية فعالة ، و لكن دون ذلك كثير من قوة العزيمة و قابلية التنظيم و ترك التفكير العاطفي لمناسباته الخاصة و استبعاد روح السيطرة الفردية من نفوس قادة المجموعة العربية .
اما مبدا الجامعة الاسلامية  فيمثل العودة الى الروح التي جاء بها رسول الاسلام (ص) و هل نجحت فكرة الجامعة الاسلامية قط ؟
نعم ، لقد نجحت في ثلاثة ادوار عظيمة من التاريخ :
1 ) في عهد الرسول و الخلفاء الراشدين حيث انضمت عدة اقطار الى حظيرة الرسالة المحمدية .
2 ) في عهد العباسيين على طوله ، و ان كان هذا لا يعني ان الامويين قبلهم ، نبذوا كل فكرة اسلامية فقد اعادوا تنظيم الادارة على اسس اسلامية و فرضوا هيبة الاسلام في كل بلد حلوا به ، غير ان العباسيين ادخلوا في الادارة و اشركوا في العمل السياسي الرسمي عناصر من مختلف الاجناس كما لا يحتاج ذلك الى تفصيل في هذا المقام .
3 ) في عهد العثمانيين الذي امتد الى الحرب العظمى و ان كان عهدا انحط فيه العرب الى درجة مؤسفة من حيث النفوذ السياسي داخل بلادهم و مع ذلك فقد حقق العثمانيون بفضل سيادتهم على كل الدول الاسلامية تقريبا نفوذا عسكريا و سياسيا و اقتصاديا كان له اثره في سير احداث العالم نفسها.
و بالطبع فبعض الدول العربية لا تومن بفكرة الجامعة الاسلامية لانها:
1 ) تشكل من اغلبية مسلمة .
2 ) تجد من القوة في التازر و التعاضد ما لا تجده مجموعة صغيرة كالمجموعة العربية .
3 ) تستند على مبدا قديم جدا و اساسي في خلق الجامعة الاسلامية و ضمان استقرارها و فاعليتها لامد طويل على الاقل ، و هذا المبدا هو دين الاسلام الذي يجمع المسلمين على صعيد واحد ، مومنين باله واحد و مستقبلين نفس القبلة ، و مجتمعين على نفس الكتاب السماوي الذي لا يختلف مضمونه جيلا عن جيل و لا زمنا عن زمن كما حدث لكل الاديان الاخرى التي حرفت كتبها او جمعت بعد عهد طريل مر على الانبياء الذين جاءوا بها .
 ففكرة الوحدة عميقة في روح الديانة الاسلامية ، و هي التي استطاعت ان تجمع شمل عشرات الاقطار الاسلامية خلال فترات التاريخ المذكورة .
و لا ريب ان في تحقيق الوحدة الاسلامية صعوبات يحتج بها المعترضون :
1 ) ان المسلمين يتكونون من اجناس عديدة ، و لا معنى لخلق عنصرية دينية داخل كل بلد ، و هذه وجهة نظر معقولة .
2 ) ان الدول الاسلامية تبدا من المغرب الاقصى و تنتهي الى اندونيسيا كما تشكل المجموعات الاسلامية ، و لذلك يصعب اتفاق دول المجموعة العربية مثلا .
غير انه يمكن الرد على الاعتراض الاول بشان فكرة الجامعة الاسلامية لم تكن ويجب ان لا تكون قط ، لمحاربة أي دين ، و بهذا الصدد نقول ان خلافا دينيا قد ينشب في بلد اسلامي بين اهل ملتين ، اهون من خلاف ينشا في بلد عربي بين مجموعتين تنتميان الى دينين مختلفين : ففي الاول يبقى الوطن واحدا في معظم الاحيان ، و في الثاني ينشق الوطن على نفسه في معظم الاحيان .
اما الاعتراض الثاني فيجب ان يكون العربي منصفا ليحكم بان النضج السياسي و التفكير المنطقي لمعظم دول الجامعة الاسلامية ، كفيل بان يخلق التوازن في صف جامعة توجد بها اقلية من الدول التي ترتبط بالعاطفة طبعا و خلقا .
و لحسن الحظ  ، فان المغرب كدولة و شعب يومن بفكرة الوحدة الاسلامية ، و ان لم يتنكر قط للعروبة التي ناصرها و امن بها في الداخل و الخارج على السواء ، غير ان الاتزان الذي يمتاز به المغاربة ، و الروح الدينية التي سادت مظاهر حياتهم كلها منذ دخولهم في حظيرة الاسلام تجعلهم بحق اقرب الى الايمان بالجامعة الاسلامية منهم الى أي نوع اخر من الوحدة السياسية .
و مع ذلك ، فنحن جديرون ان نبحث عن نوع ثالث من الوحدة يخلق توازنا بين مجموعتين كلتاهما يمكن ان تلعب دورا مشتركا مع الطرف الاخر ، الا وهو وحدة عربية اسلامية معا : عربية تجمع الدول العربية طبق ميثاق جديد ، يخول مجموع الدول العربية جحق الدخول في ارتباط اسلامي لا يمس الملل المختلفة في شيء بل يحفظ لها حقوقها في مجموع الدول الاسلامية ، و اسلامية لانها باستقلالها العادي و منسقة جهودها العسكرية و الاقتصادية و الثقافية وروابطها الخارجية حتى تضمن احسن انتاج لشعوبها ، و اقوى مستوى عسكري مطلوب للدفاع عن حوزتها مجموعة و منفردة و انشط حركة فكرية تغزو العالم بتراها و نشاطها الفكري ، و يجب القول بان الاهواء الشخصية لا يمكن ان تسمح بخلق مثل هذا الترابط ، و لذلك لا غنى عن العودة الى الاصل طالما ان اتحاد خمسمائة مليون يشكل قوة ضخمة قد يكتب لها من النجاح ما لم يكتب لقوة تتالف من مائة مليون لم تستطع وحدة الدم قط ان تفرضهم على العالم خارج الجامعة الاسلامية.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here