islamaumaroc

الجامعة الإسلامية "إنما المومنون إخوة"

  دعوة الحق

119 العدد


اذا تناول الخلق المخلوقات ، تناولهم ذو درجات و تصورهم في مستويات ، و تباعدت بينهم الشقة لانهم مخلوقات ناقصة ، و هم مختلفون في هذه السمة التي هي الاطار الشامل الذي يحتضنهم ، و البساط الذي يجمعهم و يوحد بينهم . و بين مخلوق و مخلوق عدة ابعاد و فوارق ، و مهما ترامت هذه الابعاد و تراخت اطرافها فانها في النهاية الى وحدة ووفاق : و قد قرانا ـ و نحن اطفال ـ قول من قال :
اذا شوركت في امر بدون 
      قفلا يك منك في هذا نفور
ففي الحيوان يجتمع اضطرارا 
      ارسطاليس و الكلب العقور
و اذا تقاربت السمات ، و تعانقت المماثلات ، فلا بد ان تقرا (( تلك الرسل فضلنا بعضهم عى بعض)). و يبتدئ الاسلام و الايمان برجل ينطق لسانه و امن جنانه بلا اله الا الله محمد رسول الله ، حتى و لو كان ذلك مرة واحدة و لم يزد عليها قولا و لا عملا . فان زاد ذلك مرة واحدة و لم يزد عليها قولا و لا عملا . فان زاد ازداد ايمانه ، و لا يزال في ازدياد حتى ينتهي الى قلب سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم . و المومنون اخوة في الايمان بالنطق بالشهادتين ، فهم اخوة من درجة كنسبة الواحد الى المائة او المليون ، كما يجمع كلمة الدرهم  بين بالدرهم  الواحد و المليون درهم ، و لذلك كانت ظاهرة النسب في قربها و بعدها ملهمة لخلق الاعداد و المقادير و المميزات : و اخوة المومنين فيما بينهم من هذا القبيل : فهناك مسلم يساوي درهما واحدا ، و مسلم يساوي مليون درهم ، فهذا درهم، و ذاك مليون درهم ، و كلمة درهم تربط بينهما . كما ان هنالك رجل اعمال يلتقط حزمة البقل و رجل اعمال يخترع الكهرباء و الة الطباعة . فكل منهما كادح مناضل ، و انما فرق بينهما بعد همتهما : و القيمة لمن ارتفعت قيمة ثمرة عمله : فانا اكتب هذه الكلمات على نور الكهرباء و تضاء المدن بالكهرباء ، و ملايين البشر تعمل في الكهرباء ، فمخترعها يقدم خدمته للناس كافة في سائر الازمان التي تلت يوم الاختراع بهذا التعميم و هذا الشمول ، بحيث نحسب الكهرباء تكاد تقرب من الشمس في مزيتها و ثمراتها . اما البقل فكثير ، و هو هبة من الله للناس و الانعام بدون ما حاجة الى رجل من الناس . وما يشبه الكهرباء في ماديتها من الروحانيات الا الايمان في قلوب المومنين.
و اذا علمنا بقاعدة جوستاف لوبون حين يقرر ان الشعوب تقاس بخيرة رجالها ، و لا عبرة بعامة الناس فيها ، صح لنا القول بان اخواننا في بنو تهم لادم عليه السلام كلهم اخواننا ، و رغم ذلك فان لنا الحق في ان نحب و نفخر باخواننا الادميين النافعين غير الضارين ، اكثر مما نحب اخواننا غير النافعين ، و ان نحب اقل من ذلك اخواننا الضارين : فحبنا للنافعين غير الضارين فيه زهو و تعظيم ... و حبنا لاخواننا الذين لا يضرون و لا ينفعون حب سالب لا روح يحركه ... اما حبنا لاخواننا الضارين فحب اشفاق عليهم و تمنينا ان يهتدوا ، فان اشتد ضررهم حملنا حبنا لمن يتضررون على ان نكره و نعاقب المسيئين . و هذا  هو المقياس الذي يمكن ان يراعى في الاخوة الاسلامية ، فنما هي اخوة من باب الروابط الاصيلة التي لها اثار بعيدة في سلوكنا و في اوضاعنا ووضعيتنا ... ان ماسي مجتمعنا الجهل و الفقر و الضلالة ، و هذه ماسي موبقة و شر ما فيها انها ليست احكاما ضرورة لا بد منها ، فاننا نحن الذين اختاروها  و طبقوها على انفسهم سامدين لاهين ، و الا فلا نلم رجالا و نساء مقيمين في مزبلة عرايا الاجسام جياع البطون ، في حين ان في رسعهم ان ينظفوا مزابلهم ، و ان يعملوا على كسب القوت و اللباس . اما وهم كما قال مولانا الحسن الثاني نصره الله وهو في مكة المكرمة لرجال الصحافة : (( ان الرجل العربي يرى سلاح النضال عن يمينه ، و فاس الشغل عن يساره )) و هو يشكو من الظلم و الخصاصة ، وكان من حقه ان يتناول البندقية فيحمي بها عرينه ، و ياخذ الفاس فيخرج بها رزقه . ان اخوة كلهم متواكلون لمدعاة لحزن عميق ، حزن من يتضور جوعا و سلة الخبز معلقة فوق راسه فلا يكلف نفسه للبحث عن انزالها  من السقف بوجه او باخر ، و لو برميها بالحجارة حتى يسقط ، و لكنه ينتظر جاره البعيد ان ياتي بالسلم فياخذ السلة و يضعها بين يديه ، و ربما يمضغها له حتى لا يتكلف مضغها . و تتلخص مشكلة اخوة المسلمين في : انهم لو تعم بينهم فكرة الانسانية و قيمة الانسان ، و في انهم قنعوا من اعمالهم الدينية بالنطق بالشهادتين ، و انهم حرفوا فهمهم للقران ، فان الله سبحانه و تعالى يقول : (( نحن قسمنا بينهم معيشتهم )) تسلية للفقراء ، و دعوة الى التعفف عن التكفف ، و ليست دعوة الى ترك العمل . و كان من حقنا ان نتدبر قول الله تعالى في خطابه لمريم (( و هزي اليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا )) فالوسيلة التي كانت في امكان مريم ان تاكل منها على صورتها من وجع الولادة و الانفراد ، هي النخلة المثمرة ، و رغم كونها في حالة عجز و عدم قدرة فلتبذل اقصى ما تستطيعه و هو هز النخلة . بدليل انها في محرابها كان ياتيها رزقها ، حيق لا تاثير لكسبها ، اما وقد امكنها ان تاتي بسعي في طلب الرزق ، فلن يتركه و لو شكليا ، كحالة التيمم لفاقد الماء . فان فقد الماء و الصعيد سقط وجوب الصلاة ، و في حالة عدم وجود أي باب الرزق يسقط طلبه ، لمن لا يمكن السعي، قالا فانه مخاطب بقوله سبحانه (( فامشوا في مناكبها و كلوا من رزقه )) و يرفعان القران مرة اخرى الى رتبة الانسان فيقول (( و لقد كرمنا بني ادم و حملناهم في البر و البحر ورزقناهم من الطيبات )) فذكر الله سبحانه منته على الانسان بانه محمول في البر  و البحر ، ذكره بذلك يبحث عن الوسائل التي تمكنه من الحمل و السيطرة على البحر و البر ، مثل ما اتمن علينا برزقنا و هو المطر ، فعلينا ان نطلبه حتى نسيطر على الامطار و المياه ، ووعدنا الجبة لنطلبها من باب العمل الصالح ، و كلما سمعنا منة من مننه سبحانه فعلينا ان نكد في لحاقها في اعلى مستوياتها . و الخطاب هذه المرة للانسان ، ومنه من شعر بهذه المنة فمد يده ليسيطر على البحار لان الله حكم بان يحملنا عليها و فيها ، و في اعماقه المندرجة في حرف الظرف الذي هو حرف في ، ومن حقنا اذا شاهدنا ارقى شيء يدل على التسخير ان ناخذ به ، و لا نكتفي في الحمل في البحر ب ( غرابو ) في يحن ان بني ادم من غير اخواننا المسلمين يبنون الغواصات و حاملات الطائرات ، و ياخذون بمعنى الاية الى منتهاه ، و ياخذون فيها معنويا و عمليا ـ بالقياس ، فقاسوا على الحمل في البر و البحر و الحمل في الجو ايضا ، ملتفين الى ما امرنا الله بالالتفات اليه في قوله (( او لم يروا الى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن الا الله )) فاعتقدوا ان تسخير الجو للطير مبني على قواعد يجوز تطبيقها ليتمكن الانسان من الطيران . فقد حمله الله في البحر على مركب ، و يجوز ان يحمله في الجو على مركب مثل ما حمله في البحر على مركب . و قد نبهنا الله سبحانه الى السمو بالمعاني من تحت ستار الفاظها ، فقال (( و البلد الطيب يخرج نباته باذن ربه و الذي خبث لا يخرج الا نكدا )) فالارض الطيبة تخرج طيبا و الخبيثة تخرج خبيثا ، مع استواء نوع البذرة ، ثم يقول الله سبحانه (( الم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة اصلها قابت و فرعها في السماء توتي اكلها كل حين باذن ربها )) فكما ان الفصلة الدقيقة تتحول في الارض الطيبة الى شجرة فرعاء ، (( اصلها ثابت و فرعها في السماء توتي اكلها كل حين باذن ربها)) فكذلك كلمات القران اذا وجدت قلوبا مومنة حقيقية الايمان ، و اعية كل الوعي ، كاملة الثقة في الله متاكدة من ان الله سبحانه يجازي الانسان و يعامله على قدر همته ، و قديما قيل : ان الله يحب معالي الامور و يكره سفاسفها . و قد انزل الله سبحانه كتابه يرسم نقطة البدء و الانطلاق ، و يذكر الاشياء مقطعة  متفرقة ، ليفتح المسلمون اعينهم ، و ليتدبروا قول الله سبحانه (( ما فرطنا في الكتاب من شيء )) ففيه من كل شيء شيء و على الانسان المسلم ان يبحث عن بقية المدلولات و الدوال . و لعل المعلمين في المدارس الابتدائية و الاساتذة في الثانويات و الجامعات ، يتذكرون حضور التلاميذ و الطلبة امامهم ، وهم يختصرون الكلام اختصارا ، و يكتفون بالتلميحات ، تنبيها للطلبة على ان يتذكروا معلوماتهم ، و ان يستعملوا مواهب عقولهم لنتدرب على التصرف و البحث و دقة الملاحظة ، و حتى تلاميذ الفصول الاعدادية يضع لهم المعلم جداول بكلمات ناقصة ، و عبارات متوقفة على ما يكملها ، ثم يطالبهم بملء الفراغ بالتعبير المناسب ، و حينما امرنا الله بالطهارة قال : (( اذا قمتم الى الصلاة فاغسلوا وجوهكم و ايديكم الى المرافق و امسحوا برؤوسكم و ارجلكم الى الكعبين )) فلم يتعرض للمضمضة و الاستنشاق ، و لا لمسح الاذنين ، و لم يذر العدد ، كي يبقى محل للسنة في الايضاح و البيان ، و اتى بعبارة فامسحوا برؤوسكم و ارجلكم )) بكسر اللام من ارجلكم ، و حتى يتسنى لاصحاب الراي ان يتدبروا في سر هذه الكسرة هل هي للمجاورة او انها حكم يدل على ان الواجب في الرجل هو المسح حتى يتدرب الافكار على اعمال النظر في الكتاب و السنة ، فاذا تعلمت طرق التصرف استعملته في كل ما صح ان ينظر فيه عقلا اعتمادا على الاصول الشرعية . و قد فهم علماء الاسلام ذلك فذكروا القياس و الاجتهاد . ومن المعقول ان يتقيد المسلمون بالكتاب و السنة ، و مهما يكن من تقيدهم بالنصوص فان للفكر مجالات داخل هذه النصوص نفسها . و قد بالغ علماء الاسلام ـ رضي الله عنهم ـ في استنتاج الاحكام ، لكن الشؤون الدنيوية و الكونية لم تلق الا اهتماما قليلا ، و تحجرت العقول ، حتى لما رات الادميين الاخرين يتناولون شؤون الدنيا الكونية في ثقة و جدية ، اكتفوا بعرضها على الكتاب و السنة و بينوا انها توافقها و لا تخالفها ، ثم و قفوا عند ذلك ، و لم تجد فيهم الكلمة الطيبة ما تجعل اصلها ثابت في المصحف ، و فرعها يتطاول في سماء البحث و الاستكشاف . و رضوا بموقف المتفرج و لم يندمجوا في مجموع الحياة الانسانية بما تتطلبه من قوة . و اخذوا في شؤون العبادات و الاحكام و العقائد بعض الكتاب بقوة ، و تركوا ما يتعلق بالكونيات في حده الاصلي من كونه فصلة ذاوية محتاجة الى الارض الطيبة لتاتي اكلها كما اتته اشجار الباحثين الكادحين . فلم يكونو ممن امن ببعض الكتاب و كفر ببعض ، بل امنوا بكل ما انزل الله ، لكن بقي علينا ان نسلك في شؤون حياتنا و دنيانا نفس الطريقة التي سلكها علماء الاسلام في شؤون الاحكام و التعبدات ، حتى ليصح القول بان الايات الكونية ظلت نصوصا غير معبرة ، او معبرة غير مطبقة ، او مطبقة تطبيقا بدائيا غير مترعرع . على ان الامانة الانسانية التي حملناها في اعناقنا كاناس تفرض علينا ان نتصف بالانسان الفضولي ، و ان نتتبع  مسالك الانسان الواعي ، لنكون مسلمين و ادميين في ان واحد . و لكننا مسلمون فقط ، حتى اننا لا نقرا نصف القران المتعلق بالدنيا الا قراءة سطحية . و لهذا فاننا لم نف بالتزاماتنا ، فلو و فينا بعهد الله كاملا لاوفى الله لنا . و لهذا فلا حق لنا في اتهام ما قاله ربنا (( ان الله يدافع عن الذين امنوا )) لان ايماننا ليس بالايمان الكامل . و لم ننصر كتاب ، و لم نتله حق تلاوته أي بالكشف عن غامض معانيه المعبر بعضها بواقع الوجود و تقدم الحضارة ، و الا فان عناصر فكرة التقدم و النمو و الارتقاء موجودة في القران الكريم ، حتى انه احتمل من الافكار عند بعض الطوائف الاسلامية ما يعني ان يوجد في كل تقنين ، فضلا عن وجود التاويل  التي من شانها ان ترفع الانسان الى الدرجة التي يستحق بها ان يكون خليفة عن الله في الارض . و اذا كان لنا ان نستخدم قاموس علماء الاصول فيجوز لنا ان نربط بين اية (( ان الله يدافع عن الذين امنوا )) و اية (( ان تنصروا الله ينصركم و يتبث اقدامكم )) فنقول ان الاطلاق في اية (( ان الله يدافع )) مقيد بالقيد الذي في اية (( ان تنضروا الله ينصركم )) فلكي يدافع الله عنا بصفتنا مومنين علينا ان نكون مومنين ننصر الله بتطبيق شرائعه و الجو الحضاري الذي يحيط بهذه الشرائع على ان روح القران و استعماله المتكرر هو ربط المومنين بالذين يعملون الصالحات ، و ربط العمل الصالح بالايمان ، بينما ان بينهما تلازما دائما ، في حالة ما اذا كان القصد من العمل الصالح ثمراته المذكورة في القران و الحديق ، او اريد من الايمان طاقاته الهائلة في رفع مستوى الانسان الى صف الخليفة عن الله في الارض ، و اقرا ان شئت قول الله سبحانه (( ومن يسلم وجهه الى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى )) فالاسلام لله معناه دين الاسلام و الدخول في زمرة المومنين بالرسالة المحمدية ، و الاحسان معناه العمل الصالح و تطبيق الاوامر و النواهي الاسلامية . و لهذا فان الاسلام دين عقل و تجربة في ان واحد . ومن اتصف بشطر دون شطر كان سلبه بدون ايجاب و ايجابه بدون سلب . علة ان هنالك ما هو اشد من هذا ، فالايمان بالشريعة المحمدية و تطبيق التزامتها في النفس فقط ، لا يكفيان مجتمعين في التخلص من الخسارة و انما تنتفي الخسارة بخصال ثلاث : الايمان بالله ، و العمل الصالح ، و التواصي بالحق ( لتركيز الفكرة المومنة ) و التواصي بالصبر ( لجعل الفكرة ذات نتائج و فعالية و ذلك بالصبر على ما تتطلبه من مجهود ، و تكلفه من مشاق و اتعاب ) و اقرا قول الله سبحانه (( و العصر ان الانسان لفي خسر الا الذين امنوا و عملوا الصالحات و تواصوا بالحق و تواصوا بالصبر )) فسورة العصر من السور الانسانية بحسب النظرية القرانية ، فالبشرية كلها هالكة اما دينا و اما دنيا ، و انما ينجو من الهلاك العجل و العقاب الاجل في الدنيا و الاخرة صنف واحد من الناس هم (( الذين امنوا ، و عملوا الصالحات ، و تواصوا بالحق ، و تواصوا بالصبر )). فلكي يكون المنشار منشارا ، و يحق ان يسمى بهذا الاسم ، عليه ان تتوفر فيه صفات  المنشارية ، بحيث يكون من شانه ان يفلق الخشب ، و لكي يؤدي هذا المنشار و ظيفته عليه ان يستعمله النجار في معمله ، فينتج ـ في جملة ادوات النجارـ الابواب ، و النوافذ و الكراسي و المناضد ، و سائر الضروريات المصنوعة من الخشب ، و عليه ان تتبلور فيه تلك القابلية التي يشتمل عليها ، فان المنشار الجديد ، المعروض للبيع بعد مفارقته للمصنع الذي صنع فيه هو صالح لقطع الاشجار ، و فائدته ليست في مجرد كونه صالحا للقطع ، بل ثمرته و فائدته في ان يكون قاطعا بالفعل ، و اذا انكسر او فل الشغل بعض اسنانه فان ذلك منفضائله ، كفضيلة السيف المفلول ، و ظهور (( الجنرال ـ كورو ـ و الجنرال ـ ميان ـ استراى  ـ مقطوعي اليد ، في يوم العرض و الزينة ، افضل و اجمل من أي وسام يحمله أي قائد جلده غير مثقوب باثار العراك و النضال ، و فيه يقول ابطال الريف (( هو رجل لو ملا جلده زيتا لما قطرت منه قطرة )) . ومما مدح به الشاعر رجاله المغاور قوله :
و لا عيب فيهم غير ان سيوفهم 
      بهن فلول من قراع الكتائب
و قد جعل علماء البلاغة هذا من باب تاكيد المدح بما يشبه ـ في صيغته ـ الذم ، و سمى ابن عم الرسول صلى الله عليه و سلم جعفر بن ابي طالب رضي الله عنه سمى بذي الجناحين و الطيار، لان كلتا يديه ذهبتا في سبيل اعلاء كلمة الله و نشر تعاليم الاسلام ، و هذا رسول الله صلى الله عليه و سلم كان هو ايضا من جملة معطوبي الجهاد في سبيل الله ، فقد شج جبينه و كسرت رباعيته ، وذبل جسمه من جراء سم خيبر الذي دسته له اليهودية ، وكما كان المسلم الصحيح يتشرف جبينه بالدينار شاهدا على السجود ، كان جسده متاثرا بالجراح في سبيل الله ، وكان بيته مصابا بالتنكل لان بعض بنيه ماتوا في الجهاد ، وكان ماله مصابا بالنقصان و الانفاق في سبيل رفع المستوى الاقتصادي في العالم الاسلامي في جنب من جوانبه ، و في كل مظهر من مظاهر حياته اثر بارز يقرر انه الرجل المسلم او المراة المسلمة التي عاشت الاسلام ، و اصطبغت كل حياته و حياتها بتعاليم الاسلام كما جاء بها رسول الله سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم دينا و عملا و تواصيا و دهوة . و انما فرق بين الايمان و العمل و الدعوة هذه الفلسفة الغربية التي وجد فيها ضعاف المسلمين مفرا من تكاليف الاسلام ذات الجدوى و التمرة , و لو شعر امير المؤمنين المامون ابن الرشيد بام علوم الاقدمين سيف ذو حدين ، لكان صفد (( ارسططاليس )) المفكر العملاق قبل ان تلاقى بينه و بين الناشئة الاسلامية ، لكنه غفل ان يتامل هنات الفكر الاسططاسي ، حيث انه يضع كل شيء بين يدي العقل . و يجعل العلم مطلوبا للعلم . في حين ان الاستعمالات الاسلامية كلها تزاوج بكل شدة و قوة بين العلم و التجربة ، فتقارن دائما بين العلم و العمل ، و الايمان و صالح الأعمال ، و تنبرا من التفكير غير المطبق في تجربة  (( كبر مقتا عند الله ان تقولوا ما لا تفعلون )) . و على هذا الاساس كان علماء المسلمين و اوسعهم ثقافة اشدهم جهادا ، فان سيدنا عليا كرم الله وجهه كان اوسع المسلمين معرفة ، في نفس الوقت الذي كان فيهم من اكثر الناس هبادة ، و اشدهم زهدا في الدنيا ، و ابتعادا عن سفاسف مظاهر الحياة . وكان القراء ( حفظة القران ) وهم علماء الصحابة بالتنزيل ، لا يكتفون بان يقال لهم القراء و ان مهمتهم كانت تعليما و توجيها ، بل كانوا يفهمون بصفة تلقائية ان مهمتهم تهذيبية و تربوية ـ لا يفرقون بين التربية و التهذيب ـ و عدم التفرقة بينهما هو راي صاحب الجلالة مولانا الحسن الثاني نصره الله ، حسبما ورد ذلك في رسالته العلية بالله ، في شان تنظيم الكتاتيب القرانية ، و اسنادها الى وزارة التعليم الابتدائي ـ فلكي يكون معلما للقران ، عليه ان يعلم معه طريقه للتطبيق، و عليه ان يعلم كذلك تذوق المعاني القرانية على طريقة التجربة الحية ، كما يراها الوجوديون ، و لهذا استمر فيهم القتل في اليمامة و هم يقاتلون مسيلمة الكذاب ، الذي كان يحاول محاولة خطيرة في اقامة دولة التضليل و الانحراف ، و نشر مبادئ السفسطة ، التي ترى ان البلاغة في القول هي كل ما نتمتع بع المعرفة من وجود .
نقول ان هذا تحت عنوان (( الاخوة الاسلامية )) ، لاتبات ان مجرد التسمية لا تكفي في هذه الاخوة ، اما اننا اخوة في الاعتراف بوجود الله تبارك و تعالى ورسوله سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم فهذا لا شك فيه : فكل ناطق بالشهادتين قلبا و قالبا فانه اخونا . و اذن فنحن جمعية من سبعمائة مليون . و بيدنا قانوننا الاساسي و بعض اللوائح الداخلية : انما القانون الاساسي للمسلمين المرتبطين بفكرة الوحدة الاسلامية فانه القران الكريم ، و اما اللوائح المعبرة فهي الحديث و كلام علماء الاسلام ، و الامر في الجمعية اذا لم يظمر نشاطها في ميدان مبادئها ، و يرى المجتمع الانساني ثمرة مجهود هذه الامة القائم على اسس هذا القانون ، فانهال جماعة راكدة او كما يقول (( بعضهم )) نائمة .
هذا مع ان كل مجتمع اسلامي يتحير و يتاسف لهذه الانحرافات التي عليها المسلمون ، و كلنا يلوم الجماعات الاسلامية بفعل ذلك لنتملص من المسؤولية و نكذب على انفسنا و على الناس و نقول : لقد بلغنا و لكن لا حياة لمن تنادي ، و لو نظرنا نظرة جدية ، و تدبرنا في الهوان الذي لحقنا . و اننا ايلون الى الانقراض و الفناء ، شان العضو الذي يعمل و لا يتحرك و لا يستفاذ منه ـ فان الطبيعة مكلفة بالابقاء على الصالح و الاصلح  ـ اما ما ليس بصالح و لا اصلح ، و انما هو كتلة متحجرة يابسة فحياته عبث و بقاؤه اعلام و اماني و غرور . اما العلاج فسهل جدا ، بحيث لا يكلف كل مسلم الا اصلاح نفس واحدة ، فليس من حقه ان يطلب من المسلمين ان ينفذوا اوامره لانه خطب خطبة او كتب مقالا صحفيا ، او قال قصيدة شعرية تختر فيها على العالم الاسلامي . فان ابلغ قصيدة تدمي القلب قصيدة ابي البقاء الرندي ، و لكن الاندلس فاتت و القصيدة تقرا ، و الاجيال يحفظونها ، و لسنا ندري ؟ لماذا ان تاثيرها سيء ، يشجع على الخمول ، و يحمل على الياس ، اما تكليف كل انسان بانسان واحد لا عليه كامل السلطة فانه ميسور عملي . ذلك الانسان ليس هو ولدي و لا صديقي بل هو احسن من هذين : هذا الانسان هو (( انا )) فاذا اصلح كل واحد منا (( اناه )) استرحنا من القاء التبعة على السبعمائة مليون من بني ادم ، قربت الشقة منا فان هذه الملايين متباعدة الديار متشتة المصالح . اما (( انا )) فامري طوع يدي . فلو اردت اصلاح نفسي لما  كلفني ذلك شيئا . و كل واحد مثلي في استطاعته ان يصلح شان نفسه ، فاذا قررنا اصلاح حال هؤلاء الاخوة بطريقة ان ينظر كل واحد في حال نفسه ، فاننا نستطيع بهذه (( الانا )) ان نرفع من قيمة هؤلاء الاخوة و الاخوات جميعا .
امامنا القران ، و فيه اوامره و نواهيه التي نحتاج في اكثرها الى تفاسير و شروح . فاذا جردنا من نفسنا شرطة على شكل الشرطة الادارية ، و التزمنا احترام هذه الاوامر و النواهي احترام السلطة للاوامر الادارية ، و جعلنا منا عليها رقيبا ، امكن القول بان هذه الجمعية العالمية يقوم امرها على قواعد معمول بها ، و ان اعضاءها متماسكون بروابط متشابهة في مجتمع موحدة في وسائله و اهدافه ، و الا فانهم اخوة في البشرية ابوهم ادم و امهم حواء ، و ذلك تعددهم الذي اليه يرجعون ، اما (( النبي اولى بالمومنين من انفسهم و ازواجه امهاتهم )) فتلك اخوة قربى لها حقها بشروطها . و اذا كانت الاخوة الاسلامية الاولى مستوفية شروط المؤاخاة بانظمتها و سلوكها ووضعيتها وسائر ظروفها و ملابساتها ، فان اربعة عشر قرنا من الزمان احدتق نوعا من التصدع في هذا البناء الشامخ ، لان تشكيلها فقد الكثير من عناصرها الاساسية . ذلك لان العوامل التي قامت عليها الاخوة الاسلامية كانت راسخة قارة ، و يرجع بناء بعض اسسها الى الجاهلية ، و قد استفاذ الاسلام كثيرا من المجتمع العربي الجاهلي الذي كان يتمتع ككل مجتمع بشري بروابط محكمة و اواصر فطرية ثابتة ، و المثل العربي الذي يقول : (( انصر اخاك ظالما او مظلوما )) نص تاريخي يفيد الباحث في ان يعرف الطريقة التي عرف الاسلام كيف يحرر النظم الاجتماعية العربية التي عرف الاسلام كيف يحور النظم الاجتماعية العربية و يسبكها في قالب مستساغ بعد ان كانت لا تزيد عن تعبير  عن حياة بدائية ، و ذلك من عجائب و معجزات القران : فلقد كانت اوضاع الجاهلين الفوضوية ، و عدم وجود قوانين قابلة للتعديل بوجه من الوجوه ، و جاء الاسلام فكان هو تلك السلطة التي اخذت سلوك الجاهلين كمادة اولى ( خام) ومنها  استخلصت عناصر حضارية عندما سلكتها في بوتقة الشريعة الاسلامية .
 ومسالة الاخوة احدى ظاهرات هذا المجتمع المفتقر الى قلب يتولى تصفية دمائه الحارة المتشعبة في جسمه العليل . فالاخوة العربية في الجاهلية كانت تحمل من المعاني اكثر مما تتحمله هذه الكلمة في عصرنا الحاصر : لان اخوة العصر الحاضر لو تبق مسالة حياة او موت، و انما هي في اكثرها مسالة عواطف متاججة ، ادنى من مستواها في الابناء و الحفذة ، اما في الجاهلية فلكي يضمن الرجل نوعا ما بقاءه و حياته عليه ان يكون له اخوة يشعرون كلهم شعورا واحدا ، يتمثل في قول القائل :
اخاك اخاك ان من لا اخا له
      كساع الى الهيجا بدون سلاح
و كان العربي الانوف يشعر فيدفع الى التنازل عن بعض انانيته ، و التعاضي عن كثير من حقوقه ، لانه محتاج الى اخيه ليتحاميا و يصمن البقاء في معترك كله نضال و صراع ، و انظر الى قول القائل:
قومي هم قتلوا اميم اخي 
      فاذا رميت يصيبني سهمي
فهو يقرر ان لا فرق بين هلاك اخيه و هلاك نفسه و هو في هذا لو يقصد الى المبالغة بمقدار ما حكي الواقع الذي كان متحكما فيما قبل الرسالة المحمدية . فلما جاء الاسلام عرف كيف يستفيذ من هذا التفكير ، فابقى قطاع الاخوة كما كان ، و استبدل النظرة القبلية باستعمال طاقة تلك الحرارة في بناء الامة العربية بناء حضريا خرج بها من حياة الصحراء القاحلة وزج بها في غوطة دمشق و سواد العراق و حوض النيل ، و العرب امة هادية محبوبة حيثما حلت ، لانها تحمل القران الانساني المعمر العادل . و قد سبق لمصر ان احتلها (( الهكسوس )) الرعاة العرب ، و لكن ايامهم في حوض النيل كانت ايام انحطاط ، لكن العرب المسلمين ـ و هم مثل الهيكسوس في سلالتهم ـ استقبلهم العالم مفتوح الذراعين لان المسلمين قدموا لهم ضمانات الحرية ، و حق المساواة ، وحرمة الابدان و الدماء و الاعراض الا بحقها . و كانوا اخوة متعاونين في هذه العمليات التحضيرية بنفس القوة التي كانت للاخوة في الجاهلية ، الا ان اخوة الجاهلية كانت اخوة تدمير و انانية ، و اخوة الاسلام كانت اخوة بناء و نكران للذات .
اننا كمسلمين نشعر باخوة حارة فيما بيننا ، يشعر بها الصغير اكثر من الكبير و العامي اكثر من العالم ، و رجل الشارع اكثر من رجل الادارة : لان الطفل و العامي ورجل الشارع لا يسئلون عن دواعي الحب ، و انما هم يحبون ، و الحب لا يعلل ، ثم هم فيما وراء ذلك لا يفكرون  ـ امام هذا الحب الافلاطوني ـ فيما عسى ان تكون تمراث هذه الاخوة لكن الرجل الواعي ، و المفكر المتامل ، و رجل الادارة  يقيمون للتبذير وزنه ، فهذا الكنز من الامكانيات لا يصح ان يبقى كالكنز مدفونا تحت الارض ، بل علينا معشر الاخوة ان نجعل هذا الحب العذري  الفقير حبا سعيدا مترفا ، و في وسعنا ان نفعل ذلك لو اردنا ؟ فلم لم نفعل ذلك ؟ لعل احسن الاجوية و اقربها الى الصواب ان نقول : ان السبب يرجع الى فقدان الاطر الموجهة المدبرة . بدليل ان التكوين او بوادر التكوين في شبابنا الدارس بالعالم الحي المتحرك النشيط . كان مصدرا لبعض النهوض ، و اذا كان هذا هو المقياس الصحيح فان من الحق الاعتراف بان العالم الاسلامي لم يبق راكضا كما كان في صدر القرن العشرين ، بل انه خطا خطوات في سبيل الوعي و التوعية، و لكن بمقدار ما لنا من امكانيات في الاطر . و يمكن ان نقوم باحصاء عام شامل في سائر بقاع العالم الاسلامي ، ثم نوزع عليه ما لدينا من الامكانيات فيما يرجع للاطر ، ثم نقوم بنفس العملية فيما يرجع لاثار النهضة  ، فسوف نخرج بثمرة مؤكدة و هي ان القصية الكبرى انما في قضية اطر تقنية و ادارية . و لن نعجب بعد ذلك في هزيمة بنيه ، لان الصهاينة يملكون من الاطر اكثر من الحاجة . و القلة و الكثرة العددية قليلة الجدوى . و لنا شواهد من (( مثيلوجياتنا )) و فيها ان القبائل العربية الجاهلية كانت القبيلة منهم اذا نبغ فيها الشاعر اخذت القبائل تتقدم اليها بالتهاني ، لان القبيلة كسبت بالشاعر الواحد ما لم تستفده من كتائب المحاربين و على شدة انانية القبائل العربية فانها لم تكن ترى باسا في ان تتقدم لقبيلة تنافسها بتهانيها ، لان الشاعر  ـ و ان كان من قبيلة بطينها ـ فانه شاعر عربي على كل حال ، لابد ان بمجد عروبته و قوميته الى جنب ذكره لماثر قبيلته ، و هي ماثر عربية . وكما كان الشان في الشاعر كان الشان في البطل . وكانت عكاظ مباءة لتباهي  الشعراء الفرسان ، و استطاعت عكاظ ان تقدم اطارا من الفحصاء كان النواة للحياة الاسلامية اما الفروسية فتتمثل في قول القائل :
او كلما وردت عكاظ قبيلة 
      بعثوا الى عريفهم يتوسم
لان الابطال كانوا يمشون متنقبين ، حيث لا يحبون ان يعرف اعداؤهم شخصيتهم  ، و لكن شخصيتهم ، و لكن الخصوم كانوا يتخذون العرفاء يتعرفون الشخص من وراء النقاب ، و كان لكل قبيلة عريف ، لان القائل صدر القبيلة بلفظها التنكيري بالسور الكلي . واما الشعراء فكانوا سادة سوق عكاظ ، وكانت رياسة لجنة التحكيم لاكبر شاعر حضر الموسم ، فتكون اطار الفصحاء ، و اذا اراد الله امرا هيا اسبابه  : فانه لما نزل القران وجد الاطار الذي يفهمه قائما في كل قبيلة من قبائل العرب، و حيث كانت عكاظ في صمم القبائل القرشية كانت قاسما مشتركا اعظم من بين سائر القبائل العربية ، زيادة على انها لغة الحجيج و سدنة الكعبة . فعكاظ كونت الفصحاء ، فلما جاء القران و فهمه هؤلاء الفصحاء و استجابوا لحقائقه الاجتماعية و الاقتصادية و الفكرية كون القران منهم الاطر لقيادة الحياة في منطقة الشرق الاوسط ، و بهذا التكوين توصل العرب الى تقدير التراث الثقافي عبر الشعوب الاخرى ، فنقلوا في غير تحرج الحكمة الافريقية و الثقافية الفارسية ، و كثر عليهم العلم ان يهضمها حتى يسكبها في قالب اسلامي علمي و عملي في ان واحد .
لعل سائلا يسال عن الاطلاع الذي يشمل العالم الاسلامي ، فانه توعية على كل حال ، و مع ذلك فان الاخوان المسلمين لا يزالون يتلمسون المخرج . وعن هذا السؤال يصح الجواب بان مجرد الشعور لا يكفي لكي يسمى (( تجربة حية )) فان الذي يعرف ما هو وجع الاسنان من الدراسات التعليمية ، يستطيع ان يصف المه و اثاره ، و لكنه لا يستطيع ان يحسه كما يحسه اقوام باتوا ليالي طويلة ينقلبون على مثل الجمر من الالم الاليم . و حتى هذا الامتعاض من زحف الصهاينة على العالم العربي ليس الا مضايقة طفيفة بدليل تفاهة وجوه المقاومة في عالم قوامه سبعمائة مليون على اكثر تقدير ، و الصهاينة من جهتهم يريدون ان يغتنموا فرصة نوم هذا المارد الجبار ، مهما كلفهم ذلك من تكاليف و اتعاب ، لان يقضته و اعتماده على الاطر النفسية و التقنية و العددية سوف تجعل من (( اسرائيل )) حلما من الاحلام داعب الاجفن الصهيونية ثم تكشف عن حقيقة عربية اسلامية ، و هي ان ليهود العالم باسره ان يعيشوا في اية جهة من جهات العالم الاسلامي في حماية المسلمين ، و ان لليهود سائر الاعتبارات التاريخية و الاقتصادية التي تمتعوا بها في ظل الاسلام ـ و لو اشد اطواره تدهورا ـ و العالم  الواعي كله اما ايقن و اما انه سوف يوقن بان العالم الاسلامي هو غاية الغد ، لانه لا يحمل فكرة العدوان ، و لا يطمع في المزيد ، حيث انه توسع بصورة منقطعة النظير في غير بقاع الدنيا ، و بلغ عدد المنضمين تحت لوائه رقما قياسيا ، و هو لا يشتمل اصلا على فكرة تعميم الاسلام للعالم باكمله ، بل انه يعتد بالاديان الاخرى و لا سيما اليهودية و النصرانية . و كل مسلم يومن بان اليهود سوف يستمر وجودهم ما دامت الدنيا و الى يوم القيامة ، فان الله سبحانه و تعالى يقول : (( و اذ تاذن ربك ليبعثن عليهم الى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب )) و الضمير يعود على بني اسرائيل حيث اخذ الكلام عليهم  ـ فيما اخذه من القران ـ صدرا من سورة (( الاسراء )) ، و في هذه الايات امران بارزان : ان اليهود سوف يبقون مناورين الى يوم القيامة ، و ان مناوراتهم سوف تجلب عليهم  البلاء لان الذين يصابون ببلائهم سوف ينتفضون لكف اذاهم ، و سيومون اليهود سوء العذاب ليس لانهم يعتنقون دين اليهودية الذي يعترف الاسلام بانه دين قديم ، و لمن شاء ان يستمر عليه فلا يمنعه مانع ، بل لانهم يحملون الحقد للذين انعم الله عليهم من النصارى و المجوس و المسلمين .
ان الذس يحتاج اليه المسلمون انما هي الاطر المختصة في مرافق الحياة و التقنية ، و ان من دواعي التفاؤل ان العالم اجمع و العالم الاسلامي من جملته ، قد اقبل على التعليم في مستوياته الراقية ، و كلما كنز الوعي ، و انتشرت التقنية ازداد البشر معرفة بعضهم ببعض ، و سوف تعلم البشرية كلها ان الاسلام شكل العالم الاسلامي بصلاحية الخلود ، لما هو عليه صبر و احتمال و سلامة ضمير ، زيادة على ما يسعى اليه من اخذ باسباب المعرفة حتى يناكب و يواكب العالم المتحضر في ارفع مستوياته . و هذا هو النظام التهذيبي التربوي الذي وهبته السماء الى الارض ، وربط القران بين اجزاء العالم المتقاربة و المتباعدة ، و راعى مصالح المومنين بقلوبهم و مصالح المنافقين و المشركين و اهل الكتاب : ففي العالم الاسلامي ، تحت النظام القراني متسع للجميع ، تسوية كاملة بين الحقوق و الواجبات ، و حتى الشبان الذين كانوا قديما يسمون ظرفاء ، وهم اليوم يسمون تقدميين ( يعني ملاحدة) عليهم ان يفهموا ان عالمهم الذي يقيم لهم الوزن هو العالم الاسلامي ، الذي لا يحاسبهم لانهم لم يقيموا له الوزن ، لانه اعظم من ان يتخذ مبدا التنابر مبداه  الانساني : فالملحد   من اباء مسلمين سوف يلد ابناء مسلمين على غرار اجدادهم  و ان لم يكونوا من طراز ابائهم ، و هذا الوطن الاسلامي الكبير سوف يحافظ على هذه النبذة الجسدية ، جاعلا لهم الحق حيثما كانوا و حينما يريدون في ان يكون لهم شرف النسب الروحي ايضا . و عليهم ان يعلموا في اوطان غير الوطن الاسلامي ، سوف يظلون ملصقين غرباء ، فلهم افكارهم محتفظين بوطنيتهم و قوميتهم ، و الله غني  عنهم و عن عقائدهم ، لكن الوطن الاسلامي في حاجة الى مواهبهم ، فاذا كانوا مومنين بالدنيا دون الاخرة فان للدنيا واجبات تتقاضاها . و هي نفس الواجبات  ـ في اغلبها ـ بالنسبة للمومن  المواطن ، و نظن ان شبابنا  متفقون على العمل لصالح المواطن و الوطن : ففي هذه الدائرة نعمل لصالح البلاد ، فاذا صلح و تحسنت احواله السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية ، فان كل ابنائه سيكونون سعداء بقطع النظر عن ارائهم الخاصة . و انما نتحدث عن صلاح البلاد ، اما صلاح القلوب فامر بيد مقلب القلوب يقلبها كيف يشاء . و نشعر بنخوة و شموخ ـ نسبي ـ حينما نجذ مواطنا صالحا عاكفا على الصلاح العام ، دون ان نفكر في ميوله و اتجاهاته ، و لا نكتم اننا نود لو عرف جميع شبابنا مزية المبشرون و من على شاكلتهم في معاملة الاسلام لانه دين اولا ، و لانه اسلام ثانيا .
 و من الخطا الفادح الاعتقاد بان الصهاينة كلهم مومنون برسالة رسل بني اسرائيل ايمان المسلمين بها ، بل ان اكثرهم لا يومنون باليوم الاخر ، و لكنهم ازاء الاضطهاد النازي  ـ تاكدوا بل ازدادوا تاكدا من وجوب تظافر الجهود كيلا تتكرر ماساة هتلر . و لكن السوء عندهم اتى من غسلهم الدم بالدم ، فكان من المتوقع ان يكرهوا الاضطهاد لانه اساء اليهم ، و كان من المرجو ان يعترفوا للاسلام  بانه لم يضطهد دينا من الاديان ، و اكثر ما كان حد به على اليهود ، حتى ان الامة الاسلامية كانت تقبل اليهود المضطهدين في الاندلس بنفس الحرارة و العطف اللذين تقبل بهما  ـ مرحبة ـ المسلمين اللاجئين . لكن الصهيونية انكرت الجميل ـ و هذا شر عيوبها  ـ فجازت العرب و المسلمين جزاء سنمار ، و ها هي تضطهدهم و تذيقهم نكال التشريد و التقتيل  ـ بصورة هتلرية نازية . و لكن المسلمين سيظلون اوفياء لمبادئهم متمثلين قول الله سبحانه :  (( لا ينهاكم الله عن الذين لم ياتلوكم في الدين و لم يخرجوكم من دياركم ان تبروهم و تقسطوا اليهم ان الله يحب المقسطين ، انما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين و اخرجوكم من دياركم و ظاهروا على اخراجكم ان تولوهم و من يتولهم فاولئك هم الظالمون )).
كان الاسلام خيرا للبشر و لا يزال كذلك ، و لو عرفت جمعية الامم مساعي الانسان في سبيل البشرية لكان احتفالها بذكرى المولد المحمدي عيدا انسانيا رفع من قيمة الانسان و ساوى بين افراد بني ادم ، في مثالية رائعة ، لا تشوبها تحفظات ، و لا تفسدها احتياطات ، فالانسان اخو الانسان ، و التفاوت انما هو بالتقوى و السلوك القويم . سواء علم الناس ام لم يعلموا فان فضل الاسلام على البشر كفضل الشمس و الماء و الهواء ، نحيى هبا غير ان نشكرها ، و قلما نشكر حتى خالقها  و بارئها . هذا الدين الحنيف ، و هذا القران العظيم ، و الكتاب الكريم ، منة من الله على العالمين . امتنها علينا  بوساطة رسول الله صلى الله عليه و سلم  محمد بن عبد الله . فاذا كنا نحمل قلوبا بشرية ، كان من اللازم ان نعظم جو الاسلام بكل ما فيه من كتاب و سنة ، ورسول و صحابة ، و علماء و اشراف و قران و مساجد ، و بكل ما يتغنى و يشيد به ، و يرتل محاسنه و ينوه بفضائله ، و يذكر بمزاياه ، فالبدعة انما هي ما يؤدي الى تعظيم ما حقره الله ، و تحسين ما قبحه القران ، اما ما يشير من بعد او قرب الى تعظيم الله و امر بتعظيمه ، و ينوه برجاله و انصاره و ناشريه ، و يحمل على ما يقرب الى الله تعالى من وجوه التحبيذ ، فانه من صميم السنة في روحه و مراميه ، حتى و لو تنوع في اشكاله و الوانه . فانما نحن بشر اشبه بازماننا منا بابائنا . و الله يقول الحق و هو يهدي السبيل .

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here