islamaumaroc

السيرة النبوية والكهنة

  دعوة الحق

119 العدد

لا كهانة بعد النبوة :
هذه هي الحقيقة التي كان على المسلمين الاولين ، و على راسهم الرسول الاكرم ، محمد بن عبد الله صلى الله عليه و سلم ، ان يصدع بها ، ليظهر الحق و يزهق الباطل ، ليميز الناس الصادق الامين ، الذي لا ينطق عن الهوى من الزائف الذي يفتري على الله الكذب . و ضروي قبل التعرض لذلك من توضيح الكهانة و ما حام حولها قبل البعثة النبوية الشريفة و بعدها .
و لا بد قبل الشروع في كل ذلك من التعرف على كلمة الكهانة . و سيطول بنا البحث ان اردنا ان نعتر على تعريف شاف لهذه الكلمة في الكتب العربية المصنفة في العصور الاولى . لكن التاثير الهيليني في الفكر العربي جعل العرب يميلون الى التدقيق في الامور التي كانوا يمرون عليها مر الكرام و شرعوا يهتمون بتفريع العلوم و تصنيفها .
و عندي ان اول من تعرض لدراسة الكهانة هو المسعودي و تبعه في لك بن خلدون و القزويني و ابن سينا و الغزالي و ابن رشد وميمون القرطبي و توج كل ذلك العلامة حاجي خليفة .
 و اعتقد ان من اجاد تفريع علم الكهانة عند العرب هو حاجي خليفة ( 1 )جزاه الى ثلاثة اجزاء ثم قسم كل جزء الى فروع على الشكل التالي (2 ):

1 _ الفراسة : و قد فرعها الى :
أ ـ علم الشامات و الخلان
ب ـ علم الأسارير
ج ـ علم الاكتاف
د ـ علم عيافة الاثر
هـ ـ علم قيافة البشر
و ـ على الاهتداء في البراري و القفار
ز ـ علم الريافة
ح ـ علم استنباط المعادن
ط ـ علم نزول الغيث
ي ـ علم العرافة
ك ـ علم الاختلاج

2 – السحر : و قد فرعها الى :
أ ـ علم الكهانة
ب ـ علم النرنجيات
ج ـ علم الخواص
د ـ علم الرقى
ه ـ علم العزائم
و ـ علم الاستحضار
ز ـ علم الفلقطرات
ط ـ علم الخفاء
ي – علم الحيل السيانية
ك ـ علم كشف الدك
 ل ـ علم الشعبذة
م ـ علم تعلق القلب
 ن ـ علم الاستعانة بخواص الادوية

3 ـ الفلك : و هو يتفرع الى :
أ ـ علم الاختيارات
ب ـ علم الرمل ج ـ علم الفال
د ـ علم القرعة
هـ علم الطيرة
ويصعب مع ذلك ان نضع حدا فاصلا بين الاجزاء الثلاثة اعلاه لانها كلها من اصل واحد ما دامت جميعها تدعى انها تناسب الارواح البشرية مع الارواح المجردة .
و لهذا فقد وجد رسول الله صلى الله عليه و سلم صعةبة عظيمة في اقناع قومه انه ليس بكاهن. ز قد اخبرهم الحق سبحانه و تعالى انه رسول كريم ، و انه ليس بشاعر و لا كاهن قال لهم ( 3): (( انه لقول رسول كريم ، وما هو بقول شاعر قليلا ما تومنون و لا بقول كاهن قليلا ما تذكرون )) وكقوله (4 ) ايضا : (( انه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين ، مطاع تم امين ، و ما صاحبكم بمجنون ، و لقد راهب الافق المبين ، و ما هو على الغيب بضنين ، وما هو بقول شيطان رجيم )) .
و لقد اتهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، قبل اعتناقه الاسلام ، محمدا صلى الله عليه و سلم بانه كاهن و بانه شاعر .
اخبرنا ابن سعد ان النبي عليه الصلاة و السلام قال ذات يوم لخديجة ما مؤداه (5 ) : (( لا اكره شيئا اكثر من كرهي للاصنام و الكهان ، و لكني اخاف ان اكون كاهنا )) مما يدل على ان وظيفة الكاهن كانت غير معروفة المعالم بالضبط ، و لهذا لم يفتا الحق سبحانه و تعالى بذكر نبيه بذلك ، طالبا منه ان (( يثبت على تذكير الناس و موعظتهم و الا يتنبه عن ذلك قولهم بانه كاهن او مجنون (6 ) )) و يزيد صاحب الكشاف مبينا الفرق الموجود بين الكاهن و النبي و بين المجنون و الرسول فيقول  : (( لان الكاهن يحتاج في كهانته الى فطنة و دقة نظر ، و المجنون مغطى على عقله ، وما انت بحمد الله و انعامه عليك بصدق النبوة ورجاحة العقل احد هذين )) .
اقول ما فتئء سبحانه و تعالى يذكر نبيه قائلا له ( 7) : (( فذكر فما انت بنعمة ربك بكاهن و لا مجنون او يقولون شاعر نتربص به ريب المنون ، قل تربصوا فاني معكم من المتربصين ، ام تامرهم احلامهم بهذا ام هم قوم طاغون ، ام يقولون تقوله ، بل لا يومنون ، قلياتوا بحديث مثله ان كانوا صادقين )).
ما ابلغ هذه الايات لدحض اقوال المشركين الذين يتهمون الرسول بانه كاهن او مجنون ، و لقد اختار للرد عليهم كلمات حملت معان سامية يكفي تفسيرها توضيحا للامر .
فالحلم الذي يامر المشركين غير الرؤيا التي يراها رسول الله (ص) وهي مرتبة من مراتب الوحي السبع التي كانت لمحمد بن عبد الله و التي تحدثنا عنها عائشة ام المؤمنين رضي الله عنها . جاء في صحيح البخاري عن عائشة ام المؤمنين انها قالت : (( اول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه و سلم  من الوحي الرؤيا الصادقة فكان لا يرى رؤيا الا جاءت مثل فلق الصبح . هذا و ان لفظة الحلم الموجودة في سائر اللغات السامية  ( 8) لتدل على الرشد المادي و ان الاعضاء التناسلية بلغت اقصى نضجها (9 ) و ان الرؤيا الصالحة من الله و الحلم من الشيطان (10 ) عند الامام البخاري ، و ان كان اللغويون يرون ان اللفظتين مترادفتين ( 11)كما ذكر ذلك صاحب تاج العروس حين قال (12 ) : (( الحلم الرؤيا .. فهما مترادفتان و عليه مشى اكثر اهل اللغة و فرق بينهما الشارع فخص الرؤيا بالخير و وخص الحلم بضده )) .
وجدير بالذكر ان نشير هنا الى ان لفظة كاهن كلمة مشتركة بين اللهجات الكعانية و الارامية و العربية نظرا لان الالفاظ الدينية كانت تنتقل من لهجة الى اخرى داخل اللغات السامية دون تغيير كبير (13 ) و ان العرب قد تبنوا ، في رحلاتهم الكثيرة عددا لا يستهان به من الافاظ و الطقوس الدينية ( 14)و من بينها لفظة كاهن .
وكان هؤلاء الكهان قبل مبعثه صلى الله عليه و سلم يصولون و يجولون و يظلمون الناس ،لان الرئاسة كانت في ايديهم ((لصحة رايهم ))(15 ) و لا ادل على ذلك من شهادة ابن الحاتم السجستاني الذي يقول في زهير بن جناب الكلبي( 16) (( كان سيدا مطاعا شريفا في قومه ، و يقال كانت فيه عشر خصال لم يجتمعن في غيره من اهل زمانه : كان سيد قومه ، و خطيبهم و شاهرهم ، و اوفدهم الى الملوك ، و طبيبهم ، و الطب في ذلك الزمن شرف ، و حازى قومه ، و الحزاة الكهان ، وكان فارس قومه و له البيت و العدد منهم .
بل كانت هذه الرئاسة تنتقل من الاب الى الابن الذي يصير بطبيعة الحال كاهنا مثل ابائه و اجداده . و روى ابو الفرج الاصبهاني قال ( 17): (( كان كاهنا ( 18)... و لم يزل ذلك في ولده ، ومنهم الرباب بن البراء كان يتكهن ثم طلب خلاف الجاهلية ، فصار على دين المسيح .
و كان الكهان ، كما لا يخفى يعتمدون على اصنام متعددة لنصرة كلمتهم و اعلاء شانهم . يحدثنا الطبري فيقول : (( فكان جذيمة ( 19) تنبا و تكهن و اتخذ صنمين يقال لهما الضيزنان . قال و مكان الضيزانان بالحيرة معروف . وكان يسيسقي بها و يستنصر بهما على العدو )) .
قلت كان الكهان قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه و سلم يصولون و يجولون و يظلمون الناس لما اوتوا من قوة لصحة رايهم ، فلما ارسل الله نبيه بالهدى و دين الحق سكنت اصوات الكهنة و ابطل الله ترهاتهم و انكب من اخذ الله بيده منهم يحطم اصنامه ليعتنق دين الاسلام . كما فعل عمرو بن مرة الجهيني حين بلغه نبا ظهور اخر الانبياء صلوات الله و سلامه عليه . يحدثنا ابن سعد فيقول : (( قال عمرو بن مرة الجهيني كان لنا صنم و كنا نعظمه و كنت سادنه فلما سمعت بالنبي كسرته و خرجت اقدم المدينة على النبي فاسلمت . ))
و لا بد ان يبطل الله اعمالهم ، ومن بين اعمالهم التي لا يمكن قبولها عقلا و نقلا علمهم الغيب ، و اطلاعهم على اسرار الناس . قال زكريا بم محمد القزويني (20 ) : (( ونفوس اصحاب العرافة تستدل ببعض الحوادث على البعض بمناسبة بينها او بمشابهة خفية )) و معلوم ان العراف يعد كاهنا ايضا . ز الحجة على ذلك ما جاء في امهات اللغة العربية ومنها لسان العرب الذي جاء فيه ( 21) : (( و يقال للحازي عراف و للقتاقن عرافة لمعرفة كل منهم بعمله و العراف الكاهن )) و كما جاء ايضا في الصحاح قال صاحبه فيه ( 22) : (( و العراف الكاهن و الطبيب قال الشاعر :
فقلت لعراف اليمامة داوني 
         فانك ان ابراتني لطبيب
و لقد حاول الكهان من لف لفهم الصمود امام الدين الجديد بكل ما اوتوا من قوة.
و بما ان المعجزة الاولى التي اتى بها رسول الله صلى الله عليه و سلم هو هذا القران المبين . و بما ان اخبار و الكهان و اقاويلهم كانت في معظمها سجعا لاعتقادهم ان هذا النوع من الكلام يؤثر في الناس تاثيرا بليغا ، فقد اعتمدوه في تنبؤاتهم و اوامرهم و طقوسهم الى درجة ان رسول الله صلى الله عليه و سلم نهى عن سجع الكهان قائلا : (( ايكم و سجع الكهان (23 ) )) كسجع سطيح الموجود عند ابن هشام و الذي يقول فيه : (( و الشفق و الغسق و القلق )) و هذا شبيه بما جاء في القران الكريم ( 24). و كالسجع الذي رواه لنا الطبري و الذي فاه به مسيلمة في شان الحوار الذي وقع بين الذئب و الضفدع . قال مسيلمة (( الليل الاطحم و الذئب الادم و الجذع الازلم )) ثم قال في مكان اخر (( يا ضفدع ابنة ضفدع نقي ما تنقين اعلاك في الماء و اسفلك في الطين لا الشارب تمنعين و لا الماء تكدرين )).
و يرى العلامة السيد توفيق فهد ان اقدم تنبؤ مسجوع وصلنا هو تنبؤ عمرو بن لحي ( 26) الذي رواه ابن الكلبي و قد جاء فيه ( 25): (( عجل بالمسير و الظعن من تهامة بالسعد و السلامة قال : جير و لا اقامة . قال : ايت ضف جده تجد فيها اصناما معدة ، فاوردها تهامة و لا تهاب ، ثم ادع العرب الى عبادتها تجاب )).
و يظهر ان التنبؤ الذي تنبأت به الكاهنة في شان وفاة الزباء يعد هو ايضا من اقدم ما خلفه لنا التاريخ فيما يخص ترهات الكهان . جاء عند الطبري قوله (( أرى هلاكك بسبب غلام امين و هو عمرو ابن عدي و لن تموتي بيده و لكن حتفك بيدك و من قبله ما يكون ذلك )).

   (1) كشف الظنون الجزء الاول لبتداء من صفحة 34
   (2)جمع هذا التصنيف الاستاذ توفيق فهد في كتابه :la divination arabe : étude religieuses sociologique et folkloriques sur le milieu natif de l’islam .
وهو المرجع الرئيسي في هذا البحث و قد اعتمدته كثيرا لاشتماله على موضوعنا) برمته 
   (3)سورة الحاقة الايات : 40 - 43
   (4) سورة التكوير الايات : 16 - 24
   (5)ابن سعد ، كتاب الطبقات الجزء الاول صفحة 129
   (6) الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل للعلامة الزمحرشي الجزء الرابع  ص 35 طبعة مصرية 1354
   (7)سورة الطور الايات : 29 - 34
   (8)Oppenheim    صفحة 225 
   (9)توفيق فهد ((la divination arabe)) صفحة 270
   (10)البخاري عند تحدثه عن الخلق و عن الرؤيا 
   (11)و هذا يتفق  وما نلاحظه في سائر اللغات السامية ( لا في اللغة العربية فقط ) من كون مادة حلم تدل على ما تدل عليه مادة راى . انظر تفصيل ذلك عند توفيق فهد صفحة 271 من المرجع المذكور سابقا(12) .
   الزبيدي : تاج العروس الجزء الثامن صفحة 355 طبعة القاهرة 1286
   (13)Wollhaussen     في مؤلفه (( البقايا )) صفحة 141 من الطبعة الثانية
  (14)Noldeke  و توفيق فهد الاول صفحة 36 و الاثني 92 
  (15)كما يصف صاحب الاغاني ( الجزء الرابع صفحة 99 ) الكاهن زهير ابن جناب الكلبي
  (16)كتاب المعمرين الجزء الثاني صفحة 25 من طبعة   Goldzihe
  (17)الاغاني الجزء 15 صفحة 76
   المقصود هنا هو عمر بن الجعيد(18) .
  (19)اول ملك قضاعي 
  (20)عجائب المخلوقات و اثار البلاد صفحة 451
  (21)لسان العرب لابن منظور الجزء الحادي عشر صفحة 142
  (22)اسماعيل بن حماد الجوهري في الصحاح الجزء الرابع صفحة 1402 من المصرية 1956.
 (23) اقرا انني لا اعرف مدى صحة الحديث الموجود في تاج العروس صفحة 370 والذي علق عليه الازهري بقوله  : انما كره السجع في الكلام و الدعاء لمشاكلة كلام الكهنة و سجعهم فيما يتكهنون
 (24) سورة العصر الاية 1 و الطور الاية 2 و التين الاية 1 و غيرها كثير.
 (25)La divination arabe :étude religieuses sociologiques et folkloriques sur le milieu natif de l’islam .  صفحة 162
 (26)كتاب الاصنام طبعة القاهرة 1914 صفحة 33

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here