islamaumaroc

عملة الإسلام عملة صالحة.. وكفة الإسلام كفة راجحة..

  دعوة الحق

119 العدد

عندما تفضل أمير المؤمنين جلالة الحسن الثاني باختتام سلسلة أحاديث رمضان التي ترأسها بمجلسه الموقر، داخل ضريح أجداده المنعمين، سنة 1387 كانت المفاجأة عظيمة للخاصة والعامة من رعاياه المسلمين.

ذلك أن جلالته تناول في حديثه بالشرح والتفسير موضوعا طريفا كل الطرافة، مبتكرا كل الابتكار، هو موضوع الموازنة بين الإسلام وغيره من الأديان، وخاصة الأديان الكتابية الأخرى، على أساس المقارنة فيما بينها جميعا، وكانت المقارنة التي قام بها جلالته واضحة الطريق، مستقيمة المنهج، مطبوعة بطابع الابتكار والأصالة، قائمة على مقاييس وموازين جديدة، والهدف الوحيد منها هو عرض بعض النظريات "التي من شأنها أن تعزز جانب الدين في قلوبنا، وأن تثبت على صراطه المستقيم أقدامنا" على حد قول أمير المؤمنين، وقد أدت نتائج هذه المقارنة إلى إبراز ما لكفة الإسلام من رجحان، على بقية الأديان، ونقتصر فيما يلي على عرض ثلاثة وجوه من هذه المقارنة بإيجاز واختصار.

الوجه الأول من هذه المقارنة
إن استقراء قصص الأنبياء الواردة في الذكر الحكيم يدل على أن مسلكهم مع أقوامهم لا يخرج عن ثلاث حالات:

الحالة الأولى- أن تقتصر الدعوة على مجرد التبشير بالدين الحق بين المؤمنين، دون معاداة لمن لم يؤمن به، ولا مناواة له بالعيب والطعن في مقدساته وإن كانت باطلة. وقد كان هذا الموقف هو موقف يوسف عليه السلام مع أهل مصر عندما أخذ يدعوهم إلى ملة إبراهيم التي كان من أتباعها. وإلى دعوته الهادئة يشير قوله تعالى على لسان مؤمن آل فرعون "ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به، حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا" ويماثل هذا الموقف موقف نبينا محمد عليه الصلاة والسلام في بداية الدعوة الإسلامية قبل نزول قوله تعالى (فاصدع بما تومر، وأعرض عن المشركين).

الحالة الثانية- أن تأخذ الدعوة صبغة العتاب، والإنذار والعقاب، وتنتهي بدعاء الرسول على قومه، وبراءته منهم، بعدما يستنفد جمع وسائل الإقناع دون جدوى، رغما عن طول إقامته بينهم، وعدم انقطاعه عن دعوتهم، فلا ينجو من غضب الله الذي يحل بهم إلا الرسول ومن تبعه. فقد كان هذا الموقف هو موقف نوح، وهود، وصالح، وشعيب، ولوط، وموسى، من أقوامهم جميعا.

ومن لطائف الذكر الحكيم أنه قرن بين قصص هؤلاء الأنبياء مع أقوامهم جنبا لجنب في سورة الأعراف، وسورة هود، وسورة طه، وسورة الشعراء، لأنها كلها تلتقي حول نقطة واحدة، هي غضب الله وسخطه الذي يحل بساحة المعاندين والمكذبين والمنحرفين، كما هو الشأن في قوم نوح وعاد وثمود، وقوم لوط، وأصحاب مدين، وفرعون وقومه، وقد أغرق الله قوم نوح جميعا إذ لم يكن يرجى منهم خير.

الحالة الثالثة- أن تأخذ الدعوة طريقا وسطا بين الشدة واللين، والترغيب والترهيب، ورغما عما يقع بسببها من ابتلاء للرسول، وامتحان لأتباعه المؤمنين، فإن الرسول لا يستنجد ضد قومه بعذاب الله وغضبه، ولا يدعو عليهم بالهلاك والدمار، وإنما يدعو لهم بالهداية والمغفرة والرشاد، ولا ينقطع عن دعوتهم، ثم يترك للزمن أن يتم الباقي.

ومما يلاحظ أن كتاب الله لم يذكر عن قوم إبراهيم أنهم أهلكوا، كما ذكر ذلك عن غيرهم من الأقوام، وكل ما ذكره أن قومه ألقوه في النار، فجعلها الله عليه "بردا وسلاما": (بردا) حتى لا يحترق بها، و(سلاما) حتى لا يجمده زمهريرها، وأظهره الله عليهم بالحجة والقدرة، ثم تركهم ولم يقم بين أظهرهم بعد ذلك، فكان كالمجاهد الذي جاهد واكتفى بأن يهزم عدوه، بينما غيره من الأنبياء في "الحالة الثانية" كانوا كالمجاهد الذي جاهد ثم قتل عدوه.

أما نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فعندما ضاقت قريش بدعوته ذرعا، وضاق بمكرها ذرعا، فارق أم القرى مهاجرا إلى المدينة، واستمر في دعوته دون كلل ولا ملل، حتى أظهر الله دينه، ونصر رسوله، ودانت له قريش وجميع مشركي العرب، ثم دانت بدينه عشرات الأمم، تحقيقا لوعد الله إياه: (إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا، في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد- ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين أنهم لهم المنصورون، وأن جندنا لهم الغالبون).

الوجه الثاني من وجوه المقارنة  
عند تحليل المعجزات التي رافقت ظهور الأنبياء عليهم السلام يتبين أن من معجزاتهم ما له طابع مادي صرف يهدف إلى التأثير السريع والمباشر على نفسية الجماهير، حتى تبادر إلى الإيمان والإذعان دون إبطاء ولا تردد، وذلك مثل الآيات التسع التي آتاها الله موسى عليه السلام، فهزت كيان فرعون وقومه، ومثل آية إبراء المرضى وإحياء الموتى "بإذن الله" التي آتاها الله عيسى عليه السلام، فدفعت جماهير البؤساء والأرقاء والمحرومين إلى الإيمان به والتهافت على سماع مواعظه، والالتفاف من حوله، والتمرد على مناوئيه.

ومن المعجزات ما له طابع روحي، وإعجاز معنوي، كمعجزة الذكر الحكيم، التي جاء بها خاتم الأنبياء والمرسلين عليه أفضل السلام وأزكى التسليم، فقد جاءت معجزة روحية معنوية، بالإضافة إلى كونها ذات علاقة وثيقة بما كان للعرب من فصاحة لسان، وبلاغة بيان.

وكما تحدى القرآن الكريم بيانهم، وجاوز الحدود المتعارفة من بلاغتهم، حتى لم يستطيعوا أن يعارضوه رغما عن تحديه لهم طوال عهد الرسالة- ولا يزال تحديه قائما إلى الآن وحتى الآن- فإنه أعجز البشر أجمعين، بما تضمنه من حكمة بالغة، وتشريع عادل، ووصف كاشف لآيات الله في الآفاق والأنفس، ووصف منير للظواهر الكونية، والأمور الغيبية، والأحاسيس البشرية، مما جعله غضا طريا على مر العصور، ومحضا لم يشب على توالي الأيام، ومنهلا عذبا ترتوي منه البشرية جمعاء.

يضاف إلى ذلك وجود فارق جوهري بين معجزات الأنبياء السابقين، ومعجزة خاتم الأنبياء والمرسلين، إذ إن معجزاتهم انقرضت بانقراض عصورهم وفناء أجيالهم، بينما معجزة القرآن الخالدة يعم نفعها من حضر ومن غاب، ومن لا يزال في الأرحام والأصلاب، وهي مستمرة عبر القرون والأجيال إلى يوم الدين، وتحديها ماثل على الدوام أمام الناس أجمعين، فلفظه آية ونظمه آية وأمره ونهيه آية، ووعده ووعيده آية، وإخباره بالغيوب آية، وسلطانه على القلوب آية، وكما قال أمير المؤمنين الحسن الثاني "هو المعجزة الدائمة التي لا تستطيع أية لغة أن تعبر عن بلاغته ومعانيه وإعجازه بحال من الأحوال".

جاء في الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من نبي من الأنبياء إلا وقد أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة).

الوجه الثالث من وجوه المقارنة
عند تحليل رسالة موسى وتحليل رسالة عيسى عليهما السلام يتبين أن الطابع الغالب على رسالة موسى كان هو طابع الزجر والشدة إلى أقصى الحدود، وأن الطابع الغالب على رسالة عيسى كان هو طابع اللين والتسامح إلى أقصى الحدود، بينما رسالة محمد عليه السلام كان الطابع الغالب عليها هو طابع التربية والتهذيب. عن طريق الترغيب والترهيب، دون شدة مفرطة ولا لين مفرط "كنتم أمة وسطا".

وفي هذا السياق قال أمير المؤمنين حفظه الله: (إن رسالة موسى كانت رسالة زجر، رسالة نذير، لا رسالة بشير، وأن موسى كان في عراك دائم مع قومه، وكان لا يفتر عن الدعاء عليهم بالسوء، إذ لم ينل من جانبهم ما يسره في أي يوم من الأيام، ولم يصل معهم إلى نتيجة حاسمة، رغما عن كونه لم يترك وسيلة لتقويم اعوجاجهم إلا استعملها، ولا طريقا لإرشادهم إلا سلكها).

ويكفي الرجوع إلى كتاب الله لتبين هذه الحقيقة. يقول الله تعالى "وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم، فاقتلوا أنفسكم". ويقول الله تعالى "وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون". ويقول الله تعالى "وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة. قالوا أتتخذنا هزؤا. قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين". وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يرحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر).
وقد قام أمير المؤمنين بترجمة شخصية لبعض الفقرات من نص التوراة المتعارفة اليوم تؤكد هذا الاتجاه. فقد جاء فيها على لسان موسى: (إلى أي حين سيظل هذا الشعب يهزأ بي، ويسخر مني، وإلى أي وقت سيبقى غير مؤمن بي، رغم جميع النعم التي أسبغتها عليه. إنني سأسلط عليه الطاعون). وإلى هذا الطاعون الذي سلطه الله على بني إسرائيل يشير قوله تعالى "فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم، فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون".

ومما يشهد لكلام أمير المؤمنين في هذا الصدد ما يرويه المؤلفون اليهود أنفسهم فيما كتبوه عن تاريخهم الخاص، من أن موسى عليه السلام قد تنبأ بما سيصيبهم من غضب الله وسخطه، وما سينالهم من التشرد والتشتت في أطراف الأرض، جزاء مخالفتهم له وتمردهم عليهم فقد ذكروا أن شراح التلمود والمدراش في القرن الثالث الميلادي قد تناولوا بالتفسير والتعليق قطعة من "أنشودة" موسى هذا نص ترجمتها: (إنهم- أي اليهود- أثاروا نقمتي بمعصيتهم لله وأثاروا غضبي بعنادهم وكبرهم وسخافاتهم. وأنا بدوري سأثير نقمة الله عليهم ما داموا ليسوا شعبا، وسأحل عليهم غضب الله على يد أمة حمقاء). وإلى هذه القطعة استند أولئك الشراح في تبرير وتفسير كل ما أصاب اليهود من مطاردة وتشريد، تصديقا لنبوة موسى عليه السلام التي تنبأ بها في عهد مبكر. وهذا المعنى يتفق تمام الاتفاق مع كتاب الله إذ يقول: "وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءو بغضب من الله، ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيئين بغير الحق، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون".

وهكذا حقت على اليهود كلمة العذاب، وتعرضوا للنفي والتشريد منذ أكثر من سبعة وعشرين قرنا، وانتهى وجودهم السياسي الذي بدأ في عهد داوود بانتهاء حكم ابنه سليمان، فكان ظهورهم على المسرح قصير الأمد، وكانت خاتمته تهديم الهيكل للمرة الثانية على يد الرومان سنة 70 ميلادية. قال المؤرخ الإنجليزي الشهير هـ. ج. ولز في كتابه "معالم تاريخ الإنسانية": (لقد كانت المملكة العبرانية من بدايتها إلى نهايتها مجرد حدث صغير على هامش أحداث تاريخ مصر وآشور وفينيقيا، ذلك التاريخ الأكثر سعة وعظمة، وكانت حياة العبرانيين شبيهة بحياة رجل أصر على العيش وسط سوق صاخب، فكان مصيره أن تدهمه سيارات الجمهور وناقلات البضائع).

ثم بين أمير المؤمنين النمط الجديد الذي أخذ يبشر به عيسى عليه السلام فيما يتعلق بربوبية الله، وما سلكه في مواعظه من الدعوة بالخصوص إلى رب الرحمة، ورب التوبة، ورب المغفرة، مركزا دعوته على مظهر الجمال في الربوبية، بدلا من مظهر الجلال. إلا أن دعوته- بالنسبة للدعوة الإسلامية التي كانت خاتمة الدعوات والرسالات- أخذت طابعا خاصا من المبالغة والغلو: مبالغة وغلو في التسامح والعفو، ومبالغة وغلو في الزهد والانصراف عن الدنيا، مما يتجلى أولا في القول المروى عنه: (إذا ضربك أحد على خدك الأيمن فقدم له في الحين خدك الأيسر)، وثانيا في القول المروى عنه أيضا: (انظروا إلى الطير في السماء، فهي لا تبذر ولا تحصد، ولا تجمع الحب في البيادر والحقول، وإنما يطعمها ربكم الأعلى، فهل لستم أجل منها قدرا وأرفع شأنا).

وهكذا كانت دعوة عيسى، التي بشر بها أتباعه، غير صالحة لكل زمان ومكان، لأنها لا تنسجم مع الفطرة البشرية، ولا مع مقتضيات الحياة اليومية، بينما رسالة خاتم الأنبياء والمرسلين جاءت مطابقة للفطرة، مبنية على الحكمة، مطبوعة بطابع الاعتدال، متجهة إلى التربية والتهذيب، عن طريق الترغيب والترهيب، فكانت هي الحد الوسط، والشريعة المثلى، والمحجة البيضاء.

روى البخاري في صحيحه في (باب حديث زيد بن عمرو بن نفيل) (أن زيد بن عمرو بن نفيل خرج إلى الشام يسأل عن الدين ويتبعه قبل ظهور الإسلام. فلقي عالما من اليهود، فسأله عن دينهم وقال له: لعلي أن أدين دينكم، فأخبرني. فقال له العالم اليهودي: لا تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله. فقال له زيد: ما أفر إلا من غضب الله، ولا أحمل من غضب الله شيئا أبدا- أي لا أطيقه- وأنى أستطيعه؟ فهل تدلني على غيره. فقال له العالم اليهودي: ما أعلمه إلا أن يكون حنيفا. فقال له زيد: وما هو الحنيف؟ فقال له: هو دين إبراهيم، لم يكن يهوديا ولا نصرانيا، ولا يعبد إلا الله.

فخرج زيد فلقي عالما من النصارى، فذكر له مثل ما قاله للأول. فقال له العالم النصراني: لن تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من لعنة الله. فقال له زيد: ما أفر إلا من لعنة الله، ولا أحمل من لعنة الله ولا من غضبه شيئا أبدا، وأنى أستطيع؟ فهل تدلني على غيره. فقال له العالم النصراني: ما أعلمه إلا أن يكون حنيفا. فسأله زيد: وما الحنيف؟ فقال له: هو دين إبراهيم، لم يكن يهوديا ولا نصرانيا، ولا يعبد إلا الله.
فلما رأى زيد قولهم في إبراهيم عليه السلام خرج، فلما برز رفع يديه فقال: اللهم اشهد أني على دين إبراهيم).

وبعد التحليل القيم الذي قام به أمير المؤمنين للطابع الغالب على رسالة موسى ورسالة عيسى عليهما السلام، زاد الموضوع تفصيلا وتحليلا بالحديث عن طابع الرسالة المحمدية الذي هو طابع رحمة وتهذيب وحدب، وكان من أقوى الحجج التي استدل بها أمير المؤمنين، قوله تعالى في كتابه المبين، مخاطبا عباده المؤمنين: "ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات، وبشر الصابرين".. الآية. فهذه الآية الكريمة بمنطوقها ومفهومها تعرب عن لطف الله بالأمة المحمدية، وتنص على أن ابتلاء الله لها إنما يكون بشيء قليل من الخوف، أو من الجوع، أو بالنقص في الأموال، أو بالنقص في الأنفس، أو بالنقص في الثمرات، نقص عن طريق الخسارة أو الموت، الجائحة، وحتى على فرض أن الله أراد أن يبتلي عباده المؤمنين بهذه المحن مجتمعة، فإنه سبحانه وتعالى- تفضلا منه وكرما- لن يجعل ابتلاءهم بها إلا مؤقتا، ولأمد محدود، ريتما يعتبرون ويتعظون، ويعودون إلى رشدهم وإلى ربهم، تائبين منيبين.

وهذا المعنى الدقيق الذي اختاره أمير المؤمنين لتفسير هذه الآية الكريمة تؤيده عدة شواهد من أقوال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأفعاله:

- روينا في صحيح البخاري عن جابر بن عبد الله قال: لما نزلت هذه الآية " قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم" قال النبي صلى الله عليه وسلم: أعوذ بوجهك- مستعيذا بالله، قال تعالى: "أو من تحت أرجلكم" فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أعوذ بوجهك- مستعيذا بالله مرة أخرى، فقال تعالى: "أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض" فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هذا أيسر.

- وروينا في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (سألت ربي ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني عن واحدة. سألت ربي أن لا يسلط عليهم عدوا من غيرهم فيجتاحهم، فأعطانيها. وسألته أن لا يهلكهم بسنة عامة، فأعطانيها. وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم، فمنعنيها).

وبفضل هذه البشرى النبوية كان من خصائص هذه الأمة المحمدية أن الله تعالى حماها من أن يعذبها بعذاب عام، لا بعذاب عام يأتيها من قبل السماء، ولا بعذاب عام يسلط عليها من الأرض، وحفظها من أن يسلط عليها عدو يجتاحها كما سلطه على بني إسرائيل المرة تلو المرة عبر القرون والأجيال.
ولعل من المفيد في هذا المقام توضيح معنى (البأس) الذي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه أن لا يجعله بين المسلمين، فلم يجب إلى طلبه، فقد ذكر المحققون من حكماء العلماء أنه يصدق على نوعين:

- النوع الأول- الفتن التي تجري على المسلمين، فتحول بين قلوبهم وبين معرفة الحق والعمل به، وتؤدي إلى إذاية بعضهم بعضا بالقول أو الفعل.

- والنوع الثاني- الاعتداءات التي تقع من أهل الباطل على أهل الحق، والمحن التي يتسببون لهم فيها، مما يكفر الله به السيئات، ويرفع بالصبر عليه الدرجات.

والمتعدي من المسلمين على غيره من إخوانه إما أن يتوب الله عليه، كما تاب على إخوة يوسف وآثره عليهم بصبره وتقواه، وإما أن لا يتوب فيكون إلى الله إيابه، وعليه حسابه، ويكون على بقية المسلمين أن يأمروه بالمعروف وينهوه عن المنكر، ويقدموا إليه النصح الخالص، حتى يفيء إلى أمر الله، ومن أجل ذلك أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته بتلك الوصية الخالدة التي يقول فيها عليه السلام فيما رواه البخاري عن ابن عمر: (انظروا لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض).

وفي نطاق المقارنة الموضوعية والتحليل المنهجي اللذين قام بهما أمير المؤمنين لتبيين فضل الإسلام على بقية الأديان، أشار جلالته إلى حديث صحيح ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه البخاري في (باب خاتم النبيئين صلى الله عليه وسلم)، وقد رواه بصيغتين:

- الصيغة الأولى- عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
(مثلي ومثل الأنبياء كرجل بنى دارا، فأكملها وأحسنها، إلا موضع لبنة، فجعل الناس يدخلونها ويتعجبون ويقولون: لولا موضع اللبنة).

- الصيغة الثانية- عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
(إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله، إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيئين).

وعند تحليل أمير المؤمنين لمعنى هذا الحديث بين جلالته أن "اللبنة" المشار إليها فيه ترمز إلى أن الرسالة الإسلامية هي بيت القصيد، وواسطة العقد، ومسك الختام، بالنسبة للرسالات الإلهية جمعاء، ونبه أمير المؤمنين إلى أنه (إذا صح تشبيه الديانات المختلفة بالعملة التي يمكن بها التعامل، فإن رسالة الإسلام الملائمة للفطرة تفضل جميع الرسالات الأخرى، لأنها تمتاز عنها كلها، بكونها عملة قوية، صالحة لأن يتعامل بها في كل مكان وفي كل زمان، ويمكن أن تتعامل بها دون مشقة ولا كلفة جميع السلالات والأجناس، كما تمتاز بكونها رسالة عامة، إلى الناس كافة، لا فرق بين الخواص والعوام، والأميين والمثقفين، بما في ذلك من عرف السحر ومهر فيه، كالقوم الذين عاصروا موسى، ومن عرف الطب ومهر فيه، كالقوم الذين عاصروا عيسى، ومن عرف البيان ومهر فيه، كالقوم الذين عاصروا الرسالة المحمدية، ومن عرف غير ذلك من العلوم والفنون من بقية الأقوام، قبل الرسالة أو بعدها. فالرسالة الإسلامية موجهة إليهم جميعا، مصداقا لقوله تعالى: "قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا".

ومن دقائق العلم التي تؤيدها حقائق التاريخ، ولها علاقة وطيدة بهذا الموضوع ما كشف عنه النقاب الإمام ابن تيمية حيث بين الفرق الجوهري بين موقف "أهل الكتاب" وموقف "من لا كتاب لهم" من الرسالة الإسلامية قديما وحديثا:

ذلك أن "أهل الكتاب" على العموم- بدعوى أن عندهم كتابا منزلا- يظنون كل الظن أن الكتاب الذي عندهم على ما هو عليه يغنيهم عن الذكر الحكيم، واعتمادا منهم على هذا الظن لم يستقرئوا أخبار الرسالة المحمدية على وجهها الصحيح، ولا أحوال خاتم الأنبياء والمرسلين كما يجب، وهكذا لم تؤمن عامتهم برسالته، جهلا بها، ولم تؤمن خاصتهم برسالته، عنادا لها، وإنما آمن بها عدد محدود من النصارى، وعدد أقل من القليل من اليهود، لغلبة الهوى والتعصب على خاصة أهل الكتاب، وغلبة الجهل والتقليد على عامتهم.
بينما بقية الأمم التي لم يكن لديها قبل الإسلام أي كتاب منزل، نظرت في مضامين الرسالة المحمدية، وفي أحوال المرسل بها إلى الناس، نظرة أبعد ما تكون عن الهوى والتعصب، وأقرب ما تكون إلى الإنصاف والموضوعية.

ولهذا لا تكاد توجد أمة من الأمم "التي لا كتاب عندها" يعرض عليها دين الإسلام واليهودية والنصرانية، إلا رجحت كفة الإسلام عليهما معا، ودخلت في دين الله أفواجا، وذلك هو الشأن في أكثرية الأمم التي دخلت في الإسلام، ولاسيما في القارتين الإفريقية والأسيوية.

وهكذا كان الأمر بالنسبة لمشركي العرب أنفسهم، فإنهم بمجرد ما اقتنعوا بوجود "ظاهرة النبوة" وجنسها، وقام لديهم الدليل عليها، لم يبق عندهم أي شك في نبوة خاتم الأنبياء، وبمجرد ما عرفوا نبوته أدركوا من ذات أنفسهم أن متابعته أولى وأفضل من متابعة اليهود والنصارى، فأسلم مشركو العرب عن بكرة أبيهم، لأن نبوة رسول الله أكمل وأشمل من كل ما سبقها من النبوات.

وكما ورد الحديث الشريف، مبينا مركز رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سبقه من الرسل، ومركز رسالته بالنسبة لما سبقها من الرسالات حسبما وقع ذكره آنفا، فقد ورد الحديث الشريف أيضا، مبينا مركز الأمة الإسلامية بالنسبة لمن سبقها من أهل الكتاب. ومن ذلك ما رواه البخاري في صحيحه مكررا، عن الزهري قال: أخبرني سالم بن عبد الله عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

(إنما بقاؤكم فيمن سلف من الأمم، كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس. أوتي أهل التوراة التوراة فعملوا بها حتى انتصف النهار ثم عجزوا، فأعطوا قيراطا قيراطا، ثم أوتي أهل الإنجيل الإنجيل فعملوا بها حتى صليت العصر ثم عجزوا، فأعطوا قيراطا قيراطا. ثم أوتيتم القرآن فعملتم به حتى غربت الشمس، فأعطيتم قيراطين قيراطين. فقال أهل الكتاب: هؤلاء أقل منا عملا وأكثر أجرا. قال الله: (هل ظلمتكم من حقكم شيئا؟ قالوا: لا. قال: فهو فضلي أوتيه من أشاء).

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here