islamaumaroc

ما هو مستقبل الإسلام ؟

  دعوة الحق

119 العدد


كثيرا ما و ضع هذا السؤال من جانب المهتمين بالاسلام ، سواء من العرب و المسلمين ، او من جانب غيرهم من الباحثين ، و مع ذلك فان السؤال سيظل موضوعا الى ان يجد الباحث المطلع الخبير الذي يجيب عنه علميا و تاريخيا و اجتماعيا بطريقة موضوعية لا عاطفية ، تستند على نصوص الاحاديث النبوية التي تنبات هي نفسها بمستقبل المسلمين ، و ما سيواجهونه من تغير شامل في حياتهم ، كما تستند على تحليل طبيعة الثورة الصناعية الحديثة ، و تاثيرها البالغ في تغيير قيم و تقاليد المجتمعات التقليدية ، بما فيها المجتمعات الاسلامية و تعالج بصفة خاصة مشاكل التوافق و الندماج بين الحضارتين الاسلامية و الغربية الصناعية ، ومدى قدرة المسلمين على حل هذه المشاكل ، ومنافسة الغرب في الميدان العلمي و الصناعي .
لقد اجتاز الاسلام خلال الاربعة عشر قرنا التي مرت على ظهوره عدة مراحل تاريخية ، عرف في اولها الانتشا ر و التمكن في الارض ، مع ادراك كامل لرسالته ، و اخلاص كبير في ادائها. وجاءت المرحلة الثانية متميزة بانشاء و استقرار الدولة العربية الاولى ، و امتداد و اتساع سلطانها ، و لكن هذا الاتساع ينفتح على شعوب و ثقافات و اجناس و لغات مختلفة ، ليحقق عالميته الانسانية ، و هكذا دفعه تطوره المرحلي ليخرج من اطار عروبته المحلية ، و يبدا مرحلة ثالثة يشترك فيها مع العرب و شعوب اخرى غير عربية في بناء و ادارة الدولة الاسلامية العالمية . و قد احتفظ الاسلام مع هذه المرحلة ايضا ، ليش فقط بسيادته المطلقة على هذه الشعوب ، و انما بقدرته على خلق الاندماج بينها ، و التاخي بين افرادها ، و ربطها في اطار ( امة اسلامية عالمية ) ، و امتصاص ثقافاتها المحلية ، لتصبح كلها من عناصر الثقافة الاسلامية العاليمة ، و تلتحم و تتلاقح و تزدهر ، و لتصبح بعد ذلك اسا التقدم الفكري و العلمي ، الذي سيتمخض عنه عالم القرنين التاسع عشر و العشرين . اما المرحلة الرابعة فانها تبدا بزوال السيادة من يد العرب ، امة الاسلام الاولى ، لتنتقل كليا الى امة اسلامية اخرى ، و لتتوزع بين امم اسلامية مختلفة بعد ذلك ، و قد رافق انحسار السيادة العربية في هذه المرحلة انحسار الثقافة الاسلامية ، و تاخر الفكر و العلم العربيين . و تنتهي مرحلة التراجع هذه بوقوع اغلبية البلدان الاسلامية  عنها ، و هذه المرحلة مراحل الشيخوخة .
ومن خلال هذه المراحل يتبين ان سيادة الاسلام ارتبطت تاريخيا بسيادة العرب ، بحكم انهم امة الاسلام الاولى ، و اصحاب لغته الدينية ، وحملة رسالته الاولون الى سائر الامم الخرى . كما ان ضعف سيادة الاسلام ثم زوالها ، ارتبط بضعف ثم زوال السيادة العربية .
و قد عرف العالم الاسلامي بعد ذلك بداية ( عصر اليقظة ) الذي تمثل في الاستقلال و التحرر من سلطة الدول الاستعمارية النصرانية
و لا نزال نحن اليوم نعيش هذا العصر الذي لم يستكمل فيه المسلمون بعد يقظتهم ، و يبدوا انه لابد ان يمر جيلان او ثلاثة قبل ان تتم هذه اليقظة .
ان مستقبل الاسلام مرتبط ارتباطا عضويا بمستقبل المسلمين ، و المسلمون متاخرون عن عصرهم الحالي بعدة قرون ، و هذا التاخر هو الذي خلق رد الفعل عند اجيال الشباب المعاصرة، المتمثل في حالة التمرد و الثورة على كل القيم و الانظمة ، حتى الاسلامية منها ، اذا اعتقدوا انها تقف حجر عثرة في سبيل التقدم و التطور السريع ، و استدراك الوقت الذي ضاع . و قد برهنت ماساة فلسطين منذ نصف قرن ، و حتى اليوم ، على ان شعوب  العالمين العربي و الاسلامي لم تستكمل بعد شروط اليقضة ، و لا اقول النهضة ، و هذا ما يفسر عدم قدرتهم على استيعاب مدركات عصرهم ، ان العصور الجهل و الفقر و الخمول و الاستبداد اضعفت شخصيتهم الدينية و القومية ، و خصائصهم الفكرية و العقلية ، و قبل ان يتم انتشار التربية و التعليم ، ومحو الامية ، و تعميم الثقافة ، ومحاربة الفقر و التخلف ، ورفع مستوى الفرد الادبي و المادي ، لا يمكن ان يسترد المسلم شخصيته ـ و خصائصه الضائعة .
ان الحضارة المعاصرة  قامت على تقرير و استغلال ثلاث مدركات رئيسية : المال ، و العلم ، و الصناعة ، ومع ان الاسلام حث المسلمين ، بكل الحاح على اكتساب و تنظيم و استغلال هذه الطاقات الحضارية الهائلة التي سخرها الانسان ، الا ان توقف الانسان المسلم ، عطل الفكر الاسلامي عن الاستفاذة من هذه المدركات التي استوعبها الفكر الغربي ، ليجعلها في خدمة نهضته و تقدمه و سيطرته على العالم .
لقد فشلت حتى الان عدة حركات اسلامية في اقامة مجتمع اسلامي شبيه بالمجتمع الاسلامي الاول ،لانها لم تقم الحساب في دعوتها و اسلوبها لاختلاف العصرين ، و لم تستطع ان تحقق التوازن ـ في الميدان الفكري و التنظيمي على الاقل ـ بين مدركات الحضارة المعاصرة : المال و العلم و الصناعة ، التي نعتبرها ماحية مادية للانسان ، و بين مدركاتها الخاصة عن الحضارة الاسلامية ، التي كثيرا ما تقصرها على القيم الدينية و الخلقية ، باعتبارها انها الجانب الروحي الاهم للانسان . و هكذا برهنت هذه الحركات على انها لم تصل بعد الى مستوى  الفكر الاسلامي الاول في سعة و عمق ادراكه للحقيقة الانسانية و الاجتماعية ، و هو الفكر الذي لم يفرق بين المادة الروحانية ، و لم يطلب من المسلمين ان يزهدوا في الحياة و يعيشوا في فقر و قناعة ، لان الدنيا دار فناء ، و انما طالبهم بالعمل و السعة من اجل الدنيا ايضا : (و لا تنس نصيبك من الدنيا )) ، (( المال و البنون زينة الحياة الدنيا )) لينهاهم بعد ذلك عن اهمالها : (( قل من حرم زينة الله التي اخرج لعباده و الطيبات من الرزق )). فهل ءان الاوان ليدرك العرب و المسلمون بعد تجاربهم التاريخية القديمة ، و بعد تجاربهم المعاصرة مع الاستعمار و الصهيونية ، انه لا اسلام ابدا مع الفقر ، في عالم غني ، و لا اسلام ابدا مع الجهل في عالم عالم ، و لا اسلام ابدا مع التخلف في عالم متقدم ، و ان الصناعة الالية التي هي طابع العصر الذي انتهى اليه التقدم البشري ، ما هي الا ثمرة من ثمرات العلم و المال .
انني اقف دائما مندهشا امام الحديث المعجز الذي اخبر فيه الرسول عليه السلام عن العصر الذي يعيشه اخبر المسلمون اليوم حيث قال : (( يوشك ان تتداعى عليكم الامم كما تتداعى الاكلة الى قصعتها ، قالوا : يا رسول الله امن اقلة نحن يومئذ ؟ قال : لا ، و لكنكم غثاء كغثاء السيل )) فهذه كانت الحال التي انتهى اليها امر المسلمين منذ القرن الماضي ، و الاستقلال السياسي للدول الاسلامية لم يغير من حقيقتها الا قليلا ، كان فقط تعبيرا تاريخيا و اجتماعيا عن يقظتها ، و بقي ان نتساءل عن عصر نهضتها متى يبدا ؟ ، و نجيب بان هذا العصر سيشرق عندما يصمم المسلمون على اعلان الثورة ، لا ضد اعدائهم فقط ، و لكن ضد انفسهم ، ضد قيمهم النفسية و الاجتماعية التي حافظت على تخلفهم و فقرهم و جهلهم عدة قرون ، ان الاجيال العربية و الاسلامية الثائرة اليوم ، لم تثر ضد الاسلام ، في واقع الامر ، و لكنها ثارت ضد نظام التخلف الذي قيل لها انه هو الاسلام ، و ثارت ضد العقيدة المتحجرة التي ارادت ان تحمي المسلمين من سيئات الحضارة المعاصرة ، فأضافت اليها حرمانهم من حسناتها ، و ثارت ضد المسلمين الذين تركوا شعوبهم فريسة للفقر و الجهل و الاستغلال ، فأضحت لقمة سائغة للاستعمار ثم الصهيونية .
و لا يمكن لمن يحاول ان يتحدث عن مستقبل الاسلام ، ان يغفل ايضا عن دراسة و تحليل تجربة مرة ، عاشها العرب منذ الحرب العالمية الاولى ، تمثلت في اتجاه كثير من الزعماء و الاحزاب ـ لدوافع و اسباب مختلفة ـ لخلق اطار موحد للعمل ، يكون اساسا للنهضة العربية ، و يجمع شمل الامة العربية ، اصبح يسمى (( القومية العربية )) ، و قد قبل العرب هذا الاطار باعتبار انه مجرد غطاء خارجي لمحتوى اساسي هو الاسلام ، و لكن هذا الاتجاه تطور فيما بعد ليجعل  (( الغطاء )) يحل محل (( المحتوى )) ، و بدا الناس يبحثون عن فلسفة خاصة للقومية العربية ، و اشتراكية خاصة بالقومية العربية ، و ثورة نابعة من القومية العربية و هكذا ... و اصبحنا نحن الذين ايدنا القومية العربية  (( الاطار)) نراها تتحول الى (( مذهب )) ، لو انها استطاعت ان تحقق اقل قدر من النجاح ، فاثبتت اصالة بنائها ، و انها قامت حقا على ارض صلبة ، لا على كثبان الرمال .
ان اقل ما يجب ان يخلقه المذهب ، أي مذهب كان ، هو الايمان به ، و التضحية من اجله ، و لكن مذهب ( القومية العربية ) لم يستطع ان يخلق في نفوس اصحابه شيئا من هذا الايمان ، او قليلا من هذه التضحية ، و كان من المفروض ان تحقق فكرة (( القومية  العربية ))  ذاتها على الاقل ، أي الوحدة العربية ، و لكن هذه الوحدة لم تحقق حتى بين دعاتها و انصارها الذين اتخذواها شعارا لهم ، ان مذهب الدولة يعتبر القوة المعنوية التي تسندها في الشدائد ، فضلا عن انه المثل الاعلى الذي يستميت الناس من اجله ، فهل حقق مذهب ( القومية العربية ) بفلسفته و اشتراكيته و ثوريته شيئا من ذلك للعرب المومنين به ، سواء قبل هزيمة يونيو 67 او بعدها ؟ . و اذا لم يستطع  انصار القومية العربية ان يحققوا نصرا عسكريا في جولة رابعة ضد اسرائيل ، فان تجربة  هذا المذهب تكون قد استنفذت غرضها بعد ادى العرب ثمن فشلها غاليا ، و ينفتح الباب امام الاسلام من جديد ، برجال جدد من العرب انفسهم ، و يمضي العرب مرة اخرى الى تحقيق وحدتهم ، و لكن باسم العقيدة التي وحدتهم اول مرة ، و باسم هذه العقيدة سيواصلون معركتهم في واجهتين : ضد التخلف بجميع صوره داخل الوطن الاسلامي الكبير ، و ضد الاستعمار و الصهيونية في كل مكان في الارض ، عندئذ فقط ، يكون عصر اليقظة الاسلامية قد انتهى ، يبدا فجر النهضة ، و تشرق شمس الاسلام من جديد على العالم .

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here