islamaumaroc

القرآن حضارة الإنسان وسعادته في الماضي والحاضر والمستقبل

  دعوة الحق

119 العدد


منذ كانت الحياة والشعوب تنشد السعادة على وجه الارض وتتطلع اليها بكامل العناية ومزيد الاشتياق وتراها اجتماعيا في التربية والتعليم والعدالة واقتصاديا في الاثراء والرخاء والرفاهية وعلى الرغم من ذلك فهم لا يدركون الهدف ولا يهتدون اليه سبيلا.
ومرد ذلك الى الانظمة القائمة والمذاهب المتبعة اذ كل نظام قام في الارض وتحكم في الحياة مهما نما وسما فانه دون نظام السماء ذلك النظام المنزل بالحق والحكمة على سفراء اختارتهم ارادة الله. واقتضتهم حكمة الله للعناية بحياة البشر وصيانتها من الضلال والفساد.
فهذا النظام هو نظام الانظمة وهو مناط العز والسعادة وكل نظام سواه ناهضا او ناميا فهو نظام مهلهل ومدخول لا يلبث ان يتضاءل او يتهاوى بمثاتبة الادخنة المتصاعدة المتلاحقة تتعالى ثم تتلاشى وما ذلك الا لانه يعتمد المادة وحدها والمادة هي منفذ الشيطان والشيطان هو علة فساد الانسان فلا بد من جانب روحي يعالج المادة ويقاوم الطغيان عند الاقتضاء ويخفف من حدته وشرته.
فالانسان في اروبا وان كان غيره في افريقيا من حيث النظام واليقظة فالحرية مثلا في هذا النظام المسيطر على العالم هي الحرية التي يظنها المرء مطلقة وهي مقيدة بقيود الاوامر والنواهي في نظام السماء فمن انا ومن انت حتى تكون طلقاء الى غير حد نرتع ونلعب ونركب الاهواء وتجمع بنا الشهوات وتحيط بنا الظلمات ان لم يكن هناك امر يرد ولا حد يحد ومن اجل ذلك كانت وظيفة الشرائع هي الحد من غلو الطبائع.
فالسعادة ان تعرف علة وجودك وطرق تامين هذا الوجود فغاية وجودك هي عبودية الله فقم بشرائطها وتحقق بتادابها ووسيلة حياتك هي العمل فاعمل ولا تتي واعمل ما عملت باتقان.
ولذلك كانت الحياة والعبادة شرطين اساسين في نظام السماء والعبادة بقيام الذات وقيام الذات بقيام العمل مهما يكن وضيعا او رفيعا الى ان يرث الله الارض ومن عليها وهو خير الوارثين.
وما من شك ان النظام الكفيل بضمان الاهداف الاجتماعية والاقتصادية هو ما يرتكز على وحي صادق يستجيب لرغبات الحياة العادلة ومطالبها المتعددة والمتجددة ويقيم حسب الامكان طاقاتها ومستوياتها الروحية والجسمية باقرب ما يكون من وسائل التعامل وباقوى ما يمكن من اسباب التعاون لتتواصل حلقات التاريخ ولتتضامن حضارات الانسان تضامنا من شانه ان يوفر الجهود ويوثق العهود ويؤمن الحقوق ويحفظ السلام من التصدع والتصادم.         
ولعل ما نراه من الاجتماعات الدورية والاشاعات الدولية التي تتوزع على ذوي الكفاءة العلمية والثقافية الفكرية والتي تتشرف بالهيئات المستنيرة والطبقات المتبصرة يؤكد شيوع روح التعاون والوفاق بين ابناء البشر عامة وبين ذوي الارحام والانساب خاصة وبين ابناء شعب مجيد قد تساوى عهده ومبدؤه واشترك امله والمه وتوافق هدفه وغرضه وتحددت بيئته وحياته انه الشعب الذي رفع راية الاسلام من زمن بعيد وظهر في ميادين الكدح والكفاح وفي مشاريع الرقي والعمران شيء ضروري ومطلوب يحكم الطبيعة والشريعة ويحق تضامن الاسرة الانسانية والاسلامية.
الا ان الامة المتحفزة الى النهوض والقائمة على شرف الاسلام وكرم الاخلاق اذا جدت في اجتماعها وحافظت على قوة ايمانها ومعاهدة وجودها واستمدت من وحي رسالتها وصدقت بمعالم مجدها وتاريخ قومها وحكمت بحكم الله في محاكمها واستطاعت ان توفق بين ماضيها وحاضرها وان تميز الصحيح من السقيم وتفرز الرخيص من الثمين لا فرق في ذلك بين الجديد والقجيم لما يوجد في الطريق من الغابات والعقبات ولما يدس في تاريخ الاسلام وفي سيرة ابطاله ولما ينقم عليه من اعدائه واشباه اعدائه.
اذا قامت الامة الاسلامية العربية وغير العربية على هذه الامثلة الوافية وكانت حذرة يقظة حتى لا تاكل نفسها بنفسها وحتى لا يشتبه الحق بالباطل عليها ووزنت تصرفاتها بميزان الشرع وقانون العقل ومدت الى الحياة بسبب متين وركنت بذاتها الى ركن شديد فانها تقيم البينة على وجودها واستقامتها وحسن نيتها وسايتها وعلى صلاحيتها للحياة والبقاء تفتق افكارها وتحيي شبابها في مواد الحياة الحديثة ومنافع الحضارة المستجدة حسبما تقتضيه قاعدة النمو والارتقاء وطبيعة مسايرة الحياة في اصولها وفق اساليب تقدمها والانسان ابن الزمان وابن العمل فهو يتقدم باعماله وبازمانه اذ هو ملابس للزمان والزمان مار وليس بقار والانسان ذو افكار وذو اطوار.
والامة الاسلامية يجب ان تتلقى نهضتها من وحي الدين ومن وحي العلم معا اذ لا تنافى بين العلم ويستشف ما وراءه من خفايا وخبايا ويجب ان تبحث بقوة عن احسن السبل وواضح الطرق المهيئة واستقامة الفكر وطمانية القلب وهذا البحث منفذا لخلق نهضة شاملة وحمل مسؤولية كما ان التماس المعرفة على اختلاف وجوهها هو مسلك آخر للخروج من حيز الشقاوة الى حيز السعادة ولقد عبر الرسول صلى الله عليه وسلم عن هذا المسلك بقوله من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل اله له طريقا الى الجنة.
وغير خاف ان القران الكريم هو دستور المسلمين وقانونهم العام يهديهم للتي هي اقوم في نظام الاجتماع والاقتصاد والحكم والمال وغير ذلك وهو الذي يقود الى مستقبل ضاحك بسام وعمل صالح بناء.
وهو الذي يهذب النفوس ويطهرها من الشر ومساويه ويربي الارداة على الخير ومعانيه.
فالاسلام الصحيح الماخوذ من كتاب الله وسنة رسول صلى الله عليه وسلم هو الذي يعمر الارض ويصلحها وهو الذي يؤمن الشعوب ويرفعها وهو الذي يحمي النفوس والاعراض والحقوق والاعتقاد وهو الذي يدعو الى الاعمال الصالحة والاهداف السالمة واجتماع الجامعة ويكره الاقوال الكاذبة والاحلاف الغاشمة والاعمال الفاسدة والتفرق والاختلاف والشتات فهو قوة الانسان في منطقه وعزته في حياته ونهضته في اعماله وسنده الايمان والمحبة والاخلاص ومبدؤه الشعور والرحمة والاحساس وكماله دمائه الاخلاق وامانة الاذواق.
ولهذا كان الاباء والاسلاف لا يدعون هذه المبادئ الحية التي نبتت في قلوبهم وامتزجت بلحومهم تغتالها الغوائل وتطيحها الطوائح ولا يترددون في الدفاع عنها بسيوفهم القارعة وحججهم القاطعة واموالهم الواسعة كما كانوا يعملون اكثر مما يقولون ولا يعملون الا بما يعملون على ان مقاصد الانسان تتجمع في انتظام الدين وانتظام الدنيا ولا ينتظم امرها الا بانتظام العمل واستمراره.
وانتظامه لا يتحقق الا بكسب علم نافع واطلاع واسع والعلم منه ما هو شرعي يكتسب من الكتب السماوية والاحاديث النبوية ومنه ما هو عقلي سنته العقول الحكيمة وانتجته الطباع السليمة فالحكمة بالعقل والطاعة بالشرع.
والعلوم القائمة كلها شركة بين البشر ما عدا اللغة والشريعة والاخبار فلكل امة لسانها ودينها وتاريخها وكان ابو محمد بن حزم رحمه الله وهو علم من اعلام الاسلام يرى شمول اسم العلم لسائر المهن والصناعات التي تفيد الناس في حياتهم ومجتمعاتهم وهو راي سديد ينصره قوله تعالى "قل هل يستوي الذين يعلمون لا يعلمون" فقد اثبت الله لمن يعلم يعلم فضلا وشرفا من دون ان يعين شيئا يتعلق به العلم وواضح ان اخفاء المعلوم يؤذن بقصد العموم ويعضده ايضا ما نراه جاريا في وزارات التعليم من دخول المدارس الصناعية والمهنية في نطاق حظيرة التعليم العام.
وبعد فالاسلام يريد ان يرفع الناس الى افاق السمو والكمال بمنهجه السليم وصراطه المستقيم ولكننا نرى الناس يناون عن هذا المنهج الحميد ويتجنبونه ويحاربونه وينظرون اليه بمنظار الناحية السلبية ويغضون ابصارهم عن الناحية الايجابية التي هي موضع عظمته وسر خلوده وبقائه وعند ما ننظر الى سداد المنهج وقدرته وحيويته ثم ننظر الى الناس وهم يتحملونه ويتباعدون عنه نتاسف ونتلهف ونقول ما قال الله "يا حسرة على العباد".
ثم ننظر نظرة اخرى فتنجلي هذه الحسرة على امل في الله وثيق وعلى يقين في قوة هذا النهج الذي لا تزعزعه التيارات القوية والاعاصير الشديدة ونتطلع الى المستقبل القريب فاذا في الافق امل ان لابد لهذه البشرية ان تفيء بعد عناء طويل وبعد عناد كثير الى هذا المنهج القوي الرفيع وان نستشرف هذا الافق الوضاء وهذا المستقبل المشرق.
نعم كان الدين غريبا وسيعود كما بدا غريبا الا انه لا غرابة في هذه الغربة فكما بعث الله هذا الدين وبعث من ينصره حتى عم نوره العالمين فكذلك سيبعث الله هذا النور من جديد حتى يسري في افق الدنيا وارجائها وشاهد هذا ما نراه من تطور الفكر الاوربي وما نشهده مع ذلك من الالتفات لهذا الدين الحنيف في هذا الوقت بالذات. وما نظن ان ذلك كان من دون روية ولا دراسة كيف والعصر عصر الدراسات والتجارب والمناهج فالقران وهو معجزة الاسلام الكبرى سيظل يلقن المعجزات والاحكام الى قيام الساعة ولا يفسر ما فيه من ايات الكون وعجائب الوجود الا تطور فكر الانسان وتقدم سير الزمان فكلما تقدم الانسان شوطا في المعرفة وكلما قطع الزمان مرحلة من التاريخ تكشفت عجائب القران وذلك ما يدعو الى الامل في مستقبل الزمان وعلى الله قصد السبيل.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here