islamaumaroc

هل الإسلام في حاجة إلى تجديد ؟

  دعوة الحق

119 العدد

قبل أن أدخل في صلب هذا الموضوع المهم جدا، ولاسيما في هاته الظروف التي يوجد فيها المسلمون من تيارات مادية جارفة، يجدر بي أن أحلل معنى التجديد، وإلى أي مدى يمكن أن يصل، حتى نعرف هل من الأليق أن نصف به الإسلام؟ وهو الدين الرباني الخالد الذي ارتضاه الله رب العالمين للبشرية بأجمعها، وجمع فيه ما تفرق في غيره من شرائع وقوانين وقواعد أخلاقية واجتماعية وعقائد سامية، تصل بكل إنسان إلى سعادته الأبدية وغناه الروحي ورفاهيته الحقة التي لا تجعل منه مطلق عبد للدينار والدرهم ومجمع شهوات وملاذ فانية، تنقضي بأوقاتها ولا يستفيد منها للمعنى الذي خلق من أجله (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ... إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) (صدق الله العظيم) [الذاريات: 56، 58]

إن التجديد إضفاء الروح على كل ميت وإعادة بناء ما انهدم واندثر، وصقل ما اغبر وتلاشى رونقه وبهاؤه، والإسلام ليس شيئا مما ذكر، فهو دين جديد في كل وقت وحين، خالد إلى ما شاء الله تعالى، ولا يمكن أن يلحقه تغيير ولا تزوير، (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) [الروم: 30]، (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا) [المائدة: 3]. وقد حفظه الله تعالى، وحفظ تعاليمه وشرائعه بحفظه للكتاب الذي يتضمن معانيه كلها (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر: 9]. ولطالما حدثنا التاريخ منذ أربعة عشر قرنا بأن كل الذين يحاولون تحريف شيء من قواعده وعقائده لا يظفرون بشيء، ويكون مآلهم الفشل الذريع والخزي العظيم والدمار المحقق.
إن اليهودية استطاعت أن تعيش دينا وشريعة لفترة معينة ثم اقتضت حكمة الله تعالى بعد أن أصبحت غير صالحة نظرا لتقادم عهدها وعدم استطاعة أهلها أن يطبقوها- كما نزلت- أن يبدلها بدين آخر يجددها، ويبعث شبابها، ويحيي مواتها، ويوافق روح العصر الجديد، وهو الدين الذي جاء به عيسى ابن مريم، كما ورد في الذكر الحكيم: (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ) [الصف: 6]. 

ولكن الإسلام لم يجعله الله دين فئة من البشر فحسب، ولا شريعة محدودة بزمن تنقضي بانقضائه ولا تستجيب إلا لرغائب معينة، وإنما جعله الله تعالى- وهو الحكيم الخبير بجميع شؤون عباده- دين البشرية من أولها وآخرها، يجاري الزمان ويقاوم جميع أعاصير الحياة ويضمن للخلق كلهم سعادة أبدية وعيشا رغدا في الدين والدنيا: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [آل عمران: 85].
إننا لا نستطيع أن نأتي في حديث قصير كهذا، ولو بجزء يسير لما يمكن أن يقال في موضوع حيوية الإسلام وعبقرية الإسلام وعالميته في الحاضر والماضي والمستقبل، ولكننا نود أن نسرد ولو بعض النقط حتى نؤدي بعض ما يجب علينا في هذا الوقت بالذات، الذي أصبح فيه تحليل الموضوعات التي تتعلق بالدراسات الإسلامية من آكد الواجبات، لأن الحضارة العالمية اكتست حللا جديدة أخرى، والفلسفات العقائدية والاجتماعية والاقتصادية نشطت كلها إلى حد بعيد، و(كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) [المؤمنون: 53]. وإذا لم تتسلح ناشئتنا بسلاح جديد قوي من أخلاق الإسلام وتعاليمه الحية استطاعت تلك الفلسفات أن تخلق بينها بلبلة، وأن تموه عليها بتمويهات تستوردها من طقوس وعادات تبعد عنها بعد السماوات عن الأرض، وأكثر من ذلك.

يخطأ الذين يحاولون أن ينزلوا بالإسلام إلى حضيض من المبادئ الناقصة التي لا تستطيع العيش إلا فترة معينة من الزمان، والتي ابتكرها أو يبتكرها أناس مهما بلغوا من العلم والدراية والنبل وسمو الأخلاق، فإنهم لا يرتفعون إلى درجة الإله الحكيم الخبير الذي يحيط علما بكل شيء، ويجعل لكل شيء قدرا، وينزل الأشياء منازلها، ويظهر الأمور في أوقاتها الصالحة، (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ) [الحجر: 21].

إني لأعجب شديد العجب لبعض الذين أوتوا نصيبا من العلم، ويحاولون إخضاع الإسلام لمذاهب ناقصة وقواعد تقتضيها ظروف وظروف، حيث يقارنون بين الإسلام واشتراكية أوربا أو آسيا، أو يقرنون بينه وبين ديمقراطية الغرب أو الشرق، مع أنه روح الاشتراكية الحقة، وعنوان الديمقراطية الصادقة، التي تنطبق ألفاظها على معانيها، ولا تكون جوفاء مموهة دخيلة.

إن الاشتراكية لم تعد أن تكون في معناها الحقيقي ضمانة للعدالة الاجتماعية بين البشر حتى يعيشوا إخوانا متحابين متضامنين، وإن الديمقراطية في مضمونها كله لا تتعدى دائرة المساواة بين جميع أصناف البشر وأنواعهم في الحكم والأخذ والعطاء، وإن كل ما ظهر أو يمكن أن يظهر من مبادئ سامية بين البشر لا يمكن أن يجاوز تحقيق الرفاهية والازدهار والأمن والطمأنينة بين الناس، وإن كل ذلك من صلب ما جاء به الإسلام ومن تعاليمه الغضة اليانعة في كل عصر وزمان. والحقيقة أن المسلمين هم الذين في حاجة إلى تطهير أفكارهم مما علق بها من حشو وزوائد، وفي حاجة أيضا إلى النظر إلى قواعد دينهم على أنها مرنة مطاطة، تستطيع أن تستوعب جميع شؤون الحياة ما دامت هاته الشؤون لا تخرج عن الجادة، ولا تتعدى دائرة الحياة البشرية التي يرتضيها الله لعباده.

لقد استطاع المسلمون الأولون أن يعيشوا مع العرب وغير العرب، واستطاعوا أن يطعموا حضاراتهم بكل حسن وجميل من حضارات غيرهم من الأمم التي دانت بالإسلام، أو خالطوها من روم وفرس وأحباش وهنود وترك وصقالبة وغيرهم، دون أن يروا في مجاراتهم أي نقص يمكن أن يلحقهم في معتقداتهم أو أعمالهم كمسلمين، بل على العكس كانوا يعتقدون أن الحياة هي الأخذ والعطاء، وأن السعادة كل السعادة في التقدم الاجتماعي والنهوض الفكري والسير إلى معارج الكمال.

فقد ثبت أن عمر بن الخطاب، وهو من هو دينا وعلما ومروءة وتمسكا بالفضيلة أحدث أشياء كثيرة في شؤون الاجتماع والاقتصاد والسياسة لم يسبق إليها، ولم ير في ذلك أية غضاضة ولا نقصا يمكن أن يلحقه في دينه ودنياه، وقد ثبت أنه حكم في نازلة واحدة بحكمين مختلفين فقيل له في ذلك، فعلل بتغير الزمان والمكان. ويذكر المؤرخون أن الأئمة الفقهاء كانت لهم أقوال متعددة في الأحداث والوقائع بحسب الأزمنة والأمكنة، وهكذا كنا نسمع ونحن ندرس أن هذا الرأي كان للشافعي وهو في العراق مثلا، ثم تغير عنده الأمر وهو في مصر، ومثل ذلك قيل عن مالك وأبي حنيفة وغيرهما من الأئمة الأعلام، لأنهم كانوا يرون أن العقائد واحدة في كل زمان ومكان لا تتغير ولا تتبدل، وأن ما عداها من تشريعات وأحكام تخضع بالطبع لمراعاة أحوال الزمان والمكان والطقوس العادية، مادام في ذلك صلاح المجتمع وأحوال الناس، وقد ورد في الحديث القدسي أن الله تعالى قال: "إنما خلقت الخلق ليربحوا علي لا لأربح عليهم"، لأنه غني عن العالمين، وكل ما سواه مفتقر إليه في كل وقت وحين، (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ‏؛ اللَّهُ الصَّمَدُ. لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ. وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ)[الإخلاص: 1-4].

والذي ينصت إلى ما يتلى من الآيات، ويحللها وينظر فيها بإمعان وتدبر وحسن تبصر يدرك إلى أي مدى وصل الإسلام ويصل، وإلى أي حد يمكن لمعتنقيه أن يبلغوا من رفاهية وطمأنينة وهناء وسعادة أبدية لا يعكر صفوها شيء؛ قال الله تعالى (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ) [الحديد: 7]، (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ) [الأعراف: 156-157].   

لا شك أن هذه الآيات قد تضمنت من العقائد والمذاهب والتعاليم الإصلاحية ما لا تستطيع أية مذاهب أو آراء أن تبلغها مهما علا كعبها، وارتفع شأنها، وتضلع ناظموها في باب العلم والاجتماع والاقتصاد والسياسة وحسن التدبير.

فلماذا إذن يحاول بعض المسلمين أن يلتمسوا الرفاهية والتقدم والازدهار من مبادئ أخرى خارجة عن تقاليدهم وعقائدهم وطقوسهم وعندهم ما يكفيهم ويكفي البشرية كلها في باب المدنية والتقدم والازدهار والعيش المريء؟

إن الجواب عن هذا السؤال سهل ومعروف عند الكثير والكثير، لقد ضعفت ثقتنا بديننا وتعاليمنا وباعدت بعض الثقافات المستوردة بيننا وبينها إلى حد جعل البعض منا يشك في قيمة الإسلام وفعاليته في العصر الحديث، مع أنه لو فتح عينيه بعض الشيء، وألغى الآراء المدسوسة عن الإسلام التي تلقاها لتحقق أنه يزهد في كنز عظيم أخذه غيره ممن يخالفه دينا وعقيدة وشريعة، وصار ينفق منه بحسب الظروف والأوقات ويتظاهر عليه بالعلم والتقدم والنهوض الفكري الذي يحتوي عليه هذا الكنز.

إننا في حاجة إلى إعادة النظر في الأسلوب الذي نلقى به تعاليم الإسلام، وفي حاجة إلى خلق جو من التحرر الفكري يعتمد المنطق الصحيح والحق الصراح وينبذ الجمود والتزمت والانحلال، وبذلك يمكن أن نقوم بواجبنا ونساهم من جديد في حضارة العالم على قدم المساواة، كما كنا في الماضي، بل ونعطي لغيرنا أروع الأمثلة على أننا أحياء دائما وسعداء دائما وأقوياء دائما، وأن العزة والقوة لله تعالى وللمؤمنين أجمعين.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here