islamaumaroc

جوانب من سيرة رسول الإسلام

  دعوة الحق

119 العدد

لكل عظيم أو نابغ أثره في المجتمع الإنساني الذي يعيش فيه، سواء كان نبوغه وعظمته في العلم المادي أو الديني أو اللدني الذي هو من عند الله أو بوحى منه دون تعلم من البشر، ذلك أن الرقي الفكري والعلمي والاجتماعي يتكون ويتركب متسلسلا في أطوار التاريخ الإنساني والحضاري كسلسلة متماسكة الحلقات لكل طور حلقة من هذه السلسلة مطبوعة بطابع ذلك الطور إلا أن هذه الأطوار يلقح بعضها بعضا، وتندرج في سلم الرقي كلما امتد بها الزمان ويكون المتقدم منها أساسا للمتأخر ما دامت سائرة في سلم الارتقاء إلا في عهد التدهور والانحطاط حيث يفلت زمام الرقي من يد العاملين وتنحل عزائم ولاة الأمة فيشتغلون بسفاسف الأمور دون الاهتمام بمعاليها وتنساق الأمة في تيارهم هناك تنعكس القضية وتأخذ الحضارات والعلوم في الانصراف عن الأمة التي لا تعرف قدر العلم ولا مكانة الأخلاق في حياة الأمم وعظمتها، وقد يبتدئ تأثير العظيم أو النابغ في بيته وقريته ثم يعم وينتشر كما ينتشر ضوء الفجر عقب الغلس حتى يعم الفضاء بنوره الوهاج، فاللبيب المحظوظ من بني الإنسان من استطاع أن يضع برنامجا عمليا نزيها يكفل له النجاح في حياته البيتية وحصل على ذلك النجاح، وأوفر منه حظا من تعدى نجاحه إلى قرابته أو قبيلته أو أمته حيث يكون موضع إعجاب وثناء وتقدير فيرتفع له من حسن صنيعه الذكر الجميل ويتبوأ في المجتمع المكان الجليل ويكون عائب خطته ومنتقص مكانته طعمة الأفواه ومسخرة الناس خصوصا إذا كان العائب والمنتقص فاشلا في الحياة عاجزا عن التدبير أينما توجه لا يأتي بخير، ذلك أن النجاح في الحياة كثيرا ما يتطلب خبرة وكفاءة وقدرة على تنفيذ الخطة التي رسمها الشخص لحياته وليس كل برنامج نظري يستطاع تنفيذه، وليس كل ما نفذ ووقع تطبيقه من البرامج النظرية حالفه التوفيق والنجاح وحصلت للفرد أو الجماعة الغاية المطلوبة منه، وإذا كان الفوز والنجاح في الحياة يتمتع صاحبه بتقدير يناسب مجهوده ومسعاه، فإن من الأفضل والأحق بالدراسة والعناية من أتى ببرنامج عملي لإسعاد البشرية وادعى أن هذا البرنامج يحمل عناصر البقاء والاستقرار والسعادة للمتمسكين به، والخلود على الدهر واستطاع بدون مالية ولا عتاد حربي أو مدد ظاهر أن يجمع حول مبادئه جماعة استطاعت أن تنشر دعوته وتؤدي رسالته حتى أصبح المؤمنون بها على توالي الزمان يعدون بمئات الملايين من البشر فصدق الواقع كل ما قاله ووعد به وأثبت الزمان صدقه في أنه رسول من عند رب العالمين إلى الناس أجمعين، برسالة من عند الله فيها هداية وسعادة ورحمة للبشرية، ودل الواقع على أنه رسول الله حقا وصدقا أيده الله بقوة وقدرة خارقة فوق قدر البشر، لأننا نرى الحكومات والدول الكبرى تعجز عن تحقيق مشاريع دون هذه الثورة الاجتماعية الكبرى التي حصلت في العالم ونقلته من ظلمات إلى نور بعزيمة فرد واحد لكن هذا الفرد يزن في رسالته ومرماه وفضائل نفسه أمما بأسرها.

إنه رسول الله محمد عليه السلام وأن كتابه القرآن الذي يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين.
ومما جاء في هذا القرآن قول الله تعالى لنبيه "هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم، إنه عزيز حكيم".

ومما يشير إلى قيمة هذا الرسول وثقل وزنه المعنوي في الوجود ما جاء في حديث شق الصدر وغسله وتطهيره حيث حكا الرسول أن أحد الملكين الذين غسلا قلبه الشريف قال لصاحبه زنه بعشرة من أمته فوزنني بهم فوزنتهم.
ثم قال زنه بمائة من أمته فوزنني بهم فوزنتهم.
ثم قال زنه بألف من أمته فوزنني بهم فوزنتهم.
فقال دعه عنك فوالله لو وزنته بأمته لوزنها.

وهذه لطيفة ذات مغزى عظيم في قيمة الرسول الذي اتخذه الله رحمة للعالمين وإياك أن تفهم من هذا الميزان ما يفهمه المتولون لوزن الأشياء من تقدير ثقل الأجسام.

وإذا أردنا أن نفهم قيمة الإسلام الذي جاء به هذا الرسول فلابد أن نجرده مما ألصق به من البدع على مر السنين فقد مر على وجوده أربعة عشر قرنا بين أهله المؤمنين الذين حصل منهم بعض الغلو في شأنه، وبين أعدائه الذين جندوا طاقاتهم لمحاربته علانية والكيد له سرا كما تولى بعض أعدائه افتراء أحاديث على رسول الله حتى تشكك المؤمنين به، كما قام بعض المغفلين من أبناء الإسلام لنصرته بأحاديث لا تصح عن الرسول صلى الله عليه وسلم، والدين الإسلامي غني بحقائقه ومبادئه عن كل ما وقع من تقولات وافتراءات عن رسوله العظيم، كما تكونت بسبب ذلك وبغيره فرق مختلفة في شعوبه فوقعت مناظرات سواء فيما يتعلق بالعقائد أو الأحكام أو مذاهب أخرى.

إلا أن الله هيأ لهذا الدين من يدافع عن مبادئه وأصول عقائده، كما هيأ لسنة الرسول من العلماء الحفاظ من خلص سنة الرسول عليه السلام من تقولات المفترين حتى استبان الحق وافتضح أهل النفاق والشقاق، وظهر أمر الله وهم كارهون، فكان ذلك مصداقا لقول الرسول العظيم يحمل هذا الدين من كل خلف عدو له ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين.

ولكن من المعلوم أن الحياة تتطور وأن الشبه على الأديان تتجدد وتتنوع بما اكتشف من حقائق الكون ومن التطور العلمي وبما برز للوجود من التطورات الاجتماعية التي أثرت في عقلية الإنسان وعقيدته وسلوكه، ومن أجل كل هذا ينبغي إعادة النظر في عرض دين الإسلام على الأجيال الصاعدة بما يناسب ويقنع عقلية العصر الحاضر، حتى يعرف الجيل الجديد نصاعة الإسلام وكفاءة جوهره للسير بأهله نحو الكمال ويعرف علو مقامه في الوجود، وما أداه لأهله بصفة خاصة، وللإنسانية بصفة عامة في تاريخه المليء بالمفاخر والمكرمات.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here