islamaumaroc

من مظاهر الحرية في الإسلام

  دعوة الحق

119 العدد


 الإسلام دين مرن مشرق يقبل بصدر رحب كل نافع، ولكن الرجعية والتزمت على نقيض ما يتهمه به بعض المتحذلقين من أنصاف المثقفين، وليس ثمة شك في أن العقيدة التي دعا إليها لا تتسم مطلقا بالتعقيدات الزائفة، والعوائق التي تعوق الإنسانية عن التقدم في مسيرتها المباركة.

فالله في الإسلام خالق الكون، ومصدر كل شيء، وإليه الملك، لا واسطة بينه وبين عبده، دينه مشاع لدى الجميع يلتجئ برحابه من شاء من مخلوقاته البشرية حسب مؤهلات كل شخص الفكرية والروحية، والأثير لديه من اضطلع بالعمل خير اضطلاع، وقام بتنفيذ منهجه الشامل للفرد والجماعة من غير تفرقة بين العالم أو الصانع أو الحاكم والمحكوم، الكل سواسية كأسنان المشط.

وإذا رحنا ننقب عن الحافز الذي جعل الإسلام يسود في أحقاب زمنية ماضية، وجدنا أنه يمتلك قيما عليا إنسانية النزعة، مستمدة من الله، عليها قامت المقومات الحضارية، وأهم هذه المقومات الدعوة إلى التحرر من الخرافات، والانعتاق من الرق الذي اختلقه بسطاء العقول، والانفلات من ربقة العبودية، وتفهم الحياة على حقيقتها في صورة بديعة لا تقوم على التناقض بين العقل والدين أو العلم والدين، والسعي إلى إيجاد التوازن الحق على قدر ما تتحمله الطاقات البشرية، والانسجام بين القوى المادية والقوى الروحية، والتوافق بين الملابسات الاقتصادية والعوامل الإنسانية- فهو- أي الإسلام- لا يعترف البتة- كما عند الشيوعيين- بأن العوامل الاقتصادية هي المهيمنة المسيطرة على الإنسان ولا يقول مطلقا- حسب ادعاء الروحيين- بأن الطاقات الروحية في مكنتها أن تنظم الحياة، هذه الآراء كلها يتبناها هذا الدين فيرتبها ترتيبه الخاص مكترئا بادئ الأمر بالواقع الواسع الرحب للطبيعة البشرية بكل ما يمور في داخلها من استعدادات متنوعة.

ومهما نهج أصحاب الشعارات المزورة من أنصار الشيوعية أو الرأسمالية أو غيرهما من المذاهب الحديثة بأفكارهم المتعددة، فإن للإسلام نظاما آخر يحتل المكانة الوسطية، ولذلك فالطفرة العملاقة التي طفرها فانتشل أثناءها الإنسان من الوهدة التي تردى في أعماقها لم تكن طفرة عادية، بل كانت معجزة كبرى انفرد بها، وتنبئ عما يمكن في تصوراته من إيجابية بناءة، مما دفع جحافل الخير تبني بعد صحوة من إغفاءة طويلة، وتضع الحياة الفاضلة الناعمة تمتعت بها البشرية على مدار التاريخ.

ومن أجل هذا كان الإسلام- ولا يزال- دينا عالميا تضمن أسسا جد مهمة تشكل أعصاب الحياة الحضارية في كل زمان ومكان، وهذه الأسس سنلم باثنين منها:
أ- الحرية الفكرية
ب- الحرية العقدية

الحرية الفكرية:

لقد أحدث الإسلام هزة عنيفة، ورجة قوية في العقل الإنساني بعد أن كان قد قيد قرونا متعددة ظل خلالها يقتات على الظلام، ويعيش حبيس الأساطير فحرره، ووجهه وجهة أخرى، وبسط أمامه آفاقا جديدة، فأعلن ولادته من جديد، وقرر أن هذا الكون الرحب الفسيح يجدر أن تكنه أسراره، ويدرس دراسة منطقية بعيدة عن التقليد الأعمى، خاضعة للقوالب الفكرية، فاقرأ قوله تعالى: "ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض، والفلك تجري في البحر بأمره، ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه(1)" وقوله تعالى: "أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت، وإلى السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت، وإلى الأرض كيف سطحت(2)".

فالقرآن يوقظ الحس الدفين في الإنسان ليتأمل ملكوت الله، ويتدبر عالم نفسه حتى يعيش شاعرا بعظمته القادرة مطمئنا إلى الإبداع الإلهي في الطبيعة، مفتحا بصيرته على الآيات العجيبات، ذلك أنه بنى دلائله على النظر، وإعمال العقل لإدراك الحقائق، وهو يحفل بكثير من الآيات يعطي فيها للعقل السلطان الأقوى، ويستسمح العقول المتحجرة المنكمشة في قوقعتها، وأحكم آية وأهجاها قوله تعالى: "إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون(3)" وقوله جل وعلا: "أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون، إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا"(4).

وبرغم من أن القرآن يزخر بالحديث عن العلوم والفنون فلا يسوغ لنا أن نعده معلمة علمية صرفة ترصد القوانين والنظريات، وإنما ما فيه من الإشارات إلى ذلك ما هو إلا حفز للعقول إلى التأمل، والتدليل على النظام الكوني المحكم للوصول إلى البرهنة على وجود الخالق الكريم.

وقد دعا القرآن الكريم إلى العلم بشتى فروعه- ليس علم الشريعة وحدها كما قد يتبادر إلى ذهن بعض الناس- ومن يتصفح كتاب الله وحديث رسوله يعثر على ما يقطع دابر كل شك في هذه القضية فاستمع إلى قوله تعالى مبينا أن العلم لا يقصد به الشريعة فقط وإنما يشمل جميع أجناس العلوم الأخرى من نبات ومطر وحيوان وطبقات الأرض "ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها، ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود، ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك، إنما يخشى الله من عباده العلماء"(5)

ويقول تعالى مشيرا إلى علم الحياة (البيولوجيا) ومتحدثا عن تكون الإنسان في الرحم والأطوار التي يمر بها: "فلينظر الإنسان مم خلق، خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب"(6)

ويحدثنا القرآن الكريم عن بدء الحياة على الأرض يصف الحيوانات الأولى المختلفة من زاحفات وغيرها فيقول: "والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين، ومنهم من يمشي على أربع، يخلق الله ما يشاء، إن الله على كل شيء قدير"(7).

وفي العلم يقول تعالى:
- قل رب زدني علما(8)
- قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، إنما يتذكر أولو الألباب(9)
- يرفع الله الذين آمنوا منكم، والذين أوتوا العلم درجات(10)
- شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط(11)
- وفوق كل ذي علم عليم(12).

وفي حديث رسول الله عليه السلام ذكر للعلم وحث على تعلمه يعتبر ذخيرة نفيسة في الموضوع ولذلك نثبت بعضا منها فيما يلي:

قال عليه الصلاة والسلام:
- من غادر أهله في طلب العلم فهو سائر في سبيل الله.
- طلب العلم فريضة على كل مسلم
- من عظم العالم فقد عظمني
- يوزن يوم القيامة مداد العلماء بدم الشهداء
- اطلب العلم من المهد إلى اللحد

وعلى هدي الإسلام الحكيم ووصاياه الغر تمكن للمسلمين دعاة الخير أن يسيروا إلى الأمام لتحقيق الذات في حركة إيجابية بناءة منافية للسلبية، ومتوافقة وهدفية الوجود الإنساني، والمنهج الذي رسمه الله في استخلاف الإنسان على الأرض والقيام بالأمانة التي طوق بها عنقه والتي ليست هي العبادة المنصوص عليها فقط، ولكنها تشمل المفهوم الواسع الجامع المانع لكل الأعمال التي يأتيها بنو البشر، ولذلك أسسوا حضارة إسلامية خالدة بعد أن خاضوا كل حلبة من حلائب العلم والثقافة، فاكتشفوا نظريات، واخترعوا ما أذهل العقل الإنساني حينذاك، ومن ثم استرفدتهم أوروبا فأعانوهم إعانة حاتمية، واستقت من روافدهم المعارف من فلك وجبر وهندسة وكيمياء وطب وفلسفة وزراعة وصيدلة، ولا تزال ألفاظ حضارية عربية كثيرة مستعملة في اللغات الأوروبية منها الإسبانية يقول الأستاذ كرلوس م. كروبيرا Carlos M. Granpera  في الفصل السابع تحت عنوان الألفاظ الإسبانية المشتقة من الأصل العربي من كتابه "التأثير العربي في الثقافة الإسبانية(13) ما ترجمته:

"وقد عد أكثر من 2 في المائة في القاموس الإسباني من الألفاظ المشتقة المأخوذة من العربية، ويعني هذا أن 4000 كلمة عربية تقريبا دخلت الإسبانية، وأغلب هذه الكلمات أسماء بعضها نعوت، وقليل منها أفعال، وهذه الكلمات تتناول أنواعا من المواد كالنبات والفواكه والخضر والمكاييل والمقاييس والعملة النقدية، والأثواب والمواد الجلدية والجواهر والعطورات والخزف والبناء وأثاث البيت، والقناطر، وألفاظ تتعلق بالشرطة والحكومة والقوانين والألعاب والمسليات والأدوات الموسيقية والمواد الغذائية والملابس والرياضيات والفلك والكيمياء وأسماء الأماكن الجغرافية"

وليس من ريب في أن المبادئ الحضارية الإسلامية كان لها أثر وأي أثر في الحركات الإصلاحية التي قامت في أوروبا في القرن السابع إلى أن جاء عصر النهضة، وذلك أنه فتح الأذهان المغلقة وحررها من الأساطير الكنسية، وليس أدل على ذلك من أن في القرن المذكور كان هناك من ثأر على تقديس الصور وإنكار الواسطة بين الله والعبد، والسلطة الاستبدادية التي يفرضها رجال الدين

وبدعوة الإسلام إلى العلم والتثقيف والحضارة، والتسابق إلى الإبداع الحضاري تألقت سماء وملأت الآفاق لا تزال تحتل مكانة مرموقة في الأذهان، أمثال الخوارزمي وابن الهيثم والكندي والفارابي وابن سينا والبيروني والبتاني والرازي والزهراوي وجابر والجاحظ وابن النفيس وغيرهم من الذين طلعوا على العالم بنتاج علمي هائل بفخر واعتزاز، وطأطأ له المنصفون من مفكري العالم رؤوسهم.

وعلى سبيل التدليل والبرهنة على ما كان للأمة الإسلامية من صولة ومجد أذكر أن بعثات علمية أوروبية كانت تفد على الأندلس أيام استبحار حضارتها وذيوع تقدمها، منها البعثة التي أرسلها ملك إنجلترا جورج الثاني ترأستها ابنة أخيه الأميرة (دوبانت) مصحوبة برئيس موظفي القصر (سفليك) وكان يحمل هذا معه رسالة إلى الخليفة هشام الثالث وقد ورد فيها ما يلي: 
"من جورج الثاني ملك إنجلترا والغال والسويد والنرويج إلى الخليفة ملك المسلمين في مملكة الأندلس صاحب العظمة هشام الثالث الجليل المقام: بعد التعظيم والتوقير فقد سمعنا عن الرقي العظيم الذي تتمتع بفيضه الصافي معاهد العلم والصناعات في بلادكم العامرة. فأردنا لأبنائنا اقتباس نماذج هذه الفضائل لتكون بداية حسنة في اقتفاء أثركم لنشر أنوار العلم في بلادنا التي يحيط بها الجهل من أركانها الأربعة، وقد وضعنا ابنة شقيقتنا الأميرة (دوبانت) على رأس بعثة من بنات أشراف الإنجليز لتتشرف بلثم أهداب العرش، والتماس العطف لتكون مع زميلاتها موضع عناية عظمتكم وحماية الحاشية الكريمة، وحدب من لدن اللواتي سيتوفرن على تعليمهن، وقد أرفقت الأميرة الصغيرة بهدية لمقامكم الجليل أرجو التكرم بقبولها مع التعظيم والحب الخالص- من خادمكم المطيع جورج".

وبجانب هذه الرسالة صحبت معها البعثة هدية للملك وهي تحتوي على شمعذانين من الذهب وأوان ذهبية.  

وكان رد الخليفة هشام على الرسالة ما يلي:
"بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبيه سيد المرسلين وبعد: إلى ملك إنجلترا وإيكوسيا واسكندنايا الأجل. لقد اطلعت على التماسكم فوافقت بعد استشارة من يعنيهم الأمر على طلبكم. وعليه فإننا نعلمكم بأنه سينفق على هذه البعثة من بيت مال المسلمين دلالة على مودتنا لشخصكم الملكي. أما هديتكم فقد تلقيتها بسرور زائد. وبالمقابلة فإني أبعث إليكم بغالي الطنافس الأندلسية، وهي من صنع أبنائنا هدية لحضرتكم، وفيها المغزى الكافي للتدليل على التفاتنا ومحبتنا والسلام- خليفة رسول الله على ديار الأندلس هشام.

وبالمقارنة بين الرسالتين يتجلى للعيان مدى ما وصل إليه عز الإسلام وسؤدده، وسلطانه وقوته، وإن في العين لعبرة، وفي القلب لحسرة على ما ضاع من هذا العز الشامخ الذي تفيأت ظلالها الإنسانية قرونا متعددة ولكن:
أتبكي على ليلى وأنت تركتها
                فأنت لآت حتفه وهو طائع

الحرية العقدية:
إن حضارتنا الإسلامية ذات نوازع إنسانية شفيفة من بينها حرية العقيدة، والإسلام بنى مبدأ التسامح الديني على أساس أن الأديان السماوية بقضها وقضيضها تنهل من منهل واحد كما في قوله تعالى: "شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا، والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه"(14).

وبناه كذلك على أن أنبياءه العظام صلوات الله عليهم أشقاء متحابون فأوجب على المسلمين الإيمان بهم "قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيئون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون" (15)، واحترام شخصيتهم، وأن يتعاملوا مع أتباعهم بالمعاملة الحسنة، كما أوجب على الدولة الحاكمة أن ترعى أماكن عبادتهم وحقوقهم وكرامتهم، وأن تعمل على صيانة مستقبلهم، وتكفل الحياة الهانئة الرغيدة لهم لا يشوبها اضطراب وقلق.

وقد ترك الإسلام الاختيار للإنسان أن يصطفي من الأديان السماوية ما يروقه بعد أن وضحت معالمه فقال تعالى: "لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي"(16) وقال عز وجل: "لكم دينكم ولي دين"(17) وعلى هذه الرحمة الإلهية سار نبينا عليه السلام وخلفاؤه من بعده، والتاريخ. يروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما هاجر إلى المدينة وجد فيها من اليهود العدد الكبير، فكان أول أمر قام به أن عقد بينه وبينهم ميثاقا دعا فيه إلى احترام عقائدهم، وتقديس شعائرهم، وتولي الدولة حمايتهم، وأن يكونوا هم مع المسلمين قوة ترد الأذى.
والرسول عليه السلام له مواقف خالدة يتمثل فيها المثل الأعلى في المعاملة الرائعة لأهل الكتاب كحضوره جنائزهم، وزيارتهم وإكرامهم.
وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه نموذجا حيا في اتباع هذه النزعة الإنسانية العظيمة، ويظهر ذلك في كثير من أعماله، من بينها أنه عندما دخل بيت المقدس وكان داخل كنيسة القدس وأزف وقت صلاة العصر، أبى أن يؤدي الفريضة في ذلك المكان حتى لا يكون هذا سببا لمطالبة المسلمين به وتحويله إلى مسجد.

ومن بينها أيضا أن امرأة مسيحية اشتكت لسيدنا عمر بأن عمرو بن العاص أخذ دارها قسرا، وأدخلها في المسجد فسأل عمر عن ذلك فكان الجواب بأن المسجد لم يعد يتسع لعدد المسلمين، ولما كانت دار هذه المرأة بجوار المسجد، وأنه عرض عليها ثمنها وبالغت فيه ولم ترض هدم دارها وأودع قيمتها في بيت مال المسلمين ريثما تأخذه منه متى تشاء.

ورغم أن هذا العذر تقبله القوانين الحديثة، فإن عمر أمر عامله عمرا بإعادة المنزل لصاحبته كما كان من قبل

وفي الفتوحات الإسلامية سار المسلمون- هداة البشر- على هذا المبدأ في علاقاتهم مع أصحاب الأديان الأخرى، فكانوا يسمحون لأهل البلدان المفتوحة أن يظلوا على عقيدتهم بشرط أداة الجزية التي هي مقابل لحماية الدولة لهم في عبادتهم وعقيدتهم وأموالهم، وفي هذا التسامح الديني يقول عمر بن الخطاب في العهد الذي التزمه على نفسه لأهل القدس:

"أعطاهم الأمان لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم. وصلبانهم وسقيمها وبريئها وسائر ملتها: أنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم، ولا ينتقص منها ولا من حيزها ولا من صليبهم، ولا من شيء من أموالهم ولا يكرهون على دينهم الخ.."(18)

والجزية التي ألمعنا إليها منذ قليل أقرها الإسلام بقوله تعالى: "قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله، ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون"(19) وهي تسقط عمن لا يقدر على تسديدها كالمسكين والعبد وذي العاهة والمقعد، كما تسقط إذا عجز الفاتحون عن حمايتهم، وفي هذا الصدد يروي البلاذري(20) قصة طريفة للغاية مفادها أن المسلمين لما فتحوا حمص قبضوا الجزية من أهل الكتاب ممن لم يرد الدخول في الإسلام، وعندما علم المسلمون أن الروم أعدوا لهم جنودا عديدين قد لا يتسنى لهم ردهم على أعقابهم، أعادوا لهم ما أخذوا منهم وقالوا لهم: شغلنا عن نصرتكم والدفع عنكم فأنتم على أمركم فأجاب أهل حمص: إن ولايتكم وعدلكم أحب إلينا مما كنا فيه من الظلم والغشم، ولندفعن جند هرقل عن المدينة مع عاملكم، وحينذاك سقطت عنهم الجزية.

وهكذا تشرب المسلمون هذا المبدأ الإنساني العظيم- رغم أن دولتهم حاكمة منتصرة- فلم تبدر منهم إساءة أو إذاية، وقد تحدث فقهاؤنا الأوائل عن حقوق أهل الذمة، فقال أحدهم وهو الشهاب القرافي في "الفروق":

"إن عقد الذمة يوجب لهم حقوقا علينا لأنهم في جوارنا وفي خفارتنا وفي ذمة الله تعالى، وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم ودين الإسلام. فمن اعتدى عليكم ولو بكلمة سوء أو غيبية في عرض أحدهم أو أي نوع من أنواع الإذاية أو أعان على ذلك فقد ضيع ذمة الله تعالى، وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم، وذمة دين الإسلام".

ومن مظاهر الحرية الدينية في الإسلام أن محمد الفاتح حين فتح القسطنطينية- مكان البطريربكية الأرثوذكية- أعلن احترام أهلها، والتأمين عليهم في عقائدهم وأرواحهم، والسماح لهم بمزاولة تشريعاتهم وطقوسهم الدينية من غير أن تتدخل الدولة في شأنهم، وبذلك اطمأنت قلوب السكان وارتاحوا إلى الفاتحين الرحماء، فتيقنوا حينذاك بأن الإسلام دين رحيم لا يماثله أي دين، وخاصة وهم قد ذاقوا الأمرين من نير البزنطيين وقساوتهم.

ومن هذه المظاهر أيضا أن خلفاء الإسلام لم يكونوا يرون غضاضة في السماح لغير المسلمين أن يتقلدوا مناصب مهمة في الدولة، وقد كان في عصر الأمويين والعباسيين أطباء مسيحيون يشرفون على المدارس الطبية في دمشق وبغداد، وقد اتخذ معاوية ابن أثال طبيبا له، وكان سرجون كاتبه، وكان جرجس ابن بختيشوع الطبيب، عظيم الخطوة لدى الخليفة المنصور.

ولم يكن هذا التسامح الديني والتعايش السلمي بين المسلمين وأهل الأديان الأخرى مقتصرا على الملوك فقط، بل تعدى إلى الأفراد، ومعروف أن إبراهيم ابن هلال الصابي- وهو من المجوس- وكانت بينه وبين سراة القوم ورواد الأدب والفكر آنذاك وشائج صداقة، وعند وفاته رثاه الشريف الرضا نقيب الهاشميين بأشعار طنانة شجية مليئة بطاقات شعورية صادقة من بينها قصيدته التي افتتحها بقوله:

أرأيت من حملوا على الأعواد
              أرأيت كيف خبأ ضياء النادي
ما كنت أعلم قبل حطك في الثرى
             أن الثرى يعلو على الأطواد

وبطبيعة الحال أن هذه الحرية الدينية التي باركها الإسلام دفعت الملوك إلى عقد المجالس العلمية لمناقشة قضايا الدين، يجتمع فيها طوائف مختلفة، والمشهور عن المأمون أنه كان يعقد مجلسا علميا كلما صبا إلى سماع النقاش والجدال يشارك فيه علماء من مختلف الملل.

ولما رأى الأجانب من الغربيين هذه الظاهرة سائدة في الإسلام مقدسة لدى جميع المسلمين، وأنها كانت من الأسباب المباشرة في سرعة انتشار هذا الدين السمح، أشاروا بها واعترفوا غير متعصبين(21) ومن بين أولئك "سيرت. و. أرنولد" الذي يقول في كتابه الدعوة إلى الإسلام:

"ويمكننا أن نحكم من الصلات الودية التي قامت بين المسيحيين والمسلمين من العرب بأن القوة لم تكن عاملا حاسما في تحويل الناس إلى الإسلام، فمحمد نفسه قد عقد حلفا مع بعض القبائل المسيحية، وأخذ على عاتقه حمايتهم ومنحهم الحرية في إقامة شعائرهم الدينية كما أتاح لرجال الكنيسة أن ينعموا بحقوقهم ونفوذهم"(22).

ثم يقول بعد ذلك: "ومن هذه الأمثلة التي قدمناها آنفا عن ذلك التسامح الذي بسطه المسلمون الظافرون على العرب المسيحيين في القرن الأول من الهجرة، واستمر في الأجيال المتعاقبة، نستطيع أن نستخلص بحق أن هذه القبائل المسيحية التي اعتنقت الإسلام، إنما فعلت ذلك عن اختيار وإرادة حرة، وأن العرب المسيحيين الذين يعيشون في وقتنا هذا بين جماعات مسلمة لشاهد على ذلك التسامح"(23).

وصفوة القول أن الإسلام احتضن جميع مظاهر الحرية، وحرص كل الحرص على تطبيقها في مختلف المرافق الحياتية لخلق مجتمع إسلامي واع متماسك راق، نظيف، مدرك بصير، إنساني النزعة، رحيم، يفيض على البشرية بالحب الجميل، وفي يده منهج الله المتكامل كي يؤدي رسالته المقدسة في الحياة.

(1) الحج: 65
(2) الغاشية: 17- 20
(3) الأنفال: 22
(4) الفرقان: 44
(5) فاطر: 27، 28
(6) الطارق: 5، 7
(7) النور: 45
(8) طه: 114
(9) الزمر: 9
(10) المجادلة: 11
(11) آل عمران: 18
(12) يوسف: 76
(13) انظر  Carlos M. Granpera, influencia arabe en la cultura espanola, P. 19 – Publicaciones espanolas – Madrid. 1968.
(14) الشورى: 13
(15) البقرة: 136
(16) البقرة: 256
(17) الكافرون: 6
(18) الطبري تاريخ الأمم والملوك ج1 ص 2405
(19) التوبة: 29
(20) فتوح البلدان ص 143
(21) وهناك جماعة همها الوحيد هو تشويه معالم الإسلام.
(22) ص 48
(23) ص 51

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here