islamaumaroc

ألفونسو السادس ومدرسة المترجمين بطليطلة

  دعوة الحق

119 العدد

تبعد مدينة طليطلة عن مدريد بتسعين كيلو مترا نحو الجنوب الغربي وتقع على نهر التاج الذي يصب عند عاصمة البرتغال وهي قاعدة المقاطعة المسماة باسمها واحدى المقاطعات الخمسين التي ينقسم القطر ادراريا اليها في الوقت الحاضر وتعتر من المدن الاسبانية القديمة اذ يرجع عهد تاسيسها الى قبل الفتح الروماني وكانت مع احوازها احد الاقاليم الخمسة التي تتالف منها مملكة قشتالة الجديدة ومازالت طليطلة عاصمة دينية لاسبانيا بعد ان كانت عاصمة لامبراطوريتها وقاعدة للملوك القوطيين قبل الفتح الاسلامي للاندلس.
وقد انهارت الدولة الاموية في الاندلس بخلع هشام المعتمد بالله في اواخر السنة الثانية والعشرين من القرن الهجري الخامس وانقرضت نهائيا بعد ان استمر حكمها مائة واربعة وثمانين عاما فقامت على اعقابها ممالك الطوائف في النة الحادية والثلاثين من القرن الحادي عشر للميلاد وكانت طليطلة من اكبر تلك المماليك بحكم مواردها واهمية موقعها في وسط شبه الجزيرة.
وكان فرناندو الاول ملكا على قشتالة فجعل يغير على مملكة طليطلة ويعلل نفسه باخضا غيرها من الممالك بعد ان قويت بينها اسباب الخلاف الى ان اشتدت الفتنة في عهد ملكها المامون باصراره على مقاتلة ابن هود بسرقسطة وابن عباد باشبيلية ولما مات فرناندو الاول عام خمسة وستين والف شجرت خلافات وفتن بين ابنائه سانتشو ملك قشتالة والفونسو ملك ليون وغرسة ملك جليقية ولم تضع هذه الحروب اوزارها الا يتغلب الاول على اخويه ولذلك لم يتمكن الفونسو من استرجاع عرشه الا بعد ان هلك اخوه سانتشو في القتال وقد استمرت حملات الفونسو السادس على طليطلة اربع سنوات ثم اقترب منها في خريف سنة اربع وثمانين والف فحاصرها حصارا شديدا خلال تسعة اشهر قبل ان يدلها ظافرا وينزل بقصرها في فاتح صفر لسنة 478 الموافق للخامس والعشرين من شهر مابو للسنة الميلادية التالية كما ورد بيانه في كتاب "دول الطوائق" للاستاذ محمد عبد الله عنان(1) وبسقوط طليطلة دخلت الحملة النصرانية على المملك الاسلامية طورا جديدا قويا اذ توغلت جيوش الفونسو السادس نحو الجنوب حتى قاربت اسوار اشبيلية.
وقد كان هذا الملك رجلا غريب الاطوار فقد كان شديد غضوبا كما كان في نفس الوقت ماكرا ذا راي ثاقب وعقل متفتح وكان من اهم اعماله تاسيسه لمدرسة المترجمين التي عهد اليها بنقل امهات الكتب العربية في مختلف العلوم الى اللغة اللاتينية وبالسهر على اشاعتها وقد اقتفى بعمله هذا اثر الخليفة المامون الذي اسس مجمعا للترجمة في العقد الثاني من القرن الميلادي التاسع الذي شهدته سنته التاسعة والده الخليفة هارون الرشيد بعد عمر لم يتعد اربعة واربعين عاما.
وكانت الاندلس قوة فكرية في عهد الحكم الثاني المتوفى بقرطبة عام 976 بعد ان كانت قوة سياسية واقتصادية على عهد والده الخليفة عبد الرحمان وكانت نسبة الاميين باقطار اروبا الوسطى الى اواخر القرن  الثاني عشر تقارب خمسة وتسعين في المائة أي بعد ما يزيد على القرنين من قيام الحكم الثاني في مدينة قرطبة بتاسيس سبع وعشرين مدرسة خاصة بابناء الفقراء بالاضافة الى ثمانين مدرسة عمومية(2). 
ولم يفد العرب على الاندلس حاملين اليها الحرير والقطن والورق والبن والبرتقال والليمون والرمان ولاسكر فقط وانما اشاعوا فيها الحساب والجبر الكيمياء والطب والفلك والشعر ايضا وقد ذاع بفضلهم ذكر الفلاسفة اليونانيين بما نقلوا من اثارهم الى العربية التي كانت لغة الفكر والادراة والعلم جميعا وكانت مذاهبهم الفلسفية تدرس بجامعة قرطبة التي كان القساوسة والرهبان من شمال البلاد يقصدونها كلما رغبوا في طلب العلم كما كان ملوك اروبا عند ما تصيبهم الامراض يرون شفاءهم محققا اذا ما تمكنوا من استقدام اطباء الاندلس بالمغالاة في مكافاتهم بالذهب وثمين الهدايا وخلاصة القول هي ان نور العلم قد ظل وهاجا ما اضاءت جذوة القنديل عند المحراب بالاندلس ويرى المنصفون من الكتاب ان اسبانيا لم تشق باهوال العصور الوسطى بفضل الوجود الاسلامي في ربوعها (3) وقد استمر الوجود الاسلامي في تلك الديار سبعمائة واحدى وثمانين.
اما الوجود العربي بجنوب ايطاليا وجزيرة صقلية فقد قاربت مدته مائتين وخمسين عاما وكانت باليرمو عاصمة الجزيرة بجامعتها مركز اشعاع ثقافي على جنوب القارة الاروبية ووسطها وكان النصارى من مختلف اقطارها يحجون الى فلسطين والى قبر القديس سانتياغو بمدينة كومبوسطيلا من جليقية في الشمال الغربي لشبه الجزيرة فيتصلون بالحضارة الاسلامية ويطلعون على اثارها العلمية بالاضافة الى الاتصال الذي كان يتم في كنف التجارة بين البندقية وجنوة وقابس والقيروان والاسكندرية وسبتة ثم بسبب الحروب الصليبية ورجوع المقاتلين الى اوطانهم بعد ما عملوا ببعض مظاهر الحضارة. وقد اسس الملك الفونسو العاشر الملقب بالعالم مرصدا غلكيا يتوفر على احدث الالات والاجهزة التي لم يكن لها مثيل انذاك واستعان بالفلكيين المسلمين في مهام التدريس والبحث والاستكشاف جميعا.
ونحن اذا ما رجعنا الى مدرسة المترجمين بطليطلة وجدنا ان الملك الفونسو السادس قد استعان على نقل الكتب العربية الى اللغة اللاتينية بكبار المختصين من المسلمين واليهود والنصارى لان اللاتينية كانت لغة الدين والدولة والعلم في الممالك النصرانية كافة اما القشتالية التي اصبحت اللغة القومية والرسمية للبلاد بعد توحيدها على عهد الملكين فرناندو وايسابيل فلم تتكون الا في القرن الثاني عشر ولم تصبح لغة الادب والعلم الا بعد انصرام ثلاثة قرون تقريبا لتبلغ عصرها الذهبي في القرن السابع عشر وقد كان لهذه المدرسة دور هام في ايقاظ اوربا من سباتها واخراجها من ظلمات الجهل والتعصيب الى نور العلم والمعرفة بما تناقله العلماء بشتى الاقطار من نتاج الحضارة العربية وما اقتبسوه عنها من وسائل البحث وطرائق الاكتشاف وبفضل ما استخرجوه من الكتب التي لاذ بها الرهبان العارفون ببعض الادكرة لانقاذها من حمى الاحراق التي استمرت طويلا حتى بلغت درجتها القصوى على عهد الكاردينال ثيسنيروش لدى وصايته في مستهل القرن السادس عشر.
لقد عرفت اسبانيا التسامح الديني والازدهار الفلاحي والصناعي في ظل الحكم العربي ولم يبق اشعاع الحضارة الاسلامية مقصورا عليها بل كان عاملا هاما في التمهيد لعصر النهضة الاروبية ولما اعقبه من تقدم كبير في مختلف مجالات الاادب والعلوم والفنون.
ومن المستحيل في هذا الحديث الموجز ان نحاول استيعاب فضل الحضارة العربية والاحاطة بمظاهرها العديدة في مختلف الاقطار عبر القرون المتلاحقة وانما اردنا اتخاذه مقدمة لاحاديث مستفيضة بحول الله بعد ما عرفنا بمدرسة المترجمين الطليطلة وبما كان لها من الاثر البعيد في التمكين لعصر الاحياء.

  (1)- قال الاستاذ عنان ان ملوك اسبانيا النصرانية اخذوا يقرون لا لفونسو السادس بلقب الامبراطور الذي اتخذه لنفسه ص 114 من كتاب دول الطوائف ولحقيقة هي ان الفونسو السادس قد عرف في التاريخ الاسباني بلقب المغوار اما لقب المغوار   ELBravo  اما لقب  الامبراطور فقد كان لالفونسو السابع. 
  (2)- كتاب مس الله تسطع على الغرب لمؤلفته السيدة sigrid hunke
  (3)- الفصل السادس من كتاب الكاندرائية الذي الفه الكاتب الاسباني الشهير  غيثينطي بلاسكو  ايبانيث في مطلع هذا القرن وقد الف الاستاذ عباس محمود العقاد  كتابا بعنوان اثر العرب في الحضارة  الاوربية فاورد في خاتمته بعض ما اثبته البلنسي على لسان غابريل لونا في اشادة بالحضارة الاسلامية بالاندلس.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here