islamaumaroc

الوحدة في دين التوحيد

  دعوة الحق

119 العدد

كان الناس أول خلق الناس، أمة واحدة والأقرب إلى نص كتاب التوحيد وفهمه، إنهم كانوا متفقين على التوحيد لا على الشرك، وعلى الهدى لا على الضلالة، وقد قال الله في هذا الموضوع فيما قال (كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيئين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه) وقال (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى، شهدنا)
والتاريخ أيام، وتلك الأيام قد داولها رب الناس بين الناس، والتاريخ أعوام، وتلك أعوام قد تعاورتها حكومات وأحكام، حكومات إيمان، وحكومات كفر، وأحكام عدل، وأحكام جور. وهذه بقعة من بقاع هذه الأرض، سماها الناس من قبل بعدة أسماء، وندعوها اليوم (فلسطين) قد تعاورتها في مختلف عصور التاريخ حكومات وأحكام، وتقاتل عليها بنو الإنسان من قبل، كما يتصارع اليوم من أجلها بنو إسرائيل وبنو يعرب، وقد تقول أنت وأنا، أو يقول غيري وغيرك، ما تعدل هذه البقعة في هذه الأرض الشاسعة الأطراف المترامية البراري والبحار، والجبال، والسهول إلا مقدار قلامة ظفر من جسم الإنسان.
فلم النزاع وأرض الله واسعة، وفيم الخصام وقد خلق الله للناس ما في الأرض جميعا.
أفلا يصلحون؟ ولكن ربك قضى ما قضى، وحكمته ماضية، وسنته قاضية، قضى أن (لا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك، ولذلك خلقهم) وقضى أن (لولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض)، وقضى أن (لولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز، الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، ولله عاقبة الأمور) فالأيام حروب، والحياة تدافع، والعاقبة للمتقين، وفي فترة من فترات تاريخ هذا الإنسان المتدافع طغت بهيمية الإنسان على ملكيته، وماديته على روحانيته، حتى أصبح- كما يقول أبو القاسم الحسين بن محمد الراغب - (لفظا مطلقا على معنى غير موجود، وحيوان غير معهود)، ولكن الله الحكم العدل، القيم على حفظ السماوات والأرض، قد تأذن أن تلقى الروح من أمره على من يشاء من عباده، والله أعلم حيث يجعل رسالاته، وكذلك أوحى إلى النبيء العربي محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه، روحا من أمره، وما كان محمد يدري ما الكتاب ولا الإيمان، ولكن جعله نورا يهدي به من يشاء من عباده، وكان الكتاب كتاب (القرآن)، وكان الدين (دين التوحيد)، وكان قوم محمد في جزيرة العرب على حال من الشر لا تجد وصفا لها أحسن مما هي جاءت موصوفة في جواب جعفر بن أبي طالب لملك الحبشة حين قال: "أيها الملك كنا أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصفته وأمانته، وعفافه فدعانا لتوحيد الله، وأن لا نشرك به شيئا، ونخلع ما كنا نعبد من الأصنام، وأمرنا بصدق الحديث وصلة الرحم وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء ونهانا عن الفواحش وقول الزور، وأكل مال اليتيم وأمرنا بالصلاة، والصيام، والزكاة والحج، فآمنا به وصدقناه".
وإذا كان للنبوة أثقال، كما يقول ابن هشام، فقد تحمل خاتم النبيئين الثقل بكامله، فاستمسك بالذي أوحي إليه، وصدع بما أمر به، وصبر على ما أصابه كما صبر أولوا العزم من الرسل من قبله، فهدى الله به إلى دينه السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار الذين آووه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه، فكانت هجرة، وكان نصر، وكان فتح، وكان أن كون (دين التوحيد) من قوم محمد أمة متحدة في الوسائل وفي الغايات، تؤمن بالله وتجتهد في دينه، وتجاهد في سبيله، وأصبح العربي الجاهلي الذي كان دافع سلوكه أنانية الفرد، وعصبية القبيل، وطبيعة الثأر، ذلك العربي المسلم الذي يصرفه القرآن في أخلاق من سمو الضمير، وطهارة القلب، وسعة الصدر، واعتدال العاطفة، ورجاحة العقل، وقوة الإرادة، يجاهد في سبيل الله ولا يخاف لومة لائم، ويوثر أخاه المسلم على نفسه ولو كان به خصاصة وهنا، هنا فقط، وعلى الحقيقة لا على الاستعارة، وعلى الاستقامة لا على الالتواء، وعلى الإنتاج لا على الاستصدار، ومن وحي الله لا من وحي الأغراب، وضعت اللبنة الأولى لبناء صرح (القومية العربية) الأصيلة التي كان فيها الدين للدولة، والدولة للدين. ولقد كان أبو الريحان البيروني موفقا كل التوفيق في التعبير عن هذه القومية حين قال: (ديننا والدولة عربيان توأمان ترفرف على إحداهما القوة الإلهية، وعلى الآخر اليد السماوية).   
وتحت راية هذه القومية العربية الأصيلة التي عجن فيها طين العروبة بماء الإيمان أصبحت أم القرى ويثرب تشعان نور الله على ما حولهما في الأصقاع والبقاع، وجالت خيل الله في أرض الله، وكانت العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، وصدق الله، "وما رميت إذ رميت، ولكن الله رمى". ويعرف الناس أن الأمر صار في عهد حكومة الرسول، وحكومة الخلفاء الراشدين من أصحاب الرسول، على أساس من شورى الحكم، وقضاء العدل، وتشريع الإسلام، وأخوة الإيمان، وكانت الشعارات المرفوعة هي شعارات آي الكتاب، وأحاديث الرسول، وتصريحات الصحابة، (المؤمنون إخوة) (والدين المعاملة)، و(المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يهضمه ولا يسلمه) والمسلم وغير المسلم أمام الحق سواء، "ولا يجرمنكم شنئان قوم على أن لا تعدلوا" و(متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا).
إلى أن كان مما اقتضته سنة الله في الخلق، ولن تجد لسنة لله تبديلا، "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم". كان أن وقع في أمة الرسول، ما خشي الرسول على أمته أن يهلكها حين قال محذرا لها من التنافس على الثروة والمال والجاه "فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما أهلكتهم".
وكذلك كان، فلقد استمتع العرب الحاكمون من بعد حكومات خلفاء الرسول، بخلاقهم كما استمتع الذين من قبلهم بخلاقهم، وخاضوا كالذي خاضوا، وتبدلت حكومة الدين بحكومة الدنيا، وحكم الشورى بحكم الاستبداد، وقضاء العدل بقضاء الجور، فعمت الأهواء، وتوزعت المطامع وتعارضت الأغراض، وحلت الأثرة محل الإيثار، فتمزقت (الوحدة) وتهاوت طيور الشر على الأمة، تنقصها من كل طرف، وتنهشها من كل جانب، فكان في كل جهة ناكث، وفي كل قطر عابث، وصدق الله "أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض، أم نجعل المتقين كالفجار"، وإنه لحديث عبرة ذلك الذي تحدث به عبد الله بن مروان في مجلس المنصور وهو يقص قصته مع ملك النوبة حين فر إلى بلاد النوبة هاربا من السفاح، قال عبد الله ابن مروان- فيما يرويه ابن خلدون ناقلا عن المسعودي-: "أقمت مليا ثم أتاني ملكهم، فقعد على الأرض، وقد بسطت لي فرش ذات قيمة فقلت له ما منعك من القعود على فراشنا، فقال: إني ملك وحق لكل ملك أن يتواضع لعظمة الله إذ رفعه الله، ثم قال لي: لم تشربون الخمر وهي محرمة عليكم في كتابكم؟ قلت: اجترأ على ذلك عبيدنا وأتباعنا، قال: فلم تطأون الزرع بدوابكم والفساد محرم عليكم؟.. قلت: فعل ذلك عبيدنا وأتباعنا بجهلهم، قال: فلم تلبسون الديباج والذهب والحرير، وهو محرم عليكم في كتابكم؟ قلت: ذهب منا الملك وانتصرنا بقوم من العجم دخلوا في ديننا فلبسوا ذلك على الكره منا، فأطرق ينكث في الأرض ويقول: عبيدنا وأتباعنا وأعاجم دخلوا في ديننا??.. ثم رفع رأسه إلي وقال: ليس كما ذكرت بل أنتم قوم استحللتم ما حرم الله عليكم، وآتيتم ما عنه نهيتم، وظلمتم فيما ملكتم، فسلبكم الله العز، وألبسكم الذل بذنوبكم، ولله نقمة لم تبلغ غايتها فيكم، وأنا خائف أن يحل بكم العذاب وأنتم ببلدي، فينالني منكم، وإنما الضيافة ثلاث فتزود ما احتجت إليه وارتحل عن أرضي" وكذلك كان، وكأن ملك النوبة كان ينظر بعين اليقين، فقد حلت فتنة التتار، وجاء عصر الانحدار، وتعاقب على حكم الأمة العربية الأغراب من التتار والسلاجقة والممالك والشراكسة والأتراك، ثم جاء دور الاستعمار، الذي أنشب في عضدي الأمة العربية الظفر، وغرس في صدرها الناب، فأذاقها الخسف، وسامها العذاب عدة أعوام، حتى إذا اقتضت سنة الكون وأسلوب العصر، أن يبدل أساليبه، ويغير ألاعيبه، دق في جسم الأمة العربية، وفي الأراضي المقدسة منها أسفينا جمعه من عدة أجناس، ومختلف اللغات، وقال له كن (إسرائيل) فكان. ولقد كان استعماريا صريحا ذلك الاستعماري الذي صرح وقال: "لو لم تكن الصهيونية موجودة لكان من واجبنا أن نخلقها"، وما ذاك إلا ليدخل الاستعمار من النافذة بعد أن خرج من الباب، ويعاود الكرة من جديد لاستئناف العدوان، ولو أن العرب تذكروا بأيام الله، لكان لهم في حرب إسرائيل عام ثمانية وأربعين مزدجر، فنبذوا الخلاف، وطرحوا الشقاق، وأعدوا العدة لخامس حزيران، ولكن العرب ظلوا طوال عشرين سنة بعد هذه الحرب يتحاسدون، ويتباغضون، ويتدابرون، ويقطع بعضهم رقاب بعض، محاولين أن يقيموا الوحدة على غير (دين التوحيد)، ولم يستيقظ العرب من سباتهم يوم خامس حزيران إلا طائرات إسرائيل ترميهم بقنابل من نار، وهم على حين غفلة نائمون، فكان ما كان مما ذابت له القلوب من كمد، واليوم، وبعد أن وقعت تلك الواقعة، ألا يتعظ العرب؟، ألا يعتبرون؟، ألا يتحدون؟، ألا يتبع خلف الأمة المغلوب، سلفها الغالب؟، فيقيمون صرح وحدتهم على ذلك الأساس المتين ألا وهو (الوحدة في دين التوحيد).

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here