islamaumaroc

المولد النبوي في التاريخ وقد مر عليه أربعة عشر قرنا

  دعوة الحق

119 العدد


كان مولد النبي الكريم عليه السلام عام الفيل الذي خذل الله عز وجل فيه ابرهة الاشرم عامل النجاشي على بلاد اليمن وصده عن مكة من خطر الحبشة ذلك ما جعل هذا العام فاتحة عصر جديد في حياة العرب من دون شك ان هذه الحادثة التاريخية كانت فاتح خير على العرب عامة وعلى قريش خاصة الشيء الذي اصبحوا معه يؤرخون بها حوادثهم بل مهد لهم السبيل لقبول الدعوة الاسلامية والقيام بنصرتها.
لذا اصبح مولد الرسول الكريم عند المسلمين في مشارق الارض ومغاربها بمثابة تعبير عام عما يفيض به شعورهم من تعظيم لشخصه الكريم وتقديس لكرامته وحرص على ممارسة طقوسهم الدينية.
يوم خالد فسح المجال لاجتماع الاهل والاصدقاء اجتماعا يطفح بالبشر والسرور مندفعين لاقامة المهرجانات واسواق الافراح وتهيء الوائم وتبادل الهدايا والحلويات في ظرف يرتل فيه المنشدون والصوفية والشعراء الاناشيد في مدح المولود الكريم الذي بزغ نوره الوهاج على هذا الوجود في 12 من ربيع الاول الموافق (20 من ابريل سنة 581 م) من ابوين كريمين نعم توفي ابوه عبد الله قبل ميلاده.
ومن كثب (1) عهد بارضاعه الى امراة بدوية هي حليمة جريا على عادة الاشراف من قريش حيث كانوا ينشئون ابنائهم في اجواء بدوية تكسبهم الفصاحة في السان وتدربهم في نفس الوقت على تحمل وملاقاة الشدائد لاسيما في العيش وبساطته.
وتوفيت امه امنة وهو في السادسة من عمره وكان اثناء وجوده عند حليمة يخرج مع اخوته من الرضاع لرعاية الغنم فاكتسب بطبيعة الحال رافة ورحمة ولين جانب وسوى هذه الخصال الحميدة التي من شانها ان تولد في الانسان ورقة وحنانا على الحيوان خاصة منه الانسان.
وطبعا اكسبته هذه الاسفار تجارب ومشاهدات لاحوال تلك البلاد وطرق النقل واخلاق الناس ومظاهر حياتهم في البيئة الرومانية كما وقف بنفسه الكريمة على اساليب الناس وتعاملهم في البيع والشراء فحاز ميزة خاصة في هذه الاثناء ذلك انه عرف بالصدق والامانة اللذين اصبحا شعارا له منذ نعومة اظفاره كما انه عليه الصلاة والسلام عرف بالمروءة والوفاء وحسن الجوار والحلم والعفة والتواضع والجود والشجاعة.
وكان صلوات الله عليه يكره عبادة الاوثان لا يشرب الخمر ولا ياكل مما يذبح على النصب ولا يغشى مجالس اللهو والسمر.   
وكان يؤثر العزلة ويالف النسك ولاعبادة وحين بلغ الاربعين يذهب الى غار حراء يتعبد فيه الليالي ذوات العدد حتى اتاه جبريل حتى اذا ما بلغ الرسول الاربعين جاءه جبريل واستطاع صلوات الله عليه ان يقلب اوضاع الامة العربية وراسا على عقب ويجمع قبائلها تحت لواء الاسلام مساعدا على نشر الفضيلة حتى ظهر منهم رجال اشتهروا بالورع والتقوى.
فهذه العظمة وهذه القداسة اللتان توفر عليهما محمد بن عبد الله صلوات الله عليه كان خليقا بالمسلمين جميعا ان يحتفلوا بذكرى مولد الرسول الكريم ويؤثر عن المسلمين انهم احتفلوا بهذه الذكرى المباركة في حياة الرسول العظيم.
نعم لم يتخذ المسلمون في اوائل الاسلام من هذا المولد عيدا تحتفل به الدولة احتفالا غير ان هذا ما كان ليقلل من عظمة هذا الحادث في نفوس المسلمين لانهم كانوا يعدون الاحتفال بهذه الذكرى بدعة من البدع لانه لم يرد في الكتاب او السنة.
على ان الصالحين والورعين من ابناء الاسلام بدا لهم عن حسن نية وتعلق بجناب المولود الكريم فيما بعد ضرورة الاحتفال بمولد الرسول تكريما لجنابه الشريف صلوات الله وسلامه عليه.
روي ان الكرخي الذي كان من الزهاد المتعبدين كان لا يفطر في عيد الاضحى وعيد الفطر وفي يوم مولد الرسول الكريم وكان يولي هذا اليوم ما هو جدير به من تعظيم وتقديس وقد احتفل المسلمون منذ ذلك الحين بلبلة مولد النبي الكريم.
فاحتفل به الخلفاء العباسيون مجتذبين الشعب على اختلاف طبقاته بالعطايا والارزاق والهبات والاسمطة التي كانوا يهيئونها في الاعياد والمواسيم.
وخاصة في اول العام الهجري وفي مولد النبي صلى الله عليه وسلم ومولد الخليفة الجالس على العرش وفي غرة رمضان وفي عيدي الفطر والاضحى وغيرها من الاعياد التي اصبحت من اهم شعار الدولة الرسمية في العصر العباسي ويشارك في تلك الاحتفالات العدد من الوافدين على العاصمة من بغداد والموصل والجزيرة وسنجار وسواها ومن هؤلاء طائفة من العلماء والمتصوفين والوعاظ والقراء.
وكان الامير ابو سعيد مظفر يقيم في الشارع الاعظم بمدينة اربل مناضد كبيرة من الخشب كراسي بعضها فوق بعض يجلس عليها المغنون والموسيقيون ويجلس الناس امام تلك المناضد في ليلة المولد النبوي يستمعون الى الغناء والموسيقى والاناشيد وينعمون بما يقدم اليهم من الاواني الحافلة بالوان الطعام والحلويات بعد.
كما ان الدولة الفاطمية في افريقيا تونس ومصر (كانت هي بدورها تقيم المواسيم والاحتفالات في اهتمام بالغ كعيد راس السنة الهجرية وليلة المولد النبوي الشريف ومولد علي بن ابي طالب ومولد ابنيه الحسن والحسين (كما هي عادة الشيعة) ومولد السيدة فاطمة الزهراء.
كما ان الدولة الايوبية والمماليك ومن جاء بعدهم من السلاطين والامراء كانوا يحتفلون بمولد الرسول الكريم على النحو الذي كان يحتفل به الفاطميون.
وشاع الاحتفال بالمولد النبوي في سائر الاقطار الاسلامية والاندلس احتفل المسلمون بالمولد النبوي احتفالا يتجلى باجلى مظاهر الابهة والعظمة وقد وصف ابو العباس المقري مؤرخ الاندلس الاسلامية الاحتفال بالمولد في عهد السلطان ابي حمو صاحب تلمسان الذي عاش في القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي).
وهذا ابو الحسن المريني رجل الدولة المرينية المعروف عند العوام (بالسلطان الاكحل) كان هو كذلك من ملوك المغرب الذين عنوا بالمولد النبوي والاحتفال بذاكره الغالية وكان له "دينار يساوي مائة مثقال ذهبا على صورة رغيف كان يتفضل به على الشرفاء الصقليين والمستوطنين بسبتة ليلة المولد النبوي كما جاد بمثل ذلك على شجاع من اهل رندة سماه ابن مرزوق في كتابه المسند الصحيح الحسن وذكر المقري في ازهار الرياض ان ابان عنان المريني سبك له دينار يساوي مائة مثقال واعطاه للشريف السبتي الذي كان يصله والده بمثل ذلك.
وفي الدولة السعدية كان المنصور يعتني بسائر الاعياد فعندما تبدو طلائع ربيع الاول(2) تصرف  الرقاع الى الفقراء ارباب الذكر على رسم الصوفية
والمؤذنين التعارين في الاسحار الهلالين فيردون على العاصمة من كل جهة ويحشرون من سائر حواضر المغرب ثم يامر الشماعين بتطريز الشموع واتقان صنعتها فيتبارى في ذلك مهرة الشماعين من كل من يباري النحل في نسيج اشكالها دقة ولطفا وادماجا فيصوغون انواعا من الشمع تحير النواظر ولا تذبل زهورها النواضر فاذا كانت ليلة المولد تهيا لحملها وزفاف كواعبها الصحافون المحترفون بحمل خدور العرائش عند الزفاف فيتزينون لذلك ويكونون في اجمل شارة واحسن منظر ويجتمع الناس من اطراف المدينة كلها لرؤيتها فيمكثون الى حين يسكن حر الظهيرة وتجنح الشمس للغروب فيخرجون بها على رؤوسهم كالعذارى يرفان في حلل الحسن وهي عدد كثير كالنخل فيتسابق الناس لرؤيتها وتمتد لها الاعناق وتبرز ذوات الخذور ويتبعها الطبول والابواق واصحاب المعازف والملاهي حتى تستوى على منصات معدة لها بالايوان الشريف فتصطف هناك فاذا طلع الفجر خرج السلطان فصلى بالناس وقعد على اريكته وعليه حلة البياض شعار الدولة وامامه تلك الشموع المختلفة الالوان من بيض كالدمى وحمر جلبت في ملابس ارجوان وخضر سندسية واستحضر من انواع الحسك والمباخر ما يلهي المحزون ويدهش الناظر ثم دخل الناس افواجا على اختلاف طبقاتهم فاذا استقر بهم المجلس تقدم الواعظ فسرد جملة من فضائل النبي صلى الله عليه وسلم ومعجزاته وذكر مولده ورضاعه وما وقع في ذلك باختصار فاذا فرغ اندفع القوم في الاشعار المولديات فاذا انهوا ذلك تقدم اهل الذكر المزمزمون بكلام التستري(3)  واشعار الصوفية ويتخلل ذلك نوبة المنشدين للبيتين فاذا انتهوا من ذلك كله قام شعراء الدولة فيتقدم قاضي الجماعة بلبل منابر الجمع والاعياد فينشد قصيدة يفتحها بالتغزل والنسيب فاذا اتم تخلص لمدح النبي صلى الله عليه وسلم ثم يختم بمدح الخليفة والدعاء له ولولي عهده ثم يتقدم باقي الشعراء الواحد تلو الاخر فاذا طوى بساط القصائد نشر خوان الاطعمة والموائد فيبدا بالاعيان على مراتبهم ثم يؤذن للمساكين فيدخلون جملة فاذا انقضت ايام المولد برزت صلات الشعراء على اقدارهم وترتيبهم في الاسبقية والتبريز.
وعلى هذا النموذج الكريم كان يجري احتفال دولتنا العلوية الشريفة بالمولد النبوي منذ نشوئها الى دولة المولى الحسن الثاني ملك البلاد اعزه الله وايده فيرد العجز على الصدر بابهى حلل الاحتفال والتكريم بائا روح مبادئ الاسلام الطاهرة في قلوب ابناء الشعب المتعطشين بانشاء حياة اسلامية مثالية صحيحة تبعث منهم رجالا اعزاء يستطيعون بما اوتوا من مقدرة وايمان حمل راية العزة والكرامة ويذودون في نفس الحال عن حياض التعاليم الاسلامية رافعين مشاعلها المشرفة للانارة والهداية مقاومين (ما استطاعوا) كل الحاد وتدجيل يدرجان في الاوساط المسلمة بين الفينة والاخرى وقد دهي بهما ضعفاء الارادة وبسطاء العقول فاي فائدة يا ترى من سرد سيرة الرسول الاعظم ونشرها بين يدي المومنين على اختلاف درجاتهم ايمانا واسلاما دون ان تكون لها جدوى ونتائج ملموسة على نفوس المستمعين وارواحهم فتهذبها وترققها وتلينها وتجعلها في النهاية متاثرة بكل ماجريات الرسول صلوات الله عليه متنافسة في الاهتداء بهديه والاقتداء باقواله وافعاله وتقرراته (لقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة) (قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) ثم السعي في جد لنشر تلك المكارم الغالية بين الاسر والاصدقاء والمجتمعات الخاصة والعامة حتى تعم الهداية المنشودة المنزل والسوق والدكان والشارع ونصيح بذلك ولا ريب خلقين حقيقين بالخيرية والافضلية المنصوص عليها في كتاب الله العزيز اثناء سورة "ال عمران" قال جلت قدرته "كنتم خير امة اخرجت للناس تامرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتومنون بالله".
بهذا يكون الشعب قد ادى رسالة هذه الذكرى تحت رعاية الملك المحبوب الشاب الحسن الثاني دامت له السلامة والعزة وقد مر عليها اربعة عشر قرنا.
حفظ الله الحسن الثاني وكلا ولي عهده سيدي محمد وباقي الامراء والاسرة.
وفق الله وسدد.

  (1)- اصوب من عن كثب
  (2)- ترسل اليهم الرسائل ليحضروا.
  (3)- هو سهل بن عبد الله بن يونس التستري لقي الشيذخ ذا النون المصري – لم يكن له في وقته نظير  في المعاملات والورع انظر وفيات الاعيان توفي سنة 283هـ 896م .

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here