islamaumaroc

مقارنة بين تفسير الزمخشري وتفسير ابن عطية

  دعوة الحق

119 العدد


 

إن الهمة المولوية الحسنية التي أهابت بعلماء المغرب، الفاقعين منهم والكاهلين، لإبراز التفسير الجليل تفسير الشيخ عبد الحق بن عطية، قد هيأت المتشوقين إلى هذا السفر الجليل إلى تناوله ومطالعته وري ظمئهم من علمه وتحقيقه، وأشاعت بينهم الحديث عنه، والتنويه به، ومقارنته بما يقاربه أو يقابله من كتب التفسير، وإذ رأيت الباحثين قد سلكوا في هذه المقارنة طرائق قددا، وأدركت أن من أوجه مقارنته والتعريف به ما قد ينبو عن حقيقته، ويصوره بغير صورته، لاسيما لمن لم يقف عليه، ولم يعرفه، أحببت أن أعرض على صفحات مجلة دعوة الحق الجليلة هذا البحث الذي يضع تفسير ابن عطية في نصابه، وينظمه في سلكه، ثم يقارن بينه، وبين أخص التفاسير به اتصالا، وأقواها به شبها، وأجدرها بأن يوازن به، ويتناظر وإياه، وهو تفسير الكشاف للزمخشري.

منذ ابتدأ أهل السنة يجاذبون المعتزلة أعنة البحث والنظر، ويداولونهم ميادين الكلام والتأويل، في أوائل القرن الرابع، بدأ سلطان المعتزلة على التفسير العلمي يتضعضع، ونفوذهم على مسالك التأويل يتقلص.

وزاد ذلك السلطان تضعضعا، وذلك النفوذ تقلصا، بانتزاع أهل السنة زمام فن آخر مما يتصل بتفسير القرآن، من جهة ثانية، اتصالا قد يكون أوثق من اتصال علم الكلام به من الجهة الأولى ونعني بهذا العلم: علم البلاغة.

فإنه لم يكد لواء النبوغ في تقرير نكت البلاغة القرآنية يعقد على مجالس الشريف المرتضى المتوفى سنة 436، حتى نجم في أفق أهل السنة فتى شافعي أشعري، من عباقرة علماء العربية هو: عبد القاهر بن عبد الرحن الجرجاني المتوفى سنة 471 تمرس بكتب أبي علي الفارسي، وتخرج على طريقته في النحو، فألف شرحين على كتاب الإيضاح لأبي علي الفارسي، وألف كتاب "العوامل المائة" في النحو، ثم التفت إلى ما وراء النحو: من أسرار العربية المتجلية في تأليف الجمل على اعتبارات خصوصية، تتفاوت في الحسن والقبول بحسب ما تزيد أو تنقص من الوفاء بمتممات المعاني، بعد اشتراكها في الوفاء بأصولها. وذلك ما كان الأدباء مستغرقين في التنويه به واستقصاء مثله، من لدن عبد الله بن المقفع إلى بشر بن المعتمر إلى سهل بن محمد السجستاني، ثم إلى الجاحظ وابن المعتز، فكانوا غير مستقرين على تمييز هذا الفن باسم قار مصطلح عليه يعنون على ماهيته بدقة، فربما سماه بعضهم "البيان" وسماه آخرون "البديع" وسمته طائفة ثالثة "صناعة الشعر" و "صناعة الكتابة" وكثيرا ما تواردوا، قصدا أو عرضا، على تسميته "بلاغة" واتصلت بهذا الفن، على ما هو عليه من نقص في وضوح الجوهر، نظرية إعجاز القرآن، فقد استقرت عند المعتزلة من القرن الثالث على أنها أمر إيجابي يرجع إلى ناحية من رفعة فن التعبير فيه، فجعلها الجاحظ في الإيجاز، وجعلها الواسطي في النظم، وجعلها الرماني في البديع، وأصبحت بذلك مسائل البلاغة من آلات الكشف عن نظرية إعجاز القرآن، فأفتن في استعمالها المتكلمون الأولون: وهم المعتزلة، حتى إذا استقر الكلام السني على قواعد العقيدة الأشعرية، في النصف الثاني من القرن الرابع عدل سريعا إلى تقرير نظرية الإعجاز على نحو ما كان يقررها عليه المعتزلة، مستعملا الآلات التي سبق أن استعملها المعتزلة في ذلك، فكان الذي ربط بين فن البلاغة وبين نظرية الإعجاز، ربطا وثيقا هو إمام المتكلمين الأشاعرة القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني في كتابه: "إعجاز القرآن" ولكنه لم يتمكن من ضبط جوهر البلاغة ضبطا يخرجها عن المجال النقدي الذوقي، إلى المجال العلمي المنهجي، وإن أشاد بما بين البلاغة على ما يدركه الناس من معناها، وبين إعجاز القرآن من ارتباط محكم يجعل البلاغة مرجع الوجه الثالث من أوجه الإعجاز عنده وهو أهمها. وتلك الثلاثة هي: الإعجاز الغيبي، والإعجاز العلمي، والإعجاز البلاغي، وقد حاول القاضي أبو بكر الباقلاني، على ذلك، أن يفصل ما أجمله العلماء في إعجاز القرآن ببلاغته، فحدد الأقسام، ووسع دائرة النظر، ودار ولف بين فنون الكلام وأساليبه، وقارن الآيات بالفقر والأبيات، ولكنه لم يستطع أن يفصح عن معنى البلاغة وحقائق أبوابها، بما يوضح المنهج لإدراك إعجاز القرآن من جهتها. فجاء عبد القاهر الجرجاني يتم ما وقف عنده أبو بكر الباقلاني، وأخرج عبد القاهر لذلك كتابه العجيب "دلائل الإعجاز" يبين فيه جهات الحسن البلاغي وعلله ويضبطها في قوالب محكمة من التعبير، فجاء عمله عملا أساسيا منهجيا، كشف به عن معنى الإعجاز البلاغي بصورة مبدئية نظرية تسمو على تتبع الجزئيات، وترديد المقارنات والموازنات. وقد أفصح عن مزية عمله هذا أي إفصاح حين قال في الفصل الأول من كتابه "لم أزل منذ خدمت العلم أنظر في ما قاله العلماء في معنى الفصاحة والبلاغة، والبيان والبراعة، وفي بيان المغزى من هذه العبارات وتفسير المراد بها، فأجد بعض ذلك كالرمز والإيحاء، والإشارة في خفاء، وبعضه كالتنبيه على مكان الخبيء ليطلب وموضع الدفين ليبحث عنه فيخرج " ثم قال: "وجملة ما أردت أن أبينه لك أنه لا بد لكل كلام تستحسنه، ولفظ تستجيده، من أن يكون لاستحسانك ذلك جهة معلومة، وعلة معقولة، وأن يكون لنا إلى العبارة عن ذلك سبيل، وعلى صحة ما ادعيناه من ذلك دليل". وقد أتى في كتابه فعلا من بيان المعاني وضبط مراجع اختلاف طرق التعبير عنها وبيان الصورة البلاغية في إفادة المعنى بالتركيب ما قوم به هيكل فن المعاني، وجعل كتابه كما أراده من اسمه "دلائل" على أوجه الإعجاز، يهتدي بها الناظر، لا استقصاء، لما لا يمكن استقصاؤه من أوجه الإعجاز بالتفصيل.

فانفتح بهذا الوضع الجليل باب كان مغلقا في أوجه متعاطي التفسير، وهو بيان الوجه البلاغي المعجز من كل تركيب قرآني، وجعل ذلك الوجه ملاك المعنى المستفاد من التركيب، بحيث أن احتمالات المعاني تتفاوت قوة وضعفا على نسبة ما تتلاقى مع السر البلاغي المتمثل في التركيب، أو تتجافى عنه، وذلك ما نادى به الشيخ عبد القاهر بنفسه حيث قال: "وهو باب من العلم إذا أنت فتحته اطلعت منه على فوائد جليلة، ومعان شريفة، ورأيت له أثرا في الدين عظيما، وفائدة جسيمة ووجدته سببا إلى حسم كثير من الفساد في ما يعود إلى التنزيل، وإصلاح أنواع من الخلل فيما يتعلق بالتأويل.. ويربأ بك عن أن تكون عالما في ظاهر مقلد، ومستبينا في صورة شاك".  

تزاحم على ولوج هذا الباب الذي فتح في النصف الثاني من القرن الخامس جوادان سابقان من جياد حلبة التفسير العلمي: أحدهما من شرقي آسيا، والآخر من غربي أوربا، تعاصرا وسارا في ذلك الطريق فرسي رهان، هما العلامة أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري الخوارزمي، والإمام القاضي أبو محمد عبد الحق ابن عطية الغرناطي الأندلسي، ولد الزمخشري سنة 467 أي في حياة الشيخ عبد القاهر وعلى مقربة من وطنه وتوفي سنة 538 وولد عبد الحق ابن عطية سنة 481 وتوفي سنة 542 على ما حققه ابن بشكوال، فكانا متعاصرين، يفرق بينهما في الولادة أربعة عشر عاما يكبر بها الزمخشري ابن عطية، ويفرق بينهما في الوفاة أربع سنين فقط، سبق بها الزمخشري أيضا، وكان أطول عمرا من صاحبه.

وقد ثبت ضبط التاريخ الذي ألف فيه الزمخشري تفسيره وهو سنة 528 كما نص على ذلك هو نفسه في نهاية الكتاب، ولم يثبت نص على تاريخ تأليف ابن عطية تفسيره، ولكن الذي يستفاد من مقارنة العمرين أن تفسير الزمخشري ألف وسن ابن عطية ستة وأربعون عاما، وهو مكتمل الأشد، تام التكون العلمي، شهير المنزلة، فلا يمكن أن يفرض أنه تخرج بالزمخشري، أو بنى على تفسيره، لاسيما إذا لاحظنا ما أثبته ابن الآبار في ترجمة ابن عطية أنه كان، في آخر دولة المرابطين، كثير الخروج للغزو في جيوشهم، وذلك يرجح أن يكون تأليف تفسيره قبل هذا الدور الأخير من دولة المرابطين الذي هو الدور الأخير من حياة ابن عطية، إذ كان تاريخ وفاته سنة 542 عين تاريخ انتهاء دولة المرابطين بالأندلس وقد أفاد ابن الآبار أيضا بشأن تفسير ابن عطية أن الناس كتبوه كثيرا، وسمعوه منه، وأخذوه عنه، وذلك يقتضي مدة طويلة من حياته مضت بعد تأليف التفسير حصلت فيها كثر الرواة بتتابع الطبقات، فلذلك لا نفترض أن أحد هذين المفسرين اعتمد على الآخر واغترف منه بل نجزم بأنهما اعتمدا على أصول مشتركة واغترفا من منابع متحدة، وذلك ما يسمح لنا بأن نضم أحد التفسيرين إلى الآخر على معنى المقارنة والموازنة بين أثرين مستقلين متحدين في الموضوع والمنهج والعصر.

ولعل ذلك المثل السائر الذي فاضت به الحكمة العربية الفطرية (رب أخ لك لم تلده أمك) لم ينطبق يوما على متآخيين متناصرين، على بعد الأواصر، وتباين العناصر، كما انطبق على ما بين اللغة العربية ذاتها، وبين حبيبها وربيبها: فخر خوارزم جار الله أبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري، فلقد نشأ متيما بالعربية، متفانيا فيها، منقطعا لروايتها وتحقيقها وخدمة علومها، مفضلا لها، مناصرا لخصائصها ومعارفها، ومحاربا للمستنقصين قدرها من الشعوبيين، معتزا بما نال من المعرفة فيها، وشرف به من الانتساب إليها.

فبهذا التكوين الراسخ، والمعرفة العربية الواسعة، مع مقامه في العلوم الإسلامية، إذ كان إماما من أئمة المتكلمين على الطريقة الاعتزالية، وفقيها من كبار الفقهاء على المذهب الحنفي، وعلى ما سار من ذكره، واشتهر من أمره، بعد أن شاعت كتبه وقدرها العارفون حق قدرها، أقبل أبو القاسم الزمخشري على تفسير القرآن في أواخر سنة 525 وقد عرف الناس مقامه فلقبوه "بالعلامة"، وكان قد سافر من بلاده خوارزم في شرقي آسيا الوسطى، فاستقر بمكة المكرمة بعد أن أقام بها أولا ثم فارقها إلى خوارزم، ولذلك لقب "جار الله" فأقام هنالك بمكة في عودته بمدرسة اختص بها واشتهرت به كائنة تجاه الكعبة المشرفة، عند باب أجياد، من أبواب المسجد الحرام وهنالك انقطع لتفسير القرآن تفسيرا على الطريقة العلمية: مبناه تحليل التركيب، وبيان خصائصه، واعتبار إعجازه على المنهج الذي مهده الشيخ عبد القاهر في "دلائل الإعجاز"

وكان مقام الزمخشري من أهل طائفته المعتزلة، مع ما هو معروف به من شدة التعصب يجعل مرجعهم إليه في تفسير ما يدق فهم معناه من القرآن العظيم، مدفوعا بما يمتاز به ذلك العصر بالنسبة إلى المعتزلة من اعتزاز موروث: بأنهم أهل البلاغة ورجال التأويل، يشوبه إشفاق عظيم من الشعور بأن هذا الاختصاص قد نوزعوا فيه أو أنه افتك من أيديهم، فكانوا يرجعون إلى الزمخشري معتزين به منتهين إليه، فيبرز لهم، كما قال وصدق في ذلك، "الحقائق من الحجب" فيزيدهم ذلك اعتزازا وإكبارا ويفيضون في الثناء عليه، والإلحاح في وضعه تفسيرا للقرآن جامعا يعتمدون عليه في نصرة عقيدتهم بتخريج الآيات على مقتضى الطريقة البلاغية التي كانت أزمتها بأيديهم، فكم ألح إخوانه عليه في وضع تفسير شامل، وكم تشفعوا إليه بعظماء فرقته، وعلماء أهل نحلته، وكان ذلك كما يعرف من تاريخ أوائل القرن السادس، عند ابتداء تراجع أمر المعتزلة، وسلوك فرقتهم سبيل الانقراض، وإلى هذا يشير الزمخشري نفسه عندما يذكر في تفسيره: إن الإلحاح كثر عليه وهو بخوارزم ولما توجه تلقاء مكة المكرمة واجتاز بلاد الشرق العجمي والشرق العربي لم يزل يلقى في كل بلد من فيه مسكة من أهلها، وقليل ما هم متعطشين إلى إنجاز ذلك التفسير، ونزل بمكة في مقام إكرام واحترام من أميرها الشريف علي بن حمزة بن وهاس: فزاد إلحاحا عليه، ودفعا به إلى إنجاز ما تعطش أصحابه إلى إنجازه، فألف لهم تفسيره الذي سماه "الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل" واعتمد في تصنيفه على ما يشعر به مكتملا في نفسه من المعارف والملكات، المعتمدة على التكون الأدبي اللغوي الصحيح. وإن المطالع لما تضمن إشارته إلى ذلك من كلامه في خطبة الكشاف ليكاد يهز كلامه من عطفيه حتى يتمايل لتمايله معجبا كما قال أبو الطيب: 
إن أكن معجبا فعجب عجيب
                لم يجد فوق نفسه من مزيد

فقد أتى من تفسيره- حقا- من مظاهر البراعة، وآيات العلم الواسع، والذوق الراسخ، والقلم المتمرس، ما زاده إعجابا به بعد انتهائه إذ قال في وصفه بيتيه العجيبين:
إن التفاسير في الدنيا بلا عدد
             وليس فيها لعمري مثل كشافي
إن كنت تبغي الهدى فالزم قراءته
             فالجهل كالداء والكشاف كالشافي

فأصبح كتابه عمدة الناس على اختلافهم: بين مشايع له، ومخالف، وعلى وفرة مخالفيه، وانقطاع مشايعيه، يرجعون إليه على أنه نسيج وحده في طريقته البلاغية الإعجازية، وفي غوصه على دقائق المعاني وحسن إبرازها على طريقة علمية سائغة، بتحليل التركيب، وإبراز اختصاصه واعتباراته.

على ما يكثر صاحب الكشاف من عنف على مخالفيه وما يتناول به خصوصا أهل السنة والجماعة: من قدح، وشتم، وسب، وتجهيل، فإن ما جبل عليه أهل السنة وقامت عليه طريقتهم العلمية: من الإنصاف، قد حملهم على الإغضاء على تلك الهفوات المخجلة، والعورات الفاضحة، فإنهم أقبلوا على دراسته وشرحه، وبنوا عليه عامة بحوثهم في القرآن، لا يخلو تفسير أو تأليف في موضوع قرآني من رجوع إليه، واعتماد عليه. فابتدأوا أولا بإعمال معيار الإنصاف، حيث كتب العلامة المصري ناصر الدين ابن المنير المالكي الإسكندري كتابه "الانتصاف" فبين ما في الكشاف من دعاو اعتقادية، وما سلك في سبيلها من تخريج الكلام تعسفا أو التزاما لما لا يلزم. 

ودخل تفسير الكشاف مباشرة في صميم أصول الثقافة الإسلامية الأشعرية، وعلا نجمه في القرن الثامن، بإقبال أعلام من المدرسة الأعجمية الأشعرية: مثل شرف الدين الطيبي، والقطب الشيرازي، وسعد الدين التقتازاني، فأصبح من يومئذ ركنا ركينا في هيكل التخرج الإسلامي

وهكذا انقرض المذهب الاعتزالي، واندرج الزمخشري وأهل فرقته في البائدين واحتل الكتاب مكانه الذي هو أهل له مشاعا بين أهل القرآن، فكان، في خلود جوهره وزوال عوارضه، كما قال الله تعالى: "فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض".

أما تفسير ابن عطية فقد سما إلى مساواة تفسير الزمخشري مصافا ومكاتفا، فإنهما زيادة على اتفاقهما في المعاصرة قد اتفقا في المنهج العلمي الأدبي، وتشابها بتشابه صاحبيهما في تأسس ثقافتيهما العامة على أساس الأدب واللغة.

ولكنهما وراء هذا الاتفاق يختلفان من أوجه عدة، ينبغي الالتفات إليها لإحكام المقارنة بين التفسيرين العظيمين، فكما اختلفا في أن تفسير ابن عطية من آثار الشباب وتفسير الزمخشري من آثار الشيخوخة، فإنهما اختلفا اختلافا واضحا، هو أقوى أثرا في العمل العلمي، وهو اختلاف يرجع إلى ثلاث جهات: أولاها من حيث أن ابن عطية مغربي والزمخشري مشرقي، وثانيتها من حيث أن ابن عطية سني والزمخشري معتزلي، وثالثتها من حيث أن ابن عطية مالكي والزمخشري حنفي. ولكل من هذه الجهات أثرها في ميزة من الميزات، التي اختلف بها كل من التفسيرين عن الآخر بالإضافة إلى فارق السن، وإلى فارق العروبة والعجمة.

فمن حيث أن ابن عطية مغربي: تمكن من الرجوع إلى مصادر ما كانت في متناول صاحب الكشاف أهمها تفسير مغربي إفريقي جعله ابن عطية مبنى تفسيره، وأكثر دوران ذكره في أثناء كلامه، ولم يرد في كلام الزمخشري أي تعريج عليه، وذلك هو تفسير المهدوي المسمى "التفصيل الجامع لعلوم التنزيل" فقد ذكره ابن عطية في خطبة تفسيره ووصفه بأنه متقن التأليف، وأشار إلى الانتقاد على أسلوبه في عدم تتبع الألفاظ، وأن أسلوبه مفرق للنظر مشغب للفكر. وذلك يتبين مما ذكره صاحب كشف الظنون عن تفسير المهدوي: أنه فسر الآيات ثم ذكر القراءات ثم الإعراب. والمهدوي هذا من رجال القرنين الرابع والخامس، أصله تونسي من المهدية، تخرج بالقيروان على أبي الحسن القابسي، ثم رحل إلى الأندلس وتوفي بدانية. يوجد من تفسيره الآن جزءان بالمكتبة الظاهرية بدمشق، ويوجد جزء بخزانة جامع الزيتونة الأعظم يقدر أنه منه، ولكنه لما تقع مقابلته مع جزئي الظاهرية. فهذا مثال ظاهر لما اختلف بين ابن عطية والزمخشري من المصادر.
وما سوى ذلك فمصادر مشتركة من تفاسير مشرقية وصلت إلى المغرب مثل تفسير الزجاج، وتفسير أبي جعفر النحاس، وتفاسير مغربية وصلت إلى المشرق، مثل تفسير مكي بن أبي طالب. ومن الجهة الثالثة، وهي اختلاف ابن عطية بكونه مالكيا عن كون الزمخشري حنفيا، فإن ذلك أظهر بين التفسيرين في استنباط الأحكام والاستدلال لها ما بين المذهبين المدني والعراقي من اختلاف في الفقه وفي مداركه، وبين الطائفة الناشئة على ذلك من اختلاف في المادة الفقهية، واختلاف في المنهج الاجتهادي، على ما يتبع ذلك من اختلاف المصادر والمراجع عند كل من الطائفتين عنها عند الأخرى.

وأما الجهة الثالثة، وهي أهم الجهات كلها: أعني جهة الاختلاف بالسنية والاعتزال، فإنها ترتبط بأن اختلاف ما بين السنيين السلفيين، والمعتزلة المتكلمين، في القرنين الثاني والثالث، في تأويل متشابه القرآن، قد جعل من الطريقة العلمية الأدبية في التفسير عونا للمعتزلة على الفوز بالنصر في تلك المجادلات الكلامية، فلما نشأت الطريقة السنية الكلامية وهي طريقة الأشعري نازع السنيون المعتزلة ما كانوا مختصين به من التفسير البلاغي حتى انتزعه من أيديهم قهرا الشيخ عبد القاهر الجرجاني، فأصبحت للأشاعرة طريقتهم التفسيرية البلاغية المتوجهة إلى مناقضة ما كان ذاهبا فيه من المسالك مفسرو المعتزلة، وتمحيص تخاريجهم، ومناقشة أساليبهم، فأصبحت تفاسيرهم بحوثا تقويمية نقدية، تمكنوا بها من جولة ظاهرة استكان لها المعتزلة في القرن الخامس، فتطاول الأشاعرة بانتصار علومهم واستكانة خصومهم.

فلذلك كان تفسير الزمخشري في المواطن الكثيرة التي يختلف فيها وجه تخريج الآية عند المعتزلة عنه عند السينيين التزاميا دفاعيا، وكان تفسير ابن عطية في تلك المواطن نقديا هجوميا، فكان يمثل صولة الغالب العنيد على المنهزم المتراجع. ولقد قوي هذا في تفسير ابن عطية بما أضيف إليه من عاملي قوة بيانية يرجعان إلى شبابه وعروبته، فإن الشباب أفاده قريحة متقدة ونظرة حادة يتناول بهما موضوعه في قوة وسرعة ومتانة إلمام فيأتي بيانه محبوكا منسجما، سائغا سلسا. ولما اختلف عنه الزمخشري بالشيخوخة والعجمة فإن أسلوبه البياني قد جاء متثاقلا مفككا، وتعبيره ثقيلا كزا، ترهقه كلفة الصناعة، مع نبوة الطبع، ولذلك فلا بدع أن يوصف تفسير ابن عطية بأنه "محرر" لاسيما وقد دفع الشبه، وخلص الحقائق، وحرر ما هو محتاج إلى التحرير. وقد نوه بذلك في مقدمته، وشاعت عند الناس تسميته "المحرر الوجيز" وعلى ذلك بنى صاحب كشف الظنون تعريفه به، وإن كان مؤلفه لم يشر إلى تسميته. وهو "وجيز" بالنسبة إلى التفاسير التي سبقته. أما بالنسبة إلى تفسير الزمخشري فابن عطية أطول نفسا، وأكثر جمعا وتفننا، فهو وجيز باعتبار طريقة عرضه المباحث، لا باعتبار مقدار جملته. فالزمخشري أقل جمعا، وإن كان أعمق غوصا في تحليل الكلام. ومن هنا نشأ ذلك الحكم المشهور، المبني على دقيق المقارنة بين التفسيرين: وهو ما شاع عند العلماء، منذ قرون، وأورده صاحب كشف الظنون، مورد القول المأثور، والأمر المشهور، من أن "ابن عطية أجمع وأخلص، والزمخشري ألخص وأغوص".

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here