islamaumaroc

موقف الإسلام من حرية العقيدة والفكر

  دعوة الحق

119 العدد


اتجهت في هذا البحث الى دراسة مظهرين رئيسين من مظاهر حرية العقيدة والفكر في الاسلام اولهما حرية المسلم في تفكيره الديني وفي طريقة فهمه للدين وشرائعه واسراره دون ان يحول بينه وبين تلك الحرية تسلط من فرد او جماعة او دولة ودون ان يصيبه من وراء ءارائه الدينية ضرر في نفسه او ماله او عمله والثاني حرية غير السملم الذي يعيش في دار الاسلام في ان يحيا حياته الدينية الخاصة ويتعبد على طريقة دينه وينظم شؤون حياته وفقا لمقتضيات ذلك الدين دون ان يتعرض لمضايقة او اضطهاد او ان يضار في نفسه وماله او عمله من جراء مخالفته في الدين للمجتمع من حواليه ان ان تتعرض اماكن عبادته للهدم او التعطيل او أي نوع ءاخر من انواع المصادرة.
ماذا كان موقف الدين الاسلامي من كل هذين النوعين من الحرية؟ وما ورد في شانهما من النصوص في اكمتاب والسنة؟ وماذا اثر عن الرسول من عمل تجاههما؟ وماذا كان شانهما في عصور التاريخ الاسلامي؟ وهل حدث ذي أي مرحلة من مراحل ذلك التاريخ ان قصر الاسلام في امر هذين النوعين او وقف منهما او من احدهما موقف الاضطهاد والعداء؟
كان الاسلام في جوهره ثورة على الشرك وعبادة الاصنام ودعوة الى فكرة الوحدانية او الايمان بالله وحده والى ان يحيا الفرد حياة كلها خير وصلاح واستقامة وتوفير للخير للفرد والجماعة ودفع للشر عنهما وقد كانت المرحلة "المكية" من حياة الاسلام مرحلة دعوة باللسان ومجاهدة في سبيل حرية العقيدة ضير على مكاره الاذى والاضطهاد مما كان يصبه زعماء الارستقراطية المكية على رؤوس الرعيل الاول من المسلمين.
فلما كثر انصار الاسلام في المدينة هاجر الرسول واصحابه اليها وكان من اول الخطوات التي خطاها الرسول في تنظيم هذا المجتمع الجديد ان وضع وثيقة ينظم فيها العلاقات بين الطبقات الثلاث التي تؤلف هذا المجتمع وهي "المهاجرون" الوافدون من مكة المكرمة و"الانصار" من الاوس والخزرج و"اليهود" الذين كانوا يؤلفون جالية كبيرة في المدينة.
وفي هذه الوثيقة وادع "اليهود" وامنهم على دينهم واموالهم وشرط عليهم واتشرط لهم ولهذه الوثيقة الاسلامية الناشئة وباعتبارها مظهرا من مظاهر الحرية الاسلامية الدينية التي اختطها الاسلام لنفسه في مجتمعه والتي التزمها في فتوحه واكدتها الكتب والعهود التي صدرت من خلفاء المسلمين وقوادهم وولائهم.
ان المواقف الاساسي للاسلام من اهل الاديان الاخرى في محيطه مقرر واضح في ءاية صريحة من القرءان الكريم تقول "قل يا اهل الكتاب تعالوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم الا نعبد الا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا اربابا من دون الله فان تولوا فقولوا اشهدوا بانا مسلمون"
وقد اتخذ الرسول هذه الاية شعارا لموقفه من اهل الكتاب فضمنها كتابه الى "النجاشي" عظيم الحبشة والى "هرقل" عظيم الروم وغيرهما من رؤساء الامم المجاورة.
هذه هي الدعوة التي امر رسول الاسلام ان يوجهها الى اهل الاديان الاخرى فان هم لم يستمعوا اليها فلهم شانهم وله شانه ولهم دينهم وله دينه على انه كانت هناك مودة ملموسة بين النجاشي لمهاجري المسلمين واكرامه اياهم وفي استقبال الرسول عليه الصلاة والسلام في مسجده لوفد نصارى "نجران" والسماح لهم بان يؤدوا شعائر عيادتهم في جانب من المسجد.
كما عبرت بعض ايات القرءان عن هذه المودة واسبابها فقالت "ولتجدن مودة الذين ءامنوا الذين قالوا انا نصارى ذلك منهم قسيسين ورهبانا وانهم لا يستكبرون واذا سمعوا ما انزل الى الرسول ترى اعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا ءامنا مع الشاهدين."
والذين يتتيع كتب الرسول الى رؤساء الامم من يلمس فيها طابع الدعوة بالحسنى والنصح في رفق.
فلما اتسعت رفعة الاسلام واخذت واخذت الجماعات والامم المجاورة تدخل تحت لوائه اتخذ في معاملة الامم المفتوحة سياسة انسانية عالية قوامها التسامح واحترام الحريات
1- من اسلم من الرعية فله ما للمسلمين الفاتحين وعليه ما عليهم
2- ومن اثر ان يبقى على دينه وفروا له الحرية والامن في نفسه وماله واماكن عبادته ما دام يؤدي الضريبة التي فرضتها الدولة عليه لقاء هذا السلام الذي تهيئه له وللرعاية التي ترعى بها مصالحه.
ومن الامثلة الواضحة هذا الكتاب الذي ارسله الخليفة عمر بن الخطاب لاهل "ايلياء" بعد فتح بيت المقدس في السنة الخامسة عشر للهجرة وفيه يقول "بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما اعطى به عبد الله عمر امير المومنين اهل ايلياء من الامان واعطاهم امانا لانفسهم وامولاهم ولكنائسهم وصلبانهم وسقيمهم وبريئهم وسائر ملتهم انه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم ولا ينقص منها ولا من حيزها ولا من صليبهم ولا من شيء من اموالهم وعلى اها ""ايلياء" ان يعطوا الجزية كما يعطيها اهل المدائن الى ان يقول "فانه لا يؤخذ منهم شيء حتى يحصد حصادهم وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله ودمه ورسوله وذمة الخلفاء وذمة المومنين انا اعطوا الذي عليهم من الجزية".
وكذلك فعل المسلمون حين فتحوا مصر فقد حسموا النزاع الذي كان قائما بين مسيحي مصر ومسيحي بيزنطة على بعض التصورات الدينية وهياوا لكل فريق الحرية ان يدين بما شاء ووكلوا الى البطربرك القبطي سياية الطائفة وتدبير امورها واصلاح ما هدم من كنائسها في ايام المقوقس  ومن الكنائس القبطية التي بينت في العصر الاسلامي كنيسة "مارجرجس" بحلوان وكنيسة ابي مينا.
وما قرره الباحثون ان اكبر فرق بين الامبراطورية الاسلامية وبين اروبا التي كانت كلها على المسيحية في العصور الوسطى وجود عدد كبير من اهل الديانات الاخرى بين المسلمين واولئك هم اهل الذمة وان الحاجة الى المعيشة المشتركة وما ينبغي ان يكون فيها من وفاق اوجدت عند اهل الامر نوعا من التسامح الذي لم يكن معروفا في اروبا في العصور الوسطى ومن مظهر هذا التسامح نشا علم "مقارنة الاديان" أي دراسة الملل والنحل على اختلافها والاقبال على هذا العلم بشغف عظيم.
ولم يكن في التشريع الاسلامي ما يغلق دون اهل الذمة أي باب من ابواب الاعمال وكانت قدمهم راسخة في الصنائع التي تدر الارباح الوافرة فكانوا صيارفة وتجارا واصحاب ضياع واطباء وكان اكثر الكتاب والاطباء نصارى وكان رئيس النصارى ببغداد هو طبيب الخليفة وكان رؤساء اليهود جهابذتهم ولم تكن الحكومة الاسلامية تتدخل في شعائر اهل الذمة الدينية بل كان بعض الخلفاء يحضر مواكبهم واعيادهم ويامر بصيانتهم اما في التقاضي فقد خلت الدولة الاسلامية بين اهل الملل الاخرى وبين محاكمهم الخاصة بهم والتي كان الرؤساء الروحيون يقومون فيها مقام كبار القضاة اما في شان الجزية فيقول "ادم ميتز" في كتابه "وكان اهل الذمة بحكم ما نالوه من تسامح المسلمين ودخولهم في ذمتهم وحمايتهم يدفعون الجزية كل واحد منهم حسب قدرته وكانت هذه الجزية اشبه بضريبة للدفاع الوطني فكان لا يدفعها الا الرجل القادر على حمل السلاح ولا يدفعها ذوو العاهات ولا المترهبون واهل الصوامع الا اذا كان لهم يسار" ولم يكن المسلمون مبدعين في هذا فقد كان الروم ياخذون من اليهود والمجوس دينارا في السنة وكذلك فرض النصارى على المسلمين الجزية لما فتحوا بلادهم"
فاذا انتقلنا من شرق البلاد الاسلامية الى عربها وجدنا منهج الحكم الاسلامي واحدا لا يتغير ووجدنا التسامح الديني اساسا من اسس ذلك الحكم وهذه حقيقة يقررها مؤلفون مسيحيون فيقول "ستائلي لين بول" مثلا في كتابه قصة العرب في اسبانيا "ثم اخذ الناس بعد قليل يشعرون بانهم افادوا من تغيير الحكم فقد كان للاسبانيين ان يحتفظوا بشرائعهم وقضاتم وعين لهم حكام من انفسهم يديرون المقاطعات ويجمعون الضرائب ويفصلون في ما شجر بينهم من خلاف واصبح سكان المدن لا يكلفون الا الجزية والخراج ان كانت لهم ارض تزرع بعد ان كانوا في عهد "القوط" يحملون وحدهم عبء الضرائب والاموال التي تنفق على الدولة وقصرت الجزية على المخالفين في الدين اما ضريبة الارض فانها فرضت بعدل ومساواة على النصارى واليهود والمسلمين جميعا اما التسامح الديني فلم يدع للاسبانيين سببا للشكوى فقد تركهم العرب يعبدون كما يشاؤون من غير ان يضطهدوهم او يلزموهم اعتناق عقيدة خاصة كما يفعل القوط باليهود وكان اثر هذه المعاملة وذلك التسامح ان رضي المسحيون بالنظام الجديد واعترفوا بصراحة انهم يؤثرون حكم العرب على حكم القوط وقد جعل المستشرق الانجليزي "سير توماس ارنولد" فكرة تسامح الاسلام مع رعاياه غير المسلمين الفكرة الرئيسية في كتابه "الدعوة الى الاسلام" واورد في شانها كثيرا من النصوص والشواهد التاريخية وتتبع مظاهرها في اقليم فارس وولايات بيزنطة واشار بصيغة التشكيك الى الروايات القليلة التي تناقضها ويعلق المستشرق "ارلوند" على امثال هذه الروايات وعلى الطريقة التي تحول بها السواد الاعظم من المسيحين في بلاد العرب الشمالية الى الاسلام فيقول : ولولا ان المسلمين حاولوا ادخالهم بالقوة عندما انضووا بادئ ذي بدء تحت لواء الحكم الاسلامي لما كان من الممكن ان يعيش المسيحيون بين ظهرانيهم حتى عصر الخلفاء العباسيين ويبرز ارلوند في كتابه ظاهرة الخلافات المسيحية التي كانت متفشية قبل الاسلام بين النسطوريين واليعقوبيين والاضطهاد الذي كانت تصبه كل فرقة على الاخرى ويذهب الى ان هذه الخلافات كانت عاملا من العوامل التي مكنت الاسلام وسهلت تحول الكتابيين اليه.
فاذا ما خطونا خطوة اخرى مع الزمن الى العصور الحديثة ونظرنا الى امة اسلامية كالامة المصرية مثلا ولكن قبل عشر سنوات وجدنا الاقليات من اهل الاديان الاخرى فيها اسعد الناس حالا يحيون حياتهم الدينية الى جانب مساجد المسلمين ويتشاركون مع المسلمين في اعيادهم كما يشاركهم المسلمون في اعيادهم ويكافحون واياهم صفا واحدا في سبيل البلد.
وقد حدثنا التاريخ عن شؤون كانت تحدث بين الحين والاخر فتعكر صفو هذه الحرية الدينية كان يشغب العامة في ايام فتنة واضطراب فيقتلوا بعض اهل الكتاب او يهدموا بيعة او صومعة او ان يثور اناس من الشعب غضبا من ازدياد نفوذ وزير نصراني او يهودي او ان يعطل وال من الولاة مصالح اهل الكتاب هذه الحوادث وامثالها تقع احيانا في اعقاب الحروب وتنتج احيانا اخرى عن فساد الاحوال الاجتماعية والسياسية وربما جاءت احيانا نتيجة لموجة من موجات التعصب الذي يولده الجهل وقلة المعرفة او جمودها وهي الوان من النقص ليست وقفا على اهل دين دون اخر ومن الانصاف الا تلصق هذه المظاهر من النقص بالاديان ما دامت نصوصها وتعاليمها تحض على النقيض من هذه المظاهر وما دام التاريخ قد سجل للاديان طابعها المستمر على الاديان من الحرية والتسامح.
لقد فتح الاسلام باب الحرية الفكرية في فهم الدين والاجتهاد فيه على مصراعيه فعرف المجتمع الاسلامي منذ عهده الاول الخلاف في فهم نصوص القرءان ونصوص الحديث واستنباط الاحكام فتعددت مدارس تفسير القرءان واختلفت مذاهب علماء الكلام وكثر الجدل بين الفرق وقد اخذ الخلاف احيانا على بعض الشؤون التي تتصل بالدين مظاهر عنيفة كالتي كانت بين المسلمين في موضوع الخلافة بعد مقتل "عثمان" مما ادى الى ظهور احزاب تتصارع ويتهم بعضها بعضا بالكفر والمروق
من الايمان ويستعين بعضها بالوان العلم وبما يحسنه من الثقافة الاجنبية على نصرة راية والتمكين لمذهبه ويكثر الاخذ والرد حول المتشابه من ايات القرءان بعد ان كان المسلمون الاولون يقفون من تلك النصوص موقف التسليم دون كثير مناقشة او تاويل ثم يظهر الفلاسفة في الميدان ويواجهوهن مسائل الدين في طريقة تختلف عن طريقة المتكلمين وينشب بين هؤلاء واولئك جدل يبلغ ذروة تطوره على يد ابن رشد والغزالي.
وقد لعب المعتزلة في تطور علم الجدل في الاسلام دورا كبيرا مع اهل السنة في كثير من المعارك كان اشدها مسالة كلام الله وخلق القرءان ووصلت هذه الازمة نهايتها في اوائل القرن الثالث الهجري وكان ممن اضطهدوا فيها الامام احمد بن حنبل الذي اصر على معارضة راي المعتزلة في هذه المسالة رغم مناصرة السلطان لهم فضرب وحبس واصابه من ذلك اذى كثير.
هذا اذن لون من الوان التدخل في الحرية الفكرية الدينية نشا من الخلاف على مسائل علمية تتصل بالدين ومال السلطان فيه مع احد الجانبين.
وربما اخذ التدخل لونا اخر كالذي اصاب الحلاج الصوفي سنة 922م من القتل حين خيف على عقيدة العامة ان تزوغ بسبب عباراته الصوفية الرمزية التي كان يلهج بها وان رجح بعض الباحثي ان السياسة كان لها دخل في ذلك القتل.
ومما يعد تدخلا في الحرية الدينية ما يحدث من بعض العلماء او جمهور الناس من اتهام مفكر او باحث بالزندقة او الكفر لسوء فهمه في بعض المسائل الدينية او لخروجه على المالوف المتوارث واكثر ما كان هذا يحدث في عصور الجمود والتاخر حين فقد المجتمع الاسلامي الاصالة الفكرية وخيف على العقيدة حتى من بعض فروع العلم كالمنطق مثلا وقد استمرت هذه الظاهرة الى اوائل النهضة الاسلامية الحديثة فانهم كثير من زعماء الاصلاح يزيغ العقيدة وحوربت بعض الاصلاحات الاجتماعية بدعوى مخالفتها للدين.
ومن المشاهد ان الرقي الاجتماعي والفكري يجلب معه توسعا في فهم الحرية الدينية واقلالا في اتهام الباحثين في عقائدهم بسبب ما يصدرونه من فتاوي وراء.
هذه اظهر الجوانب التي قد يبدو ان الحرية الدينية فيها عند المسلمين قد صادفت عننا وتدخلا غير ان الباحث المنصف في الحياة الفردية والاجتماعية عند المسلمين وفي تراثهم الفكري الذي خلفوه في ميادين التفسير والفقه والاصول والكلام والفلسفة والتصوف لا يستطيع الا ان يحكم بان الحرية الدينية جزء اساسي من نظام الاسلام فالفرد حر في ان يحيا حياته الدينية على الطريقة التي يختارها لنفسه وفي ان يفهم الدين بما تؤهله له مواهبه وقدرته الفكرية وكل من المشرع والفقيه والفيلسوف والمتصوف تخصصه وقد اتسع صدر الاسلام للمحافظة كما اتسع للتجديد وقبل اهل السنة كما قبل المعتزلة وافسح مكانا لاهل النقل كما افسح مكانا لاهل العقل واظل اهل الشريعة كما اظل اهل الحقيقة وشمل بعنايته الثقافية المحلية والثقافية الاجنبية. وانتفع بثمار الفلسفة المجردة كما انتفع بثمار العلم التجريبي وليس في الاسلام قضية بين الدين والعلم تستعصي على التفاهم والتقابل وقد عنى في كتابه السماوي بالحض على الابصار في النفس والنظر في ملكوت السماوات والارض وقد وجد مفكروه في معارف الامم مجالا خصبا لرياضة عقولهم فثقفوا هذا التراث وتمثلوه ثم نقلوه الى اروبا بعد ان تركوا عليه طابعهم الفكري والروحي.
هذا الموقف الاسلامي الانساني الذي وقفه الاسلام من حرية العقيدة والفكر انما هو ركن من اركان دستوره الذي قرر حقوق الانسان منذ القرن خالدة ورسالة شاملة فاذا ادركها المسلمون ادراكا واعيا استطاعوا ان يعيدوا الى انفسهم الثقة وان يقوموا بنصيب فعال في توجيه البشرية الى الخير والسلام.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here