islamaumaroc

عبد الله بن ياسين مجدد الإسلام بإفريقية

  دعوة الحق

119 العدد

من زعماء الاصلاح الذين خلدوا صفحات مشرفة في تاريخ الاسلام ابو محمد عبد الله بن ياسين التامانارتي الجزولي ولد بتامانارت عن بلاد جزولة في تخوم صحراء سوس وتجهل كل شيء عن حياته الاولى وكل ما نعرف انه رحل اوائل القرن الخامس الهجري الى بلاد الاندلس في طلب العلم والاستزادة من المعرفة واقام بقرطبة سبع سنوات او تزيد يكرع من مناهل العرفان ويجني من ثمار العلم في نهم وتلهف شديدين وكانه كان يخشى ان يفيض ذلك البحر الفياض او تذبل تلك الحدائق الفيحاء من علوم وفنون وكانه كان ينظر بنور الله فقد بدات تتراءى في الافق غيوم وهبت عواصف واعاصير حطمت السدود واتت على الاخضر واليابس ودب الفساد في سائر نواحي المجتمع وتضعضع ذلك الملك الشامخ الذي وضع لبنته الاولى طارق بن زياد وشيده عاليا ملوك عظام امثال صقر قريش عبد الرحمان الداخل والخليفتين الناصر والمستنصر والحاجبين المنصور والمظفر فسرعان ما تطايرت تلك المملكة العظمى شعاعا وتفرقت طرائق قددا وعادت دويلات صغيرة واغصانا ضئيلة فوق كل فرع منها ديك وعلى كل منبر امير وتسمى بالمظفر والمتوكل والمعتضد والمعتمد كل مغلف ضعيف فتكونت بضع عشرة دولة في رفعة اضيق من سلافة الذباب حتى قال قائلهم : 


مما يزهدني في ارض اندلس         اسماء معتصم بها ومعتضد

ألقاب مملكة في غير موضعها   كالهر يحكي انتفاخا صولة الأسد


وهكذا تقلص ظل الاسلام بالاندلس واصبح الخطر يهددها من حين لاخر وكان امراء الطوائف يؤدون الاتاوة والجزية عن يد وهم صاغرون.


والاسف ان يستشري هذا الداء في جسم الامة الاسلامية لهذا العهد في سائر بقاع الدنيا ففي هذا الظرف بالذات كانت العدوة الاخرى تعاني نفس الادواء فقد توزعتها خمس دويلات بنو يفرن بسلا وتادلا والمغراويون بفاس واغمات والبرغواطيون بتامسنا ودكالة والمخزرونيون بسجلماسة ودرعة وبنو حمود بطنجة وسبتة وما اليهما.
وكانت اصوات المومنين ترفع في كلتا العدوتين وفي كل جهة ومكان ان ياتي الله بناصر لهذا الدين ويجمع على يديه كلمة المسلمين وكان الطالب السوسي يشارك المومنين في ابتهالاتهم ويؤمن على دعواتهم بلسان ضارع وقلب خاشع وكان يحملق بعينيه الى السماء وكانه يستشف من وراء الغيب هاتفا ينادي "قد اجبت دعوتكما فاستقيما".


 عاد الطالب السوسي الى وطنه وكان هناك امرا يدفعه دفعا فنزل على عالم سوس وشيخها الاكبر وقتئذ ابي محمد وجاج بن زلو اللمطي نزيل نفيس ليقتبس من علمه وينال من بركته وبينما هو ذات يوم يقلب اوراقه ويبحث بين دفاتره وكانه يريد شيئا اذا بضيف كريم يدخل على الشيخ في حلة الامراء متلثم اسمر اللون يبدو عليه اثر السفر وسمعت جلبة بين صفوف الطلبة من؟ ولماذا؟ فبادر الشيخ بالتحية وسلم اليه كتابا لم يلبث ان دعا الى الاستماع اليه سائر طلبته وكان مضمون الكتاب "سلام عليك اما بعد اذا وصلك حامل كتابي هذا وهو يحيى بن ابراهيم الكدالي فابعث معه الى بلده من تتق بدينه وورعه وكثرة علمه وسياسته ليعلمهم القرءان وشرائع الاسلام ويفقههم في الدين ولك وله الثواب والاجر العظيم "والله لا يضيع أجر من أحسن عملا" .والسلام


ولم يكد ينتهي الشيخ من تلاوة الكتاب حتى انفتح له صدر ابن ياسين وكان الامر يعنيه وكانت انظار الشيخ تتجه منذ اللحظة الاولى الى ذلك التلميذ الحاذق النبيه الورع النزيه الذي ليس في طلبة قطره من يوازيه او يدانيه علما وعملا وحنكة وتجربة فقد اخذ عن اقطاب الاندلس علما كثيرا وخبرته الاسفار وحنكته الازمات وراى من تقلبات الاحوال وماسي المجتمع الاسلامي ما حز في نفسه وما لا يزال عالقا بذهنه مال الشيخ على هذا التلميذ الذي اتجهت كل الانظار اليه والذي هو وحده يستطيع ان يقوم باعباء هذه المهمة الشاقة وقال له:
انت لها يا ابن ياسين "فلم تك تصلح الا له ولم يك يصلح الا لها"


ودع ابن ياسين شيخه والتمس منه صالح الدعاء فشد الشيخ على يديه بحرارة وقال له انت موفق ان شاء الله.
كان السفر باكرا وكان نور الفجر يرمز الى امل بعيد ومستقبل نسجت حوله غيوم كثيفة فيها رعد وبرق وكان ابن ياسين يؤول ذلك بما سيلقاه في طريقه من اهوال وشدائد ولكن لا بد للصبح ان ينجلي فالحق ابلج والباطل لجلج. "ودع الأيام تفعل ما تشاء".


كان السفر طويلا والطريق وعرا ووهج الشمس يلفح الوجوه ولا بد كما قال الاعرابي ان تحملني او احملك أي تحدثني او احدثك.


راى يحيى بن ابراهيم ان يؤنس رفيقه وقد استولى عليه وجوم شديد فجعل يحدثه عن رحلته الى الشرق وعن ارتساماته اللطاف عن القيروان التي قدر له ان يلتقي فيها بابي عمران الفاسي الذي خسره المغرب في الوقت الذي كان في اشد الحاجة اليه وقد طردته السلطة الغاشمة لا لشيء الا انه كان قوالا للحق شديد النكير على الطغاة وكان من حظ القيروان ان ينشر أبو عمران بها علمه الواسع وفيضه العزيز فهو قد اضاف الى ثقافة القيروان علم قرطبة وبغداد وجمع بين الفقه والسنة وفلسفة علم الكلام ويقول الامير يحيى لقد قدر لي ان احضر مجالس ابي عمران وهو اول عالم استمعت اليه بقلبي وشعرت بنفسي انجذب اليه ويشدني اليه شعور قوي وهنا بدت من ابراهيم ابتسامة عريضة غابت في مجاهل الصحراء وقال أي والله لقد غر ابا عمران مظهري وظنني احد العلماء الذين يحسب لهم حسابهم ولما اختبرني لم يجدني شيئا وقد لامني على جهلي فابديت له عذري ما وسعني ذلك واي عذر يبرر الانسان جهله والجاهل والبهيمة سواء ولا اضر على الامة من الجهل فهو الذي دلني عليكم واليه يرجع الفضل في التعرف بكم وعسى ان يجعل الله من امرنا يسرا.


وما ان وطئت قدم يحيى ارض الصحراء حتى بدات الوفود تستقبله من سائر الواحات فيقدم اليهم ابن ياسين ويقول لهم هذا هاديكم ومحيي السنة فيكم فخذوا عنه واقتبسوا من نوره وسيحيي الله هذه الارض بعلمه وحكمته وقد رحبوا به ايما ترحاب وفرحوا له اشد الفرح ويبدو انهم كانوا يحسون بالدرر الخطير الذي ينتظرهم وذلك المستقبل الزاهر الذي اخذ هذا الفقيه الجرئ يرسمه لهم ويذكر ان شيخا منهم قال حين راه يمتطي راحلته ويمضي في طريقه "ارايتم هذا الجمل لا بد ان يكون له في هذه الصحراء شان عظيم" وكان ياسين يحسن اللسان البربري ويعرف من اقوال الصحروايين وعاداتهم وطبائعهم ومكان الضعف فيهم ويدرك ذلك اتم ادراك.


تلمذ الامير يحيى لابن ياسين وكان لا يكاد يفارقه "وانما اتيت بك لانتفع بعلمك" وكان يعلم حق العلم ان مهمة استاذه ابن ياسين شاقة وشاقة جدا فهي في حاجة الى من يمهد لها السبيل فلم يال جهدا في تذليل الصعاب امامها وكان يعمل كل ما يستطيع لانجاح عمل هذا الرائد المظفر الذي يعلق عليه الامال الكبار.


ومن هنا يبدا الدور الاول من مهمة ابن ياسين وبقتح صفحة جديدة في تاريخ الملثمين كلها كفاح وجهاد وعمل بدا يدعوهم الى عبادة الله وتوحيده يرتاد واحات الصحراء ويجول قبائل الملثمين واحدة واحدة يعلمهم القرءان ويشرح لهم السنة ويعرفهم احكام الدين وقد ابتدا من الصفر كما يقولون فالقوم لم يكونوا يعرفون من الاسلام الا اسمه طقوس باهتة وتقاليد بالية يتزوج الواحد منهم عشر نسوة واكثر ولا يعرف للدين معنى.


اتجه ابن ياسين اول ما تجه الى تصحيح العقيدة ونبذ العادات الفاسدة والتخلق باداب الاسلام ومعرفة الحلال والحرام والسير على النهج القويم وعرف الرؤساء والحكام كيف ينبغي ان يعاملوا سائر افراد الرعية وان عليهم ان يسووا بينهم في الحقوق والواجبات فلا طبقية ولا محسوبية ولا غش ولا خيانة وكان الجور والتعسف والاستغلال والاستخذاء صفات ظاهرة في كل الولاة يعاملون الناس معاملة البهائم ويسوقونهم سوق الاغنام فوقف في وجههم، وحدد من تعسفاتهم وكان يعطي لهم الامثلة الحية والشواهد الملموسة من سيرة الرسول وخلفائه الراشدين ولكن الرؤساء ثقل عليهم ذلك فتنمروا وتنكروا له ولقي الوانا من الاذى والاضطهاد على عادة المصلحين في كل زمان ومكان وصادف ان توفي الامير يحيى الذي ءامن بمذهبه وءازره في دعوته وكان يستشيره في الصغيرة والكبيرة ويعمل بتوجيهاته وارشاداته والامير المثالي كما يقول الطرطوش "...هو الذي يجمع حوله حملة العلم الذين هم حفاظ ورعاته وفقهاؤه وهم الادلاء على الله تعالى والقائمون بامر الله والحافظون لحدود الله والناصحون لعباد الله فواجب عليه ان لايقطع امرا ونهم ولا يفصل حكما الا بمشورتهم لانه في ملك الله يحكم وفي شريعته يتصرف.."


وعز على ابن ياسين ان يرى دعوته التي شقت طريقها في شعوب الملثمين ورددت اصداءها واحات الصحراء والتي كافح من اجلها ووهب له فكره وعقله وكل اماله وقد بدات براعمها تنفتح وكادت تعطي ثمارها المرجوة تذبل وتضيع وتتلاشى كما تتلاشى السراب في الفلوات وتتحكم في مصيرها طائفة من الاقطاعيين ذوي الاغراض الشخصية والاهواء الفاسدة حفظا على نفوذهم الجائر وشهواتهم المدنية ولكن ماذا عسى ان يفعل وشان دعوات المصلحين هكذا لا بد ان تمر بمراحل وتتعثر في طريقها وتقف وقفات وكانها لتثبت وترسو كما ترسو الجبال فلا تؤثر فيها الزعازع ولا تنال منها العواصف.


فكر ابن ياسين طويلا وكاتب اشياخه واساتذته يستشيرهم ويستنير بارائهم وعلى راسهم وجاج فقيه سوس الذي كان يتتبع حركاته ويبارك خطواته وكل امله ان ينجح في مهمته ونصحوه ان يتريث وياخذ للامر عدته ثم يعيد الكرة مرة اخرى فالباطل له جولات ولا بد للحق ان ينتصر راى ابن ياسين ان يعتزل الناس فاختار لنفسه مكانا قصيا في تخوم الصحراء وصحبه سبعة نفر ءامنوا بمذهبه واثروه على انفسهم وذويهم فابتنى على حوض السينغال رباطا ءاوى اليه هو وصحبه يتقربون فيه الى الله ويتزهدون ويجاهدون وكاني بالشيخ يردد على تلاميذه "يا ايها الذين ءامنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون" ابنائي نجاحا في الصبر وفلاحا في التقوى والعمل الصالح فليكن ذلك شعارنا "وكان حقا علينا نصر المومنين" ويذكرهم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم"..قيل يا رسول الله أي الناس افضل؟ قال مومن مجاهد بنفسه وماله في سبيل الله عز وجل قيل ثم من يا رسول الله؟ قال ثم مومن معتزل في الشعاب يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة.. "


والرابط محك الرجال ومصنع الابطال وابن ياسين نفسه خريج هذه المدرسة فقد قضى برابطة وجاج فقيه سوس زمنا تدرب فيه على مباهج الحياة وكان ابن ياسين يرمي من وراء هذا حياة الجد والعمل وشظف العيش والزهد في الرباط الى حماية الملئمين من عدوهم وتهيئ قوة للزحف على ممالك الزنزج ونشر الاسلام بها ووضع تخطيط لدولة اسلامية شامخة البنيان ثابتة الاركان عزيزة الجانب قوية الاسس واضحة الاهداف وقد جرب حياة الفشل "والمومن لا يلدغ من حجر مرتين" وربما كان المكان مناسبا والظروف مواتية فالموضع الذي اختاره رباطا له يقع في الحدود الفاصلة بين مضارب الملثمين ومواقع الزلوج وحفنة من الزهاد تعيش في القفار حياة التبتل والعبادة لا تهدد امن الجانبين وليس هناك ما يدل على انها تبيت شيئا.


ومما ساعد على هذه العزلة ان المكان يتوفر على المياه العذبة ووفرة النباتات والاشجار البرية فيها الحلال المحض الذي لا شك فيه من شجر البرية وصيد البر والبحر من اصناف الطير والوحش والحوت وتكاد تكون هي الحياة العادية لاهل البدو المتقشفين وربما كانت لهم مزارع يفلحون ارضها ويتعاونون في اعداد حاجتهم منها وايا كان فقد كانت حياتهم بسيطة متواضعة خشنة وكان مجتمعهم مجتمعا فاضلا حقا.


كانت هذه الرابطة بمثابة شعلة تسرب ثورتها في ظلمة الصحراء يعيشو الى صوئها من قدر له ان يرى النور فتسامعت قبائل الصحراء بخبر ابن ياسين فقيه الرباط وتقشفه وزهده واخلاصه وجهاده وبخير رفاقه المخلصين الذين تجردوا من الدنيا وعرضها تاركين الحياة والمال في سبيل الفوز برضاء الله فبدات العصبة الصغيرة يطرد نموها ويكثر عددها ولم يكتف ابن ياسين بهذا فقد بعث البعوث الى القبائل للقيام بالدعاية ونشر مبادئه واهدافه فتوافد عليه الناس من كل جانب حتى بلغت عدة المرابطين نحو الف او تزيد فلما كثر انصاره وتعزز جانبه شعر انه مقبل على خوض معارك يحتاج في مغامرتها الى استعداد قوي وتدريب قاس فهي حياة الجلاد والجهاد يجب ان تبنى على قوة الايمان وصفاء الضمير والتفاني في الاخلاص وخشونة العيش ووحدة الصف والتدريب الكامل بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى.


وكان لا يسمح بالدخول الى زمرة المرابطين الا لمن طهر نفسه وهذب روحه واسلم اسلاما جديدا وحاسب نفسه على ما اقترف من ءاتام في حياته السابقة فيطلب اليه ان يتوب من كل الذنوب ويقال له "...لقد اذنبت ذنوبا كثيرة في شبابك فيجب عليك ان تقام عليك حدودها ثم تقام عليه الحدود فيضرب حد الزنا والقذف وحد الشارب ثم تضاعف العقوبة بالتدريج لا فرق في ذلك بين قائد وجندي وشريف ووضيع فاذا تقبلها راضيا طهرت نفسه واصبح قادرا على تحمل اعباء الدعوة ومشاقها فاذا تجاوز هذا الامتحان بنجاح وحصل على ارقام الفائزين دخل في زمرة المرابطين فيتولى الشيخ تثقيفهم وتعليمهم كان يقرئ القرءان ويفسره ويروي الحديث ويبينه ويعلمهم احكام الدين وكان ياخذهم بالجد ولا يترك لهم فرصة اللهو او عبث ويحملهم على الجادة ويتشدد في اقامة الحدود ويجبرهم على الصلاة جماعة صلوا كما رايتموني اصلي فكان يجمع بين التعليم النظري والعلمي فمن تخلف عن ذلك ضرب عشرين سوطا ومن فاتته ركعة ضرب خمسة اسواط ويقضي مع كل صلاة جماعة صلاة اخرى ويقال له انك لابد قد فرطت في سالف عمرك فاقض ذلك ومن رفع صوتك في المسجد ضرب حسبما يراه الضارب وهي روادع زجرية وتاديبات قانونية اكثر منها احكاما فقهية وربما كان للرجل عذر في ذلك فهو يهذب امة بلغت نهاية ما يتصور من الوحشية والجفاء ولا يزيل التطرق في الاباحية والفوض ولا التطرق في ضده كما انه لا يعصم المجتمع من الفساد الا الشدة في الحق على انه نجح في مهمته نجاحا باهرا كما سنعلم وما احوج شبابنا اليوم وهو يعيش حياة الترف والميع واللامبالاة في كل شيء الى مثل هذه التدريبات القاسية والتعوذ على التقشف وخشونة الملبس والماكل لتكتمل رجولتهم وتقوى معنوياتهم (والمؤمن القوي خير من المومن الضعيف).


واقترح ان يقام ببسائط زعير معسكر يحمل لقب ابن ياسين يقضي فيه الشباب ايام الخدمة العسكرية ويتدربون على الاعمال الجندية يؤدون الصلاة جماعة في مسجد ابن ياسين حيث ترفرف روحه ويستوحون من بطولاته واعماله الخالدة.


واذا مر الدرر الاول من حياة دعوة ابن ياسين سلبيا وكان مجرد تهذيب وارشاد ودعوة الى الله بالتي هي احسن فقد ان الاوان للدور الايجابي الذي يمتشق فيه الحسام ويبدد الظلام وهو طبيعي في حياة كل دعوة قدر لها ان تعيش وكان لا بد ان تنجح.


جمع ابن ياسين اصحابه وقد تكاثر عددهم حتى ضاقت عنهم رحاب الرابطة التي لم تكن تعرف سوى سبعة نفر كانوا ياوون اليها في جنح الظلام واصبحوا الان قوة، يحسب لها حسابها فاصدر امره اليهم بالخروج الى الجهاد وسماهم  "المرابطين" وخطب فيهم يقول "معشر المرابطين انكم الان جمع كثير ولن تغلبوا من قلة وانتم وجوه قبائلكم ورؤساء عشائركم وقد اصلحكم الله تعالى وهداكم الى صراطه المستقيم فوجب عليكم ان تشكروا نعمته وتامروا بالمعروف وتنهوا عن المنكر وتجاهدوا في الله حق جهاده ثم يسكت وكانه ينتظر جوابكم ومدى استعدادهم فترتفع الاصوات من كل جانب (ايها الشيخ المبارك مرنا بما شئت تجدنا سامعين مطيعين ولو امرتنا بقتل ءابائنا لقلعنا) ثم يوصل خطابه يقول : "اخرجوا على بركة الله وانذروا قومكم وخوفوهم عقاب الله وابلغوهم حجته فان تابوا ورجعوا الى الحق واقلعوا عما هم  عليه فخلوا سبيلهم وان ابوا من ذلك وتمادوا في غيهم ولجوا في طغيانهم استعنا بالله تعالى عليهم وجاهدناهم حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين"


كانت هذه الخطبة بمثابة دستور للدولة المرابطية سارت عليه منذ قيامها وطبقته في فتوحاتها حتى النهاية.


وقد حاربت جيوش ابن ياسين قبائل كدالة المتمردة تحت قيادة احد تلاميذه المخلصين يحيى ابن عمر اللمتوني وكانت المعركة حامية الوطيس استمات فيها المرابطون حتى انتزعوا النصر من ايدي اعدائهم على كثرة عددهم ووفرة عدتهم ولعل ابناء القبائل الذين حاربوا الى جانب الطغاة كانت قلوبهم مع ابن ياسين فهو ليس بعيدا عنهم وقد عرفوه في مواقعه الصارمة امام الجبابرة يدافع عن المستضعفين ويحارب الظلم والطغيان ويندد بالتعسف والاستبداد على ان اكثر جنود المرابطين مع اخوتهم وعشائرهم يضعف عليهم محاربتهم والوقوف في وجههم فكانوا يختارون الاستسلام وينحازون الى صفوف اخوانهم وهم بذلك راضون والا فكيف نعلل هذا الانتصار المدهش الذي حققه المرابطون في فترة قصيرة من الزمن ولم تنهزم لهم راية في تاريخ حياتهم ومما يؤيد هذا ان قبائل لمتونة اذعنت للطاعة منذ البداية ولم تبد اية مقاومة وربما كان لتعيين قائد الجيش منهم اثره ثم استسلم باقي القبائل الاخرى فتوحد الصحراويون بعد ان فرقت بينهم الحروب والنزعات واسلموا اسلاما جديدا واجتازوا لذلك امتحانا عسيرا واختبارا دقيقا كان يشرف عليه القائد الاعلى بنفسه.


وكان من اولى اهداف ابن ياسين فتح جبهة جديدة للاسلام في ممالك السودان فحارب دولة غانة واسترد منها مدينة اودغشت التي انتزعها الزنوج من اطراف الصحراء وارجعها لي حظيرة الملثمين واوغل في ممالك الزنوج وسجل انتصارات باهرة اضطر معها صاحب التكرور الى عقد حلف مع المرابطين والوقوف الىةجانبهم وهكذا دخل الاسلام الى السودان لاول مرة وكان ذلك من اغلى اماني لبن ياسين ومطامحه الواسعة.


فيكون بذلك قد وضع لبنات ثلاثا في صرح الدولة الجديدة اخضاع غانة ونهر كدالة واستمالة لمتونة ثم واصل سيره فاخضع مسوفة ولمطة وجزولة وبايعته على الكتاب والسنة وهكذا استطاع ابن ياسين ان يحقق الهدف الذي كان يسعى اليه في اقامة حلف جديد بين قبائل الملثمين يقوم على اساس روحي من احياء الدين ونشر الفضيلة وبسط اواء العدل ورفع راية الاسلام فاصبحت هذه الجموع الغفيرة من القبائل التي انضوت تحت لواء ابن ياسين قوة يحسب لها حسابها لا في الصحراء وحسب بل في سائر اطراف المغرب وكان المرابطون يجلون ابن ياسين ويرفعونه الى درجة القديسين يحفظون فتاويه ويعملون بها ولا يخرجون عنها وظلت محفوظة لديهم احقابا من السنين.


ومن الاصلاحات التي ادخلها ابن ياسين على الوضع الجديد ان اسقط المقارم والمكوس والغى الضرائب الجائزة التي كان الحكام والولاة يلجاون ايلها لامتصاص دماء الناس واذلالهم ولم يفرض الا ما اوجبه الكتاب والسنة ففرض الزكاة واخذ الاعشار والزم الاغنياء بدفع صدقاتهم للفقراء وفسح الغنائم والاسلاب وجعلها فيئا للمرابطين واقام بيت مال للمسلمين ينظم دخلهم ومصرفهم.


وكان لهذه الاصلاحات صداها البعيد في بالد المغرب قاطبة فقد كتب اهل درعة وسجلماسة الى المرابطين يذكرون لهم ما يعانونه على يد الاقطاعيين من تعسف وجور ويطلبون منهم ان ينقذوهم مما هم فيه من بؤس وشقاء فجمع ابن ياسين شيوخ قومه وشاورهم في الامر فاشاروا عليه بان هذا مما يلزمنا ويلزمك فسربنا على بركة الله على ان ابن ياسين لم يغفل الجانب الدعائي فقد كان يبعث من فيض الزكوات والاعشار والاخماس الى فقهاء مصمودة وقضاتها ومحتاجيها حتى يعرف الناس ان من اهداف الدولة الجديدة حماية الفقير ونصر الضعيف واكرام اهل العلم ومد يد العون لهم.


وقبل ان يتجه صوب الشمال لمحاربته الزناتيين والمغراويين عين ابا بكر اللمتوني قائدا أعلى للجيش خلفا عن اخيه يحيى بن عمر الذي استشهد في حروب السودان وفقد فيه ابن ياسين جنديا مطيعا وقائدا مثاليا في الحرب تحركت جيوش المرابطين في نظام بديع وقوة هائلة فقاتلوا المغراويين والحقوا بهم هزيمة منكرة واراقو الخمور وغيروا المناكر وازالوا المكوس واسقطوا المغارم المخزنية وجبوا الزكوات والاعشار وفرق ابن ياسين خمس الاموال التي افاء الله بها عليه على الفقهاء والصلحاء ثم عرج على بلاد سوس ودخل مدينة تارودانت وطهرها من الرافضة البجلية واقام فيهم الكتاب والسنة ودخلت سائر بلاد مصمودة في طاعته واتته قبائل رجراجة وحاحة طائعة فبايعته وفتح اغمات واتخذها قاعدة له  ومنها اغار على تادلا وقتل من بها من ملوك بني يفرن وفتح بلاد تامسنا وهناك اطلع على امم عظيمة من المجوس كانت تعيش في سواحل هذه البلاد وتعرف ببرغواطة.


رتب ابن ياسين العمال في سائر الجهات فاقاموا العدل واظهروا السنة واعادوا الى النفوس الطمانينة.
ثم عبا الجيوش لمحاربة برغواطة المرتدة تحت قيادة ابي بكر اللمتوني وابن عمه يوسف بن تاشفين وكانت عادة الفقيه ابن ياسين اذا تقدم للحرب ان يسير في المقدمة ومن ورائه الامير وقواد الجيش فكانت بينهم معارك هائلة وملاحم شديدة وكان عبد الله بن ياسين يقود المعركة بنفسه ويذكي الحماس في جنده ويذكرهم بانهم يقاتلون احفاد برنيط اليهودي اللعين الذي دنس بنحلته الخبيثة ارض المغرب الطاهرة وكافح ابن ياسين كفاح الابطال حتى لقي مصرعه مجاهدا في سبيل اعلاء كلمة الله وكان ذلك عشية يوم الاحد 24 جمادى الاولى سنة احدى وخمسين واربعمائة (451 هـ).


وقبل ان يلفظ انفاسه الاخيرة جمع اشياخ المرابطين ورؤساء الجند وحملهم مسؤولية الاسلام في هذه الديار وقال لهم "معشر المرابطين انكم في بلاد اعدائكم واني ميت من يومي هذا لا محالة واياكم ان تجنبوا فتفشلوا وتذهب ريحكم وكونوا الفة واعوانا على الحق واخاوانا في ذات الله تعالى واياكم والمخالفة والتحاسد على الرئاسة فان الله يؤتي ملكه من يشاء ويستخلف في ارضه من احب من عباده واني ذاهب عنكم فانظروا منتقدمونه منكم ..." ثم اسلم الروح الى باريها راضية مرضية.


وهناك ببسائط (زعير) حوز الرباط في مكان متواضع (كريفلة) تعلوه هيبة وجلال يرقد البطل الاسلامي عبد الله بن ياسين الذي اعاد الاسلام غضا طريا في هذه البلاد واسس دولة جديدة تقوم على الكتاب والسنة واصلاح الفساد ونشر الفضيلة وتطهير المجتمع من عوامل الشر واشاعة نور العلم والمعرفة ومحادية الطائفية والاقطاعية وهكذا كان ابن ياسين في ءان واحد مصلحا دينيا وزعيما سياسيا امتدت دعوته في تخوم الصحراء الى ما وراء نهر النيجر من بلاد السودان ولذا يعتبر بحق مجدد الاسلام بافريقية وباعث نهضة اسلامية صحيحة في هذه الديار تعمقت جذورها واتسعت ابعادها وكان لها اثرها في سلوك تلاميذه ملوك المرابطين فحاربوا الصليبية والطائفية في بلاد الاندلس وردوا المغرب الى احضان الجامعة الاسلامية بعد ان اقتطعه الولاة من جسمها منذ زمان.


فما اجدرنا ونحن نحيى ذكرى مولد منقذ البشرية محمد بن عبد الله بتمجيد ابطالنا العظام الذين ضحوا بمهجهم وارواحهم في سبيل رسالة الاسلام وما احرى شبابنا بقراءة سير امجادهم واخذ العبرة من بطولاتهم وماثرهم الخالدة والله ولي التوفيق.

    

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here